تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن إبراهيم بن عبد الله

الشيخ الجليل الفاضل القدوة أبو عبد الله بن الشيخ السيد القدوة ابن الشيخ السيد القدوة الأرموي.

روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم.

كان من كبار الأدباء، وجلة العلماء، وسادة العارفين، وأئمة المصنفين، ديانته متينه، وصيانته مبينه، له فضائل، وفيه تودد ولطف شمائل، يكرم من يزوره، ويقبل عنده لكرم طباعه حقه وزوره. له وجاهة عند الأمراء والأكابر، وأرباب الطيالس والمحابر، وكلمته نافذة فيما يراه، وقوله يسمع فيما يأمر به ويراه. وشعره أرق من دموع العشاق وعتاب الأحباب إذا وصلوا بعد الصد والفراق، ونسيم الرياض إذا هب في وقت الاغتباط بالاعتباق:

تسمع من شعره بيوتاًألذ من غفلة الرقيب
كأنما إذا صفت ورقتشكوى محب إلى حبيب

لم أر مثل نظمه العذب، وقريضه الذي هو في سلالة الماء وصقال العضب، يهزأ بسجع الحمام، ويهز عطفي بالطرب؛ حتى كأني ثملت من المدام. وقد أوردت منه جملة في الجزء والثامن والثلاثين من " التذكرة " لي.

ولم يزل الشيخ على حاله إلى أن رمي الأرموي بسهم الحمام، وبكى عليه يوم مات حتى جفون الغمام.

وتوفي - رحمه الله تعالى - في عاشر شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، بزاويته بسفح قاسيون، وصلي عليه بالجامع المظفري، ودفن عند والده، وحضر جنازته خلق كثير من الأمراء والقضاة والفقهاء والصدور وعامة الناس. وغلق سوق الصالحية بأسره، وكان يوماً مطيراً كثير الوحل والطين.

وكان فيه خير وتودد ومواظبة على المشيخة، وإكرام من يزوره.

ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة.

جمع جزءاً في السماع وجزءاً في أخبار جده.

ومن كلامه في السماع قال: افتقار السماع إلى الوجد افتقار الصلاة إلى النية، فكما لا تصح الصلاة إلا بالنية والقصد؛ كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعيه؛ كانت نشوته به حيوانيه، ألا ترى أن كثيراً من الحيوانات ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه؛ كان مقصوراً فيه على لهوه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب، فإنه يستعمل الطبيعة فيه غير مباح، والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال، إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف، ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا أمريه نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يدر على من حضره من السلف، ولكن لم ير نفسه لحضوره أهلاً، فهذه جملة إقناعية مما قيل فيه، ونبذة لعل من تأملها تكفيه:

إذا حرك الوجد السماع إليكميباح، وإلا فالسماع حرام
ومن هزه طيب السماع حديثكمومال من الأشواق ليس يلام
ولا عجب إن شتت الحب جمعهفليس لأحوال المحب نظام
غذي بلبان الحب قدماً ومالهسواه إذا آن الفطام فطام
يسير مع الأشواق أنى توجهتوليس له في الكائنات مقام
ولا غرو إن ضلت مذاهب عقلهفإن مقر العز ليس يسام
حمى لا سبيل أن يباح مصونهوكل الورى طافوا عليه وحاموا
وقاموا وقد جدوا لأول منزلفقاموا حيارى فيه حيث أقاموا

ومن شعره أيضاً:

وافى الربيع فعاد الروض مبتسماًوطالما انتحبت فيه سحائبه
والغصن من فوقه الشحرور تحسبهيتلو الزبور بأعلى الدير راهبه
وشاطئ النهر قد دبت عوارضهوافتر مبسمه واخضر شاربه
فصفق الدوح لما أن رأى عجباًمن أجل ذلك قد شابت ذوائبه

ومنه:

لم أنس ليلة بات البدر يخدمناإلى الصباح ولم يشعر بنا الرقبا
والنهر يجري لجيناً والدجى سيجفمذ بدا الصبح ياقوتاً جرى ذهبا

ومنه:

وافى النسيم أمام القطر فانثنت الأغصان ترقص من تيه ومن مرح
وأعين الروض تجري وهو مبتسموقد تفيض دموع العين بالفرح

ومنه:

أصبحت أسجع من ورقاء فاقدةتنوح في الدوح طول الليل لم تنم
بعد الأحبة لا تهوى المنام بلىإن سامحوها وزار الطيف في الحلم

ومنه:

رأيت الصبا لما استعنت بلطفهاعلى حمل ما لاقيته تتعلل
وقمت بحفظ العهد للنجم في الدجىفما باله في صحبتي يتنقل
وقلب الدجى ما زال للسر كاتماًوها هو عما خلته يتحول

ومنه:

سكرت كما تهب صباً صباحاًفرق لأنه بر كريم
فلا تعجب له إن مال عطفاًفإن الغصن يعطفه النسيم

ومنه:

لطفت شمائله فعدن شمائلاًمن أجلها عرف النسيم معطر
لو لم ينم عبيره بعبورهكان الرقيب للطفه لا يشعر

ومنه:

أصافح الأغصان أبغي الحيامستسقياً أكؤس جريالها
وكيف لا يدركني جودهاوقد تعلقت بأذيالها

ومنه:

يا معرضاً عني وفي إعراضهلطف يفي بفضائل القرب
من دون سفك دمي بحبك عامداًمعنى يقيك بواعث العتب

ومنه:

كأنما النهر في ظل الغصون وقدألقى السحاب عليه حمرة الشفق
خد تكنفه فرط الحياء وقدمد العذار عليه خضرة الورق

ومنه:

وربوع يكاد طيب شذاهايفضح المسك في نحور العذارى
أشرقت شمس نورها فرأينانحوها في الدجى نؤم نهارا
وأتى القابسون نحو سناهافرأوا جل نارها جلنارا

ومنه:

أنا مستجير بالدجىمن سل سيف صباحه
فعساه يكلأ ذا هوكرماً بظل جناحه

ومنه:

كأن سماءنا والبدر فيهاوأنجمها محدقة إليه
حديقة نرجس من حور عينتدفق ماؤها فطفا عليه

ومنه:

تبسم ثغر الروض بعد قطوبهسروراً بإقبال الربيع إليه
ألم تر أن الغصن إذ رقت الصبايصفق مسروراً لها بيديه
وأن ثياب الورد وهي شقيقةيشققها حتى تمر عليه

ومنه:

خلت أن الغصون ترقص لماأن أتاها النسيم بالأمطار
فلهذا ألقت له ما عليهافهي من شدة السرور عواري
لبست في الثياب ثوب وقارورأت في المشيب خلع عذاري

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.