من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان
الشيخ الإمام الفاضل الزاهد الورع تقي الدين بن تمام التلي الصالحي الحنبلي.
سمع من يحيى بن قميرة، وخطيب مردا، والكفرطابي، وإبراهيم بن خليل،
وجماعة، والمرسي، واليلداني، وقرأ النحو على ابن مالك، وعلى ولده بدر الدين.
كان رجلاً صالحا، دائم البشر لا يرى كالحا، ديناً خيرا، صيناً يرى وجهه في الظلمات نيرا، نزهاً محبوباً إلى القلوب، صلفاً طول عمره في الزهد على أسلوب، فقيراً لا يملك شيئا، ولا يجد له في الأرض فيئا، حسن الشعرة والمنادمه، مليح الذاكرة برئيا في المصادقة من المصادمه، ظريف البزة مع الزهد والقناعه، نظيف الملبس في الجمعة والجماعه، وله النظم الذي هو أسرى من النسيم وأسنى من العقد النظيم، يكاد يرشفه السمع راحا، ويداوي من قلوب أهل الكآبة جراحا، قد انسجم لفظه فهو صوب غمامه، ولذ تركيبه فهو صوت حمامه، تمكنت القوى في قوافيه، وطاب تلاف النفوس في تلافيه.
ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدر ابن تمام في تمامه، وغرد الحمام بل ناح على كأس حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة ليلة السبت ثلاث شهر ربيع الآخر.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
وسيأتي ذكر أخيه الشيخ محمد إن شاء الله تعالى في المحمدين.
أخبرني القاضي شرف الدين أبو بكر بن القاضي شمس الدين بن شيخنا أبي الثناء محمود، قال: كان جدي، يعني القاضي شهاب الدين محموداً، قد أذن لغلامه الذي
نفقته معه أنه مهما طلب منه الشيخ تقي الدين من الدراهم يعطه بغير إذنه، قال: فما كان يأخذ منه إلا ما هو مضرور إليه انتهى.
قلت: وكان قد صحبه أكثر من خمسين سنة، وكان قد حج وجاور واجتمع بالتقي الحوراني وبقطب الدين ابن سبعين، وسافر وطوف البلاد، وأقام بالديار المصرية مدة، وصحب الفقراء والفضلاء، وتفرد عن ابن قميرة بالجزء الرابع من حديث الصفا، وخرج له فخر الدين بن البعلبكي مشيخة، قال: شيخنا البرزالي: قرأتها عليه، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش ولا سراج ولا زبدية، وبيته خال من جميع ذلك، أنشدني شيخنا العلامة شهاب الدين محمود إجازةً لنفسه ما كتبه من الديار المصرية إلى الشيخ تقي الدين ابن تمام:
هل عند من عندهم برئي وأسقاميعلمٌ بأنّ نواهم أصل آلامي
وأنّ جفني وقلبي بعد بعدهمذا دائمٌ وجدهم فيهم وذا دامي
بانوا فبان رقادي يوم بينهمفلست أطمع من طيفٍ بإلمام
كتمت شأن الهوى يوم النّوى فنمىبسرّه من دموعي أيّ نّمام
كانت لياليّ بيضاً في دنوّهمفلا تسل بعدهم ما حال أيامي
ضنيت وجداً بهم والنّاس تحسب بيسقماً فأُبهم حالي عند لوّامي
وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوىفرط اشتياقي إلى لقيا ابن تّمام
مولى متى أخل من برء برؤيتهخلوت فرداً بأشجاني وأسقامي
نأى ورؤيته عندي أحبّ إلىقلبي من الماء عند الحائم الظامي
وصدّ عني فلن يسأل لجفوتهعن هائمٍ دمعه من بعده هام
يا ليت شعري ألم يبلغه أنّ لهأخاً بمصر حليف الضّعف من عام
ما كان ظنّي هذا في مودّتهولا الحديث كذا عن ساكني الشام
فكتب الجواب ابن تمام عن ذلك:
يا ساكني مصر فيكم ساكن الشاميكابد الشّوق من عامٍ إلى عام
الله في رمقٍ أودى السّقام بهكم ذا يعلّل فيكم نضو أسقام
ما ظنّكم ببعيد الدار منفردٍحليف همّ وأحزانٍ وآلام
يا نازحين متى تدنوا النّوى بكمحالت لبعدكم حالي وأيّامي
كم أسأل الطّرف عن طيفٍ يعاودهوما لجفني من عهدٍ بأحلام
استودع الله قلباً في رحالكمعهدته منذ أزمانٍ وأعوام
وما قضى بكم في حبكم أرباًولو قضى فهو من وجدٍ بكم ظام
من ذا يلوم أخا وجدٍ بحبّكمفأبعد الله عذّالي ولوّامي
في ذمّة الله قومٌ ما ذكرتهمإلا ونمّ بوجدي مدمعي الدّامي
قوم أذاب فؤادي فرط حبّهموقد ألمّ بقلبي أيّ إلمام
وما اتخذت سواهم عنهم بدلاًولا نقضت لعهدي عقد إبرام
ولا عرفت سوى حبي لهم أبداحباً يعبّ؟ ر عنه جفني الهامي
يا أوحداً أعربت عنه فضائلهوسار في الكون سير الكوكب السّامي
في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍوكلّ ظامٍ سقي من بحرك الطّامي
لا يرتقي نحوك السّاري على فلكٍفكيف من رام أن يسعى بأقدام
منك استفاد بنو الآداب ما نظمواوعنك ما حفظوا من رقم أقلام
أنت الشّهاب الذي سامى السّماك علاًوفيض فضلك فينا فيض إلهام
لمّا رأيت كتاباً أنت كاتبهوأضرم الشّوق عندي أيّ إضرام
أنشدت قلبي هذا منتهى أربيأعاد عهد حياتي بعد أعوام
يا ناظريّ خذا من خدّه قبلاًمهو الحرير بتقبيلٍ وإكرام
ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقهوقد زهي زهرها الزّاهي بأكمام
من ذا يوفّيه في ردّ الجواب لهعذراً إليك ولو كنت ابن بسّام
فكم جنحت ولي طرفٌ يخالسهوأنثني خجلاً من بعد إحجام
يا ساكناً بفؤادي وهو منزلهمحلّ شخصك في سرّي وأوهامي
حقاً أراك بلا شكّ مشاهدةًما حال دونك إنجادي وإتهامي
ولذّ عتبك لي يا منتهى أربيوفي العتاب حياةٌ بين أقوام
حوشيت من عرضٍ يشكى ومن ألمٍلكنّ عبدك أضحى حلف آلام
ولو شكا سمجت منه شكايتهإنّ الثمانين تستبطي يد الرّامي
وحيد دارٍ فريدٌ في الأنام لهجيران عهدٍ قديم بين آكام
طالت بهم شقّة الأسفار ويحهمأخفوا وما نطقوا من تحت أرجام
أبلى محاسنهم مرّ الجديد بهموأبعد العهد عنهم بعد أيام
فلا عداهم من الرّحمن رحمتهفهي الرّجاء الذي قدّمت قدّامي
وكم رجوت إلهي وهو أرحم ليوقلّ عند رجائي قبح آثامي
فطال عمرك يا مولاي في دعةًودام سعدك في عزٍّ وإنعام
ولا خلت مصر يوماً من سناك بهاولا نأى نورك الضّاحي عن الشّام
وأنشدني العلامة أبو حيان قال: أنشدنا لنفسه ابن تمام:
وقالوا: تقول الشّعر قلت أُجيدهوأنظمه كالدّرّ راقت عقوده
وأبتكر المعنى البديع بصنعةٍيحلّى بها عطف الكلام وجيده
ويحلو إذا كرّرت بيت قصيدةٍوفي كلّ بيتٍ منه يزها قصيده
ولكنّني ما شمت بارق ديمةٍولا عارضٍ فيه ندى أستفيده
فحسبي إلهٌ لا عدمت نوالهوكلّ نوالٍ يبتديه يعيده
وأنشدني أيضا قال: أنشدني لنفسه:
وقالوا صبا بعد المشيب تعلّلاًوفي الشّيب ما ينهى عن اللهو والصّبا
نعم قه صبا لمّا رأى الظّبي آنساًيميل كغصن البان يعطفه الصّبا
أدار التفاتاً عاطل الجسيد حالياًوفي لحظه معنىً به الصبّ قد صبا
ومزّق أثواب الدّجا وهو طالعٌوأطلع بدراً بالجمال تحجّبا
جرى حبّه في كلّ قلبٍ كأنّماتصوّر من أرواحنا وتركّبا
وأنشدني، قال: أنشدنا لنفسه:
أُكاتبكم وأعلم أنّ قلبييذوب إذا ذكرتكم حريقا
وأجفاني تسحّ الدّمع سيلاًبه أمسيت في دمعي غريقا
أُشاهد من محاسنكم محيّاًيكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالاًفأنّى سرت يرشدني الطريقا
ومن سلك السّبيل إلى حماكمبكم بلغ المنى وقضى الحقوقا
ومن شعره:
طرقتك من أعلى زرود ودونهاعنقا زرود ومن تهمامة نفنف
تتعسّف المرمى البعيد لقصدهايا حبّذا المرمى وما تتعسّف
ومنه:
معانٍ كنت أشهدها عياناًوإن لم تشهد المعنى العيون
وألفاظ متى فكّرت فيهاففيها من محاسنها فنون
ومنه:
تبدّى فهو أحسن من رأيناوألطف من تهيم به العقول
وأسفر وهو في فلك المعانيوعنه الطّرف ناظره كليل
له قدٌّ يميل إذا تثنّىكذاك الغصن من هيفٍ يميل
وخدٌّ ورده الجوريّ غضٌّوطرفٌ لحظه سيفٌ صقيل
وخالٌ قد طفا في ماءٍ حسنٍفراق بحسنه الخدّ الأسيل
تخال الخدّ من ماءٍ وجمرٍوفيه الخال نشوانٌ يجول
وكم لام العذول عليه جهلاًوآخر ما جرى عشق العذول
قلت: وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
مالنا كلّنا جوٍ يا رسولأنا أهوى وقلبك المتبول
كلّما عاد من بعثت إليهاهام فيها وخان فيما يقول
وإذا خامر الهوى قلب صبٍّفعليه لكلّ عينٍ دليل
أفسدت بيننا الأمانات عيناها وخانت قلوبهنّ العقول
وقال ابن سناء الملك:
راح رسولاً وجاءني عاشقوعاقه عن رسالتي عائق
وعاد لا بالجواب بل بجوىًأخرسه والهوى به ناطق
وذكرت أنا بقول ابن تمام ﵀ ما قلته أنا ومن مادته أخذت، وعلى منواله نسجت:
ألحّ عذولي في هواه وزاد فيملامي، فقلت: احتل على غير مسمعي
فلم يدر من فرط الولوع بذكرهمصيبته حتى تعشقه معي
وقلت أنا أيضاً على هذه المادة:
بي غزالٌ لمّا أطعت هواهأخذ القلب والتّصبر غصبا
ما أفاق العذول من سكرة العذل عليه حتى غدا فيه صبّا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع