من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عثمان بن علي بن إسماعيل
ابن الشيخ الإمام العلامة صاحب الفنون، قاضي القضاة. فخر الدين أبو عمرو بن زين الدين الطائي الحلبي الشافعي ابن خطيب جبرين، فقيه حلب ومقرئها وحاكمها.
كان فاضلاً إذا قلت فاضل، وعالماً يقر له كل مناظر ومناضل، قادراً على حل كلام الناس في سائر الفنون، مبادراً إلى شرح ما يقرأ عليه ويأتي من ذلك بالنكت والعيون، لم أر له في هذا الشأن نظيراً يقاربه، ولا من يجاريه فيسالمه أو يحاربه، وكان في كل فن ماهراً، وعلى كل علم ظاهرا، كأن ابن الخطيب ابن خطيب الري وكلاهما فخر، وكأن هذا ذاك إلا أن الأول فينا يقطف من زهر وذاك يقطع من صخر، يحل كلام كل مصنف بغير كلفه، ويتسرع إلى فهمه، كأن له دربة قديمة وألفه.
لقد كنت أعجب من شأنه وحق لي العجب، وأتفكر في بيانه الذي أطلع على كل غائب وما احتجب، وما كان إلا أعجوبة الزمان، ونادرة الوجود في نوع الإنسان. لكنه تولى قضاء قضاة حلب فما حمد في ذلك العقبي، وضرب بينه وبين الراحة بسد فما استطاع له نقبا، وطلب إلى مصر وأنكر السلطان ولا يته وزجره، فنزل من القلعة، وكان ذلك مِنْ مَنْ أمره نهايته:
فمالنا اليوم ولا للنهىمن بعده إلا البكا والنحيب
وتوفي ﵀ في القاهرة بالمنصورية سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين بالقاهرة، كذا رأيته بخط بعض الفضلاء.
وكان ﵀ قد تلا بالسبع على شمس الدين الخابوري، والبدر التاذفي، وابن بهرام، والكمال الغرناطي. وتفقه بقاضي حلب شمس الدين بن بهرام، وقاضي حماة شرف الدين، وأخذ عن ابن ملي علم الكلام.
وتصدر وأقرأ، وتخرج به الناس، واشتهر اسمه، وكان عاقلاً ذكياً غزير المادة، كثير الإطلاع. قرأت أنا عليه بحلب سنة.. في الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، وفي الشمسية مشروحة لابن المطهر في المنطق. وحضرت دروسه الجماعة الذين يقرؤون عليه، فكنت أرى منه العجب، لم يحضر إليه أحد بأي كتاب كان في أي علم كان في أي باب كان من ذلك الكتاب إلا وأقرأه فيه، وحل كلام ذلك المصنف، ولم أر مثله في هذا الباب ولا رأى غيري إلا ما حكاه لنا الأشياخ عن الشيخ كمال الدين بن يونس، فإنه كان عجباً في هذا الباب.
وكان يقرئ في الشاطبية وكتب القراءات، وفي الحاوي، وكتب الفروع، وفي المختصر لابن الحاجب، والمحصل للإمام فخر الدين، وفي الفرائض، والجبر، والمقابلة، وفي الحساب، وعلم: الصواب، وكتاب التحت والميل، وفي الحاجبية، وفي تصريف ابن الحاجب، وفي تمرين التصريف، وفي كتب الحكمة مثل الملخص لفخر الدين، وفي كتب الطب، وفي كتب الهجاء، وفي أشياء غير ذلك.
وكان يومئذ ينوب عن القاضي زين الدين الشافعي، وعن القاضي ناصر الدين بن العديم الحنفي، ومع ذك كله يحكم بين الناس، وإذا فرغ من الحكم سبح، وكذلك في التعليم إذا قرأ الطالب اشتغل بالسبحة.
وصنف شرح الشامل الصغير وشرح التعجيز وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح البديع لابن الساعاتي. وله في الفرائض نظم، وشرحه في مجلد. ومصنف في المناسك، وفي اللغة، وشرح الحاوي في الفقه فيما أظن.
وتلا عليه بالسبع محتسب حلب نجم الدين بن السفاح الحلبي، والشيخ علي السرميني، وجمال الدين يوسف بن حسن التركماني، وأحمد بن يعقوب، ولم يكمل.
وتولى قضاء قضاة حلب الشافعية في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ثم إن السلطان طلبه وطلب ولده إلى مصر، فلما مثلا بين يديه روعهما الحضور قدامه، لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين، ومرض بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، ومات ولده قبله، وتوفي هو ﵀ بعده بيوم أو يومين، مدة المرض دون الجمعة.
وكان قد ولي حلب عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب.
وكنت قلت فيه:
غدا ابن خطيب الري للناس آيةفضائله منها البدور تمام
وفي حلب قاضي القضاة نظيرهففخرهما يسمو وليس يسام
كما اشتركا في ابن الخطيب إضافةولكن ذا قاض وذاك إمام
ومن شعره في مقلمة:
تأمل تر حالي بعديعاً وقصتيوأنعم رعاك فكرك في أمري
حويت الذي رزق الخلائق كلهموأحكامهم طول الزمان به تجري
ولو رمت مما في يد الناس حبهعجزت ولم أبلغ مرامي مدى عمري
ومنه في مروحة:
وخادم ما مثلها خادمبكل معنى حسن توصف
يروق من يبصرها حسنهاأخلاقهها محبوبة تؤلف
لباسها الوشي وفي حجرهاعود لها وهي به أعرف
يحرك الأرواح ترويحهاويشتفي المكروب إذ تطرف
ومنه:
وقائل ما الذي ترجوه حين ترىببابك الموت قد أرسى ولم ترم
وما الذي أنت يا مسكين قائلهإذا حللت بضيق اللحد والظلم
فقلت: توحدي رب العرش مدخريوحسن ظني بربي بارئ النسم
والقول فاسمع رعاك الله قول فتىعلى سوى الحق يا مولاي لم يقم
أمسيت جارك يا من لا يضام لهجار وضيفك يا ذا الجود والكرم
ومنه في أسماء الولائم:
بوليمة سم كل دعوة مأكلبتقيد لكن لعرف أطلق
ولذي الختان فتك إعذار وماللطفل فهي عقيقة بتحقق
وسلامة الحبلى من الطلق اجعلاخرساً لها ولأجل غائب انطق
بنقيعة ووكيرة لعمارةووضيمة لمصيبة بتصدق
وسم اليتامى ما لها سبب بمأدبة وخد يا صاح قول محقق
قلت: لا بأس بتصحيح ألفاظ هذه الولائم خوفاً من التصحيف: فطعام الختان إعذار وهو بالعين المهملة والدال المعجمة والراء، لأن العرب تقول عذرت الغلام إذا ختنته. وطعام المولود في اليوم السابع عقيقة، بعين مهملة وقافين وهو مشهور.
وطعام سلامة الحبلى من الطلق خرس، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها سين مهملة، تقول العرب فيه: خرسه.
وطعام الغائب إذا قدم من سفره نقيعة بنون مفتوحة وقاف مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وعين مهملة مفتوحة.
وطعام الدار إذا فرغت عمارتها وكيرة بفتح الواو بعدها كاف وياء آخر الحروف وراء بعدها هاء.
وطعام المصيبة وضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وبعد ها ياء آخر الحروف ساكنة وبعدها ميم وهاء.
والطعام بلا سبب مأدبة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء على وزن مأربة، فإن كانت المأدبة عامة فهي الجفلى بفتح الجيم والفاء واللام وبعدها ألف مقصورة، وإن كانت المأدبة خاصة لقوم بأعيانهم النقرى بفتح النون والقاف والراء وبعدها ألف مقصورة.
ومن شعر الشيخ فخر الدين في أسماء خيل الحلبة.
أسامي خيول الحلبة أعلم أنهالمن عدها عشر فخد قول واصف
مجل مصل قل مسل لثالثورابعها التالي وخمس بعاطف
وسدس بمرتاح حظي مؤمللطيم سكيت فاره غير خائف
وخذها على الترتيب والفسكل الذي يجيء أخيراً فاستمع قول عارف
قلت: لا بأس بتقييد أسماء خيل الحلبة ليؤمن فيها التصحيف: الأول: المجلي، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد اللام.
والثاني: المصلي مثل اسم الفاعل من الصلاة.
والثالث: المسلي، بضم الميم وفتح السين وتشديد اللام.
والرابع: التالي، اسم فاعل من تلا يتلو.
والخامس: العاطف بالعين المهملة والألف والطاء المهملة والفاء.
والسادس: المرتاح، بضم الميم وسكون الراء وبعدها تاء ثالثة الحروف وألف وحاء مهملة.
والسابع: الحظي بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف.
والثامن: المؤمل بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الميم وبعدها لام.
والتاسع: اللطيم بفتح اللام وكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ميم.
والعاشر: السكيت تصغير ساكت، بضم السين المهملة وفتح الكاف مخففة وبعضهم يشددها، وسكون الياء آخر الحروف وبعدها تاء ثالثة الحروف، وبعض العرب تسمية الفسكل بكسر الفاء وسكون السين المهملة وكسر الكاف وبعدها لام.
وقد طول الشيخ فخر الدين رحمه الله تعالى في عد هذه العشرة، وقد نظمها بعض الأفاضل في بيتين وهما:
أتانا المجلي والمصلي بعدهمسل وتال بعده عاطف يجري
ومرتاحها ثم الحظي ومؤملوجاء اللطيم والسكيت له يبري
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع