تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن عبد الرحمن بن عمر

الشيخ الإمام العلامة، ذو الفنون، قاضي القضاة جلال الدين أبو عبد الله القزويني الشافعي الأشعري.

سمع من الشيخ عز الدين الفاروثي وطائفة. وأخذ المعقول عن شمس الدين الأيكي.

كان قاضي القضاة جلال الدين شريف الخلال، منيف الجلال، وارف الظلال، صارف الملال، طود حلم، وبحر علم، يتموج فضائل، ويتبرج براهين ودلائل، بذهن يتوقد، ويدور على قطب الصواب كالفرقد، قد ملأ الزمان جودا، وجعل أقلام الثناء عليه ركعاً وسجودا.

ولم ير قاض أشبه منه بوزير، ولا إنسان كأنه وفي أثوابه أسد يزير، يجلس إلى جانب السلطان في دار عدله، ويغدو كالشمس بين أهلة وأهله، مهما أشار به هو الذي يكون، ومهما حركه فهو الذي لا يعتريه سكون. يرمل على يد السلطان لا يفعل ذلك غيره إذا حضر، ولا يتقدم عليه سواه من أشراف ربيعة أو مضر:

فالأمر مردود إلى أمرهوأمره ليس له رد

جمع بين قضاء الشام والخطابة، وفاز في كل المنصبين بالإصابة، وطلب إلى قضاء الديار المصرية فسد ما فسد، وعوذته مكارمه " من شر حاسد إذا حسد "، وأقام هناك مدة ينشر ألوية علومه، ويفيض على الناس سواكب غيومه. ثم إنه عاد إلى الشام عود الغمام إلى الروض إذا ذوى، والبدر التمام إلى الأفق الذي زل نجمه وهوى، فجدد معاهد الفضل والإفضال، وعمر غابه بالليث الخادر أبي الأشبال.

ولم يزل على حاله إلى أن زال ذلك الطود، وزل وتقشع ذلك المطر الجود.

وتوفي - رحمه الله تعالى - منتصف جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وشيع جنازته خلق عظيم، ودفن في مقابر الصوفية.

ومولده بالموصل سنة ست وستين وست مئة.

وسكن الروم مع والده وأخيه، وولي بها قضاء ناحية وله من العمر نحو ثلاثين سنة، وتفقه وناظر واشتغل، وتخرج به الأصحاب، وناب في قضاء لأخيه قاضي القضاة سنة ست وتسعين، وناب في ما أظن لقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى في أول المحرم سنة خمس وسبع مئة. وولي خطابة الجامع الأموي مدة.

وطلبه السلطان إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وشافهه بولاية قضاء الشام، ووصله بذهب كثير ولما طلبه دافع عنه تنكز، فقال: هذا عليه ديون كثيرة، وابنه نحس ما يجمل أن يكون أبوه قاضي القضاة. فقال

السلطان: أنا أوفي دينه، وولده أنا أدعه يقيم في الديار المصرية. فجهزه في نصف جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة. صلى بالناس صلاة الخسوف لأن القمر خسف تلك الليلة. ثم إنه صلى الصبح يوم الخميس وسافر إلى القاهرة.

وعاد إلى دمشق في خامس شهر رجب يوم الخميس، وباشر المنصب على أتم ما يكون وصرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين وراك المدارس، واستناب الشيخ جمال الدين بن جملة والشيخ فخر الدين المصري.

ولما كان في يوم الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة وصل البريد إلى دمشق فطلبه إلى مصر وولاه السلطان قضاء الديار المصرية، وعظمه ورفع شأنه، ورأى من العز والوجاهة ما لا رآه غيره.

وكان يرمل على يد السلطان في دار العدل.

قال لي القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود، وقد كان كاتب السر بمصر، وقد خرج من يوم اثنين نهار دار عدل: اليوم أخرج قاضي القضاة جلال الدين من كمه ست عشرة قصة غير ما شفع فيه وأشار به وشكر منه، والجميع يقضيه السلطان وما يرده.

وحج مع السلطان، ورتب له ما يكفيه بزيادات، وأحسن في مصر إلى أهلها وإلى الشاميين، وكان في باب السلطان ذخراً وملجأ لمن يقصده من الشاميين يشفع له ويساعده على مقاصده، ويصله عند قدومه وعند سفره وما بين ذلك. وأحبه المصريون، وفتح لهم باب الاشتغال في الأصول. كنت يوماً عنده وقد جاء إليه محضر فيه شهود، فوقف على أسماء الشهود اسماً اسماً، والتفت وقال: من هو فلان؟ فقال أحد الواقفين: أنا يا مولانا، فقال له: ما أنت الذي كان يعمل الدوادارية لقبجق؟

قال: نعم. قال: ما هذه الحالة؟ فشكا بطالة وقلة. فقال له: اصعد إلى فوق، وأجلسه. ولما انقضى ذلك الشغل وخف المجلس ولم يبق إلا من هو به خاص أخرج كيس النفقة ونفضه فنزل منه ما يقارب المئة. فقال: خذ هذه ارتفق بها في هذا الوقت وعد إذا فرغت، ولما كان في ... رسم له السلطان بالعود إلى دمشق قاضي القضاة كما كان أولاً، فحضر إليها وصحبه، وصحب أولاده من المجلدات النظيفة النفيسة ما يزيد على خمسة آلاف مجلد، وفرح الناس به. فأقام قليلاً وتعلل، وأصابه فالج إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور، وتأسف الناس عليه لما كان فيه من الحلم والمكارم وعدم الشر وعدم المجازاة لمن أساء إليه بالإحسان.

وكان ينتسب إلى أبي دلف العجلي وكرمه بصدق هذه الدعوى.

وكان فصيحاً بليغاً في وقت البحث والجدل، منطقياً إلا إذا علا صهوة المنبر فإنه ليس ذلك، لغلبة الحياء.

وكان مليح الصورة، حلو العبارة، كبير الذقن رسلها، موطأ الأكناف، سمحاً، جواداً حليماً، جم الفضائل، حاد الذهن، يراعي قواعد البحث. وكان يحب الأدب ويحاضر به، وله فيه ذوق كثير يستحضر نكته، ويكتب خطاً جيداً حسناً. وصنف في المعاني والبيان مصنفاً وسماه " تلخيص المفتاح " وشرحه وسماه " الإيضاح "، وقرأ عليه جماعة بمصر والشام، وكان يعظم الأرجاني الشاعر، يرى أنه من مفاخر العجم، واختار شعره وسماه " الشذر المرجاني من شعر الأرجاني ".

وعلى الجملة فكان من أفراد الزمان في مجموعه علماً وعقلاً وأخلاقاً. وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين بالقاهرة.

وكتبت أنا إليه أهنيه في الديار المصرية لما قدم من الحج سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بقصيدة فائية وهي:

من خص ذاك البنان الغض بالترفوزان ذاك القوام اللدن بالهيف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وضم في شفتيها در مبسمهافراح من أحمر المرجان في صدف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وحلل الفرق فرعاً من ذوائبهاوالبدر أحسن ما تلقاه في السدف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
علقتها من بنات الترك قد غنيتبدمع عاشقها عن منة الشنف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علقتها من بنات الترك قد غنيت»
يلقى المتيم من تثقيف قامتهاما لا يلاقيه كوفي من الثقفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علقتها من بنات الترك قد غنيت»

ومنها:

في حفظ سالفها للحسن ترجمةفاقت وما اتفقت للحافظ السلفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علقتها من بنات الترك قد غنيت»
يا للهوى عينها عين؛ وحاجبهانون وتم العنا من قدها الألفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «علقتها من بنات الترك قد غنيت»
يا هذه إن للأشعار معجزةًتبقى عن السلف الماضين للخلف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا هذه إن للأشعار معجزة»
ضعي بنانك مخضوباً على جسدي البالي ليجتمع العناب بالحشف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
يا عاذلي في هوى عيني محجبةخف شر ناظرها، فالسر فيه خفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
ودع فؤادي ودعه نصب ناظرهالا ترم نفسك بين السهم والهدف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
إني لأعجب للعذال كيف رأواشخص وقد رحت ذا روح تردد في
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
أليس يشغلهم طيب الثناء علىقاضي القضاة جلال الدين عن شغفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
ويستفزهم أفراح مقدمهمن حجه وهو مثل الشمس في الشرف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
حج غدا حجة في الدهر ثابتةإن ينكسف نورها للشمس تنكسف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
كم جاب في سيره والعيس قد سئمتجذب البرى والسرى في مهمه قذف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
والركب من فضله أو من فضائلهما بين مغترف منه ومعترف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
حتى نضا الإحرام ملبسهعن الهدى والندى والعلم والصلف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وراح ذا جسد قد طاب عنصرهعار من العار بالإحسان ملتحف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
ما مس طيباً وإن كان الحجيج بماأثنوا عليه غدوا في روضة أنف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وأم أم القرى ذات القرار ومنيطلب رضى الله في تلك الديار كفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وطاف بالبيت فارتاح المقام لهلما تمسك بالأستار والسجف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
فكل ركن إذا حاذاه منكبهيود لو كان عنه غير منعطف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وراح في عرفات واقفاً ولهعرف يسير به عرق ولم يقف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وفي منى كم أنال الطالبين منىأمسوا بها عن سطا الأعداء في كنف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وجاء طيبة يقضي حق ساكنهاومثل ذمته ترعى له وتفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وزار من لم يزل في نصر ملتهوشرعه بالقضا يا خير معتكف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
هذا الإمام الذي ترضى حكومتهخلاف ما قاله النحوي في الصحف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
حبر متى جال في بحث وجاد فلاتسأل عن البحر والهطالة الوكف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
له على كل قول بات ينصرهوجه يصان عن التكليف بالكلف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
قد دب عن ملة الإسلام ذب فتىيحمي الحمى بالعوالي السمر والزعف
ومذهب السنة الغراء قام بهوثقف الحق من حيف ومن جنف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
يأتي بكل دليل قد جلا جبلاًفليس ينسفه ما مغلط النسفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وقد شفى العي لما بات منتصراًللشافعي بزعم المذهب الحنفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
تحمي دروس ابن إدريس مباحثهفحبذا خلف منه عن السلف
فما رأى ابن سريج إذ يناظرهمن خيل ميدانه فليمض أو يقف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
ولو أتى مزني الوقت أغرقهولم يعد قطرةً في سحبه الذرف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وقد أقام شعار الأشعري فمايشك يوماً ولا يشكو من الدنف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
وليس للسيف حد يستقيم لهولو تصدى له ألقاه في التلف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
والكاتبي غدا في عينه سقمإذ راح ينظر من طرف إليه خفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
من معشر فخرهم أبقاه شاعرهمفي قوله: " إنما الدنيا أبو دلف "
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
هو الحفي بما يوليه من كرمفما جرى قلم في مدحه فحفي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
لو شاء في رفعة من مجده وغلالمد نحو الثريا كف مقتطف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
قد زان أيامه عدل ومعرفةفسعده في دوام غير منصرف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
يغدو الضعيف على الباغين منتصراًولم يكن قبله منهم بمنتصف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة

لو يشتكي النهر مثل الغصن عنه مع الصبا إليه رمى عطفيه بالقصف

بل لو شكى الدهر خصم من بنيه غدامن خوفه بين مرتج ومرتجف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
دامت مآثره اللاتي أنظمهاتهدي لسمع المعالي أحسن التحف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة
ما رسخت عذبات البان سافحةًمن الصبا وشفت صباً من الأسف
للشاعر صلاح الدين الصفدي، اقرأ القصيدة

فكتب هو إلي قرين ما بعث به:

يا مولانا هذه الأبيات التي تفضلت بإرسالها، وأنبطت معين زلالها، ما أقول فيها إلا أنها ذهب مسبوك، أو وشي محبوك، أو ستر ظلام عن الذراري مهتوك،

أو دمع مسفوح من صب دمه في الحب مسفوك، قد رق وراق وراع، وأمال الأعطاف وشنف الأسماع، وتألق في دياجي سطوره برق معناه اللماع. كم قد تلعبت فيه بضروب الفنون، وخضت من أنواع العلوم في شجون، أخملت أرج الخمائل من الأرجاني، وأهنت ما عز من أبكار ابن هاني:

وأخذت أطراف الكلام فلم تدعقولاً يقال ولا بديعاً يدعى

فكذا فليكن كلام الأفاضل، وكذا فليكن من يناصر أو يناضل. لقد تفضل مولانا بأوصاف هو أحق بها ممن وصفه، وأولى بأن يجعل إليه مرجعه ومصرفه، ومن تمام الإحسان العميم والبر الجسيم، قبول ما جهزه المملوك صحبة محكم القاضي ضياء الدين فإنه نزر، وما يقابل من هذا مده بهذا الجزر، والله تعالى يمتع الزمان وأهله بهذه الكلمات، ويمد بعونه في الحركات والسكنات، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.