من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن يوسف بن عبد الله (٢)
شمس الدين، الشاعر الماهر الخياط الدمشقي الحنفي.
شاعر لا يُجارى، ومكثر لا يُبارى، قادر على صوغ القريض، وارتجال النظم الذي يشفى به المريض، طويل النفَس إذا نظم، مديد الباع إذا رقم، ذو قصائد قد
طوّلها، ومدائح سوّرها وهمُه وسوّلها، ولم يكن له غوص على المعاني البديعة، ولا احتفال بطريق المتأخرين التي هي عليه وعلى أمثاله منيعة. ومع ذلك فكان بين فكيه مقراض للأمراض، وكنانة نبل أنفذ من السهام في الأعراض، لا يكاد يسلم أحد من هجوه، ولا ينجو طاهر الذيل من نجوه. وكان هجوه أجودَ من مدحه، وأوقع في النفوس لكدّه فيه وكدحه، ولكنه ذاق وبال هذا وأوذي أكثر مما آذى، إلا أنه كان كثير التلاوة، يلازم الصلاة في الحضارة والبداوة، وحج غير مرة، وقرن البعرة بالدرة.
وحججت أنا وهو في عام خمسة وخمسين وسبع مئة، ولما وصلنا الى مُعان مزّق الله من الخياط عمره، وأذهب شعره وشعره، وأتاه من نايات المنايا ما بطّل زمرَه، فدفنّاه على قارعة الطريق، وانكفّ ذاك اللسان الذي كأنه مبرد وما حمل التطريق، وجعلناه سراً مودعاً من البرية في صدر، ووضعنا الشمس في الأرض ليلة البدر، فلو كان الرفّاء موجوداً لرثى الخياط وأبّنه، ونقله بلبنه الطيب الى مقبره وجبّنه.
وعلى كل حال فقد راح الى الله وأراح، وحمل كارة أهاجيه وهو كاره وقلّ من حمل كارة واستراح، والله يسامحه في يوم عَرضه، ويعطّف عليه قلب من أخذ من عِرضه، حتى إنه يسامحه ويحالله، ويصادفه فيصادقه ويخالله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في معان، ليلة الرابع عشر من المحرم سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وسألته عن مولده، فقال: في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين وست مئة بدمشق.
كان في مبدأ حاله يتردد الى شمس الدين الصائغ، ويقرأ عليه، ويجتمع بالمجير الجوخي، ثم إنه تردد الى شيخنا العلامة شهاب الدين محمود، وكتب عنه كثيراً، وكان يثني عليه ويميل إليه.
ونظم في سنة عشرين وسبع مئة قصيدة جيمية مديحاً في قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وأولها:
أما ولواحظ الحدق السواجلقد أصبحت منها غير ناجي
فقرّظها شهاب الدين محمود، وأثنى عليها، وكتب عليها فضلاء العصر، وانصقل نظمه وجاد، وشعره كثير يدخل في ست مجلدات.
وسافر الى الديار المصرية، ومدح أعيانها، واتصل بالأمير سيف الدين ألجاي الدوادار، وكان يبيت عنده. ومدح السلطان الملك الناصر بأبيات قرأها عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني، فرسم له براتب في كل يوم درهمين.
وأنشدني من لفظه غالب شعره لما نظم الشيخ جمال الدين بن نباتة قصيدته التائية الطنانة في الشيخ كمال الدين بن الزملكاني - رحمه الله تعالى - جعل غزلها المقدّم على المدح في وصف الخمر، وأولها:
قضى وما قُضيت منكم لُباناتُمتيّم عبثتْ فيه الصبابات
نظم الشيخ شمس الدين محمد بن الخياط قصيدة أخرى في وزنها ورويّها، ومدح بها الشيخ كمال الدين أيضاً، وجاء منها في الآخر ما أنشدنيه من لفظه:
ما شان مدحي لكم ذكرُ المُدام ولاأضحت جوامع لفظي وهي حانات
ولا طرقت حِمى خمّارة سحراولا اكتست لي بكاس الراح راحات
وإما أُسكر الجُلاس من أدبتدور منه على الأكياس كاسات
عن منظر الروض يُغنيني القريضُ وعنرقص الزجاجات تُلهيني الجزازات
عشوت منها الى نور الكمال ولميدُر على خاطري دير ومشكاة
وكان الشيخ جمال الدين بن نباتة إذا جاء الى دار السعادة، يقال له: إن ملك الأمراء في القصر، فيحتاج أن يروح الى القصر الأبلق ماشياً، وقال في ذلك:
يا سائلي في وظيفتي عنكُنه حديثي وعن معاشي
ما حال مَن لا يزال يطويمسافة القصر وهو ماشي
فقال شمس الدين جوابه، وأنشدنيه من لفظه:
يا شاعراً يخطئ المعانيفيما يعاني من المعاش
أنت شبيه الحمار عنديمركّب الجهل وهو ماش
وقد كان كتب ابن نباتة صداقاً، فخُلع عليه، فلبسه ودار به في البلد، فقال شمس الدين الخياط في ذلك، وأنشدنيه من لفظه:
ما خِلعة العقد على شاعرنايوم الهنا شقاء وعَنا
رأيته فيها وقد أرخى لهذؤابة تُبدي عليه الحزنا
فقلت: مَن هذا الذي سوادهسوّده بين الورى؟ قال: أنا
نباتة كان أبي، فقلت: ماأنبته الله نباتاً حسنا
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
ما خلعة ابن نباتة إلا كمنألقى الرياض على الكنيف المنتن
ومنها:
واختصّ عمّته بفضل ذؤابةهي في القلوب قبيحة في الأعين
فكأنها ذنب لكلب نابحتحت الدجا من فرط داءٍ مُزمن
فالله يجعلها له كفن البِلىويكون غاية كل سوء يقتني
حتى يقول مسيّر في هجوههذا لعَمر أبيك شرّ مكفّن
ونظم ابن نباتة ما يُكتب على دواة فولاذ:
معنى الفضائل والندى والباس ليوالسيف مُشتهر بمعنى واحد
بالنفس أضرب في نضار ذائبوالناس تضرب في حديد بارد
فقال شمس الدين الخياط، وأنشدنيه من لفظه:
قل للذي وصف الدواة وحسنهاما جئتَ عن لفظي بمعنى زائد
أسخنت عينك في نضار ذائبوذبحت نفسك بالحديد البارد
وكان قد سلّطه الله عليه، كلما نظم شيئاً ناقضه فيه، فهما فرزدق وجرير عصرهما، ولولا خوف التطويل لأوردت كثيراً من ذلك.
وأنشدني من لفظه له:
قصدت مصراً من ربا جلّقبهمّة تجري بتجريب
فلم أر الطرّة حتى جرتدموع عيني في المزيريب
وأنشدني من لفظه له:
خلّفت بالشام حبيبي وقديممت مصراً لعَنا طارق
والأرض قد طالت فلا تبعديبالله يا مصرُ على العاشق
وأنشدني من لفظه له:
تركت لقوم طِلابَ الغِنىلحبّ الغناء ولهو الطرب
وعندي من زَهرٍ فضةوعندي من خندريس ذهب
قلت: أين هذا من قول النصير الحمامي:
أصبحت من أغنى الورىمستبشراً بالفرح
عندي خمرٌ ذهبأكتاله بالقدح
وقد ولّدت أنا من هذا معنى آخر، ونقلته الى أوراق الخريف، وقلت:
لمَ لا أكون غنياً بالخريف ولمأحتج الى غيره في اللهو والطرب
وكل دوحةِ بستان إذا عبثتبها الصَّبا نُثرت كوماً من الذهب
ولكن قول النصير أكتاله بالقدح غاية في الحسن.
وأنشدني شمس الدين الخياط له:
يا أهل مصر أنتم للعلاكواكب الإحسان والفضل
لو لم تكونوا لي سعوداً لماوافيتكم أضرب في الرمل
وأنشدني من لفظه له:
كم تُظهر الحسن البديع وتدّعيوبياضُ شكلكَ في النواظر مظلمُ
هل تَصدُق الدعوى لمن في وجههبالذقن كذّبه السواد الأعظمُ
وأنشدني من لفظه له:
حتّام شخصي بين هذا الورىحيّ وفضلي عندهم ميْتُ
أبني بيوت الشعر في جِلّقوليس يُبنى لي بها بيت
وأنشدني من لفظه وقد أعطاه قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى جائزة:
لم يُجزني القاضي على قدْر شعريبل حباني مضاعف الأبيات
فلهذا أعدّها صدقاتمن عطاياه لا من الصدقات
وأنشدني من لفظه له:
ويلاه من ظبي له وجنةٌشاماتها تلعب بالأنفس
لو لم تكن في خده جنةلما اكتسى بالعارض السندسي
وأنشدني من لفظه له:
يا كعبة الحُسن التي رُميتْ لهافي كل قلب بالهوى جمراتُ
قد تم ميقات الصدود وقصدنالو تمّ منك لوصلنا ميقات
وأنشدني من لفظه له:
قد طال فكري في القريض الذيمن نفعه لست على طائِلِ
أمّرني زوراً فصرت امرأصاحب ديوان بلا حاصلِ
وأنشدني من لفظه له في الفلوس:
يا ليت شعري أي خير يُرتجىللمعتفي من هذه الأزمان
لو لم يكن عُدمُ الدراهم قد بداما كان صار الفلس بالميزان
وأنشدني له في المشمش:
حبّذا مشمش يروق لطرفيمنه حُسنٌ حديثه مشهور
قد بلاني بحبه وهو مثليأصفر الجسم قلبه مكسور
وأنشدني له أيضاً:
يا أيها البحر الذي في وِردهرِيٌّ لقلب الحائم المتعطّش
أشكو إليك هوان شعر لم يقملي رُخصه بغلو سعر المشمش
وأنشدني له أيضاً:
يا مَن به ادرأ عن مهجتيمن حادث الأيام ما أختشي
قد أقبل الصيف وما في يديمن درهم للتوت والمشمش
وأنشدني له أيضاً:
لوزيُّ جلّق شيءيذوبُ قلبي عليه
كالسلسبيل ولكنكيف السبيل إليه
وأنشدني من لفظه له ما يكتب على باب:
نحن إلفان ما افتقرنا لبُغضلا ولا في اجتماعنا ما يُريب
نكتم السر بيننا في زمانكاتم السر في بنيه غريب
وأنشدني من لفظه له أيضاً:
مَن ذا الذي يُنكر فضلي وقدفزت من الحسن بمعنى غريب
عندي لمن يخذله دهرهنصر من الله وفتح قريب
وكتب هو - رحمه الله تعالى - على كتابي جنان الجناس:
سرّ الفصاحة في كتابك ظاهرٌوله ضياء الحسن عنك بديع
وكذا الثناء المحض في أثنائهبنوافج الذكر الجميل يضوع
فلذاك يُحفظ في الصدور لفضلهوسواه يُنسى ذكره ويضيع
لله روض في جنان جناسههو للقلوب وللعيون ربيع
كم أثمرت أغصانه بفوائدٍكم طاب فيها للفؤاد ولوع
ما زال يمطره الجنان سحائباًيُضحي بها القرطاس وهو مَريع
في طيّه نشر العلوم تأرجتأرجاؤه فتعطّر المجموع
سِفرٌ عن الفضل المحقق سافرٌوله على القمر المنير طلوع
بيّنتَ فيه لنا الأصول فأينعتلجنى العقول من الأصول فروع
وشرعتَ في حلّ الرموز وقد حلاللفهم في ذاك الشروع شروع
لم يبق في علم المعاني ناطقإلا وبان به لديك خضوع
فابن الأثير ولو تأثّل مجدهوعصى لكان لِما بنيت يُطيع
سيّرت أمثالاً لها حكم فمالنجومها مثل النجوم رجوع
أعليت بُنيان البديع مشيّداما لم يشيّد للزمان بديع
وأذبت لابن أبي الحديد جوانحالم تُطفَ منها للحريق دموع
وأدرت أفلاكاً على أمثالهأضحت تروق بحسنها وتروع
وطعنت في ابن سنان عند خفاجةلغة فأودت بالصدور صدوع
وأنرت ما لا نوّر المصباح فيعلم البيان وفي سناه لموع
وتخلّف المعتز إذ زلّ ابنهوبدا بمنطقه لديك خشوع
هذا كتاب قد كبتّ به العدىفجنابه عن حاسديه منيع
أتعبت مَن يسري وراءك في النهىومتى تساوى ظالع وضليع
ورفعت قدر العلم حين وضعتهفتشرّف الموضوع والمرفوع
نثر حكته من الكواكب نثرةٌفيها لصفحة أوجِهِ ترصيع
ونظام شعر دونه الشعرى وإنأمست ومنزلها عليه رفيع
شعر يروق طباقه وجناسهوالسبر والتقسيم والتصريع
يسمو حبيباً بالمكارم إن بداويرى الوليد لديه وهو رضيع
وهي أطول من هذا، وهذا القدر منها كاف.
وله قصيدة أخرى نظمها على كتابي نصرة الثائر على المثل السائر.
وكتبت أنا على قصائد نظمها في قاضي القضاة جلال الدين القزويني وأولاده بدر الدين وجمال الدين وتاج الدين وصدر الدين ﵏: وقفت على هذه القصائد التي تدبّجت، والمدائح التي طاب ثناؤها فتأرّجت، والقوافي التي ما لوت جيدها الى غير شاعرها ولا عرّجت. فألفيتها قيد النواظر، وتنزّهت منها في روضة أخملت الخمائل النواضر، وعلمت أنها تحفة القادم وزاد المسافر وحضرة المحاضر، لو عقل الناس تلعُّبها بالمعاني وفنونها، لعلّقوها على كعبة مجاميعهم فقد علّقت العرب دونها، قد أحكمها ناظمها رصفاً، ورقّت لفظاً، وراقت معنى وشاقت وصفاً. ومزّق بها هذا الخياط أقوال ذلك الرّفا، ونبت كل قضيب في روضها فشلّ من باعِ الشعر أكفّا:
أكرم بها من قوافوبدرها وجمالِه
وصدرها إن تبدّىفي تاجه وجلاله
ما للكادّ التّعب ظفر بممنوحها، ولا للشكر مندوحة عن ممدوحها، وما أظنه إلا أُدخل الجنة بسلام، ولقي جلاله وكرمه وجه ذي الجلال والإكرام، فالله يمتّع الوجود برقيّ بدره درج منبره، ويشنّف الأسماع بما يتحفها لفظه من جوهر، ويجعل الفتاوى متفيأة ظل قلمه، ويديم عليه مواد نعمه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع