من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
فاطمة بنت الخشاب
ماذا روى «أعيان العصر وأعوان النصر» عن فاطمة بنت الخشاب؟
نقلت من خط القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: بلغني عنها وقد سكنت قريباً مني أنها تجيد النظم، فكتبت إليها لأمتحنها في شهر رجب سنة تسع عشرة وسبع مئة:
هل ينفع المشتاق قرب الداروالوصل ممتنع على الزوار
يا نازلين بمهجتي وديارهممن ناظري بمطمح الأبصار
هيجتم شجني فعدت إلى الصبامن بعد ما وخط المشيب عذاري
أني اهتديت، وليلتي مسودةوضللت حين أضاء ضوء نهاري
عهدي بأني لا أخاف من الردىفحذار من لحظ العيون حذار
لا أرهب الليث الهزبر مجاوراًداري، وأرهب من جوار جوار
الصائبات بلحظهن مقاتليهل للسهام لدي من أوتار
يا جيرتي الأدنين حقي واجبإن كنتم ترعون حق الجار
ليلي بكم أدب الزمان مقسمما بين تسهيد إلى أفكار
يا جيرةً جار الزمان ببعدهموهم بأقرب منزل وجوار
إني سمعت صفاتكم فسكرت منطربي بغير مدامة وحمار
وهويت بالأخبار حسنكم كماتهوى الجنان بطيب الأخبار
يا معرضين وما جنيت إليهمذنباً سوى وجدي وقرب ديار
ميلوا إلي فللغصون تمايلحتى تقبل أوجه الأنهار
وتلفتوا نحوي التفات أوانسإن الأوانس غير ذات نفار
واجلوا محاسنكم لأحظى بالذيقد كنت أسمعه من الأخبار
لا تحسبوا أن السفور نقيصةًأو ما ترون مطالع الأقمار
أو تحسبوا أني أضيع سركموأنا المعد لمودع الأسرار
أيجوز أن أظمأ وورد نداكمصفو من الأقذاء والأكدار
وأموت من دائي وفي أيديكمطبي من الأسقام والأخطار
ولقد عرفتم في الأنام بمنطقعذب المذاقة طيب المشتار
فحويتم حسن الصفات مؤيداًبمحاسن الأقوال والآثار
بمحاسن تهب العقول بلاغةوبلاغة تذر المفوه عاري
أخرستم الفصحاء إذ أنطقتممن لا يجيز القول بالأشعار
فبعثت من نظمي قلادة أدمعنثرت لآليها بلا استعبار
نفثات مصدور الفؤاد متيمعجزت موارده عن الإصدار
قال: فكتبت الجواب إلي:
إن كان غركم جمال إزاريفالقبح في تلك المحاسن واري
لا تحسبوا أني أماثل شعركمأنى تقاس جداول ببحار
لو عاصر الكندي عصركم رمىلكم عوالي راية الأشعار
أقصى اجتهادي فهم ظاهر نظمكملا أنني أدعى دعاء مجار
من قصرت عنه الفحول فحقهأن ليس يبلغه لحاق جواري
ولربما استحسنت غير حقيقةفإذا سفرت أشحت بالأبصار
لست الطموح إلى الصبا من بعدماوضح المشيب بلمتي كنهاري
قلت: هذا الشعر كثير من امرأة في مثل هذا الزمان، ولعلها أشعر من ذكران كثيرين في عصرنا، وممن تقدمنا أيضاً، وما أحسن ما استعملت لفظ جواري هنا في القافية.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع