من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عثمان بن أبي النوق
فخر الدين المغربي.
كان له قدرة على الارتجال، والبديهة التي يعجز عنها رجاء الرجال، يكاد أنه لا يتكلم في جميع محاوراته إلا بالشعر الموزون، والنظم الذي يفرح به المخزون، ولما وصف لي بذل هونت أمره، وقلت: يكون ممن يورد تمرة وجمرة، فما كان إلا أن
رأيته بالجامع الأموي في ليلة نصف شعبان وهو واقف ينضض بلسانه مثل الثعبان والناس في ذلك الأمر المريج، وكأن صحن الجامع بذلك الوقيد أزاهر الروض البهيج، فقلت له: يا مولانا أنشدنا شيئاً من شعرك، واقذف لنا قليلاً من لآلئ بحرك، فأنشدني من وقته في الحالة الراهنة أبياتاً جملة، أتى بها سرداً من أول وهلة، كأنما كان قد بيتها لذلك، أو سهر فيها ليلة الحالك، ومعناها تشبيه ذلك الوقيد والاشتعال، ووصف ما للناس به من الاحتفال والاشتغال، وتشبيه القومة وحركاتهم، وترقيهم في درجاتهم، وانحطاطهم في دركاتهم، بحيث لو وصف في ذلك لما صدقت، ولا ارتمى بي الظن إلى ذلك ولا حلقت، فما كدت أقضي عجبي منه، ووددت أنني لم أنفصل عنه. ثم إنني اجتمعت به بعد ذلك في جامع حلب، وكان الأمر على ذلك الأنموذج الذي مضى وذهب.
وأخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: رآني مرة وبين يدي كتاب له فاتحة ذهب، فأنشدني كأنه يتحدث:
أراك تنظر في شيء من الكتبوفي أوائلة شيء من الذهب
لو شئت تصرف نقداً من فواتحهصرفت منه دنانيراً بلا ريب
قال: فوهبته الكتاب، وأنشدته:
خذه إليك بما يحوي من الذهبففي ندي السحب لا يخشى من اللهب
واضمم يديك عليه لا تمزقهفإنه ذهب من معدن الأدب
قال: وكتب إلي يتقاضاني عليقاً لفرسه، وشيئاً ينفقه:
دموع كميتي على خدهمن الجوع يطلب مني العلف
وليس معي ذهب حاضرولا فضة وعلي الكلف
ولي منك وعد فعجل بهفمن أنجز الوعد حاز الشرف
ودم وتهن بشهر الصيام بوجه يهل وكف تكف
فبعثت إليه الشعير والنفقة، وكتبت إليه الجواب:
مسحت بكمي دموع الكميتوقلت له قد أتاك العلف
ووافى إليك جديد الشعيرلعل يداوي سقام العجف
وفي كم سائقه صرةتسر لتخفيف ثقل الكلف
فإياك تحسبها للوفافإني بعثت بها للسلف
وكان يقص ما ينظمه في الورق قصاً مليحاً محكماً جيداً بالنقط والضبط، ولكن أوضاعه على عادة المغاربة في كتابتهم.
ونقلت من قصة قوله:
إلى الحر الحسيب إلي عليعلاء الدين ذي الحسب العلي
إلى من جوده عم البراباوفاق مكارماً لكريم طي
إلى من قدره فاق البراياوزاد علاً على الأفق السمي
وكان اجتماعي به في الجامع الأموي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، أو في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، واجتماعي به في حلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وتركته وهو يعمل مجلساً يفسر فيه القرآن، وكان ذلك آخر عهدي به.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع