من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
علي بن المظفر
ابن إبراهيم بن زيد، الأديب البارع الكاتب الفاضل، المقرئ، المحدث، المنشئ، الناظم، علاء الدين الكندي الإسكندراني ثم الدمشقي المعروف بالوادعي، كاتب ابن وداعة.
وتلا بالسبع على علم الدين القاسم، وشمس الدين بن أبي الفتح. وطلب الحديث، ونسخ الأجزاء. وسمع من عبد الله الخشوعي، وعبد العزيز الكفرطابي، والصدر البكري، وعثمان ابن خطيب القرافة، وإبراهيم بن خليل، والنقيب بن أبي الجن، وابن عبد الدائم، ومن بعدهم. ونظر في العربية.
وكان ناظماً غواصاً على المعاني، شاعراً قادراً على إحكام ما للأبيات من المباني. جود المقاطيع دون القصائد، وأتى في كل بدر العقود وجواهر القلائد، يغوص على المعاني ويغور، ويفوح أرج نظمه ويفور.
وكتب المنسوب الذي أزرت لآليه بياقوت، وأذكر الناس بما يروى من
السحر عن هاروت وماروت، ما كأن طروسه إلا حدائق، ولا كأن حروفه إلا رياض بين العذيب وبارق، ولا كأن مداده إلا شعرات في صدغي غلام مراهق.
جمع المجاميع الأدبية، وانتقى الأحاديث النبوية، وله التذكرة الكندية التي بخانقاه الشميساطي تشهد بفضله، وتعترف بنباهته ونبله، وديوانه يدخل في مجلدين كبيرين، وقفت عليهما فأطرباني، وقلت للدف والشبابة بعدهما لا تقرباني، ولملكتهما فملكا قلبي، ووضعتهما بين كتبي، وقد سكنا خلبي وقد انتقيت منهما ما راق نظمه، وكمل بدره تمه، ومن ذلك قطعة وافرة في الجزء الثالث والثلاثين من التذكر التي لي.
إلا أنه كان يتشيع، ويتوعر بذلك في ألفاظه وما يتورع.
وكتب الدرج موقعاً بالحصون مدة طويلة، ثم دخل آخر عمره ديوان الإنشاء بدمشق، على رأي العوام، بألف حيلة، وكان هجاماً على الأعراض، هجاء للجواهر والأعراض، وكان الناس ينفرون منه لذلك، ويرون فضائله المضيئة كأنها الليل الحالك، ومع تفنن فضائله وتوسع رسائله لما دخل الديوان لا راح ولا جا، ولم يره الجماعة في باب الكتابة ولا جا، كما جرى لبعض الناس، وقال الجماعة للمتعجب: " ما في وقوفك ساعة من باس "، حتى قلت أنا:
لقد طال عهد الناس بابن فلانةوما جاء في الديوان إلا إلى ورا
فقلت كذا كان الوداعي قبلهولا شك فيه أنه كان أشعرا
ولم يزل على اله إلى أن تحقق الوداعي من الحياة وداعة، واسترجع الأجل ماله عنده من وداعة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الأربعاء سابع عشر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة تقريباً.
وتوفي ببستانه عند قبة المسجف.
قال شيخنا الذهبي: كان يخل بالصلوات فيما بلغني.
وكان شاهداً بديوان الجامع الأموي، وولي مشيخة الحديث بالنفيسية، وتولى نظر الصبية وبانياس فيما أظن، وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين بن فضل الله ما كتبه على ديوان الوداعي رحمهما الله تعالى:
بعثت بديوان الوداعي مسرعاًإليك وفي أثنائه المدح والذم
حكى شجر الدفلى رواء ومخبراًفظاهره شم وباطنه سم
ولما شاع عنه كثرة الهجو تطلب القاضي نجم الدين بن صصرى ديوانه، وتذكرته من خانقاه الشميساطي، وكشط من ذلك أهاجي الناس، ولم يقدر على استيعاب ذلك، فإنني وجدت له بعد ذلك بخطه كثيراً.
وكان شيخاً مسناً، وله ذؤابة بيضاء إلى أن مات، ونقلت من خطه له:
يا عائباً مني بقاء ذؤابتيتالله قد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتيفعلام أٌطعها أوان مشيبها
قلت: نقل هذا من الحكاية التي تحكى عن بعض الوعاظ أنه طلع المنبر ووعظ والسلطان قد حضر ميعاده على كراهية له وهو يتكلم والمقص إلى جانبه والطواقي، والناس يصعدون إليه ويتوبون على يديه، فيقص شعورهم ويلبسهم الطواقي، فما كان
إلا أن طلع إليه بعض خواص السلطان ممن يحبه ويهواه، وله ذؤابة سوداء مليحة طويلة، فتغير السلطان، وقال لمن يعز عليه: والله إن قطع شعر هذا المملوك لأقطعن يده، فلما صعد إلى الواعظ علم أنه قد وقع في خطر، فأخذ شعره في يده، وأخذ يفكر في خلاصه من تلك الورطة، وشغل المجلس بأشعار وحكايات، ثم قال: يا جماعة! أتدرون ما يقول لسان حال هذه الذؤابة، فقالوا له: ما يقول؟ قال: يقول: أنا كنت معه في زمن المعصية بالله لا تفرق بيني وبينه في زمن الطاعة، انزل روح يا سيدي، فأعجب السلطان ذلك والناس، ووقع كلامه منهم بموقع جد.
وإنما سمي علاء الدين الوداعي، لأنه كان يكتب للصاحب علاء الدين بن وداعة، ولذلك قال، ونقلته من خطه:
ولقد خدمت الصاحب ابن وداعة دهراً طويلاً
فلقيت منه ما التقىأنس وقد خدم الرسولا
وأنشدني شيخنا شمس الدين الذهبي، قال: أنشدنا المذكور من لفظه لنفسه، ونقلته أنا من خطه:
من زار بابك لم تبرح جوارحهتروي محاسن ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلةوالقلب عن جابر والأذن عن حسن
ونقلت منه ما كتبه لبعض أصحابه بمصر:
رو بمصر وبسكانهاشوقي وجدد عهدي البالي
وصف لي القرط وشنف بهسمعي وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلهاحديث صفوان بن عسال
فهو مرادي لا يزيد ولاثورا وإن رقا وراقا لي
ونقلت منه:
وزائر مبتسميقول لما جا: أنا
فقال أيري منشداًأهلاً بتين جاءنا
قلت: يشير إلى قول الشاعر:
أهلاً بتين جاءنامفتح على طبق
كسفرة من أدممجموعة بلا حلق
ونقلت منه له:
لله ما أرشقه من كاتبليس له سوى دموعي مهرق
يميس رقصاً في قباء أسودفقلت: هذا ألف محقق
ونقلت منه له:
وذي دلال أحور أجحرأصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساتهوقال: ساقي، قلت: في وسطي
ونقلت منه له:
ولم أرد الوادي ولا عدت صادراًمع الركب إلا قلت: يا حادي النوق
فديتك عرج بي وعرس هنيهةلعلي أبل الشوق من آبل السوق
ونقلت منه له:
سقيا لكرم مدامةأنشت لها النشوات ليلا
خلعت علينا سكرةبدوية كما وذيلا
ونقلت منه له:
ويوم لنا بالنيربين رقيقةحواشيه خال من رقيب يشينه
وقفنا فسلمنا على الدوح غدوةفردت علينا بالرؤوس غصونه
ونقلت منه له:
ذكرت شوقاً وعندي ما يصدقهقلب تقلبه الذكرى وتقلقه
هذا على قرب دارينا ولا عجبفالطرف للطرف جار ليس يرمقه
قلت: أخذه من قول الأول، والأول أحسن:
لئن تفرقنا ولم نجتمعوعاقت الأقدار عن وقتها
فهذه العينان مع قربهالا تنظر الأخرى إلى أختها
ونقلت من خطه له:
الغرب خير وعند ساكنهأمانة أوجبت تقدمه
فالشرق من نيريه عندهميودع ديناره ودرهمه
وقال أيضاً:
حوى كل من الأفقين فضلاًيقربه الغبي مع النبيه
فهذا مطلع الأنوار منهوهذا منبع الأنوار فيه
قلت: أخذ الوداعي معناه الأول وبعض الثاني من قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: " وتلك الجهة وإن كانت غربية فإنها مستودع الأنوار وكنز دينار الشمس ومصب أنهار النهار ".
