من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
يوسف بن سيف الدولة
أبي المعالي بن زمّاخ - بالزاي والميم المشددة وبعد الألف خاء مشددة - ابن بركة بن ثمامة بن أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان التغلبي المصري المعروف بابن مهمندار العرب، بدر الدين.
كان شيخاً متجنّداً فاضلاً، شاعراً مؤرخاً، صنّف تصانيف منها كتاب في الأنساب، ومنها كتاب في البديع سمّاه الآيات البيّنات.
أنشدني الشيخ العلامة أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
وليلة مثل عين الظّبي وهي معيقطعتها آمناً من يقظة الرُقَبا
أردفتُها فوق دهم الليل مختفياًوالصبحُ يركض خلفي خيله الشهبا
حتى دهاني وعين الشمس فاترةوقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا
ما هي بأول عادات الصباح معيليلُ الشباب بصبح الشيب قد هربا
وبه قال: أنشدني له:
أعلى الورى همماً أوفاهُم ذمماًأسناهم كرماً في كل مبتذل
ماضي العزيمة وهّاب الكريمة دفّاع العظيمة، وثّابٌ بلا فشل
مُعطي الألوف ومِطعام الضيوف ومطعانُ الصفوف ومُردي الحادث الجلل
بادي الوسامة، دفّاع الظلامة حمّالُ الغرامة ذو عِلم وذو عملِ
صافي السرائر، صوّام الهواجر قوّامُ الدياجر والإصباح والأصل
تأتي الوفود إليه لا إلى أحدومَن رأى البحر لا يأتي الى الوشلِ
الدهر جسمٌ وأعضاء جسمه دولٌوأنت وحدك فيه جوهر الدول
وأنشدني الشيخ فتح الدين سيد الناس، والشيخ أثير الدين كلاهما، قال: أنشدنا لنفسه:
فلا تعجب لحُسن المدحِ منيصفاتك أذكرت حكمَ البوادي
وقد تُبدي لك المرآة شخصاًويُسمعك الصّدى ما قد تُنادي
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدني له:
ما شيمةُ العرب العَرْباء شيمتُكمولا بهذا عُرِفنَ الخرّدُ الغيدُ
كانت سُليمى ولبنى والرّباب إذاأزمعنَ هجراً أتتهنّ المواعيد
ودار بينهما فحوى مُعاتبةٍأرقُّ مما أراقته العناقيد
وآفة الصبِّ مثلي أن يبثّ جوىًلمن يحبُّ ولا يُلوى له جيد
ومن شعره:
إن كنتَ تفخر أن تفوهَ بوصفهحُسناً ومثلك من يفوقُ قريضُهُ
سَل عن سواد الشّعر نرجسَ طرفهيخبرْكَ بالليل الطويل مريضه
ومنه:
ما إن عجبتُ لكون نيلك فاتنيلسواد لحظي وهو بحرٌ مزبدُ
لكنني متعجّب كيف اختفىبين الأيادي البيض حظ أسود
ومنه:
كنا إذا جئنا لمن قبلكمأنصف في التّرحيب قبل القيامْ
واليوم صِرنا حين نأتيكمنقنع منكم بلطيفِ الكلام
لا غيّر الله بكم خيفةًمن أن يجيء من لا يردّ السلام
وأنشدني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة، قال: أنشدني لنفسه:
مسائل دورٍ شيبُ رأسي وهجرُهافكل على كل له سببٌ يُنبي
فأحلِفُ لولا الهجرُ ما شاب مفرقيوتُقسم لولا الشيب ما كرهتْ قربي
قلت: كنت قد سمعت أنا الشيخ العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية ينشد هذين البيتين، ويترنّم بهما، فأعجباني، ونظمت المعنى مختصراً وقلت:
مسألة الدور بناعجبت من وجودها
صدّت لشيبٍ قد بداوالشيبُ من صدودها
ولما خاض السلطان الملك الظاهر بيبرس الفرات ورمى بنفسه وبالجيوش فيه، قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - رحمه الله تعالى:
تجمّع جيش الشّرك من كل وجهةوظنوا بأنّا ما نُطيق لهم غلبا
وجاؤوا الى شاطي الفرات وما دروابأن جياد الخيل تقطعها وثْبا
وجاءت جنود الله في العُدد التيتُميس به الأبطال يوم الوغى عُجبا
فعُمنا بسدٍّ من حديد سباحةًإليه فما اسطاع العدو له نقْبا
ولما سمع ابن مهمندار العرب ذلك، قال: أنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
لو عاينتْ عيناك يوم نزالناوالخيل تطفح في العجاج الأكدر
وسنا الأسنّة والضياء من الظبىكشفا لأعيننا قتام العثير
وقد اطلخمّ الأمر واحتدم الوغىووهى الجبان وساء ظن المجتري
لرأيت سداً من حديد مائراًفوق الفرات وفوقه نارٌ تري
ورأيت سيل الخيل قد سدّ الرُباومن الفوارس أبحُراً في أبحر
ظفرتْ وقد منع الفوارس مدّهاتجري ولولا خيلُنا لم تطفر
حتى سبقنا أسهُماً طاشت لنامنهم إلينا بالخيول الضّمر
لم يفتحوا للرمي منهم أعيُناًحتى كُحلنَ بكل لدنٍ أسمر
فتسابقوا هرباً ولكن ردّهمدون الهزيمة رمح كلّ غضنفر
ملؤوا الفضاء فعنْ قليل لم ندعفوق البسيطة منهم من مُخبر
سدّت علينا طُرقنا قتلاهمحتى جنحنا للمكان الأوعر
ما كان أجرى خيلنا في إثرهملو أنها برؤوسهم لم تعثرِ
من كل أشهب خاض في بحر الدِّماحتى بدا لعيوننا كالأشقر
كم قد قلعنا صخرةً من صرخةٍولكم ملأنا محجراً من محجر
وجرى دماؤهم على وجه الثّرىحتى جرت منها مجاري الأنهر
والظاهر السلطان في آثارهميُذري الرؤوس بكل عضبٍ أبتر
ذهب العجاج مع النّجيع بصقلهفكأنه في غمده لم يُشهر
إن شئت تمدحه فقف بإزائهمثلي غداة الروع وانظم وانثر
قلت: هذه الأبيات الأخيرة الأربع ليست من رواية الشيخ أثير الدين.
وكتب ناصر الدين ابن النقيب الى بدر الدين بن مهمندار العرب:
أيوسُفُ بدر الدين والحُسنُ كلهليوسف يُعزى أو الى البدر يُنسب
أتيت أخيراً غير أنك أولتعدّ من الآحاد شعراً وتُحسب
وأحسن ما في شعرك الحرّ أنهبه ليس تستجدي ولا تتكسّب
وتوفي بدر الدين ﵀ في حدود السبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وست مئة.
ومن شعره العذب، ونظمه الذي كأنه في الصّقال عضب، قوله:
عسى الليالي وفي قولي عسى خدعتردّ لي من زماني بعض ما ذهبا
بانوا بأبهى من الدنيا وزينتهاعندي وأكرم مطلوب إذا طلبا
كالغصن منثنياً كالظبي ملتفتاًكالشمس مبتسماً كالبدر منتقبا
كم بتّ أرشفُ صغراً حشوه درروكلما زدتُ لثماً زادني لهبا
منها في المديح:
مَن حاتمٌ وعطايا جوده جملٌوجودُ ذا جمل تترى ولا عجبا
لكن هو الحظّ ذكر الغيث سار وماهَمى لجيناً على عافٍ ولا ذهبا
وسار جدواه في الدنيا وساكنهافأدبر الفقرُ عنهم ممعناً هربا
فاضمُم يديك على مالٍ حباك بهتعوّد البذل، لو قيّدته وثبا
وارفقْ بنفسك لا تعديكَ راحتهفتغرق الناس من بعض الذي وهبا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع