تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

علي بن محمدابن الكلاس

وبابن الريس، وكان هو يكتب على المجلدات: علي الدواداري، الفاضل الأديب الماهر علاء الدين.

كان يتوقد ذكاؤه، وتشرق في سماء الأدب ذكاؤه. جمع مجاميع أدبية، وعلق نكتاً حديثية، واقتنى من الكتب جمله، وأثقل بها حمله.

وسمع من المشايخ وعلق، ووفى نبل أدبه وغلق. وكان خطه يتحدر كالسيل ويتألق كالبرق في الليل، يدل على قوة يده وتسرعها، وملاءتها من القدرة وتضلعها.

وكان جندياً في حلقة جلق، وحرفته من أرباب السيوف التي هو بها متعلق.

ولم يزل على حاله إلى أن انطفأ ابن الكلاس، ولم يضئ له جلاس بين الجلاس.

وتوفي رحمه الله تعالى بقرية حطين من بلاد صفد، قبل الثلاثين وسبع مئة، أو ما بعدها.

ورأيته بدمشق غير مرة. وكان قد وقع بينه وبين صاحبنا زين الدين الصفدي، وعبث به، وصنع فيه مقامة. ومن شعره:

خليلي ما أحلى الهوى وأمرهوأعرفني بالحلو منه وبالمر
للشاعر علي بن الجهم، من قصيدة «عيون المها بين الرصافة والجسر»
بما بيننا من حرمة هل رأيتماأرق من الشكوى وأقسى من الهجر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

ومنه:

سقطت نفوس بني الكرام فأصبحوايتطلبون مكاسب الأنذال
ولقلما طلب الزمان إساءتيإلا صبرت وإن أضر بحالي
نفسي تطالبني وتأبى همتيأن استفيد غنى بذل سؤال

قلت: وقد أولع الشعراء بهذا المعنى، ومما قلت أنا فيه مضمناً قول المعري:

قضت لي أن لا اشتكي الدهر همتيولو ساورتني أسده والأساود
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قضت لي أن لا أشتكي الدهر همتي»
وأن لا أنال الرزق في دار ذلةولو أنني في هالة البدر قاعد
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قضت لي أن لا أشتكي الدهر همتي»

ومن شعر ابن الكلاس:

تقدمت فضلاً من تأخر مدةبوادي الحيا طل وعقباه وابل
وقد جاء وتر في الصلاة مؤخراًبه ختمت تلك الشفوع الأوائل
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

ومنه:

فكرت في الأمر الذي أنا قاصدتحصيله فوجدته لا ينجح
وعلمت من نصف الطريق بأن منأرجوه يقضي حاجتي لا يفلح

ومنه يلغز في القلم:

ما اسم له في السماء فعلوالأرض فيها له مكان
ينطق بين الأنام حقاًبصمته إذ له لسان
فأعجب له ناطقاً صموتاًله على الصمت ترجمان

ومنه يلغز في الرغيف:

ومستدير الوجه كالترسيجلس للناس على كرسي
يدخل فيه البدر حمامهوبعدها يخرج كالشمس
يواصل السلطان في دستهواللص في هاوية الحبس
لو غاب عن عنترة ليلةوهت قوى عنترة العبسي

ومنه:

من مبلغ غبريل أن رحيلهجلب السرور وأذهب الأحزانا
والناس من فرط الشماتة خلفهكسروا القدور وأوقدوا النيرانا

ومنه:

وأهيف تحكي البدر طلعة وجههوإن لم يكن في حسن طلعته البدر
خلوت به ليلاً يدير مدامةوجنح الدجا دون الرقيب لنا ستر
فلما سرت كاس الحميا بعطفهومالت به تيهاً ورنحه السكر
هممت برشف الثغر منه فصدنيعذار له في منع تقبيله عذر
حمى ثغره المعسول نمل عذارهومن عجب نمل يصان به ثغر

وكان المجير الخياط قد كتب إلى علاء الدين بن الكلاس أبياتاً كتب بها إلى غيره أولاً وأولها:

علاء الدين إن تنسى الوداداوتمنحنا القطيعة والبعادا

فأجابه علاء الدين عنها بأبيات أولها:

مجير الدين فت الناس نظماًونثراً واختياراً وانتقادا

ثم إن علاء الدين علم أن المجير كان قد كتب بها إلى غيره، فكتب المجير إليه، ومن خطه نقلت الأصل والجواب:

يا علاء الدين يا منطاب بالآداب ذكره
وله عرف ثناء عطرالأقطار نشره
نظمه فاق الدراريونظام الدر نشره
أيها الصدر الذي حاز علوم الناس صدره
والأديب الشهم قناص المعاني الغر فكره
والجواد الجائد الحاوي بحار الجود شبره
عندنا منك حياءجل عند الناس قدره

إذ بعثنا نحوك الشعر الذي فصل شذره

وبه غيرك من قبلك قد قلد نحره

فاغتفر هفوة هافجاء بالأعذار شعره
وليفز منك بعفووليقم عندك عذره

فكتب علاء الدين الجواب عن ذلك:

يا مجير الدين يا منأعجز الألسن شكره
وله بحر نوالعغمر العافين غمره
والذي يحلو بأفواهـ ذوي الألباب ذكره

والذي بذ فحول الشعر في المضمار شعره

والذي فوق السماكين وفوق النسر قدره

كل مفضال أياديه بها قلد نحره

أيها الحبر مجير الدين والمحمود خبره

جاءني منك قريضيسكر الألباب خمره
جامع در المعانيعونه فيه وبكره

حل في القلب كما حل بروض الحزن قطره

بل كما ضاء لساري الليل في الظلماء بدره

نحو من يطلب من جودك أن يبسط عذره
عبد إخلاص تساوىسره فيك وجهره
وإلى رؤيا محياك فني والله عمره

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.