تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد الله بن محمد بن أحمد

ابن خالد بن محمد بن نصر بن صغير، الصاحب الأثير الوزير فتح الدين القرشي المخزومي الخالدي الحلبي بن القيسراني.

سمع أبا القاسم بن رواحة، وابن الجميزي، ويوسف الساوي، وابن خليل، وأحمد بن الحباب، وجماعة.

كان من أعيان الوزراء، وأفاضل الكبراء، شارك في الفضائل والآداب، ودخل في عداد المحدثين والشعراء والكتاب، روى وروى الناس عنه، وأخذوا الفوائد منه.

كان ممن يزهى الزمان بوجوده، ويفخر بعلوه في علومه، ورقيه في جو جوده.

وكتب الإنشاء في الديار المصرية، وأطلع بدور المعاني في ليالي سطوره الحبرية، وكان كما قال ابن الساعاتي:

أشمّ عفيف العين واليد والمنىوغيب الحشا والسر والجهر والحلم
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «أشم عفيف العين واليد والمنى»
له قلمٌ يرجى ويخشى شراتهفكم شدّ من أزرٍ وكم سدّ من ثلم
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «أشم عفيف العين واليد والمنى»
وفاق يد الغيث الصناع جلالةًبما بثّ من وشي بديع ومن رقم
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «أشم عفيف العين واليد والمنى»

ولم يزل بين صناعة البلاغة والتدبير، وتصريف الدول والتحبير، إلى أن فتح القبر له فاه، وقال كل من يعرفه: والهفاه! وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة بالقاهرة.

ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة.

كان له اشتغال بالحديث وتحصيله، وصنف في أسماء الصحابة المذكورين في الصحيحين، وترجم لهم، وروى شيئاً من أحاديثهم بأسانيده في مجلديه، وهما وقف المدرسة الناصرية بدمشق.

وكان يذاكر بأشياء حسنة مفيدة اللفظ والمعنى، وكتب الناس عنه قديماً، وممن

روى عنه في معجمه الشيخ شرف الدين الدمياطي من نظمه، وأخذ عنه أشياخنا: فتح الدين بن سيد الناس، وعلم الدين البرزالي، والذهبي.

أنشدني من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الصاحب فتح الدين بن القيسراني:

بوجه معذبي آيات حسنفقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحّتوها خطّ الكمال على الحواشي

وكان قد ولي الوزارة في دولة الملك السعيد بن الظاهر في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وست مئة بدمشق، وقبض عليه في تاسع عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وست مئة، ووليها أيضاً في دولة الكامل كتبغا فما أظن، وعمه عز الدين أبو حامد محمد كان وزيراً بدمشق للملك الناصر، وجده موفق الدين خالد وزير دمشق أيضاً للعادل نور الدين الشهيد، وكان عنده مكيناً، وقد ذكرت ترجمة موفق الدين مستوفاة في التاريخ الكبير.

وكان القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى قد نظم مرثية في الملك الظاهر، ومدح الملك السعيد، وضمن البيتين المشهورين، وهما:

خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌمنهلةٌ في أوجه تتهلّل
ملكان ذلك راحلٌ وثناؤهباقٍ وذا باق ثناه يرحل
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «هل في قطار النصر نسر واقع»

فكتب الصاحب فتح الدين إلى ابن عبد الظاهر لما وقف على المرثية:

يا ذا الذي أخذ الكتاب بقوّةٍفأتى به وهو الأخير الأوّل
قد حاز فيه بدائع الحسن التيما مثلها فهو الرئيس الأمثل
لا فاضلٌ ساواه فيه ولا مشىفي مثل منطقه البليغ الأفضل
مستشهدٌ فيه بأحسن شاهدإذ قال بيتاً مثله لا ينقل
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌمنهلّةٌ في أدمع تتهلّل
وكذاك أنت خلفت فيه الفاضلالندب الجليل وأنت منه أفضل
أرهبت فيه فقد أتيت بمعجزٍفي كل سطر منه يبدو جحفل

قلت: ادعى بعضهم أن هذا البيت لابن قلاقس الإسكندري، يهنئ الأميرين محمداً وأبا السعود ولدي الداعي عمران بن سبأ صاحب عدن.

قلت: الصحيح أن ابن قلاقس ضمنه، فإني وقفت على مجموع لابن خلكان قاضي القضاة رحمه الله تعالى بخطه وقد أثبته لابن خفاجة الأندلسي، ومما وقفت عليه في هذه المادة وهي التعزية والتهنئة في بيت قول ابن شرف القيرواني:

بكينا عليه ضاحكين كأننانهار عليه شمسه وهو ممطر
غراءً ممن زار القبور وغبطةبأبلج لبّاه سريرٌ ومنبر

وقد سبق الناس كلهم إلى هذا أبو دلامة زند بن الجون يعزي بالمنصور ويهنئ بالمهدي في كل بيت فقال:

عينان واحدةٌ ترى مسرورةًبأمامها جذلاً وأخرى تذرف
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «عينان واحدة ترى مسرورة»
تبكي وتضحك مرة فيسوءهاما أنكرت ويسرّها ما تعرف
ويسوءها موت الخليفة محرماًويسرّها أن قام هذا الأرأف
هلك الخليفة يال أمّة أحمدٍوأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافةٍولذاك جنات النعيم تزخرف
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «عينان واحدة ترى مسرورة»

وكتبت أنا إلى القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق أهنئه بولد ذكر جاءه، وأعزيه في ولد ذكر مات، كل بيت عزاء وهناء:

عزاؤك فيمن غدا راحلاهناءٌ بهذا الذي قد حضر
فأوحشنا ذاك لمّا مضىوآنسنا اليوم هذا وسر
وهذا به عيشنا قد صفاوجرّعنا ذاك كأس الكدر
إذا الشمس في جوّها أشرقتفما ضرّنا حين غاب القمر

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.