من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن محمد بن محمود بن مكي
ابن عيسى بن دمرتاش، الدمشقي، العدل، شهاب الدين أبو عبد الله.
كان أديباً، فطناً، لبيباً، إذا دعا المعنى الغامض كان له مجيباً، وإذا نظمه كان
عجيباً، له غوصٌ على المعاني، وألفاظه أطربُ من المثالث والمثاني، له مقاطيعُ أعذبُ من أيّام الوصال، وأشهى من حبيب كرُمت منه الخصال.
لم يزل بدمشق على حاله الى أن نعق غراب بينه، ونزل بحيّه وافد حَينه.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة السبت خامس صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده في ...
كان أولاً في شبيبته جُندياً بحماة، وخدم بها صاحبها الملك المنصور، صحب بها مجير الدين محمد بن تميم الحموي الشاعر، وأقام معه بحماة، وبسببه دخل في الجندية، وكان يثني على مكارمه. وأقام بحماة مدة عشرين سنة، ولما أسنّ وكبر بطّل الجندية ودخل في زي العدول، وجلس بمركز الرواحية، ورأيته في سنة ثماني عشرة وسبع مئة وفيما بعد ذلك، وأظنه كان مخلاً بإحدى عينيه.
أنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدنا ظهير الدين البارزي قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أقول لمسواكِ الحبيب لك الهنابرشْف فم ما ناله ثغرُ عاشق
فقال وفي أحشائه حُرقة الجوىمقالة صبّ للديار مُفارق
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترىأعلِّله بين العُذَيبِ وبارق
قلت: وما أحلى قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
وعود أراكة يجلو الثنايامن البيض الدُمى جلْي المرايا
يقول مُساجل الأغصان فخْراأنا ابن جلا وطلاع الثنايا
وقول محيي الدين بن قرناص:
سألتك يا عود الأراكة أن تعُدْالى ثغر مَن أهوى فقبّلْه مُشفقا
ورِدْ من ثنيّات العُذيب مُنَيهلاًتسلسل ما بين الأبيرق والنقا
وقال: أنشدني المذكور لنفسه:
ولما التقينا بعد بين وفي الحشالواعج شوقٍ في الفؤاد يُخيّمُ
أراد اختباري بالحديث فما أرىسوى نظرٍ فيه الجوى يتكلمُ
وأنشدني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أنشدني لنفسه:
ومُهفهَف الأعطاف معسول اللّمىكالغصن يعطفه النسيم إذا سرى
قال اسقني فأتيته بزجاجةملئت قراحاً وهو لاهٍ لا يرى
وتأرجحت برضابه وأمدَّهامن نار وجنته شعاعاً أحمرا
ثم انثنى ثملاً وقد أسكرتهُبرضابه وبوجنتيه وما درى
قلت: هو مولَّدٌ من قول الملك الأمجد، وفيه زيادة:
طلبتُ لماءٍ في إناء فجاءنيغلام بها صرفاً فأوسعته زجرا
فقال هي الماء القراح وإنماتجلّى لها خدي فأوهمك الخمرا
ومن شعره، وهو مما نقلته من خطه:
حتام لا تصل المُدام فقد أتتلك في النسيم من الحبيب وعودُ
والنهر من طرب يصفّق فرحةوالغُصنُ يرقُص والرياض تميدُ
وأنشدني الشيخ الإمام العالم نجم الدين القحفاري قال: أنشدني المذكور لنفسه:
قال لي ساحر اللواحظ صف ليهيَفي قلت: يا مليح القوام
لك قدٌ لولا جوارح عينيك لغنت عليه وُرْق الحمام
قلت: قد اشتهر هذا المعنى بين شعراء العصر وأولعوا به، ومما نظمته أنا فيه:
ذو قامة من لينهابيد النسيم يكاد يُعقَدْ
لولا جوارح لحظهغنى الحمام بها وغرد
ونقلت له من خطه:
قد سنتُ سرَّ هواكم ضناً بهإن المتيم بالهوى لضنين
فوشت به عيني ولم أك عالماًمن قبلها أن الوشاة عيون
ونقلت منه له:
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلاولكنه ورّى الحديث فأشكلا
وأسنده عن واقديّ أضالعيفأضحى صحيحاً بالغرام مُعَلّلا
ونقلت منه له:
وافى النسيم وقد تحمل منكملُطفاً يقصِّرُ فهْمهُ عن عِلمه
وشكا السقام وما درى ما قد جرىوأنا أحقّ من الرسول بسقمه
ونقلت منه له:
إن طال ليلي بعدكم فلطولهعُذرٌ وذاك لما أقاسي منكم
لم تَسْرِ فيه نجومُه لكنهاوقفَت لتسمع ما أحدِّث عنكم
ونقلت منه له:
عجباً لمشغوف يَفوه بذكركمماذا يقول وما عساه يمدحُ
والكون إما صامت فمعظمٌحرماتكم أو ناطق فمسبِّحُ
ونقلت منه له:
مَن لأسير أمست قرينتهفي الدوح عن حاله تسائلهُ
فهو يغني مَبْدا الحزين لهاوهي بأوراقها تراسلهُ
قلت: ما أعرف هذا العنى في أحسن من قول البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
قامت على ساقٍ تُطارحُني الهوىما بين صَحبي في الدجى ورفاقي
ورْقاءُ قد أخذت فنونَ الحزن عنيعقوب والألحان عن إسحاق
أنّى تباريني أسىً وكآبةوصبابة وجوى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى عن خاطريوهي التي تملي عن الأوراق
وقلت أنا في هذه المادة مع اعترافي بالتقصير عنهما:
لا تقيسوا الى الحمامة حزنيأنا فضلي تَدري به العشاق
أنا أملي الغرام عن ظهر قلبوهي تملي وحولها الأوراق
ونقلت من خط ابن دمرتاش له:
حتى إذا رقّ جلبابُ الدجى وسرتْمن تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصبح إعجاباً بخلوَتِناووصْلِنا الطاهر الخالي من الدنس
ونقلت منه له:
بالروح أفدي منطقياً علابرتبة النحو على نَشْوِه
منطقه العذب الشهي الذيقد جذب القلب الى نحوه
ونقلت منه له:
جيادك يا من طبّق الأرض عدْلُهوحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامهِ غرّةًرياح الصّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم تكن في ظهرها كعبة المنىلما شبهت آثارها بالمحارب
ونقلت منه له:
يا سيدي أوحشْتَ قوماً ما لهمعن حسن منظرك الجميل بديلُ
وتعللت شمس النهار فما لهامن بعد بُعدك بكرةٌ وأصيلُ
وبكى السحابُ مُساعداً لتفجعيمن طول هجرك والنسيم عليلُ
ومن شعره:
انظر الى الأزهار تلق رؤوسهاشابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامهاوغدا بأذيال الصبا متمسكا
ومنه:
ولما أشارت بالبنانِ وودّعتوقد أظهرت للكاشحين تشهّدا
طفقْنا نبوسُ الأرض نوهم أننانصلّي الضحى خوفاً عليها من العدا
ومما نقلته من خطه له:
يقولون شبهت الغزال بأهيفٍوهذا دليل في المحبة واضحُ
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه احوراراً لما تاقت إليه الجوارحُ
قلت: يشبه قول ابن دانيال:
بي من أمير شكاروجدٌ يذيب الجوانح
لما حكى الظبي جيداًحنت إليه الجوارح
ونقلت منه له:
يقول لي الدولابُ راض حبيبك الملول بما يهوى من الخير والنفع
فإني من عود خُلقْتُ وها أناإذا مال عني الغصن أسقيه من دمعي
ومن شعره دوبيت:
الصبُّ بك المتعوبُ والمعتوبوالقلب بك الملسوب والمسلوب
يا من طلبت لحاظُه سَفك دميمَهلاً ضعُفَ الطالب والمطلوب
قيل: إن الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى كان يقول: وددتُ لو أنه كان يأخذ مني جميع شعري ويعطيني هذين (البيتين.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع