تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد القاهر بن محمد

ابن عبد الواحد بن موسى القاضي الأديب الخطيب الشافعي جمال الدين أبو بكر البخاري ثم التبريزي.

كان ذا شكالة وعمه، وحركات وهمه، أبيض اللحية نقيها، أحمر الوجنة ورديها، عليه قبول: وللنفس إليه تشوق وبه ذهول، مغرى بالأدب، موفر الهمة في تحصيله والطلب، يشعر مثل الصبا إذا هبت، والقطر إذا نبت، وينثر الدر من فيه نثراً، ويكتب الرقعة كأن صغرى وكبرى، لم تخرج تبريز مثل كلمة الإبريز.

تولى القضاء بسلمية وعجلون، وقضاء القضاة بصفد، وختم ذلك بقضاء دمياط، وأقام بها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يدفع بالأعلاط.

وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة.

ومولده بحران سنة ثمان وأربعين وست مئة.

واشتغل ونشأ بدمشق، وتفقه للشافعي، وجاءنا قاضي القضاة إلى صفد في أيام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي لما كان بدمشق، ولم يزل تلك المدة، إلى أن عزل وتولى القضاء جلال الدين القزويني، فعزله من صفد، ثم إنني رأيه بالقاهرة مرات، وولي قضاء دمياط مرات، وآخر عهدي به في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.

قال شيخنا الذهبي: قال فيما ذاكرني به، يعني القاضي جمال الدين التبريزي، قال: ماتت أمي بنت عشرين سنة، وكان أبي تاجراً ذا مال، فقدم بي إلى دمشق، وأنا ابن ست سنين فمات، وكفلني عمي عبد الخالق، ورجع إلى حران، وباع أملاكنا بثمانين ألفاً ورد بي، ثم قال لي يوماً: امض بنا، فمضى بنا نحو ميدان الحصا، وعرج بي فوثب علي وخنقني، فغشيت، فرماني في حفرة، وطم علي المدر والحجارة، فأبقى كذلك إلى أربعة أيام، فمر رجل صالح كان برباط الإسكاف عرفته بعد ثلاثين سنة، فبكر يتلو، ومر بجسرا بن شواش ثم إلى القطائع، فجلس يبول، وكنت أحرك رجلي فرأى المدر يتحرك، فظنه حية، فقلب حجراً، فبدت رجلي في خف بلغاري، فاستخرجني، فقمت أعدو إلى الماء فشربت من شدة عطشي، ووجدت في خاصرتي فزاراً من الحجارة، وفي رأسي فتحاً قال الشيخ شمس الدين: ثم أراني القاضي أثر ذلك في كشحه، ووضع أصابعي على جورة في رأسه تسع باقلاة ودخلت البلد إلى

إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عم لنا، وهو الصدر الخجندي، وكان مختفياً بالصالحية، وله غلامان ينسجان ويطعمانه، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو، وكتب معي ورقة إلى نسائه بالبلد، وكانت بنته ست البهاء التي تزوج بها الشيخ زين الدين بن المنجا، وماتت معه، هي أختي من الرضاعة، فأقمت عندهن مدة لا أخرج، حتى بلغت، وحفظت القرآن بمسجد الزلاقة، فمررت يوماً بالديماس، فإذا بعمي، فقال: ها جمال الدين، امش بنا إلى البيت، فما كلمته، وتغيرت ومعي رفيقان، فقالا لي: ما بك، فسكت وأسرعت، ثم رايته مرة أخرى بالجامع، فأخذ أموالي، وذهب إلى اليمن، وتقدم عند ملكها، ووزر، ومات عن أولاد.

وجودت الختمة على الزواوي، وتفقهت على النجم الموغاني، وترددت إلى الشيخ تاج الدين، وتفقهت بابن جماعة، وقرأت عليه مقدمة ابن الحاجب وعلى الفزاري، ثم وليت القضاء من جهة ابن الصائغ وغيره، ونبت يوماً بجامع دمشق عن ابن جماعة، فقيل له: إن داوم هذا راحت الخطابة منك، يعني لحسن أدائه وهيئته.

وجالسته مرات، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظهير قصيدته التي أولها:

كل حي إلى الممات مآبه

انتهى ما ذكر الذهبي.

قلت: ولما كان بصفد، قرأت عليه ديوان خطبه سماه تحفة الألباء وأجازني جميع ما يجوز له أن يرويه، وفي هذه الخطب مواضع خارجة عن الصواب من اللحن الخفي، فكتبت عليها طبقة، وهي: قرأت هذه الخطب المسرودة على حروف المعجم من أولها إلى آخرها على مصنفها وكاتبها العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي جمال الدين عبد القاهر بن محمد التبريزي الحاكم بصفد المحروسة، لا زالت الطروس توشي وتوشع بكلامه وأقلامه، وترصف وترصع بحكمه وأحكامه، ومحاسن أيامه ولياليه تنشا وتنشد، ودرر نظمه ونثره تنظم وتنضد، قراءة من غاص اللجة من بحر حبرها، وعلم قيمة المنتقى والمنتقد من دراريها ودرها، واستشف معانيها المجلوة في حبر حبرها، وصدق معجز آياتها، وما شك في خبر خبرها، واستجلى وجوه عربها وتوجيه إعرابها، وتحقق أن القرائح ما لها من طاقة على مثلها في بابها، وتنزه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق، واجتلى أبكارها الغر، فكانت حقيقة فتنة العشاق، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها:

وتشنفت أذني بلؤلؤ لفظهاوتنزهت عيناي في جناتها
وتأملت أفهامنا فتمايلتبترشف الصهباء من كاساتها
وكأن همز سطورها بطروسهاورق على الأغصان من ألفاتها
وكأنها وجنات غيد نقطهاخال على الأصداغ من جيماتها
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لله ما أطرى وأطرب ما أتى»
لله ما أطرى وأطرب ما أتىفي هذه الأوراق من سجعاتها
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لله ما أطرى وأطرب ما أتى»
لا غرو أن عقدت لسان أولي النهىعن مثلها بالسحر من كلماتها
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لله ما أطرى وأطرب ما أتى»

فكتب هو إلي:

شرفت غرس الدين حين قرأت ماأمليت من خطب أجدت شياتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
فصاحة لو أن قساً حاضرلرآك تسبقه إلى غاياتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
يا فخر دهر أنت من بلغائهوعلا ليال أنت من ساداتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
خطبي التي أنشأتها ما أنت منخطابها فتجاف عن علاتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
عظمتها وبررتها وجبرتهاوغفرت ما قد كان من زلاتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
فلأنت أكرم فاضل لما بدتلعيانه غطى على عوراتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
فاسلم ودم ما رنحت ريح الصباأعطاف غصن الروض في هباتها
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه في شبابة، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه:

وناطقة بأفواه ثمانتميل بعقل ذي اللب العفيف
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
لكل فم لسان مستعاريخالف بين تقطيع الحروف
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
تخاطبنا بلفظ لا يعيهسوى من كان ذا طبع لطيف
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
فضيحة عاشق ونديم راعوعزة موكب ومدام صوفي
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة

فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في الكمنجا:

ما اسم إذا خفت هماًرأيت لي فيه منجا
يشدو بلحن عجيبحروفه ما تهجى
كم قد شجاك بصوتمن الحمائم أشجى
إن لم يجئ لك طوعاًفي الحل فهو كمن جا

فأعجبه ذلك وزهزه وطرب.

وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: حضرت صحبة الملك الظاهر بيبرس حصار قلعة صفد، فصنعت هذه الأبيات:

إذا القلعة الشماء باتت حصينةوبات على أقطارها القوم رصدا
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
ترى منجنيقاً يذهب العقل جسهيغدرهم بين الأسرة همدا
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
إذا ما أراها السهم منه ركوعهتخر له أعلى الشراريف سجدا
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه من لفظه كثيراً من شعره فمن ذلك قصيدة طويلة أولها:

أنت الممنع والمحجبإلا على من ليس يحجب
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
ومع البعاد فأنت منحبل الوريد إلي أقرب
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة
سر بسيط ظاهريختال في شبح مركب
للشاعر جمال الدين التبريزي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.