تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد الوهاب بن فضل الله

القاضي الكبير الخبير، الكاتب المدبر شرف الدين أبو محمد، كاتب السر، وصاحب ديوان الإنشاء بمصر والشام.

كان كاتباً مترسلاً، حسن المقاصد متوصلاً، ما كتب بين يدي الأتراك مثله، ولا عرف مقاصدهم وأتاهم كما في نفوسهم مثل بنانه الذي فاض وبله، يتحيل في عبارته، ويتجنب مستثقل الألفاظ، ويتحيد عن الألفاظ الغربية التي تهجر من الأعراب، فلا يخرج الكتاب من يده إلا عذباً فصيح الألفاظ، ظاهر المعاني، لا يحتاج إلى التنبيه والإيقاظ. يكتب خطاً لو كان للحدائق يوماً ما احتاجت للأزاهر، أو للغواني ما تحلت بالجواهر، متعه الله بحواسه الخمس، وكان يسمع البعيد ويسمع الهمس. وكان مخاديمه يحترمونه ويعظمونه، ويتوخون كبار الدر لأجل الثناء عليه وينظمونه. وكان كاملاً في فنه، حاملاً أعباء ديوانه، إذا انفرد لا تثنه.

ولم يزل على حاله إلى أن جاءه بريد حينه، وحل عليه من الأجل وفاء دينه.

وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.

ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مئة.

وكان في أول أمره يلبس القماش الفاخر، ويأكل الأطعمة المنوعة الشهية، ويعمل السماعات الطيبة، ويعاشر الفضلاء مثل الشيخ بدر الدين بن مالك وغيره. ثم إنه انسلخ من ذك كله لما داخل الدولة وقتر على نفسه واختصر في ملبوسه، وانجمع عن الناس انجماعاً كلياً.

وكان قد سمع في الكهولة من ابن عبد الدائم، وأجاز له ابن مسلمة وغيره.

وتنقل إلى أن صار صاحب ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة، وما كتب قدام أحد إلا وعظمة واحترامه، مثل حسام الدين لاجين، والملك الأشرف، والملك الناصر محمد بن قلاوون. والأمير سيف الدين تنكز كان يذكره كل قليل، ويجعل أفعاله قواعد يمشي الناس عليها.

أخبرني القاضي شهاب الدين بن القيسراني. قال: كنت يوماً أقرأ البريد على الأمير سيف الدين تنكز، فتحرك على دائر المكان طائر، فالتفت إليه يسيراً ورجع إلي، وقال: كنت يوماً بالمروج، وشرف الدين بن فضل الله يقرأ علي بريداً جاء من السلطان، والصبيان قد رموا جلمة على عصفور، فاشتغلت بالنظر إليها، فبطل القراءة وقال: يا خوند، إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني، ويكون كلك عندي، ولا تشتغل بغيري أبداً، وافهمه لفظة لفظة، أو كما قال.

وما رأى أحد ما رآه هو من تعظيم الناس له، رآه الملك الأشرف مرة، وقد قام ومشى، وتلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك وقد قمت من مكانك وخطوت خطوات! فقال: يا خوند، كان الأمير سيف الدين بيدار النائب قد جاء وسلم علي. فقال: لا تعد تقوم لأحد أبداً. أنت تكون عندي قاعداً وذاك واقف.

ولما توفي القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر بمصر، وقام بعده عماد الدين بن الأثير مدة يسرة طلب السلطان الملك الأشرف القاضي شرف الدين من دمشق، ورتبه بعد عماد الدين بن الأثير في صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية،

فأقام بها إلى أن جاء السلطان الملك الناصر من الكرك في سنة تسع وسبع مئة. وكان قد وعد بالوظيفة للقاضي علاء الدين بن الأثير، فأخرج القاضي شرف الدين إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق عوضاً عن أخيه محيي الدين، فوصل إلى دمشق يوم السبت تاسع عشر شهر الله المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولم يزل بها إلى أن توفي في التاريخ المذكور، وهو ينفذ بريداً إلى بعض النواحي.

ومتعه الله بجوارحه، لم يتغير سمعه ولا بصره، ولا تغيرت كتابته، وخلف نعمة طائلة من الأموال.

ولما مات بدمشق حضر شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود مكانه في صحابه ديوان الإنشاء بدمشق، ورثاه بقصيدة طنانة، وهي:

لتبك المعالي والنهى الشرف الأعلىوتبك الورى الإحسان والحلم والفضلا
وتنتحب الدنيا لمن لم تجد لهوإن جهدت في حسن أوصافه مثلاً
ومن أتعب الناس اتباع طريقهفكفوا وأعيتهم طريقته المثلى
لقد أثكل الأيام حتى تجهمتوإن كانت الأيام لا تعرف الثكلا
وفارق منه الدست صدراً معظماًرحيباً يرد الحزن تدبيره سهلا
فكم حاط بالرأي الممالك فاكتفتبه أن تعد الخيل للصون والرجلا
وكم جردت أيدي العدى نصل كيدهمفرد إلى أعناقهم ذلك النصلا
وكم جل خطب لا يحل انعقادهفأعمل فيه صائب الرأي فانحلا
وكم جاء أمر لا يطاق هجومهفلما تولى أمر تدبيره ولى
وكم كف محذوراً وكم فك عانياًوكم رد مكروهاً وكم قد جلا جلى

ومنها:

وقد كان للاجين ظلاً فقلصتيد الموت عدواً عنهم ذلك الظلا
وعف عن الأغراض مغض عن القذىصبور عليه في الورى يحمل الكلا
سأندبه دهري وأرثيه جاهداًوأكثر فيه من بكاي وإن قلا
ولم لا وقد صاحبته جل مدتيأراه أباً براً ويعتدني نجلا
ولم يرنا في طول مدتنا امرؤفيحسبنا إلا الأقارب والأهلا
وكم أرشدتني في الكتابة كتبهولو زل عن إرشادها خاطري ضلا
وكم مشكلات لم تبن لمحدقإليها جلاها فانجلت عندما أملى
فمن هذه حالي وحالته معيأيحسن أن أبكي على فقده أم لا
وعهدي به لا أبعد الله عهدهوأقلامه أني جرت نشرت عدلا
وتجري بما تجري الملوك من الندىبها فتزيل الجدب والمحل والأزلا
لقد كان ي أنس به وهو نازحكأن التنائي لم يفرق لنا شملا
وقد زال ذاك الأنس واعتضت بعدهدموعاً إذا أنشأتها أنست ألوبلا
فلا مدمعي الهامي يجف ولا الأسىيخف جواه إن أقل لهما مهلا
ولا حرقي تخبو وإن يطف وقدهابماء دموعي صار فيها غضاً جزلا
إلى الله أشكو فقد صحب رزئتهموفقد ابن فضل الله قد عدل الكلا
ولم يترك الموت الذي حم منهمحمماً ولا خلى الردى منهم حلاً
وعمهم داعي الحمام فأسرعواجميعاً وألفى قولنا منه إلا
وكم يرجئ الساري الونى عن رفاقهبإبطائه عمن تقدمه كلا
أيطمع من قد جاز معترك الردىإذا ركبهم يوماً بدارهم حلا
ولا سيما من عاهد الداء جسمهيعاوده بدءاً إذا ظنه ولى
عزاؤك محيي الدين في الذاهب الذيقضى إذا قضى فرض المناقب والنفلا
فمثلك من يلقى الدروس بكاهليقل الذي تعيا الجبال به حملا
وفي الصبر أجر أنت تعرف قدرهوآثاره الحسنى فلا تدع الفضلا
وسلم لأمر الله وارض بحكمهتحز منه فضلاً ما برحت له أهلا
ولا زال صواب المزن والعفو دائماًيؤمانه حتى إذا وصلا انهلا

ورثاه الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن غانم، أنشدنيها لنفسه إجازة:

ما كنت من حزني عليك بلاهلما فقدتك يا بن فضل الله
أصبحت ذا جلد لفقدك واهنحزناً عليك وذا اصطباري واه
كم صنت سر الملك منك بهمةوكفاية ما صانها إلا هي
ولكم مهم مشكل أمضيتهإذ أنت منه امرأو ناه
من للمصالح والمهمات التيما كنت عنها ساعة بالساهي
كم حاجة حصلت تجاهك وانقضتوكريهة فرجتها لله
من ذا يقوم مقام فضلك في العلامن سائر الأنظار والأشباه
ما زلت عمرك محسناً حتى انتهىولكل عمر في الزمان تناه
كم قائل ما زلت أنت ملاذهقد كنت عزي في الأنام وجاهي
ولكم سعيد مات بعدك خاملاًبل كان يفخر دائماً ويباهي
ما فرد داهية برزئك قد دهتبل قد دهت لما فقدت دواه
قسماً لقد خمل الزمان وكنت لم؟اكنت فيه هو الزمان الزاهي
لله در معارف قد حزتهامن ذا يجاري فضلها ويباهي
أنطلقت أفواه الزمان بمدحك ال؟عالي لفضل دام منك وفاهي
أسفي على ما فات منك وأنت لمتبرح بقربي منعماً وتجاهي
أبكيك ما بقي البكاء بكاء مح؟زون على طول المدى أواه
فسقت ضريحك رحمة فياضةترويه بالأنواء والأمواه

ولما طلب في الأيام الأشرفية إلى مصر، كتب إليه علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت:

وافقت ربي في ثلاث بأنتبقى وترقى وتنال العلى
وقد رأت عيناي أمنيتيوالحمد لله تعالى على
والآن في مصر فلا بد منأن تخلف الفاضل والأفضلا

وكتب إليه، ونقلت من خطه:

لئن كان أصلي من ذؤابة كندةأولي الحكم الغراء والمنطق الفصل
فما زلت طول الدهر أشكر فضلكمإلى أن دعوني في القبائل بالفضل

ومن إنشاء القاضي شرف الدين بن فضل الله كتاب بشرى بالنيل، وهو:

لا زالت البشائر تستمتع بمحاورته، وتغتبط بمجاورته، وتود لو استقر بذراه قرارها، وطال معه سرارها، وهذه البشرى تبشره بنعمة عظمت مواهبها، وعذبت مشاربها، وانتشرت في البسيطة مذاهبها، وردت الآمال الظماء، وضاهت الأرض بها السماء، وأغنت عن منة الغمام، وعمت مصر بالهناء حتى فاض إلى الشام، وهي وفاء النيل الذي وفى، وفي وفائه حياة البلاد والعباد، وشكر النعمة به متعين على الحاضر والباد.

ومنه أيضاً:

ورد كتابه فتمتع منه بعرائس أبكار الأفكار، وتملى منه بنفائس من أنفاس الأزهار، وشاهد كل سطر منه أحسن من سطري، وكان ناظره صائماً عن النظر لبعده فأوجب عليه عيد قدومه فطراً، وردد فكره في بدائعه الرائقة الرائعة، ورأى التشريف بإرساله من جملة صنائعه المتتابعة، ووقف عليه وسر بدونه وإيابه. وشكر الأيام التي خولته من اقترابه ما لم تطمعه الأيام في تمثيله ولم يدر في حسابه، والله تعالى يقرن اليمن بهذه الحركة، ويجعلها مشمولة على السعادة مخصوصة بالبركة.

ومنه نسخة كتاب كتبه عن نائب السلطان بالشام لما قدم المبارك الذي ادعى أنه ابن المستنصر: " سلام عليك طبتم فادخلوها خالدين ".

ليهنك النعمة المخضر جانبهامن بعدما اصفر في أرجائها العشب

ضاعف الله جلال الجناب الكريم الشريف العالي المولوي السيدي النبوي، وجعل قدومه كاسمه المبارك على الإسلام.

واسم شققت له من اسمك فاكتسشرف العلو به وفضل العنصر

وأورد ركابه الأرض الشامية ورود الغمام، وبين أنوار الخلافة على جبين مجده فلا تضام النواظر في رؤيتها ولا الأفهام، وأضاء بوجوده بيت الإمامة حتى يعود إلى عوائده الحسنى في سالف الأيام، وسخر له العزائم والشكائم، وجعل من شيمته السيوف والأقلام. ورد الكتاب الكريم تبدو البكرات من صفحاته، وتسري نسمات السعد من أنفاس كلمه الطيب ونفحاته، وكان كالسحاب إذا سح وابله، وكالذكر المحفوظ إذا عمت ميامنه للإسلام وفواضله.

وكالبدر وافته لوقت سعودهوتم سناه واستقلت منازله

فتلقاه حين ألقي إليه من سماء الشرف بالإعظام، وحل الواردون به من مواطن القبول محل ملائكة الوحي الكرام، وتلا على ما قبله: يا بشراي هذا سيد ولم يقل: هذا غلام. فأي قلب لم يسر بمقدمه، وأي طرف لم يستطع أنوار مطلعه على الدنيا ومنجمه.

ومن شعره يمدح الملك المنصور قلاوون الألفي:

تهب الألوف ولا تهاب لهمألفاً إذا لاقيت في الصف
ألف وألف في ندى ووغىفلأجل ذا سموك بالألفي

ومنه لما ختن الملك الناصر محمد:

لم يروع له الختان جناناًقد أصاب الحديد منه حديداً
مثلما تنقص المصابيح بالقطط فتزداد في الضياء وقودا

ومنه:

كتبت والشوق يدنيني إلى أملمن اللقاء ويقصيني من الدار
والشوق يضرم فيما بين ذاك وذابين الجوانح أجزاء من النار

ومنه:

في ذمة الله ذاك الركب إنهمساروا وفيهم حياة المغرم الدنف
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «حيث انتهيت من الهجران بي فقف»
فإن أعش بعدهم فرداً فيا عجباًوإن أمت هكذا وجداً فيا أسفي

ومنه يهنئ القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر ببنت:

أمولاي فتح الدين هنئ خدركمبقرة عين للصيانة والمجد
ومتعتم منها بأيمن غرةمباركة في الصالحات من الولد
وصين بني سعد حماكم وعشتمميامين فرسان اليراعة والحمد
وعوذ تم من عين حاسد فضلكمومجدكم في المجد يوماً وفي المهد
فأولادكم إما بدور فضيلةوإما شموس هن أخبية السعد
فبورك فيها طلعة فلربماأفاد بني سعد فخاراً بنو نهد

؟

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.