تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد الله بن علي

ابن محمد بن سلمان القاضي الرئيس الكاتب المنشئ جمال الدين بن الشيخ علاء الدين بن غانم.

كان شاباً ظريفا، مليح الوجه نظيفا، عليه رونق الشباب ولطف السلافة إذا شف عليها الحباب، شكله أنيق، وصدغه في خده سحالة لازورد في زنجفر

سحيق، يكتب خطا من أين للوشي رقومه، أو للأفق الصاحي نجومه، كأنه طرة ريحان، أو روض فيه الطل حيران، خصوصاً إذا كتب الدرج وعلق، وتأنى في تنميقه وتأنق، يأتيك بالعجب، ويريك كما يقال سلاسل الذهب، مع سرعة لا يلحقه فيها البرق إذا خفق، ولا النور إذا سطع وولد الشفق، يكتب الإنشاء من رأس قلمه، ويؤلف الدر الثمين من كلمه، وله غوص في نظم ونثر، وتلعب بالعقول إذا نفث قلمه بسحره.

إلا أنه قصف غصنه، ووقفت في أوائل حلبة العمر حصنه، فأذواه الموت ريحانه، وأراق منه بنت حانه.

وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة.

ومولده سنة إحدى عشرة وسبع مئة.

وكان قد مرض في عمره مرضا حاداً مرات، ونجاه الله منها وسلمه إلى أن حم أجله فمات عبطه، وكان به لديوان الإنشاء أي غبطه.

كتب هو إلي في بعض علته هذه ولم أعده، من أبيات:

مولاي كيف كسرتني فهجرتنيعلماً بأني كيف كنتم راض
أو قلت إني لأعود ممرّضاًظنّاً بأني لا محالة ماض

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

أرسلتها مثل السهام مواضينفذت من الأغراض في أغراض
فأتت وعتبك قد تخلّل لفظهامثل الأفاعي بين زهر رياض
دعني من الجبروت أو من أهلهلا تجعلنّ سوادهم كبياضي
حاشاك أن تمضي وسعدك قد غدامستقبلا فينا وأمرك ماض

وقلت أنا أرثيه رحمه الله تعالى:

تبكي الطروس عليك والأقلاموتنوح فيك على الغصون حمام
يا من حواه اللّحد غضّاً يانعاًوكذا كسوف البدر وهو تمام
يا وحشة الديوان منك إذا غدتفيه مهمّات البريد ترام
من ذا يوفّيها مقاصدها علىما يقتضيه النّقض والإبرام
هيهات كنت به جمالاً باهراًفعليه بعدك وحشةٌ وظلام
أسفي على الإنشاء وهو بجلّقٍنثّاره قد مات والنظّام
كم من كتابٍ سار عنك كأنّهبرد أجاد طرازه الرقّام
إن كان في شرّ فقد رد الرّدىوبه ترفّه ذابل وحسام
لم لا يردّ البأس ما ألفاتهمثل القنا واللام منه لام
أو كان في خير فكلّ كلامهدرّ يؤلّف بينهنّ نظام
وكأنما تلك السطور إذا بدتكأس ترشّف راحها الأقلام
يهتزّ عطف أُولي النّهى لبيانهفكأنّ هاتيك الحروف مدام
كم فيه وجهٍ سافر مثل الضحىوعليه من ليل السطور لثام
ولكم كتبت مطالعاتٍ خدّهاقانٍ وثغر فصولها بسّام
وكأنما ألفاتها قضب اللّوىوكأنما همزاتهنّ حمام
ما كنت إلا فارس الكتّاب فييوم تفرّج ضيقه الأقلام
صلّى وراءك كلّ من عاصرتهعلماً بأنك في البيان إمام
وكأنّ قبرك للعيون إذا بداقصرٌ عليه تحية وسلام
يا محنةً نزلت بعترة غانمهانوا وهم في العالمين كرام
لما تغيّب في التّراب جمالهموقعدوا لهولٍ عاينوه وقاموا
يا قبره لا تنتظر سقيا الحياحزني ودمعي بارقٌ وغمام
لي فيك خلّ كم قطعت بقربهأيام أُنسٍ والخطوب نيام
لذّت فلذت بظلّها فكأنهالقياد لذّات الزمان زمام
أسفي على صحب مضى عمري بهموصفت بقربهم لي الأيّام
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
بالرغم منّي أُفارق صاحباًلي بعده ضرٌّ ثوى وضرام
يا من تقدّمني وسار لغايةٍلا بدّ لي منها وذاك لزام
قد كنت أحسبه يرثّيني فقدعكست قضيّته معي الأحكام
أنا ما أراك على الصراط لأنّهبيني وبينك في المعاد زحام
إذ قد سبقت خفيف ظهرٍ لا كمنقد قيّدت خطواته الآثام
فإذا المخفّ وقد تقدّم سابقاًوشفيعه لإلهه الإسلام
فاذهب فأنت وديعة الرحمن لييلقاك منه البرّ والإكرام
ويجود قبرك منه غيث سماحةٍبالعفو صيّب ودقها سجّام
ولقد قضيتك حقّ ودّك بالرثاوالحرّ من يرعى لديه ذمام
خلّفتني رهن التندّم والأسىتعتادني الأحزان والآلام
لكنّ لي بأخيك نجم الدين فيالديوان أُنساً ما عداه مرام
مهما توجّس أو توحش خاطريفيه تزول وتنقضي الأوهام

وكتب إلي من دمشق وأنا بالقاهرة:

ذكّرت قلبي حين شطّ مزارهمبهم فناب عن الجوى تذكارهم
وبكى فؤادي وهو منزلٌ حبّهموأحقّ من يبكي الحبة دارهم
وتخلّق الجفن الهمول كأنمالمحته عند غروبهم أنوارهم
وذكرت عيني عند عين فراقهملما أثارت لوعتي آثارهم
نذري الدموع عليهم وكأنهمزهر الرّبا وكأنها أمطارهم
ويئنّ منة حالي العواذل رحمةًلمّا بكيت وما الأنين شعارهم
ويح المحبيّن الذين بودّهمقرب المزار ولو نأت أعمارهم
فقدوا خليلهم الحبيب فأُذكيتبالشوق في حطب الأضالع نارهم
مولىً تقلّص ظلّ أُنسٍ منه عنأصحابه فاستوحشت أفكارهم
كم راقهم يوماً برّؤية وجههما لا يروقهم به دينارهم
ولكم بدت أسماعهم في حليةمن لفظه وكذا غدت أبصارهم
كانوا بصحبته اللذيذة رتّعاًبمسّرةٍ ملئت بها أعشارهم
يتنافسون على دنوّ مزارهفكأنما بلقاه كان فخارهم
لا غيّب الرحمن رؤية وجههعن عاشقيه فإنها أوطارهم
وجلا ظلام بلادهم من بعدهفلقد تساوى ليلهم ونهارهم
يا سيّداً لي لم تزل ثقتي بهإن خادعتني في الولا أشرارهم
أصرمت حبل مودتي ولصحبتيعرف الطريقة في الوداد كبارهم
أم تلك عادات القلى أجريتهافكذا الأحبّة هجرهم ونفارهم

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

أفدي الذين إذا تناءت دارهمأدناهم من صبّهم تذكارهم
في جلّق الفيحاء منزلهم وفيمصع بقلب الصبّ تضرم نارهم
قوم بذكرهم الندامى أعرضواعن كأسهم وكفتهم أخبارهم
وإذا الثناء على محاسنهم أتىطربوا له وتعطّلت أوتارهم
وإذا هم نظروا لحسن وجوههملم تبق أنجمهم ولا أقمارهم
فهم البدور إذا ادلهمّ ظلامهموهم الشموس إذا استبان نهارهم
دنت النجوم تواضعاً لمحلّهموترفّعت من فوقها أقدارهم
وبكفّهم وبوجههم كم قد همتألواؤهم وتوقّدت أنوارهم
أهدى جمالهم إليّ تحيّةمنها تدار على الأنام عقارهم
أفقٌ وروضٌ في البلاغة فهي إمّازهرهم في الليل أو أزهارهم
لك يا جمال الدين سبقٌ في الوفالو رامه الأصحاب طال عثارهم
وتودّدٌ ما زال يصفو وردهحتى تقرّ لصفوه أكدارهم
يا بن الكرام الكاتبين فشأنهمصدق المودّة والوفاء شعارهم
قوم إذا جاؤوا إلى شأو العلىسبقوا إليه ولم يشقّ غبارهم
صانوا وزانوا باليراع ملوكهمأسوارهم من كتبهم وسوارهم
ما مثلهم في جودهم فلذاك قدعزّت نظائرهم وهان نضارهم
ما في الزمان حلىً على أعطافهإلاّ مآثرهم به وفخارهم
تتعلم النّسمات من أخلاقهموينوب عن زهر الرّبا أشعارهم
ولفضلهم ما ابن الفرات يعدّ فيهـ قطرةً لمّا تمدّ بحارهم
وحماهم يحمي النّزيل بربعهمن جور ما يخشى ويرعى جارهم
بالرغم مني أن بعدت ولم أجدظلاٍّ تفيّؤه عليّ ديارهم
لو كان يمكنني وما أحلى المنىما غاب عنّي شخصهم ومزارهم
ويح النوى شمل الأحبة فرقتفمتى يفكّ من البعاد إسارهم

وكتب رحمه الله تعالى وقد دخلت الديوان بدمشق

يقول جماعة الديوان فيهفسادٌ لا يزال ولا يزاح
فقلت فساده سيزول عمّاقليل إذ بدا فيه الصّلاح

فكتبت أنا الجواب إليه:

هويت جماعة الديوان دهراًفلمّا ضمّنا بدمشق مغنى
نظرت إليهم نظر انتقادٍفكنت جمالهم لفظاً ومعنى

وكتب إلي من دمشق، وأنا بصفد ضعيف:

كتابك قد أتى عيني وفيهافساد نوىً لشوقي وارتياحي
فجدّده فليس يزول إلاّإذا عاد الصّلاح إلى الصّلاح

فكتبت أنا الجواب إليه:

كتابك جاءني فنفى هموميوآذن سقم جسمي بالزوال
وأذكر ناظري زمناً حميداًتمتّع بالجمال من الجمال

وكتب هو يوماً إلي:

قد أصبح المملوك يا سيّدييختار أن يفترع الرّبوه
وقد أتى صحبتكم خاطباًفأسعفوا واغتموا الخلوه

فكتبت أنا الجواب إليه ارتجالاً:

ما لي على الربوة من قدرهلأنني أعجز عن خطوه
وليس مركوبي هنا حاضراًفمرّ نحو الخلوة الحلوه

وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة:

سار دمعي مني إليك رسولاحين أخليت ربعك المأهولا
وفؤادي استقرّ إذ أنت فيهيتراآك بكرةً وأصيلا
ونسيم الصّبا تحمّل من وصف اشتياقي فيه حديثاً طويلا
ترك القلب في الأضالع يظمافيسقّيه الاشتياق غليلا
فاستمع ما يملّي النسيم بعلمٍعن غرامي إذ كان مثلي عليلا
وقميص الكرى مزقٌ فإن زار خيالٌ وصّلته توصيلا
حبّذا قربك الذي كان أندىفي فؤادي من النّسيم بليلا
وليالٍ كم غازل الطرف من أُنسك في جنحهنّ وجهاً جميلا
ومدام كأنّها لون دمعيعندما أزمع الحبيب رحيلا
كأسها في الدّجا تبدّى شهاباًوكسا المزج رأسها إكليلا
فتهدّيت للسرور برؤياهـ وإن كان للهدى تضليلا
كم ركبنا لها سوابق لهوٍكان جرس الغناء فيها صهيلا
قرّب الله عهدنا من ليالٍلم أكن لاقترابهنّ ملولا
أتلظّى جوىً وفرط حنينإن تذكرت ظلهنّ الظليلا
وإذا ما احترقت شوقاً فقولي:ليت لم أتخذ فلاناً خليلا
يا صلاح الدين الذي فسد العيش لنا مذ نأى وساء مقيلا
قد أتتني أبياتك الغرّ تحكينسمات الصّبا تجرّ ذيولا
أو نبات الربا يصافحه القطر فيغدوا رطب الحيا مصقولا
فتذكرت منك جودا عميماومحيا طلقاً وفضلاً فضيلا
ورأيت السطور تحكي ليالي القرب حسناً ورقّةً لا طلولا
حبذا عهدهن والعيش فيهإذ أنا مالك إليه وصولا
كنت أجني ثمار أنسك فيهنّ فبدلت بالنوى تبديلا

وكتبت أنا إليه من دمشق، وهو بغزة في الصيد جواباً عن كتاب فيه عتب:

حيث الخيام برمل غزّهلي سادةٌ عندي أعزّه
وأنا كثيّر حبّهموهم كما أختار عزّه
سيما جمالهم الذيفي فضله طرفي تنزّه
مولىً بعطف يراعهطربٌ يرنّحه وهزّه
أضحى يوشّي طرسهويحوك بالأسجاع طرزه
يملي عليه بدائعاًيكسو المهارق خير بزّه
لو فاخر الروض البسيم بكتبه لأبان عجزه
ألفٌ حكت غصن النقاصدحت عليه حمام همزه
من ميم ميلي عنه لاأدخلت قلبي تحت رزّه
وظفرت منه بمعقلٍلا تطرق الأحداث حرزه
وبه تبيّن لي الهدىوحللت من معناه رمزه
وبه ملأت يدي غنىًمن فضله وفتحت كنزه
فالله يحرس مجدهويديم للآداب عزّه

يقبل الأرض، ويصف شوقه الذي شق الجوانح، وجرح الجوارح، وملأ الفؤاد

فوادح، ويذكر حنينه الذي شغله عن ذاته، وأذهله حتى عن تمني اللقاء ولذاته، ونغص صفو عيشه بالبعد، وهذه أحسن حالاته. وينهي ورود المثال العالي فتلقى منه أكرم وارد، وحوى من ألفاظه الغر مصائد الشوارد، وشافهه منها ألسن عتب لها في القلب وقع السيوف، وإن كانت فصاحتها مثل المبارد، وأضرمت في الحشا نيراناً لها الزفرات دخان، والضلوع المحنية مواقد، فقابلها بأعذاره الملفقة، فقالت حرارة تلك السطور: دعنا من عذرك البارد، ونظر من تلك الحروف المنظمة إلى نونات كأنها براثن الأسود، وإلى ميمات كأنها عيون الأساود:

وكأن ذاك الطرس أصبح سلّة الحاوي وهاتيك السطور أفاعيا

ثم إن المملوك كابر نفسه، وقال: ربما تصحف عليه ما تصفح، وترجى أن يكون هذا القدر هو الذي ترجح، وجانس بين آساته وعطفه، فذاك ترنم، وهذا ترنح:

ويدلّ هجركم علىأنّي خطرت ببالكم

وعلل نفسه بقول الآخر:

ويبقى الودّ ما بقي العتاب

وقال: هذا هو العتب المحمود العواقب، وهذا التأديب الذي يعقب الرضى ولا يعاقب. وقد عاد المملوك إلى صوب الصواب، وتضرع من تلك السطور على عتبات العتاب، وظن أنما فتن، فاستغفر ربه، وخر راكعاً وأناب:

وهذا الذنب أوّل كلّ ذنبوآخره إلى يوم الحساب

فليغفر مولانا هذه الهفوه، وليقله عثرة هذه الخطوه، التي لم يلق فيها حظوه،

والله يمتع العيون والنفوس بجماله وجلاله، ويزين الوجود بمحاسنه التي يخجل منها البدر في كمال بمنه وكرمه، إن شاء الله.

وحكى لي رحمه الله تعالى، قال: رأيت البارحة في المنام، كأن في بيتي نهراً عظيماً صافياً، وأنت من ذلك الجانب، وأنا من هذا الجانب، وكأني أنشدك:

يا خليلي أبا الصّفا لا تكدّرمنهلاً من نمير ودّك أروى
فجميع الذي جرى كان بسطاًولعمري بسط المجالس يطوى

فقلت لي: لا بل انظم في زهر اللوز شيئاً، فأنشدتك:

أيا قادم الزهر أهلاً وسهلاًملأت البرايا هدايا أرج
فوقتك فضّ ختام السرور وعهدك فرجة باب الفرج

فكتبت أنا إليه عندما قص علي هذه الرؤيا:

حاشى لله أن أكدّر عهداًلم يزل من وفائك المحض صفوا
وإذا ما حديث فضلك عنديضاع مني في نشره كيف يطوى

وكنت وعدته بعارية رسالة لابن رشيق سماها ساجور الكلب، فتأخرت، فكتب هو إلي:

يا جواداً عنانه في يد الجود تباخلت لي بساجور كلب
لا تضع رتبة التفضّل والإيثار فالأمر دون بذل العتب
وإذا لم يكن من العتب بدّفمرادي إن شئت غير الكتب

فجهزتها إليه، وكتبت الجواب:

أيها الأروع الي فاق مجدالا تؤنّب من لا أتاك بذنب
أنت تدري أن الوفاء الموفّىلي طباعٌ في الودّ من غير كسب
أنا أخبا لو كان طوق عروسعنك حتى أصون ساجور كلب

وبيني وبينه مكاتبات كثيرة نظم ونثر، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.