ونقلت من خطه له:
رمتني سود عينيهفأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدعسهام الليل ما تخطي
ونقلت منه له وظرف:
لنا صاحب قد هذب الطبع شعرهفأصبح عاصية على فيه طيعا
إذا خمس الناس القصيد لحسنهفحق لشعر قاله أن يسبعا
ونقلت منه له:
قل للذي بالرفض أتهمني أضل الله قصده
أنا رافضي لاعن الشيخين والده وجده
ونقلت منه له:
ولا تسألوني عن ليال سهرتهاأراعي نجوم الأفق فيها إلى الفجر
حديثي علا في السماء لأننيأخذت الأحاديث الطوال عن الزهري
ونقلت منه له:
امرؤ القيس بن حجر جدناكان من أعجب أملاك الزمان
ضل لما ظل يبغي ملكهموهدى الناس إلى طرق المعاني
ونقلت منه له:
كم رمت أن أدع الصبابة والصبافثنى الغرام العامري زمامي
بذوائب ذابت عليها مهجتيومناطق نطقت بفرط سقامي
ونقلت منه له:
تأمل إلى الزهر في دوحهومن زاره من ملاح الفتون
تظن الوجوه التي تحتهتساقطن من فوقه من عيون
ونقلت منه ما قاله في رأس العين ببعلبك:
لله در العين ليلة زرتهافوجدتها راقت ورقت مشرعا
واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتني القمرين في وقت معا
ونقلت منه له:
يا عاذلي في وحدتي بعدهموأن ربعي ما به من جليس
وكيف يشكو وحدة من لهدمع حميم وأنين أنيس
ونقلت منه له:
قسماً بمرآك الجميل فإنهعربي حسن من بني زهران
لا حلت عنك ولو رأيتك من بنيلحيان لا بل مني بني شيبان
ونقلت منه له:
قلت وقد ماس في الكسا رشاًيخجل بدر التمام حين بدا
إن الكسائي لم يمل أبداًأحسن من قده إذ أبدا
ونقلت منه له:
أدام الله أيام العذاروبارك في لياليه القصار
وأغنى الله روضة كل خدإذا استحيت من الديم الغزار
ولا زالت مباسم كل ثغرلشائم برقا ذات افترار
ولا برحت على العشاق تصفوثياب العار في خلع العذار
قلت: قد حذا حذو شمس الدين بن العفيف التلمساني حيث قال وهو ألطف:
أعز الله أنصار العيونوخلد ملك هاتيك الجفون
وضاعف بالفتور لها اقتداراًوإن تك أضعفت عقلي وديني
وأسبغ ظل ذاك الشعر يوماًعلى قد به هيف الغصون
وصان حجاب هاتيك الثناياوإن ثنت الفؤاد إلى الشجون
وخلد دولة الأعطاف فيناوإن جارت على قلبي الطعين
وقول شمس الدين محمد أيضاً:
أدام الله أيام الجمالوخلد ملك هاتيك الليالي
وأسبغ ظل أغصان التدانيوزاد قدودها حسن اعتدال
ولا زالت ثمار الأنس فيهاتزيد لطافة في كل حال
ولا برحت لنا فيها عيونتغازل مقلتي خشف الغزال
ونقلت من خطه له:
تعجبوا من أدمعي إذ غدتبيضاً وكانت من دم قان
لا تعجبوا طرفي رب الهوىوكل يوم هو في شان
ونقلت منه له:
قلت للعاذل المفند فيهاحين وافت وسلمت مختاله
قم بنا ندعي النبوة في العشق فقد سلمت علينا الغزاله
ونقلت منه له أيضاً في شاهد:
قضيت نجبي في هوى شاهدأصبح عدل القد بين القدود
وليس لي من أمره مخلصوهكذا القاضي أسير الشهود
قلت: كان ينبغي أن يأتي بالتوطئة بذكر القاضي ليكون المثل كاملاً.
ونقلت منه له:
متى أرى النفس التيمن بعدهم قد نحلت
تفتح أبواب الهناإن هي إليهم قفلت
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع