من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الحسن بن علي بن محمد بن عدنان بن شجاع
الشيخ الإمام بدر الدين الحراني المعروف بابن المحدث المجود الكاتب.
كان قد كتب على الشيخ نجم الدين بن البصيص، فيقال: إنه ما ظهر من تلاميذه في حسن الكتابة مثل بدر الدين المذكور، ومثل الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني.
كان أديباً فاضلاً في فنه عجيباً، ينظم وينثر، ويجري في جلبة البلاغة ولا يعثر، كتب عليه من أهل دمشق جماعة كثيرون، يحركون نوافج الثناء عليه ويثيرون، وكان قد أخمل نفسه بالتعليم، ورضي من الدهر بالتسليم، فعز بالقناعه، وشرف نفسه عن التجشم والرقاعه، ولم يذل نفسه على أحد بالترداد، ولا دخل مع أبناء الدنيا في جملة الأعداد، على أنه له ملك يدخله منه كفايته، ويصل إليه من التجويد ما هو نهايته، وكان إذا كتب كبت، وعثرت الرياح من خلفه وكبت، وأراك بأقلامه الروض، إذا نبت، والسيوف إذا كلت عن مضارب مداه ونبت.
ولم يزل على حاله إلى أن رمي ابن المحدث من الحين بحادثه، وحكم في تركته أيدي وارثه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة رابع ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
كان الملك الأوحد يصحبه، فتحدث له مع الأفرم أن يدخل ديوان الإنشاء فرسم له بذلك، فأبى الشيخ بدر الدين ذلك، فلامه الأوحد على ترك ذلك. فقال: أنا إذا دخلت بين الموقعين ما يرتب لي أكثر من خمسة دراهم كل يوم، وما يجلسونني فوق أحد من بني فضل الله، ولا فوق بني القلانسي، ولا فوق بني غانم، فما أكون إلا دون هؤلاء، ولو تكلمت قالوا: أبصر المصفعة، واحد كان فقيه كتاب، قال يريد يقعد فوق السادة الموقعين، وإذا جاء سفر ما يخرجون غيري، فإن تكلمت قالوا:
أبصر المصفعة، يحتشم عن السفر في خدمة ركاب مولانا أمير الأمراء، وهذا أنا كل يوم يحصل لي من التكتيب الثلاثون درهماً والأكثر والأقل، وأنا كبير هذه الصناعة، وأتحكم في أولاد الرؤساء والأكابر ونظم في ذلك:
لائمي في صناعتي مستخّفاًبي إذا كنت للعلى مستحقّاً
ما غزالٌ يقبّل الكفّ منّيبعد برّي ولم يضع لي حقّا
مثل تيسٍ أبوس منه يداً قدصفرت من ندى لأسأل رزقا
فيولّي عني ويلوي عن ردّسلامي ويزدريني حقّا
فاقتصد واقتصر عليها فما عند إله السماء خيرٌ وأبقى
وقال أيضاً:
غدوت بتعليم الصغار مؤمّراًوحولي من الغلمان ذو الأصل والفصل
يقبّل كفي منهم كلّ ساعةويعطونني شيئاً أعمّ به أهلي
وذاك بأن أسعى إلى باب جاهلٍأقبّل كفّيه أحبّ إلى مثلي
أميرٌ إذا ميّزت لكن بلا حجىًوكم قد رأينا من أمير بلا عقل
قلت: نظم عجيب التركيب، والأول جيد وفيه لحنة، لكنها خفية.
وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن بادي الطيبي، قال: أنشدنا من لفظه لنفسه بدر الدين بن المحدث:
كن عاذراً شاتم المؤدب إذيأخذ من عرضه ويشتمه
لأنه ناكه على صغرٍومن ينيك الصغير يظلمه
وكلّ فلسٍ حواه يأخذهوكلّ وقت بالضّرب يؤلمه
نيكٌ وأخذٌ والضرب بعدهماوالحقد إحدى الثلاث يضرمه
قلت: ما جزم الشرط، ولا جوابه في الثاني، ويمكن توجيه إعرابه.
ومن شعره أيضاً:
بقل هو الله أحدأُعيذ خدّاً قد وقد
وناظراً وسنانهعليه طرفي ما رقد
أقول لما زارنيأنجز حرٌّ ما وعد
من كاسه وخدّهتخال ورداً قد ورد
من حمل ثقل ردفهما قام إلاّ وقعد
ولا انثنى من لينهإلاّ وقد قلت انعقد
كالظبي إلاّ أنّهيفعل أفعال الأسد
في جيد من عنّفنيعليه حبلٌ من مسد
ومن شعر:
وقد عنّفوني في هواه بقولهمستطلع منه الذّقن فاقصر عن الحزن
فقلت لهم: كفّوا فإنّي واقعٌوحقّكم بالوجد فيه إلى الذّقن
ومن شعره فيمن يحبها، واسمها فرحة:
ما فرحتي إلاّ إذا وصلتفرحة بين الكسّ والكاس
لا أن أراها وهي في مجلسٍما بين طبّاخي وعدّاس
وشعره كثير، سقت منه جانباً جيداً في ترجمته في تاريخي الكبير، وخمس لامية العجم.
واجتمعت به غير مرة وأخذت من فوائده، وكان له مكتب برا باب الجابيه، ويكتب أولاد الرؤساء في المدرسة الأمينية بجوار الجامع الأموي، وكان كتب إلي قصيدة في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة لامية ملزومة وأجبته عنها بمثلها، والتزمت فيها الميم قبل اللام، وقد ذكرتها في ألحان السواجع.
؟ الحسن بن علي بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار بفتح الشين والنون، وبعد الألف راء. البليغ الناظم الناثر بدر الدين الغزي.
شاعر إذ قلت شاعر، طاف بكعبة البلاغة وعظم تلك المشاعر، يغوص على المعنى، ويجزل الألفاظ ويحكم المبنى، وينشدك القطعة، فتحسب أنه ضرب المثلث أو جس المثنى، متين التركيب بليغ المعاني، فصيح الألفاظ، إلا أنه يستعمل الغريب فيما يعاني، فيثقل على السمع بذاك وروده، وما تروق رياحينه ولا وروده.
وكتب المنسوب مع السرعه، وراعى الأصل في وضع الحرف وفرعه، إلا أنه كان ذا خلق فيه زعاره، وبادرة ليس وراءها حقد فهي في السر معاره، فنفرت عنه بعض النفوس، ولو خلا منها وضع على الرؤوس.
ودخل ديوان الإنشاء، فكان فيه بالشام شامه، وصدق هذه الدعوى أنه كان يحكي
بلونه مداده وأقلامه، ولكن كان حر النفس أبيها، سليم الطوية غبيها، لا يكذب لسانه، ولا يطوي الغل جنانه.
ولم يزل على حاله إلى أن صادته مخالب المنيه، وعدم الناس فواكه نظمه الجنيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب الفرد، سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبع مئة.
ودخل الديوان في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد وضع رسالة أنشأها نظماً ونثراً وسمها ب قريض القرين، عارض بها ابن شهيد في رسالة التوابع والزوابع.
وغالب نظمه أنشدني إياه بصفد ودمشق والقاهرة، كتب إلي بالقاهرة:
ليل التجنّب من أجفاننا شهبهومجدب الدمع ما كانت دما سحبه
ما لننوى أطلعت في غارب قمراًيقلّه البان يوم البين لا غربه
تنظّمت عبراتي في ترائبهعقداً كما انتثرت في وجنتي سحبه
يا من وفى الدمع إذ خان الوداد لهغدر الحبيب وفاء الدمع أو سببه
قد كنت أحسب صبري لا يذمّ وقدمضى وفي ذمّة الأشواق أحنسبه
يا نازحاً سكن القلب الخفق ومنإحدى العجائب نائي الوصل مقتربه
ما لاح برق ولا ناحت مطوّقةٌولا تناوح من باب الحمى عذبه
إلاّ تساعد قلبي والدموع وأحناء الضلوع على شوقٍ علا لهبه
حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولميفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه
من لي بأغيد بدر التم حين بداقد ساء إذ رام تشبيهاً به أدبه
ممنّع بالذي ضمّت غلائلهمن القنا أو بما أصمت به هدبه
بين الأسنّة محجوبٌ ولو قدرواما قوس حاجبه أغنتهم حجبه
سلبني بالضّنى لحمي لواحظهوهمّ أُسد الشرى المسلوب لا سلبه
لو لم يكن ريقه خمراً ومرشفهكأساً لما بات يحكي ثغره حببه
كذا ابن أيبك لولا ما حواه لماعن الكتائب أغنت في الورى كتبه
ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحاآثاره فقلت أجبالهم كثبه
وآب يقطف من أغصانه ثمراًإذا أتى غيره بالشوك يحتطبه
أقلامه فرحاً بالفضل أنملهاكلّ يخلّق ثوب المجد مختضبه
تكاد ألسنها تمتدّ من شغفٍإلى أجلّ معاني القول تقتضبه
يراعه روّعت لا مات أحرفهاحشاء منحرفٍ لا ماته يلبه
أضحت مسبّبة الأرزاق حين حكتسبّابةً لعدوّ وقد وهى سببه
يا من يجيل قداح الميسر ارم بهاوارم الفجاج ليسرٍ نجحه طلبه
واقصد جناب صلاح الدين تلق فتىًيهزّه حين يتلى مدحه طربه
بنت على عنق العيّوق همّتهبيتاً تمدّ على هام السها طنبه
قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولميدركه حين جرى نحو العلى طربه
فاعجب لها راحةً تسقي اليراع ندىًإذا لم تكن أورقت في ظلها قضبه
تناسب الدرّ من ألفاظها وإلىبحر النّدا لا إلى بحر الدنا نسبه
يرضى ويغضب في حالي ندىً وردىًوبين هذين منهول الحمى نشبه
رضاه للطّالي جدواه ثمّ علىما تحتوي يده من ماله غضبه
فكتبت أنا إليه أشكره:
أغصن قدٍّ أقلّت بانه كثبهأم درّ ثغر حبيبٍ زانه شنبه
أم روض حزنٍ جديد النبت قد نسمتفيه أقاحيه لما أن بكت سحبه
أم جانب الأفق قد دجّت حنادسهللعين لمّا ازدهت في لمعها شهبه
أم نبت فكرٍ جلاها لي أخو أدبٍخطابه زان جيد الدّهر أو خطبه
قريضه تعرفّ الأسماع جوهرهفتنتقي حليها منه وتنتخبه
فلو همى الشعر قطراً قبله لغدايروي الربا منه هامي الغيث منسكبه
ونثره لم يداخل مسمعي أحدٍإلاّ ورنّح منه عطفه طربه
وخطّه مثل صدغ زرّقته يد الحسن البديع وقاني الخدّ ملتهبه
لوصفه شهدة بالحسن قد شهدتوقد تبّرأ من ياقوته نسبه
ولابن مقلة عين ما رأت حسناًهذا ولو عاينته ما انقضى عجبه
هذا هو البدر لا النجم البصيص فقدمدّت على ابن هلالٍ في العلا طنبه
جزاك ربّك بدر الدين خير جزاًعن امرىء لم يطل نحو العلا سببه
بالغت في مدحه فالله يجعلهكما تقول لتعلو في الورى رتبه
وكتبت أنا إليه ملغزاً في ضبع:
أيّها الفاضل الذي من يجاريهتقوّى في ما ادعى وتقوّل
والّذي من أراد يبصر قسّاًفعليه دون البريّة عوّل
هات، قل لي بالله ما حيوانٌثابت الخلق قطّ لا يتحوّل
عينه إن قلعتها يتبدّىحيواناً غير الذي كان أوّل
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا إماماً طال الورى بمعانٍفي المعالي يغوث من قد تطوّل
وإذا أعضل السؤال فما زال عليه في المعضلات المعوّل
إنّ زهراً أهديته غضّ عنهطرفه واستحال زهر المحوّل
حين ألغزت في معمّىً هدانينحوه الفكر حين سوّى وسوّل
حيوانٌ إن صيّروا رأسه العينرأوه إلى الجماد تحوّل
فابق واسلم تفيد علماً وجوداًفيهما ليس لامرىء متأوّل
وكتبت أنا إليه وقد جاءته بنت:
تهنّ بها وإن جاءتك أنثىلأنّ الشمس بازغة الجمال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
ولو كان النساء كمن أتانالفضلت النساء على الرجال
فكتب هو الجواب إلي:
أتاني من هنائك يا رئيساًتتيه به المعاني والمعالي
ومن آثار جودك ما أرانيحياً أهدته لي ريح الشمال
وكم أقرأتني وقريت فضلاًيفوت الحصر من أدبٍ ومال
وكتبت أنا إليه، وقد أهديت إليه أبلوجة سكر وكنت قبلها قد أهديت إليه قليل قطر:
أبلوجة بعثتهامحبةً لك عندي
في اللون والكون أضحتتخالها نهد هند
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
يقبل الأرض وينهي وصول صدقته الجاريه، وهديته التي جاءت بين الحسن والإحسان متهاديه، وهنديته التي قام نهدها مقام ثغر الغانيه، وأشرقت الأرض بنور وجهها من كل ناحيه، نهد أبرزه الصدر، وشهد ما تجرعت دون اجتناء حلاوته من إبر النحل مرارة الصبر، وهرم أكسب رونق الشباب وجه الدهر، ووجه طبع على دائرته ليلة تمامه البدر، فقابل الملوك تلك المنحة بدعائه وشكره المفرط وثنائه، ومدحه الذي تتدرج شواهد وده الصادق في أثنائه وتذكر بها ما مضى، شكر يد الكريم الذي استأنف إحسانه السابق وما انقضى، فذكر بنضار القطر السائل ولجين هذا الماء القائم، قول القائل:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍسال النضار بها وقام الماء
وكتب هو إلي:
يا ماجداً لم يزل نداهأولى بتقريظ كلّ متن
ومن غدا بالصفاء يكنىوودّنا عنه ليس نكني
نحن افتراقاً بنات نعشفي ظلمة الهمّ والتمنّي
فسر إلينا نكن ثرّياوادخل إلينا بغير إذن
ولا تدعنا نئنّ شوقاًولا تقل للرسول إنّي
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
أبياتك الغرّ قد أتتنيفشرّفتني وشنفّتني
شعرك فيها ظريف لفظٍلطيف معنىً خفيف وزن
قد أثقلت كاهلي بشكرٍفكلّ متني إذ كلّمتني
فإن أفز بالمثول فيكمفإنه غاية التمنّي
وإن تخلّفت عن حماكميا طول دقّي في الجرن حزني
وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر:
يومٌ كأن سماءهحجبت بأجنحة الفواخت
جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد
تداعت ولا يقيل البناء جموعها المتفرقه، والطرق قد شرقت بالسيول فلا تنطق آثارها المغربة ولا المشرقه، وقد قص جناح الارتكاض، وحصت قوادمه، فما تنهض وعظمه مهتاض، والسيل قد بلغ الزبا، وسوى بين الوهاد المتطامنة والربا، وبكت السقوف بعيون الدلف، وحملها المطر بيده العادية على خطه خسف، واستدل لها بمنطق الرعد على أن قدامها الخير، فقالت: هذا خلف، وشهر الصوم قد بلغ غايته، وعيد الفطر قد نصب رايته، وتلا آيته، وطلب من الموسر والمعسر كفايته، فأعاذ الله مولانا من الطلب فيه، ولا ألجأه إلى السعي لابتغاء فضل الله إلا بفيه، بمنه وكرمه.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: العجب من سؤال مولانا عن المملوك كيف حاله، وعنده علم هذا العناء الذي نصب على الأين والنصب تمييزه وحاله، وهي حال أبي الطيب، وما علم ابن منصور بها، ولو علم استعمل التباله. أما ترى هذا النوء الذي ذم نواله وحمد نواه، وأذهل الصائم عن صومه، فما بيت أمره ولا نواه وشغله من حسه فما يدري أفطر على تمرة أم نواه؟، قد هال الجبال أمره، فشابت من الفرق إلى القدم، وغمرت سيوله الأباطح والربا، ولكن من الزيادة بدم، كيف يهنأ العيش وبروق الجو سيوف تخترط، ونفس هذه الرعود يخرج بعدما حبس في حشا السحاب وانضغط، وإلحاح سائل هذا المطر، فلو كان قطره دراً لما مدّ الفقير إليه يداً ولا التقط، وتوالي هذه الغيوث التي لو عاينها ابن هانىء لما قال:
ألؤلؤٌ دمع هذا الغيث أم نقط
كأن الأيام قواف اندمجت في الليل، أو النجوم أقاح ولكن غطاها تراكم السحاب بالذيل، أو كأن الله جعل الزمان سرمداً، فما يتعاقب فيه شمس ولا قمر، ولا تصفو لجة الأفق بضوء ولا ترميها الدياجي بكدر؛ قد تزاحمت الغياهب على المواقيت بالمناكب وجهلت المدد فيا وحشتا لحاجب الشمس ومحيا القمر وعيون الكواكب، أكل هذا تشريع تشرين، وشره شره الذي نتجرع من أمره الأمرين، وشهرة شهره، فيا أيام كانون إذا جئت ماذا تبيعين وتشرين، أما المساكن فأهلها مساكين، وأفواههم من الحزن مطبقة فما تفتحها السكاكين، قد انتبذ كل منهم زاوية من داره، وتداخل بعض في بعض لتضمه بقعة على مقداره، هرباً من توقيع أكف الوكف، وخوفاً من ركوع الجدار وسجود السقف، وما يعتقد المملوك أن في كانون هذه الجمرات، ولا أن ساباط سباط وأذى آذار يرمي القلوب بهذه الحسرات، وتمام التعثير في الركوب إلى دار السعادة، والكتابة التي صارت في هذا الزمان زيادةً في نقص السيادة، واتساع هذه الأهوال، وضيق ذات اليد مضاف إلى ضيق النفوس، وبصاق هذا الثلج في وجه الضاحك منا والعبوس، وسكر هذه الميازيب التي لا تبوك إلا على الرؤوس، وأشغال الديوان التي تكاثر المطر، ولا تبلغ الغاية من الوطر، فنحن من الديوان في جامعة لا جامع، وباب البريد على عدد الساعات ودقه هامع وبرقه لامع، لا يفتر وروده، ولا يزال يصل حديده، وتصل وفوده، وكل كتاب يصل معه يتفرع منه
إشغال عدد حروفه، وتطلب في الوقت الحاضر، فلو كانت بالطابع لانهارت جوانب حروفه، وصاحب الديوان في تنفيذ أسرع من هذه البروق، وأنفذ من السهم في القضاء الذي ليس فيه ما يصد ولا ما يعوق، فهو إذا دبر المهمات نجز، ودمر العداة، وجنز، وهذا العيد أقبل، وما لنا بتكاليفه قبل، وكل من يختص بشيء منها يلحظك بطرف متخازر كأنهما به قبل، والاستعانة بالله على هذه الشرور التي اتصلت نقط خطها، والفرار إليه من هذه الخطوب التي نعجز عن شيل سيلها وحد حطها، والله يرزق مولانا وإيانا حلاوة الصبر، ويجعل العدو بين جانحتي قبر، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت له توقيعاً لما دخل ديوان الإنشاء، لوحت فيه في غير موضع بلقب كان يلقب به، ونسخته في الجزء السادس والعشرين من التذكرة التي لي، وكتبت له أيضاً توقيعاً بنظر قمامة.
وبيني وبينه مكاتبات وبداءات ومراجعات نظماً ونثراً، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ثغر من قد هويته يهديفي ظلام الدجنّة الحالك
بالثريّا شبّهته ظلماًوالثريا أقلّ من ذلك
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أنا القليل العقل في صرف الذيأملكه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوىتصفية الكاسات في شواربي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أعجب ما في مجلس اللهو جرىمن أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهةٍما بيننا تضحك حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من يلوم في التصابي خلنّيفأذني عن الملام قد نبت
تصفية الكاسات في شواربيأضحكت البطّة حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءهاأكفّ الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنهادويهيةٌ تصفرّ منها الأنامل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
شممت نسيم زهر الّلوز لمّاخرجنا بكرةً ننفي السجونا
فتحت الدوح شاهدنا بدوراًوفي أعلاه عاينّا غصونا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأهيف كالغصن المرنّح شاقنيفطار إليه القلب من فرط شوقه
رأى البدر يحكي وجهه وهو سافرٌفحمّله من جوره فوق طوقه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصّبافقد أصبحت حسرى من السير ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندىومن تعبٍ أنفاسها متتابعه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غصنٌ رشيق القدّ لان معاطفاًنشوى وبالشّعر المرّجل أورقا
وبمثل بدر التّمّ أينع فانظرواهذا القوام أجلّ أم غصن النّقا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا صاحباً ما زال من إنعامهلثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطّعت فرجيّتني حتى لقدظهر القطوع بها على أكتافي
وكان يوماً هو والشيخ محمد الغزي جالسين في الجامع الأموي، عند الشيخ جمال الدين محمد بن نباته، وكل يذكر مساوئ صاحبه، وينشد هجوه فيه. فقال بدر الدين الغزي: لا قلت أنا، ولا قلت أنت، في هذه الساعة ننظم بديهاً يكون هجواً، وأطرق قليلاً ثم أنشد:
يا بن أبي طرطور خلّ الهجاوخذ كلاماً راق في حسنه
أنا وأنت اثنان كلٌّ غدامنا يروم الفضل في فنّه
فواحد يكذب في قولهوآخر يكذب في ذقنه
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحةً عارض بها موشحة ابن سناء الملك المشهورة، وأجاد:
أذكى الهوى وهاجه برد اللمىفي ثغر ريم مايس القدّ
يحميه أن أرومه لحظٌ أرىفرط الفتور سيفه الهندي
ظبيٌ رمى فؤاديمن لحظه بسهم
وقد حمى رقاديلمّا أباح سقمي
فالطرف للسّهادوللسّقام جسمي
واعجب من انقياديإليه وهو خصمي
لكنّها اللّجاجه ترمي بهاعقل الحليم سورة الوجد
إياك أن تلومه فاللوم فيهذي الأمور قلّما يجدي
أفديه ظبي أُنسألمى الشفاه أحوى
حشاشتي ونفسيمرعى له ومثوى
كذّبت فيه حسّيإذ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسيعند العناق يطوى
يا حسن الاندماجه في خصرهالمضنى السقيم وهو في البرد
والقامة القويمه بالخّدكالغصن النضير ناضر الورد
لله منه طرفيدمي القلوب لحظا
ووجنة تشفّولا تنيل حظّا
يرقّ إذ يرفّقلبي لها ليحظى
تريك حين تصفوجسماً يخال فظّا
كالراح في الزجاجه تزهى بهاكف النديم عندما تبدي
أشعةً عظيمه تندى إذاشيمت وتوري جذوةً تهدي
يا لوعة الغرامزيدي ويا جفوني
بأدمعي الهواميجودي ولا تخوني
فهتف الحمامقد هيّجت شجوني
وكلّ مستهاممستأنف الحنين
لا تنكر انزعاجه للبرق فيالليل البهيم مقلة تهدي
إلى الحشا السليمه خفقاًأباتته سميري ليلة الصّد
دع ذا وقل مديحافي أحمد بن يحيى
من لم يزل مزيحاأعذار كلّ عليا
منتسباً صريحاآخرة ودنيا
تخال من يوحىفي الدست حسن رؤيا
إذا أرى ابتهاجه للجودوالداعي المضيم ساعة الجهد
فالكف منه ديمه والوجهشمسٌ ذات نور في سما المجد
للسّر منه حصنعلى الورى مطلّ
ليست به تظنّعوراء تستدلّ
غاراته تشنّعلى العدى فتبلو
أخبارهم ويعنومنهم لها الأجلّ
فمن رأى هياجه سوّاهبالليث الكليم وهو في السّرد
ونفسه الكريمه في السلمكالغيث المطير ساعة الرّفد
وغادةٍ ثنتنيأعطافها الرشاق
لكنّها أرتنيأن الدّما تراق
بالصدّ والتجنيوبعدها الفراق
قالت فرغت عنيوالصحبة اتفاق
فقلت بانحراجه يا ست خلينيبشوم وأنجزي وعدي
قالت أنا مقيمه فاعمل وهت ليقلت زودي فالذهب عندي
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع