تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

حسن بن محمد

الشيخ الإمام الفاضل البليغ المنشئ الكاتب نجم الدين أبو محمد بن الشيخ كمال الدين القرشي القرطبي الصفدي الشافعي الخطيب بصفد.

كان فارساً منبر، وإمام من برى قلما ومن بر، ناظماً ناثرا، يجري في ميدان البلاغة فما يرى جواد قلمه عاثرا. كتب الإنشا، وتصرف فيه كيف شا، مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف، وكرم بموجوده الحاضر وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر، وصدق لهجه، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجه.

وكان شعاره أشعريا، وعلمه عن التقليد عريا، فكم كان عنده من التقليد أدلة

وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة وجبله، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهله، لم أر بعده من يقول: أيها الناس أفصح منه، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها، كم جعل العبرات على الخدود وهي هوامي هوامع، وكم غادر العيون وهي دوامي دوامع، شدت الفصاحة لحييه، وسدت البلاغة نحييه، تزور في الموعظة حدقتاه، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه، كأنه منذر جيش، أو منكر طيش.

وكانت له في البحث سلطه، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطه، وله قدرة على التعليم، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم، يعلم من الطالب إذا فهم، ولا يخفى عليه إذا بهم، فلا يزال يغير له الأمثلة، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابه، ويظهر له أنه حصل على العنايه.

ولم يزل يذكر بوعظه ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات، ونزلت بذويه سمات الشمات.

وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.

ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وست مئة.

كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد، وكان ينوب عن والده ويكتب الإنشاء، ويوقع عن النواب بصفد، فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد

نائباً حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين وجعله يكتب عنده، فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم وبين القاضي شرف الدين النهاوندي وغيره، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي، ثم إنهم صادروه، حتى توجه خفية إلى دمشق، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين، وهو يعرفه من صفد، فاستخدمه موقعاً بدمشق، وكتب قدامه، وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله يأمن إليه ويقدمه ويستكتبه في السر وغيره، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق. ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ويركن إلى أمانته وعفته، فقلده الأمر وغدقه به، فتعب بذلك تعباً مفرطاً ونصح مخدومه، فكان لا يعلم لا من يده، فعادى الدماشقة ومقتوه، ولما أمسك كراي اختفى وسلمه الله منهم لما سلكه من الأمانة والعفة. أخبرني من لفظه قال: رددت ليلةً مئتي دينار، ورهنا تلك الليلة طاسةً على زيت القنديل.

ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به، وأرادوا منه الإيقاع به، فقال: أخذ لأحد شيئاً؟ فقالوا: لا، قال: فما أصنع به إذا نصح لمخدومه. ثم إنه جهز إلى صفد خطيباً وموقعاً، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر وتمكن من نواب صفد، ودخل إلى النائب وقرر معه ما أراد، فلم يمكنه من مباشرة شيء، فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان، وكلما حضر له توقيع عطله، إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع والخطابة، فأقاما مدة، فوقع بينهما، فطلبا إلى دمشق، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا وينفرد كل واحد بوظيفة، فاختار

الشيخ نجم الدين خطابة القلعة والمدينة، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع، فأقام يخطب ويشغل الناس تبرعاً، وتخرج به جماعة فضلاء، وقل من قرأ عليه ولم ينبه، ولم أر مثل في مبادئ التعليم، كان يفتق أذن المشتغل، ويوضح له طرق الاشتغال، ولم أر مثله ف تنزيل قواعد النحو على قواع المنطق، وكان يحب إفساد الحدود والمؤاخذة فيها والرد عليها والجواب عنها.

وممن قرأ عليه أولاً العلامة القاضي فخر الدين المصري وغيره.

وكان لي منه - رحمه الله تعالى - نصيب وافر من المحبة، وكنت أجد منه حنواً كثيراً وبراً، ولم أقرأ على أحد قبله، وكان شديد المحبة لأصحابه، شغوفاً عليهم صادق اللهجة، مفرط الكرم، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة، وكان هشاً بشاً بساماً، وعمته مليحة، ولم أر أعف يداً ولا فرجاً منه، وكان خطه مليحاً ونظمه سريعاً، ونظمه أرشق من نثره، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية. وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، يحب الكتب ويبالغ في تحصيلها ويحرص على المنافسة فيها، ولكنه كان مقلاً من الدنيا ماله غير علومه. قال: ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري. رأيته بعدما مات ﵀ في المنام بمدة، فقمت إليه وقبضت على يده بعدما قمت إليه وصافحته، وقلت له: قل لي ما الخبر؟ فقال لي: لا تعتقد إلا وحدانيته، فقلت له: هذا شيء قد جبل عليه اللحم والدم، فقال: ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن، وقصيصات الناس، فعلمت بذلك أنه قد نصحني حياً وميتاً، لأنه كان في حياته رحمه الله تعالى يتوقف في توقيعه ويتحرى ويتحرز كثيراً فيما يكتبه، ولا يكتب إلا ما هو سائغ، فكان صاحب القصة يتعذر عليه مطلبه.

ولما توفي رحمه الله تعالى كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية،

وكتبت إلى ولده كمال الدين محمد وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظماً ونثراً، ثم جمعت ذلك وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب. ومما نظمته فيه قولي:

يا ذاهباً عظمت فيه مصيباتيبأسهمٍ رشقت قلبي مصيبات
قد كنت نجماً بأفق الفضل ثمّ هوىفاستوحشت منه آفاق السّموات
سبقت من بات يرجو قرب خالقهولم تزل قبلها سبّاق غايات
بكى الغمام بدمع الودق مذ عقدتحمائم البان من شجوي مناحات
ولطّم الرّعد خدّ السّحب وانتشرتذوائب البرق حمراً في الدّجنّات
أصمّ نعيك سمعي من تحقّقهوهان ما للّيالي من ملمّات
جنحت فيه إلى تكذيب قائلهتعلّلاً بالأماني المستحيلات
وكدت أقضي ويا ليت الحمام قضىحسبي بأن الأماني في المنيّات
وراح دمعي يجاري فيك نطق فميفالشان في عبراتي والعبارات
إن أبدت الورق في أفنانها خطباًفكم لوجدي وحزني من مقامات
جرحت قلبي فأجريت الدموع دماًففيض دمعي من تلك الجراحات
لو كنت تفدى رددنا عنك كلّ أذىًبأنفسٍ قد بذلناها نفيسات
فآه من أكؤسٍ جرّعتها غصصاًوقد تركت لنا فيها فضالات
نسيت إلاّ مساعيك التي بهرتعين المعالي بأنوارٍ سنيّات
ومكرماتٍ متى تتلى مدائحهاتعطّر الكون من ريّا الرّوايات
وفضل حلم تخف الراسيات لهوعز علم علا السبع المنيرات
وكم مناقب في علمٍ وفي عملٍأضحت أسانيدها فينا صحيحات

ومنها:

فأين لطفك بي إن هفوةٌ عرضتكأنّما حسناتي في إساءاتي
وأين فضلك إن وافى أخو طلبٍفتخجل الغيث من تلك العطيّات
نبكي عليك وقد عوّضت من كفنٍأُلبسته بثيابٍ سندسيّات
وما تلبّثت في مثوى الضريح إلىأن صرت ما بين أنهار وجنّات
تصافح الحور والولدان منك يداًكم أظهرت في النّدى والفضل آيات
من ذا يعيد دروس النحو إن درستربوعها بالعبارات الجليّات
ومن لعلم المعاني والبيان ومنيبدي بعلميهما سرّ البلاغات
ومن يزفّ عروس النظم سافرةًقد حلّيت بعقودٍ جوهريّات
إذا أُديرت على أسماعنا خلبتألبابنا بكؤوسٍ بابليّات
ويرقم الطّرس أسطاراً فنحسبهاسوالفاً عطفت من فوق وجنات
ومن إذا بدعةٌ عنّت يمزّقهاسطا براهينه بالمشرفيّات
وإن أتت مشكلات بعدما اتضحتوأقبلت كالدياجي المدلهمات
نضى نصول أصول الدين لامعةفيقطع الشّبهات الفلسفيّات
ومن يفيد الورى في علمه حكماًتجلى ويبدي رياضاً في الرياضات
ومن يذيب دموع العين من أسفٍإذا ارتقى منبراً بين الجماعات
ويوقظ الأنفس اللائي غدت سفهامن لهوها والتّصابي في منامات
وتقتفيه إلى العرفان تاركةًقبيح ما ارتكبته من غوايات
ليهن قبرك ما قد حاز منك فماضمّت حشا كلّ قبرٍ طاهر الذات
وجاد تربتك الغرّاء ساريةٌتحلّ فيها العقود اللولويات
وكلّ يومٍ تحيّاتي تباكرهافتفضح النّسمات العنبريات

وكتب هو يوماً إلي وقد فارقته متأذياً:

بالله لا تغضب لما قد بدافأنت عندي مثل عيني اليمين
ما أتعب النفس سوى من غدايجحد ما أوليته أو يمين
وأنت عندي جوهرٌ قد صفامن دنس الذّمّ نفيسٌ ثمين
ووالذي يعلم ما قلتهإخبار من أخلص في ذي اليمين
ما حلت عن حسن الوفا في الهوىوأنت في هذا المكين الأمين

نسأل الله أن يحرس تلك الروحانية الطاهرة من الكدر إن شاء الله تعالى، فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

بررت فيما قلت يا سيّديولست تحتاج إلى ذي اليمين
والله لم أغضب وحاشى لمنأراه عندي مثل عيني اليمين
ولم يكن غيضي إلاّ لمنيمين عن طرق الوفا أو يمين
ويفتري الباطل في قولهعني وليس الناس عنه عمين
ويظهر الودّ الذي إن بداظاهرة فالغشّ فيه كمين
فغثّه غثّى نفوس الورىممّن ترى والسمّ منه سمين

وكتب إلي من صفد وأنا بدمشق كتاباً نظماً ونثراً عدمته، وكتبت الجواب في سنة ثمان عشرة وسبع مئة:

تذكّرت عيشاً مرّ قدماً وقد حلاوربعاً عمرناه بلهوٍ وقد خلا
فهاجت لي الذّكرى غراماً ألفتهوشنّت على الأحشاء حرباً مقسطلا
ولله صبري في الرّزايا فإنّهجميلٌ ولكن خان فيكم وبدّلا
وقيل أتبكي في دمشق من الأسىوإن حلّ جيش الهمّ فيه ترحّلا
زماناً تقضّى أو ربوعاً تطاولتعهودك منها وانمحت بيد البلى
ففاضت جفوني بالدموع لقولهموقلبٌ له أبكى حبيباً ومنزلا
وهل نافعي أنّ الرياض تدبّجتبساحتها أو صوت قمريّها علا
وللورق من زهر الرياض مجامرٌإذا حركت عوداً تحرّق مندلا
وقد راح منها الدوح لابس حلّةوصاغ من الأزهار تاجاً مكلّلا
وغنّى حمام الأيك ثمّ تراقصتغصونٌ سقتها الريح كاساتها ملا
فمالت سكارى ثمّ صفّق جدولٌفألقت عليها من معاطفها الحلى
فمن جدولٍ أضى حساماً مجرّداومن هيف أغصانٍ تحرّك ذبّلا
وللبين في الأحشاء ما لو أقلّهيثير قليلاً ملّ ثمّ تململا
كأنّ اجتماع الشّمل عقدٌ تعلّقتبأسلاكه كفّ النّوى فتفصّلا
ففارقت مخدوماً حمى الله ربعهمن الدهر يوماً ما أبرّ وأجملا
سقاني طفلاً قهوة العلم والنهىوزاد إلى أن طال قدري واعتلى
وألبسني لمّا اتّصفت برقّةمن الفخر والعلياء مجداً مؤثّلا
وكم نعمٍ لو رمت تعدادها أبتوكانت من الإحصاء للذرّ أسهلا
إذا غبت عن أبوابه فهباتهإليّ كأنفاس النّسيم توصّلا
وإن قذفتني غربةٌ كان جودهسحاباً يوافيني فأعطى ونوّلا
ووافى في كتاب منه من بعد جفوةفأضحى به دمعي على الخدّ مرسلا
لقد أنشأته راحةٌ كفّ كفهامن الخطب ما أعيى الأنام وأعضلا
تمنى ملثّ الغيث لو كان بطنهاوودّت بها الأنهار لو كن أنملا
على أن كتبي لا تزال كتائباًأُلاقي بها في ساحة الوجد جحفلا
أقبّل فيها الأرض أعني مؤدّيابذلك فرضاً ما أراه تنفّلا
وإن كان في الأحشاء ما يمنع الفتىمن الوجد والتّبريح أن يترسّلا
فلا زال محروس الجناب مظفّرابأعدائه ما هيّج الشوق مبتلى

فكتب الجواب عن ذلك رحمه الله تعالى: يقبل الباسطة ألهمها الله الوفاء لمن وفى بعهوده، وأطلع نجمها المتقد في مطالع سعوده، وأعاد غصنها إلى منبت سما منه رافلاً في خلع بروده، مثمراً بدوحة منشئه الذي ما يفتح ورده إلا لما سقي ماء ورده عند وروده، وينهي بعد وصف شوقه الذي تطاول عليه ليله فادلهما، ولمع في دجنته بارق اللواعج فأضرم بين الجوانح نيران الخليل لما، وأجرى من جفنه القريح طوفان نوح فلأجل ذلك هجره الوسن ومن بعد الهجران به ما ألما، وكابد فؤاده هما، ووالذي يعلم خائنة الأعين بالسلو ما هما، وعاهده على الأخذ بسنة الصبر الجميل فلم يف بعهد " ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً "، وأراد القلم أن يصف ما وجد بعد البعد من الأسف نثراً، فأبت البلاغة إلا أن يكون نظما، وهو:

نأيتم فأمسى الدمّع منّي مورّداعلى صحن خدّ صار بالسّقم عسجدا
إذا ما بدا في وجنتي منه صيّبٌرأيت من الياقوت نثراً مبدّدا
وإن نظمته فوق نحري صبابةٌتبيّنت عقداً بالشذور منضّدا
وما حثّه إلا بريقٌ تتابعتلوامعه يبدين نصلاً مجرّدا
وكم أذهب التذهيب منه حشاشةًوأودع حزناً في الفؤاد مجدّدا
بدا من سفيرٍ مستطيرٍ ضياؤهفآنست ناراً في الدجنّة مذ بدا
وأمى فؤادي كالكليم ولم يجدعلى النار لما أن تحقّقها هدى
وكيف اهتداء الصبّ والقلب والهٌوإدراكه مذ غبت عنه مشرّدا
يهيم إذا هبّت نسيمة جلّقويصبوا إذا ناح الحمام وغرّدا
ويذكر أياما تقضّت بسفحهافيبدئ نوحا في الظلام مردّدا
ليالي تحكي الروض في حلل الحياوغضن النقا يبدي عليه تأوّدا
تبسّم ثغر الزهر لمّا بكى أسىًولاح كصبحٍ بالظلام قد ارتدى
أأحبابنا غبتم فكم لي وقفةٌعلى صفدٍ والقلب مني تصفّدا
وكم لي بهاتيك الطلول مواقفٌوقفت عليها الدمع إذ رحت منشدا
تناءى خليلٌ يا خليليّ فاسعدابدمعٍ يضاهي المزن إن كنت مسعدا
وأبدى صدوداً والصدود ملامةًوأنجز هجراناً وأخلف موعدا
كذا شيمة الدهر الخؤون ودأبهيخون وفيّاً أو يكدّر موردا

وأنشدني لنفسه على طريق ابن رشيق في الأبيات المشهورة:

ولقد ذكرتك بين مشتجر القناوالموت يختطف النفوس بمخلب
وأسنّه المرّان مثل كواكبٍتبدو أشعتها بظلمة غيهب
ولوامع البيض الرقاق كأنّهابرقٌ تألّق مذهباً في مذهب
والحتف قد لعبت كؤوس مدامهبعقولنا والذّكر غاية مطلبي

وأمرني أن أنظم على هذا الأسلوب فقلت:

ولقد ذكرتكم بحربٍ ينثنيعن بأسها الليث الهزبر الأغلب
والصّافنات بركضها قد أنشأتليلاً وكلّ سنا سنانٍ كوكب
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ولقد ذكرتكتم بحرب ينثني»
والبيض تنثر كلّما نظم القناوالنّبل يشكل والعجاج يترّب
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ولقد ذكرتكتم بحرب ينثني»
وحشاشة الأبطال قد تلفت ظماًودم الفوارس مستهلٌّ صيّب
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ولقد ذكرتكتم بحرب ينثني»
والنفس تنهب بالصّوارم والقناوأنا بذكركم أميل وأطرب

وكتب يوماً في الاعتذار من وداع الحبيب:

يوم الوداع بدت شواهد لوعتينار الخليل تشبّ في الطوفان
وأردت أعتنق الحبيب فخفت أنيغشاه يمٌّ أو لظى نيران

وطلب مني أن أنظم شيئاً في هذه المادة فقلت:

لم أطّرح يوم الوداع عناقهمللاً ودمع المقلتين سكوب
إلا مخافة أن يفترّ عنبردٍ وتبدو حرقتي فيذوب

ومن نظمه وقد أهدي إليه قراصيا:

يا سيّداً أصبحت كفّاه بحر ندىًتولي سحائبه الأنعام والقوتا
كنّا عهدنا اللآلي من مواهبهواليوم ننظرها فينا يواقيتا

ومنه وقد أهدي إليه بطيخ أصفر:

أهديت شيئاً يروق منظرهماءً تبدّى في جامد اللهب
أو شمس أفقٍ قد كوّرت فبداشعاعها مثل ذائب الذهب
لما تبدّت لها بروق مدىًأبدت حشاها أهلّة الشّهب
وكم أرتنا القسيّ من قزحٍمبشّراتٍ بواكفٍ سرب
أخضرها قد زها بأحمرهاكورد خدّ بالآس منتقب
وأرشقت من عقيق مبسمهاخمرة ريقٍ أحلى من الضّرب
فبتّ من نشوةٍ بها ثملاًأهزّ عطف السّرور من طرب
ومذ ترشّفت برد ريّقهاخلت فؤادي العزيز في حلب

ومنه، وقرأته عليه، ونقلته من خطه:

سرى برق نعمان فأذكره السّقطاوأبدى عقيق الدمع في خده سمطا
فلاح كسيفٍ مذهبٍ سلّ نصلهوروّع وسميّ السّحائب فانحطا
وأدّى رسالاتٍ عن البان والنّقاوأقرأه معنى الغرام وما خطّا
وأهدى إليه نسمةً سحريّةًأعادت فؤاداً طالما عنه قد شطّا
تمرّ على روض الحمى نفحاتهافتهدي إلى الأزهار من نشرها قسطا
وتنثر عقد الطلّ في وجناتهافتظهر في لألاء أوجهنا بسطا
وتطلع منه في الدجا أيّ ألجموتلبس عطف الغصن من سندسٍ مرطا
وتوقظ فوق الدوح ورق حمائمٍجعلنا قلوب العاشقين لها لقطا
هم نسبوا حزناً إليها وما درواوما أرسلت من جفنها أبداً نقطا
وكم تيّمت صبّاً بلحن غريبهرواه الهوى عنها وما عرفت ضبطا
فيا ليت شعري هل بها ما بمهجتيمن الوجد أم لم ترع عهداً ولا شرطا
هل هي في دوحات كلّ خميلةٍتغرّد أو ناحت على فقدها السّبطا
ولو أنّها قد تيّمتها صبابةٌلما طوّقت جيداً ولا جاورت شطّا
ولا عانقت غصناً بكفّ مخضّبولا اتّخذت من زهر أعطافه قرطا
ولا لبست ثوباً يروق مدبجاًولا نسيت عهد الهديل ولا الأرطى
ولو ذكرت أيامنا بطويلعٍلأجرت كدمعي مذ بدت لمّتي شمطا
وقد نفّرت عني غرابيب صبوتيغرابيب دهرٍ جار في الحكم واشتطّا
وخطّ على فوديّ سطراً حروفهرقمن بقلبي عارض الحتف مذ خطّا
ولكنّه قد أودع الفكر حكمةًأفادته عرفانا فيا نعم ما أعطى
تجارب أيامٍ لها الغدر شيمةٌفكم سترت فضلاً وكم أظهرت غمطا
وألبسه ثوباً من العلم معلماًبدا لذوي جهلٍ فأورثهم سخطا
إذا ما روت عنه البلاغة منطقاًيرى النجم في عليائه عنه منحطّا
وإن غاص في لجّ البيان يراعهأرى جنّةً لا أثل فيها ولا خمطا
بها حور عينٍ لو رآها زهيرهالصيّر خدّيه لأقدامه بسطا
إذا ما تجلّى للأفاضل حسنهاأدارت عليهم من لواحظها اسفنطا
وتحجب عمّن قد تردّى لجهلهوأصبح جلباب الحيا عنه منعطّا
ولا غرو ألاّ يدرك الشمس ذو عمىًعلى قلبه من الجهالة قد غطّى
صفاتٌ عزتها نسبةٌ قرشيّةٌإلى من سما مجداً وأكرم بهم رهطا

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الحاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.