تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

علي بن داود

ابن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن موسى بن جبارة بن محمد بن زكري بن كليب بن جميل بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الشيخ الإمام العلامة الفريد الكامل الفقيه الأصولي النحوي الأديب نجم الدين أبو الحسن ابن القاضي عماد الدين القرشي الأسدي الزبيري القحفازي، بالقاف والحاء المهملة، وفاء بعدها ألف وراء.

قرأ القرآن الكريم على الشيخ علاء الدين بن المطرز، وكان قد أخذ القراءات

السبع عن عماد الدين بن أبي زهران الموصلي، قرأ عليه رواية أبي عمرو من طريقي الدوري والسوسي إفراداً وجمعاً.

وأخذ الفقه عن قاضي القضاة صدر الدين علي مع الفرائض قبل أن يباشر الحكم، وأصول الفقه على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة لعنايته بمختصر ابن الحاجب، وعن الشيخ جلال الدين الخبازي الحنفي.

وقرأ في أصول الدين عقيدة الطحاوي حفظاً، واعتنى بحلها وبمطالعة كتب الأصول لأصحاب أبي حنيفة ﵁، وغيرهم، وعلم العربية من الشيخ شرف الدين الفزاري، ثم عن الشيخ مجد الدين التونسي. وعلم البلاغة عن الشيخ بدر الدين بن النحوية الحموي حين جاء إلى دمشق سنة تسع وتسعين وست مئة مع الجفال، ونزل بالبادرائية، قرأ عليه كتابه ضوء المصباح، وشرحه إسفار الصباح.

والمنطق والجدل عن الشيخ سراج الدين الرومي مدرس الفرخشاهية والسفينية بالجامع الأموي.

وعلم المواقيت عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في مقدمته التي صنفها

ثم عن الشيخ بدر الدين بن دانيال بمدينة الكرك حين جفل الأعيان إليها سنة سبع مئة في مقدمته التي صنفها في علم الإسطرلاب وهي مطولة مفيدة.

وعلم العروض فمن الكتب الموضوعة في ذلك.

وحل المترجم، وجد في الكتب الموضوعة وقد تكلم فيه كلاماً غير شاف، فأخذه بالقوة حتى كتب له فيه:

إن زرزوراً ووزهزودا داود زادا

فحله.

وسمع الحديث من الشيخ برهان الدين بن الدرجي فيما حول سنة ثمانين وست مئة. سمع عليه أجزاء كثيرة، وسمع موطأ مالك من قاضي القضاة جمال الدين المالكي، ومن الشيخ نجم الدين الشقراوي الحنبلي، وسمع مختصر الرعاية للمحاسبي على قاضي القضاة شرف الدين البارزي لما قدم إلى دمشق حاجاً، ومن غيرهم.

وكان الشيخ نجم الدين مجموعاً للفضائل، ممنوعاً من الرذائل، مطبوعاً على التنديب والتندير الذي يدل على لطف الشمائل، كثير الحكايات المختصرة في دروسه، والنوادر المضحكات في غصون فوائده وغروسه، لا يخل بذلك، ولا يوجد في وقت إلا وهو عليه متهالك، يضحك الثكالى، وينشط الكسالى، مع الأصول التي أحكم

قواعدها، وكثر بروقها ورواعدها، والفقه الذي تهدلت فروعه، وتملأت منه أفاويقه وضروعه، والنحو الذي برز على أقرانه في إقرائه، وظهر مذهبه الصحيح من إفرائه، قرأ عليه فيه من الأعيان جماعة، واشتهر ذلك عنه في عصره، فما ينكر أحد سماعه، لو عاصره صاحب المفصل كان عليه مفصلاً، أو صاحب التكملة كان ناقصاً، وهذا مكملاً.

وكتب المنسوب القوي، وحرر أصله السوي، وكان خطه آنق من حواشي الأصداغ، وأظرف من الحلل التي رقمت في أوان الصحة والفراغ. وله النظم الذي هو وسط، لا هو الذي ارتفع، ولا هو الذي سقط.

كان من محاسن دمشق التي يفخر بها لزمان، وغرائبها التي قلدت جيد الدهر قلائد الجمان، وقل أن اتفق مجموعه في عصر لغيره من أهل مذهبه، أو قارب مداه من يجاري إلى غاية مطلبه. وخطب بالجامع التنكزي قبل بالدموع الأردان، وعلا المنبر فما ذكر معه سجع الحمائم على البان.

ولم يزل على حاله إلى أن أصاب الموت قحف القحفازي، واختطف روحه من المنية بازي.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.

ونقلت مولده من خطه ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثمان وستين وست مئة.

حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، وقد تقدم ذكره، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يوماً لغزاً للجماعة وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون عليه:

يا أيها الحبر الذيعلم العروض به امتزج
أبن لنا دائرةفيها بسيط وهزج

فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال له الشيخ: دورت فيها زماناً حتى ظهرت لك، يريد أنه ثور يدور في الساقية.

وجئت أنا إليه في سنة سبع عشرة وسبع مئة، وسألته في أن أقرأ عليه المقامات الحريرية، فقال: أنا والله قليل الأدب.

وسمعته يوماً يقول لمنصور الكتبي ﵀: يا منصور! هذا أوان الحجاج، اشتر لك منهم مئتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة، فقال له: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك حرفاً قدره عشر مرات.

وقيل لي: إنه لما عمر الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى الجامع الذي له بظاهر دمشق كان قد عينوا له شخصاً من الحنفية يلقب الكشك ليكون خطيباً، فلما كان يوماً وهو يمشي في الجامع المذكور، أجري له ذكر الشيخ نجم الدين ومجموع فضله وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين الزملكاني في الشافعية، فأحضره، واجتمع به، وتحدثا، ثم قال له وهم في الجامع يمشون: أيش تقول في هذا الجامع؟ فقال: مليح، وصحن مليح، لكن ما يليق أن يكون فيه كشك، فأعجب

ذلك الأمير سيف الدين تنكز، وأمر له بخطابة الجامع، وسمعت خطبته في أول يوم خطب به، وذلك في يوم الجمعة عاشر شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ثم إنه رسم له بعد مدة بتدريس الركنية، فوليها سابع عشري المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. فباشرها مدة، ثم نزل عنها، وقال: لها شرط لا أقوم به، ومعلومها في الشهر جملة كثيرة، تركه تورعاً.

وكان إذا قال هذه التناديب يقولها سريعة رشقة من غير فكر ولا روية، ويقولها وهو يضحك وينبسط.

وكان يعرف الإسطرلاب، ويحل التقويم، ويشتغل في مختصر ابن الحاجب والحاجبية والألفية لابن مالك، والمقرب لابن عصفور، وفي ضوء المصباح وغيره في المعاني والبيان.

وكان قد تولى تدريس الركنية بجبل قاسيون عوضاً عن الشيخ محيي الدين أحمد بن عقبة الحنفي لما مات في المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. وتولى الظاهرية عوضاً عن شمس الدين بن العز في أول صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.

وكنت قد كتبت أليه لما وضعت تاريخي الكبير أطلب منه ما أستعين به على ترجمته على العادة في مثل ذلك، ومنه:

يا مفيد الورى معاني المعاليوإمام الأنام في كل علم
إن لي معجماً كأفق فسيحاشتهى أن يزان منك بنجم

فتأخر جوابه عني، فكتبت إليه أيضاً:

ظفرت بوعد منك بلغني المنىوجودك نجم الدين ليس يحول
وقد طال ليلي لانتظار ورودهوليل الذي يرعى النجوم طوي

وكتبت معه السؤال الذي تقدم ذكره في ترجمة الشيخ زين الدين بن شيخ العوينة آنفاً وأوله:

ألا إنما القرآن أكبر معجزلأفضل من يهدي به الثقلان

فكتب هو إلي بخطه:

يا سائلي عن نسبيومولدي وأدبي
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وما قرأ في العلوم من شريف الكتب

ومن أخذت ذاك عنه من شيوخ مذهبي

وغيرهم ممن حوىسر كلام العرب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وما الذي سمعتهعن النبي العرب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وما الذي سمعتهعن النبي العربي
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
صلى عليه الله ما احلولك جنح غيهب
وذكر شيء صغتهمن شعري المنتخب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وما الذي صنفتهمن كتب وخطب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

لولا وجوب حرمة القصد ورعي الرتب

ما قلت ذاك خشيةمن حاسد مؤنب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

يقول إني قلته مفتخراً بحسبي

لكنما البخل بماسئلت لا يحسن بي
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
والمقتضى مني لهلا يأتلي في الطلب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وهو خليل في الرخاوعدة في الكرب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وهمة في جمع شم؟ل الفضل لا في النشب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وما صلاح الدين إلافي اقتناء القرب
هو الذي أوجب لييا صاح كشف الحجب
عن محتدي ومولديوفضلي المحتجب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
فقلت غير آمنمن عائب مندب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
مختصراً مقتصداًمعتذراً من رهبي
ما ستراه واضحاًمرتسماً عن كثب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
ما زلت للفضل حمىولبنيه كالأب
تجمع شمل ذكرهممخلداً في الكتب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

وذكر نثراً ما ذكرته في صدر ترجمته هذه، ثم إنه قال: وأما الرواية فإني لم أسمح لأحد بأن يروي عني مسموعاتي لصعوبة ما شرطه أصحابنا في الضبط بالحفظ من حين سمع إلى حين روى، وأن الكتب التي سمعتها لم تكن محفوظة عندي، فضلاً عن حفظ ما سمعته. وأما ما صنفه من الكتب فإني رغبت عن ذلك لمؤاخذتي للمصنفين،

فكرهت أن أجعل نفسي غرضاً لمن يأخذ علي، غير أني جمعت منسكاً للحج أفردت فيه أنواع الجنايات، ومع كل نوع ما يجب من الجزاء على من وقع فيه؛ ليكون أسهل في الكشف ومعرفته، وكان ذلك بسؤال امرأة صالحة لا أعلم في زماننا أعبد منها، وانتفع بحسن القصد فيه وبركتها خلق كثير. وأما ما سمحت به القريحة الجامدة والفكرة الخامدة، فمن ذلك ما كتبت به إلى عماد الدين بن مزهر، وقد كان يجتمع معنا في ليالي الشتاء عند بعض الأصحاب، فلما مات عمه تزوج جاريته، وانقطع عنا، فقلت:

إن يكن خصك الزمان بخودذات قد لدن وخد أسيل
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

فلقد فزت بالسعادة والرحب وفارقتنا بوجه جميل

قلت: هو مأخوذ من قول ابن الخيمي:

لو رأى وجه حبيبي عاذليلتفارقنا على وجه جميل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «لا تلمني عاذلي حين ترى»

وقال: وقلت متذكراً لزيارة الكعبة وزيارة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام:

يا ربة الستر هل لي نحو مغناكمن عودة أجتلي فيها محياك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
أم هل سبيل إلى لقياك ثانيةلمغرم ما مناه غير لقياك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
له نوازع شوق بات يضرمهابين الجوانح والأحشاء ذكراك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
لم ينس طيب لياليك التي سلفتوكيف ينساك صب بات يهواك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
يا ربة الخال كم قد طل فيك دمفما أجل بعرض البيد قتلاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
أسرت بالحسن ألباب الأنام فماأعز في ذل ذاك الأسر أسراك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
ماذا عساها ترى تنأى الديار بنالو كنت في مسقط الشعرى لجيناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
ولو تحجبت بالسمر الذوابل عنزوار ربعك يا سمرا لزرناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

ذلت لعزك أعناق الملوك أعلاك يا منتهى سؤلي وأغلاك

تهتكت فيك أستار الهوى ولهاًلما بدا من خلال الستر معناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
يا هل ترى يسمح الدهر المشت بماأرجوه من قرب مغناك لمضناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وأجتلي من محياك الجميل ضحىما بات يحكيه لي من حسنك الحاكي
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

من بعد خط رحالي في حمى أرج الأرجاء بالمصطفى الهادي الرضى الزاكي

خير الخلائق طراً عند خالقهوخاتم الرسل ما حي كل إشراك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

سباق غايات أقصى الفضل والشرف الأعلى وراقي العلى من غير إدراك

مهدي المعارف مبدي كل غامضةمسدي العوارف مردي كل فتاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

محمد ذي المقال الصادق الحسن المصدوق في القول مقتصي كل أفاك

يا نفس إن بلغتك العيس حجرتهوصافحت يمن ذاك الربع يمناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
ونلت مأمؤلك الأقصى بلثم ثرىأعتابه وبلغت القصد من ذاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وقمت بين يديه للسلام علىأقدام ذلك تذري الدمع عيناك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وقد مددت يد الإملاق طالبةسؤاله لك عفواً عند مولاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
فقد بلغت المنى والسول فاجتهديهناك واستنجدي لي طرفك الباكي
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

عساك أن ترزقي عطفاً عليك فإن رزقت ذاك فيا والله بشراك

وليهنك السعد إذ حطت رحالك فيربع به لم تزل تحدى مطاياك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
فثم أندى الورى كفاً وأعظمهمجاهاً وأرحبهم صدراً لملقاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وخيرهم لنزيل في حماه وأوفاهم ذماماَ وأملاهم بجدواك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
آخر قلباه من شوق لرؤيتهفقد تقادم عهد الشيق الشاكي
بالله يا نفس كوني لي مساعدةحاشاك أن تخذليني اليوم حاشاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وجددي العزم في ذا العام واجتهديعسى بذلك تخبو نار أحشاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
فإن حرمت لقاه تلك معذرةوإن ظفرت به يا حسن مسعاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
صلى عليه إله العرش ما قطعتكواكب الأفق ليلاً برج أفلاك
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

قال: وقلت عند قدوم الحج في بعض السنين أبياتاً أنشدت بدار الحديث الأشرفية:

يا نياق الحجيج لا ذقت سهداًبعدها ولا ولا تجشمت وخدا
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
لا فدينا سواك بالروح مناأنت أولى من بات بالروح يفدى
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
يا بنات الذميل كيف تركتنشعاب الغضا وسلعاً ونجدا
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاًبوجوه زارت معالم سعدى
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

قال: ولم يحضرني باقيها.

ولما ظفر قازان في سنة تسع وتسعين، ثم جاء في سنة اثنتين وسبع مئة، فكسر، وقيل لي: إن قازان عندهم اسم للقدر، قلت:

لما غدا قازان فخاراً بماقد نال بالأمس وأغراه البطر
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
جاء يرجي مثلها ثانيةفانقلب الدست عليه فانكسر
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

قلت أنا: هذان البيتان في غاية الحسن في بادي الرأي، ولكن إذا حكهما النظر ونقدهما تبهرجا وتزيفا وذلك لأن القدر في اللغة التركية قرن، هكذا بلا ألف، وأولها قاف، وقازان إنما هو: غازان، بالغين المعجمة، وإنما قال ذلك المتهكم به، كما قالوا في بولاي: بوليه، وفي خداي بندا خربندا، وفي قوله: فانقلب الدست عليه، فانكسر فيه أيضا، نظر، لأن المعنى الذي ورى به لا يصح له وبأدنى تأمل يظهر هذا للبيب، ولولا أن هذا شعر مثل هذا شيخ الأدب وفقيه وما وأخذته، فإنه قد مر ويمر في هذا التاريخ أشياء من هذا النوع فما أعرج على المؤاخذة.

قال الشيخ نجم الدين: ولما ذهب بدر الدين بن بصخان مع الجفال إلى مصر وأقام هناك كتبت إليه:

يا غائباً قد كنت أحسب قلبهبسوى دمشق وأهلها لا يعلق
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
إن كان صدك نيل مصر عنهملا غرو فهو لنا العدو الأزرق
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

قلت: وقد ذكرت في ألحان السواجع ما جاء في هذه المادة.

قال الشيخ: ومن الخطب فاتحة خطبة رأس السنة: " الحمد لله الذي لا تدرك كنه عظمته ثواقب الأفهام، ولا تحيط بمعارف عوارفه

خطرات الأوهام، ولا تبلغ مدى شكر نعمه محامد الأنام، الذي طرز بعسجد الشمس حواشي الأيام، ورصع بجواهر النجوم حلة الظلام، وفصل بلجين الأهلة عقود الشهور والأعوام.

أحمده على نعمه الجلائل العظام، ومنه الشوامل الجسام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا نقص لها تمام، ولا يخفر لها ذمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله وسوق الباطل قد هام، وطرف الرشد قد نام، وأفق الحق قد غام، فجرد سيف العزم وشام، وعنف على الغي ولام، واقتاد الخليفة إلى السعادة بكل زمام، صلى الله عليه وآله الخيرة الكرام، صلاة لا انفصال لمتتابعها ولا انفصام.

قال: وأما الجواب عن إعادة لفظ الأهل في قوله تعالى: " حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها "، ولم يقل: استطعماهم، والمحل إضمار، وفيه الإيجاز، فقد علم أن البلاغة لا تختص بالإيجاز، وإنما هو نوع من أنواع، وأن مدار حسن الكلام وارتفاع شأنه في القبول بإيراده مطابقاً لمقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال خليقاً ببسط الكلام تعلقت البلاغة ببسطه، وإن كان حقيقاً بالإيجاز كانت البلاغة في إيراده كذلك، ثم قد يعرض للبليغ أمور يحسن معها إيراد الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فيتنزل غير السائل منزلة من يسأل إذا كان قد لوح له بما

يقتضى السؤال، ويتنزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهرت عليه مخايل الإنكار، ويوقع المضمر في موضع الظاهر، والظاهر في موضع المضمر إلى غير ذلك من الأمور المذكورة في علم البلاغة، والذي حسن إيقاع الظاهر موقع المضمر في الآية الكريمة أن الظاهر أدل على المعنى الذي وضع له اللفظ من المضمر؛ لأنه يدل عليه بنفسه، والمضمر يدل عليه بواسطة ما يفسره، وقصد المتكلم هنا الإخبار عن الذين طلب منهم الإطعام أنهم أهل القرية؛ لأن من غشيه الضعف في منزله ولم يعتذر بعذر عن إكرامه؛ بل قابله بالمنع مع ظهور حاجته التي أوجبت له أن يسأل منه ذلك؛ لأن المسألة آخر أسباب الكسب يعلم بذلك أن الحامل له على الامتناع من إضافته لؤم الطباع واتباع مذموم البخل ولشح المطاع، كما قال الشاعر:

حريص على الدنيا مضيع لدينهوليس لما في بيته بمضيع
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

حتى روي عن النبي ﷺ أنه قال: " كانوا أهل قرية لئاماً "، ومن كانت هذه سجيته كان حرياً بالإعراض عنه، وعدم مقابلته بالإحسان إيه، فلما رأى موسى صلوات الله عليه إصلاح الخضر ﵇ لجدار مشرف على السقوط في القرية التي هؤلاء أهلها من غير طلب أجر ذلك منهم مع الحاجة إلى ذلك عجب من ذلك وأنكره حتى كأن نسي ما قدمه من وعده إياه بالصبر وبعدم المصاحبة إن سأله عن شيء بعد ذلك، مع حرصه على صحبته والتعلم منه فكان في إعادة لفظ الأهل في الآية الكريمة إقامة لعذر موسى في الاعتراض في هذه الحالة؛ لأنه حالة لا يصبر عن

الاعتراض فيها لأن حالهم يقتضى بذل الأجر في إصلاح أمر ديناوي لحرصهم وشحهم فترك طلب الأجرة على إصلاح ذلك مع الضرورة والحاجة وقع إحساناً إلى أهلها الذين قابلوهما بالمنع عن الضيافة، فكانت البلاعة متعلقة بلفظ الأهل التي هي الحاملة على الاعتراض ظاهراً فأطلعه الخضر ﵇ بأن الجدار إنما كان ليتيمين من أهلها، واليتيم محل المرحمة، وليس محلاً لأن يطلب منه أجرة، وإما لعجزه، أو لفقره وهو الظاهر، أو لأنه لا يجوز تصرفه في ماله، ولهذا قال: " رحمة من ربك "، ولم يكن لأهلها الذين أبوا أن يضيفوهما، والله ﷾ أعلم، انتهى ما نقلته من خط الشيخ رحمه الله تعالى.

قلت: جواب الشيخ رحمه الله تعالى في غاية الحسن، وهو كلام عارف بهذا الفن، جار على القواعد، والذي قاله الشيخ جمال الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى في الجواب عن ذلك ملخصه: أنه إنما أعاد الأهل بلفظ الظاهر، لأمرين. أحدهما: أن استطعتم صفة لقرية، فلو قال: أستطعماهما لكان مجازاً، إذ القرية لا تستطعم، فلا بد من ذكر المضاف مضمراً، فتعين ذكره مظهراً، ولا يرد عليه أن استطعما جواب ل؟ إذا، لا صفة لقرية، لأنا نقول: لقوله في القصة الأخرى: " حتى إذا لقيا غلاماً فقتله "، فقال: ههنا جواب إذا متعين ولا يستقيم أن يكون فقتله جوابه إذ الماضي الواقع في جواب، إذا لا يكون

بالفاء، فتعين فيه. قال: والظاهر أن الجواب في القصة الأخرى هكذا لأنها في مساق واحد.

الثاني: أن الأهل لو أضمر لكان مدلوله مدلول الأول، ومعلوم أنه جمع الأهل، ألا ترى أن إذا قلت: أتيت أهل قرية كذا، إنما تعني: وصلت إليهم، فلا خصوصية لبعضهم، والاستطعام في العادة إنما يكون لمن يلي النازل بهم وهم بعضهم، فوجب أن تقول: استطعما أهلها لئلا يفهم أنهم استطعموا جميع الأهل، وليس كذلك.

وقد أجابني عن هذا السؤال شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى بجواب طويل، نظم ونثر، وقد كتبته بخطي، وقرأته عليه، وهو مثبت في التذكرة التي لي. وقد تقدم جواب الشيخ زين الدين علي بن الحسين بن شيخ العوانية في ترجمته أيضاً.

ومن شعر الشيخ نجم الدين رحمه الله تعالى، قوله في مليحة اسمها: قلوب:

عاتبني في حبكم عاذليزعم نصحي وهو فيه كذوب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وقال: ما في قلبك اذكره ليفقلت في قلبي المغنى قلوب
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

ومنه في مليح نحوي:

أضمرت في القلب هوى شادنمشتغل في النحو لا ينصف
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
وصفت ما أضمرت يوماً لهفقال لي: المضمر لا يوصف
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

وأنشدني من لفظه لنفسه ما كتبه من أبيات إلى الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني.

بأبي بكر خصصت بهامن أخي الأفضال والمنن
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
أقبلت تختال في حللوشيها من صنعة اليمن
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة
فرعها يملي خلاخلهاما يقول القرط في الأذن
للشاعر نجم الدين القحفازي، اقرأ القصيدة

قلت: هو مأخوذ من قول الصاحب جمال الدين عيسى بن مطروح:

إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطهافيا طيب ما تملي عليه الظفائر
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «خذوا حذركم من طرفها فهو ساحرُ»

ولكن قول الشيخ نجم الدين أخصر بكثير، فهو أحق به.

؟

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.