من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
علي بن سالم بن عبد الناصر
القاضي الرئيس الفاضل المنشئ علاء الدين أبو الحسن الكناني الغزي الشافعي، أحد الأخوة.
كان حسن الشكل والسمت، بهي المنظر؛ إلا أنه لا يملك الصمت، لا يكاد يسكت إذا تكلم، ولا يخشى على حسام لفظه أن يتثلم. تام القامة، ملحي الوجه
والعمامة، وخطه جيد ما به بأس، وفضله ظاهر ما به إلباس، له قدرة على مداخلة الأكابر، والخوض معهم في اللجج والمعابر، يتحدث بالتركي، ويرمي في الإماج والألكي؛ إلا أن الموت هصر غصنه اليانع، وأجرى عليه المدامع.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وأربعين وسبع مئة فيما أظن.
باشر التوقيع بغزة بعد ابن منصور لما توجه إلى طرابلس فيما أظن، وتغير عليه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى وعزله، وأحضره إلى دمشق، واعتقله. ولما كان في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا رسم له بالمدرسة الجراحية والمواعيد بالصخرة في القدس الشريف.
وكتب إلي أيام غضب تنكز علي شعراً كثيراً، من ذلك:
غدا حالي بحمد الله حاليوبالي قد تخلص من وبالي
وراح الخير منحل العزاليعلي وقبل ذا كان الغزالي
وحزت العز مذ يممت حبراًكبحر لا يكدر بالقلال
فحياني وأحياني وأبدىمكارم لم يشنها بالقلا لي
وأرشفني على ظمأ زلالاًفكان ألذ من بنت الدوالي
وشنف مسمعي ببديع لفظفقلت أتيت بالسحر الحلال
فزدني من قريضك يا خليليفإن بليغ لفظك قد خلا لي
أبث لديك خطباً قد دهانينوائب أذهبت جاهي مالي
وقد فني اصطباري واحتماليوقد خان المناصح والموالي
فعجل يا أخا العلياء جبريوعاملني معاملة الموالي
فقد ذقت المنايا لا المنى ياإماماً قد تفرد بالمعالي
فقد قدتني الأحزان قداًبوخز البيض والسمر العوالي
وأنبني ونيبني زمانيوصيرني على جمر المقالي
وأنت أبا الصفاء تقيم عذريوتغضي عن عيوب في مقالي
أيا من علمه عم البراياوحشى حلمه في كل حال
فبلغني ولا ترجي رجائيفسيف الغم يا بن العم خالي
رجوتك في قديم ثم لماعلوت مكانة زاد الرجا لي
فلا حظني بعين الجبر واعطفحماك الله من غلب الرجال
قلت: خانته العوالي والمعالي ومالي، ما أتى لها بأخت، وكان يمكنه ذلك، وتكررت معه: لفظة: لي، بلام الجر، وياء المتكلم، وهو إيطاء، وبعضهم تسمح فيه.
وكتب على كتابي جنان الجناس:
نزهت في روض الجنان الناضرطرفاً يفديه بنور الناظر
خطرت به والحسن فيه شاهدأبكار أفكار بدت للخاطر
أكرم بجنات الجناس وزهرهامع زهرها الزاهي البهي الباهر
نمت بها لما نمت ريح الصبافغدت تضوع بالعبير العاطر
يحيا الصريع بها إذا ما جعفرمنها أتت غدرانه بغدائر
ويصير في روض المحاسن خالداًيأتي يفضل ربيعها للزائر
فأعجب لروض زخرفته يراعهفي نقش قرطاس بنقس محابر
أضحى به در البلاغة زاهياًفالناس فيه ناظم مع ناثر
قد فاق منشئه به من قبلهفاعجب لسباق أتى في الآخر
ما قدر سحبان وقدر قدامةإن خاض في بحر الخليل الزاخر
فلقد أتيت أبا الصفا بفضائلكملت به من كل واف وافر
قلدت أجياد الزمان قلائداًنظمتها من كل زاه زاهر
وسكنت معنى العز يا ابن الغر إذأبرزت معنى ذا بهاء باهر
فلك الفضاحة والسماحة والكياسة والرياسة من أقل مفاخر
قصرت في مدحيك فاعذر إننيفني فروع الفقه لست بشاعر
أصبحت من جور الزمان نعامتيفتخاء تجفل من صغير الصافر
ونظمت هذا الهموم ضجيعتيبل كان قلبي في جناحي طائر
فاغضض عن العي الذي في منطقيواحرص بجهدك أن تقيم معاذري
واسلم ودم لعرائس أبرزتهاوجليتها من بكر فكر ظاهر
فكتبت أنا الجواب أشكره على ذلك:
أسماء نظم قد زهت بزواهروحديقة قد أحدقت بزواهر
أم غادة أهديتها في جيبهامن شعرك الفتان عقد جواهر
بكرت إلي فباكرتني نشوةما كان يخطر مثلها في خاطري
في باطني منها باقي سكرةيبدو علي بها الهنا في ظاهري
مهلاً علاء الدين قد حملتنيمنناً تفوق على الغمام الماطر
وجبرت تضيفي الكسير فقد غدايروي الإجازة في الورى عن جابر
ما هذه أولى يد أوليتنيلك يا بن سالم ابن عبد الناصر
زهر ودر ذاك من روض زهانبتاً وهذا من خضم زاخر
إن كان شعر كنت أفقه عالمأو كان فقه كنت أبدع شاعر
وكتب إلي كثيراً وهذا القدر كاف.
وحمل إلي تخميس البردة؛ قصيدة البوصيري، فكتبت أنا له عليها: وقفت على هذا التخميس الذي طرز طرسه، وسقي الفضل غرسه، وجلا للعين عرسه، ونوع في البديع جنسه، ونول أهل الأدب أنسه، وساق إلى طيبة بأحمال المدائح عنسه، فرأيت أسرار البلاغة فيه فاشية، وأبكار الفصاحة كيف غدت في خدور السطور ناشيه، والبردة كيف اكتست بهذه الزيادة رقة الحاشية:
لله من جاء به أولاًفإنه أتعب من بعده
عسل ثغر الزهر في روضهلما روى الإبداع عن شهده
وكل سطر غصن قد غدايحمل من قافية ورده
أقسم ما خمسها ناظماًلكنه قد طرز البردة
فيا له من سهم خرج من كنانه، وشهم لا يثني إلا حجام عنانه، وذي فهم ثقف
العلم رمح قلمه، وأرهف سنانه، لقد أصبحت غزة به ذات عزه، وأمس كثير الفضائل وفوائد تخجل منها عزه، يقول جاره البحر: ما لي عجائبه، ولا لي لآليه، ويعجز بلديه أبو إسحاق أن يكون قوى فيه لقوافيه، ويرى الخياط أن البردة كانت قبل هذا التفصيل سدى، ويعترف الرفاء أن إبرة قلمه قد لبست من المداد الصدا، فالله يديم لبني الآداب هذه الفوائد، ويميرهم من هذه المآدب التي غصون أقلامهم في امتداحهم فوائد، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع