من «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
حرف الميم (١٩)
الصفحة ١ من ٢
المعظمة بدمشق وبلادها وحلب ومعاملاتها ما شاء الله، وبحث على فخر الدين ابن خطيب جبرين الكشاف، وقرأ على الأبهرى نصف التذكرة للطوسي، وأخذ النحو عن العلم طلحة. قال الصفدي: ذكر لي أنه أحضر على سنقر الزيني في الرابعة، وكان مولده سنة بِضْعٍ و سَبْعمائة، قال: وهذا لا ينتظم لأن وفاة سنقر سنة ست. قلت: فحمل على أنه ولد في أول سنة ثلاث ويتفرع على أن البضع من ثلاث إلى تسع، ولابن نباته فيه مدائح كثيرة، ومن نظم ابن يعقوب:
مشبب شب في صناعتهريحانة الوقت مُنْشِئُ الطرب
كأن أنفاسه لآلتهروح تُثير الحياة في القصب
قال الصفدي: كان مَحْفوظًا إلى الغاية ولم يكن فيه شر مع الاحتمال الكثير وكظم الغيظ، ونقل إلى كتابة السر بحلب في سنة ستين ثم أعيد إلى كتابة سر دمشق سنة فباشرها إلى أن مات. قال: وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات. قال: وكتب إلي في ليلة مطيرة:
وكأن القطر في ساجي الدجىلؤلؤ رُصِّع ثوبًا أسودا
وإذا ما قارب الأرض غدافِضَّة تُشرق من بعد المدا
قال الصفدي: كان من رجالات الدهر حَزْمًا وعَزْمًا وسياسة ودِرْبة، ينال مقاصده ولو كانت عند النعائم ويتناول الثريا قاعدًا غير قائم، وكان وجيهًا عند النواب، يتقى عليه أصحاب السيوف والأقلام مع السكون والأخلاق المرضية، وكان لا يواجه أحدًا بما يكره، وقال مرة:
أنا أوقع عن الله وعن رسول الله وعن السلطان وعن النائب وعن قاضي القضاة، وقل أن اجتمعت هذه لغيره لأنه كان يفتي فهو يوقع عن الله ورسوله وكاتب سر وهو يوقع عن السلطان والنائب، وكان بيده توقيع القاضي فاستمر، قال ابن كثير: كانت فيه نباهة وممارسة للعلم وجودة طباع وإحسان بحسب ما يقدر عليه فليس يتوسم فيه سوء مع المهابة والعفة، وقد حلف لي في وقت بالايمان المغلظة أنه لم يكن منه فاحشة اللواط قط ولا خطر له ذلك، وذكر له أشياء غير ذلك من عفته. قال ابن رافع: سمع من إبراهيم ابن العجمى وغيره وحدث، خرجت له مشيخة، وكان متواضعا ذا مروءة وتودد، وكانت وفاته في سادس ذي القعدة سنة بدمشق.
محمد بن يعقوب بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أبو زيان بن عبد الرحمن بن أبي الحسن بن أبي سعيد، وكان والى الفرنج خوفا على نفسه فطلب فوصل إلى فاس في صفر سنة، وكان الوزير يومئذ عمر بن عبد الله بن علي الياباني ثار بعمه أبي سالم وأقام أبا عمر بن يعقوب، وكان معتوها فاستدعى بأبي زيان هذا وكان عبد الحليم ابن عمه قد نازلهم، فلما وصل أبو زيان رجع عبد الحليم إلى سجلماسة فتملكها وقام الوزير بالأمر، وكان فاضلا قليل الكلام حسن الشكل مشتغلا بخاصة نفسه، فلم يزل على ذلك إلى أن راب الوزير منه ريب فرداه في بئر وأشاع أنه أفرط في السكر فسقط في البئر داخل البستان، واستقر
بعمه عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن فظفر بالوزير المذكور فقتله واستمر إلى سنة فلما مات قام ولده ثم عزل وقرر ابن عمه أبو العباس نقلت ذلك كله من خط ابن مرزوق
محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلي الأصل المصري محب الدين ولد بالقاهرة سنة وسمع من الرشيد ابن المعلم والشريف موسى بن علي الموسوي والشريف الزينبى وابن هارون وست الوزراء وابن الشحنة وحسن الكردي وموسى بن عطوف في آخرين واشتغل وحصل فنونا من العلم وقرأ بالسبع على التقى الصائغ وتخرج بالبرهان الرشيدي وأخذ العربية عن ابن حيان والتلخيص عن الجلال مصنفه وأخذ عن التقى السبكي والقطب السنباطي والتاج التبريزي وشرح التسهيل شرحا حسنا وترقى إلى أن ولى نظر الجيش بالديار المصرية ففاق من قبله من الأكابر فضلا عن أقرانه في المروءة والعصبية لجميع الناس ممن يقصده خصوصا طلبة العلم فكان لهم في أيامه من المكارم والأفضال ما لا يعبر عنه ولا يحصى كثرة حتى أني لم أدرك أحدا من المشايخ إلا ويحكي عنه في هذا الباب ما لا يحكيه الآخر، ولم يزل في عزه وجاهه ومهابته إلى أن مات، وكان مع تفرط إحسانه ومكارمه بخيلا على الطعام جدا حتى حكى لي حموي كريم الدين بن عبد العزيز وكان ممن يلازمه أنه كان يسمعه يقول إذا رأيت شخصا أمعن في طعامي أظن أنه يضرب بطني بسكين وقد ذكره الذهبي في أصحاب التقى الصائغ بمصر سنة وعاش بعد ذلك أكثر من خمسين سنة وبلغني أنه أعاد
القراءة على بعض أصحاب الصائغ لبعد عهده بالفن ولم يزل في عزه وجاهه إلى أن مات في ذي الحجة سنة وكان تخلف عن الأشرف لما خرج للحج بسبب ضعفه فسلم من الفتنة لكنه استمر في ضعفه حتى مات
محمد بن يوسف بن أحمد بن محمد بن عبد الغني الاسكندري شرف الدين ابن غنوم سمع من علي بن أحمد القرافي سابع الخلعيات أنا ابن الصباح وحدث عنه بالإسكندرية سمع منه الشيخ جمال الدين ابن ظهيرة
محمد بن يوسف بن إسحاق بن يوسف الصعبي الدلاصي زين الدين أبو المعالي سمع من المنذري ثم ولى حسبة الحسينية خارج القاهرة وحدث أخذ عنه السبكي وكان مرضيا مات في سابع جمادى الأولى سنة بالقاهرة ودفن بالقرافة
محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن نصر بن أحمد بن محمد بن خميس بن مقبل الخزرجي الأنصاري أبو عبد الله ولي السلطنة بالأندلس في يوم عيد الفطر سنة عند موت أبيه وهو يافع وكان وقورا كثير الرأفة ظاهر الشفقة مائلا إلى الخير وطالت أيامه إلى سنة
محمد بن يوسف بن الياس الرومي الحنفي الشيخ شمس الدين
القونوي ولد سنة بضع عشرة واشتغل بالعلم في بلاده ثم قدم دمشق فأقام بها يشغل الناس ويشتغل بالعلم والعبادة والانقطاع ولم يتول بها وظيفة ولا تدريسا إلى أن فاق أهل زمانه في العبادة والزهادة وارتفع صيته وقبلت شفاعته وخضع له الكبار وصنف التصانيف المفيدة واشتهر وكان يبالغ في إنكار المنكر إلى أن مات سنة
محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن الحسن الزرندي المدني الحنفي شمس الدين أخو نور الدين علي قرأت في مشيخة الجنيد البلياني تخريج الحافظ شمس الدين الجزري الدمشقي نزيل شيراز أنه كان عالما وأرخ مولده سنة ووفاته بشيراز سنة بضع وخمسين وسبعمائة وذكر أنه صنف درر السمطين في مناقب السبطين وبغية المرتاح جمع فيها أربعين حديثا بأسانيدها وشرحها قال وخرج له البرزالي مشيخة عن مائة شيخ قلت مات البرزالي قبله بأكثر من ثلاثين سنة ورأس بعد أبيه بالمدينة وصنف كتبا عديدة ودرس في الفقه والحديث ثم رحل إلى شيراز فولي القضاء بها حتى مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ذكره ابن فرحون
محمد بن يوسف بن خسرو الذهبي ناصر الدين أبو عبد الله سمع من الأبرقوهي مجلس رزق الله وسمع من آخرين وطلب بنفسه وكتب الطباق ثم ترك ولزم صناعته ذكره ابن رافع وقال مات سنة
محمد بن يوسف بن داود بن حسن بن حسين بن كافور العمري ناصر الدين ولد سنة ستين تقريبا وخدم جنديا دهرا طويلا ثم انقطع ولازم الجامع وكان سمع من المسلم بن علان والقطب بن أبي عصرون جزء الأنصاري ومن محمد بن إسرائيل الشاعر سمع منه فضيلة البيوت
وحدث سمع منه البرزالي وذكره في معجمه وقال قرأت عليه سنة قلت حدث بعد موت البرزالي مرارا منها في ذي الحجة سنة وأرخه ابن رافع في شوال سنة
محمد بن يوسف بن سليمان بن يوسف القليبي أبو القاسم الرندي المعروف بابن الحبالة قال ابن الخطيب كان من أهل السمت والوقار حسن الخط له شعر وسط ومدائح وولي القضاء ببلده ومن شعره قصيدة أولها
أعد التذكر في الهوى لمتيميشكو النوى من ظالم متظلم
ومات في صفر سنة
محمد بن يوسف بن صالح الدمشقي المالكي شمس الدين القفصي ولد سنة وسمع من القاضي شرف الدين البارزي قاضي حماة وغيره وولي مشيخة الحديث السامرية وناب في الحكم وله نظم وفضائل مات في شهر ربيع الأول سنة
محمد بن يوسف بن عبد الحميد بن علي الزهري الطوسي شرف الدين الإسكندراني سمع من ابن أبي الذكر وحدث ذكره ابن رافع في معجمه وأرخه مات سنة …
محمد بن يوسف بن عبد الرحمن المزي ولد الحافظ جمال الدين
[ولد سنة و-] مات سنة بضع وستين وسبعمائة بماردين رأيته بخط الشيخ بدر الدين ابن سلامة المارديني وذكر أن أول قدومه إلى ماردين كان سنة قلت ذلك في حياة والده
محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الدمشقي نقيب دروس الحنفية أجاز في سنة ثمانين وسبعمائة وكتب عنه ابن سكر
محمد بن يوسف بن عبد الغني بن ترشك البغدادي تاج الدين المقرئ الصوفي ولد في رجب سنة وسمع من ابن الحصين وأجاز له جماعة وقرأ بالروايات وكان ذا سمت حسن وخلق طاهر ونفس عفيفة حسن الصوت مطرب إلى الغاية وقدم دمشق مرارا وحدث وحج غير مرة ثم عاد إلى بلده وأضر بآخرة ومات في سنة
محمد بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف بن سعد الله بن مسعود الخليلي ثم الصالحي الحنبلي ولد سنة وأسمع على التقى سليمان والمطعم وابن الشيرازي وغيرهم فأكثر وخرج له الحسيني مشيخة وحدث بها وكان فقيها صينا متعففا أثنى عليه ابن رافع وغيره مات في شوال سنة
محمد بن يوسف بن عبد اللطيف الحراني الحنبلي شمس الدين سمع من حسن بن عمر الكردي ومن ابن الشحنة وست الوزراء وحدث ومات في أواخر رمضان مطعونا
محمد بن يوسف بن عبد الله بن رجاء بن فارس الزبيدي الدمشقي الهمذاني ثم الشاغوري سبط البرهان أخي ابى شامة ولد سنة نيف وخمسين فإنه حضر في الرابعة سنة وسمع من جده لأمه حديث المؤمل بن إهاب وسمع من أبي شامة وعمر الكرماني وأحمد بن عبد الدائم وخالد النابلسي وغيرهم وحدث سمع منه البرزالي وذكره في معجمه وقال رجل جيد ظاهر الخير يؤذن بالتربة الأشرفية ويحج كثيرا وخرجت له مشيخة وحدث بها ومات في شعبان سنة
محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الباقي زكي الدين أبو القاسم البكري المعروف بابن نهار المالكي الخطيب سمع من ابن الجميزي وغيره وحدث وكانت وفاته في آخر سنة عن اثنين وثمانين سنة
محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي - بفتح اللام وسكون الواو بعدها شين معجمة - وبها يعرف الغرناطي سمع على أبي جعفر بن الزبير السنن الكبرى للنسائي والشفاء والموطأ وأخذ عن أبي الحسن فضل بن محمد المعافري وكان عارفا بالحديث معتنيا بضبط مشكله مشارا إليه في القراءآت عارفا بطرقها مشاركا في الفقه مات في ذي القعدة سنة أخذ عنه شيخنا قاسم بن علي المالقي الذي مات سنة وذكره لسان الدين ابن الخطيب فقال جيائي الأصل يعرف باللوشي ولد سنة وقرأ على أبي جعفر بن الزبير وأبي عبد الله بن رشيد
وأبي جعفر ابن الزيات وأبي عبد الله بن العماد وأبي عامر بن محمد بن ربيع قال وكان أصيل الباع في الجاه والجدة متواضعا قليل التصنع حلو الحديث ظريف التنكيت عن الجهاد ويعين ضعفة الجند ويتعانى الزراعة يقوم على القرآن حفظا وتجويدا وأقرأ القرآن وخطب بالجامع وعقد مجلس السماع للموطأ مدة
محمد بن يوسف بن عبد الله الجزري شمس الدين الخطيب كان أبوه صيرفيا بالجزيرة يعرف بابن الحشاش ولد في حدود سنة ثلاثين وقدم الديار المصرية مجردا فسكن في قوص فقرأ على الشيخ شمس الدين الأصبهاني وهو يومئذ حاكمها وأتقن الفنون ثم قدم القاهرة فأعاد بالصاحبية ودرس بالشريفية وانتصب للإقراء فكان لا يفرغ لنفسه ساعة واحدة ويقرأ عليه المسلمون واليهود والنصارى وصحب الجاشنكير وارتفعت منزلته عنده ثم تعصب عليه الشيخ نصر المنبجي فعزله من خطابة جامع القلعة ثم ولى خطابة جامع طولون ومشى حاله في الدولة الناصرية ودرس بالمعزية بمصر وصنف شرح التحصيل في ثلاث مجلدات وعمل أجوبة على مسائل من المحصول وشرح ألفية ابن مالك قال الكمال
الأدفوي جئته لأقرأ عليه فقال لي ما لك شغل قلت لا قال احضر بعد العصر فإن اتفق أقرأ ففعلت ذلك فلم يخل يوما بالخروج إلي وكان حسن الصورة مليح الشكل حلو العبارة عالما بالفنون من الفقه والأصول والنحو والمنطق والأدب والرياضيات وشرح منهاج البيضاوي في مجلدة لطيفة واعتذر في خطبته بكبر السن وكان كريم الأخلاق يسعى في قضاء حوائج الناس ويبذل جاهه لمن يقصده وله ديوان خطب وشعر فمنه من قصيدة
يا لامع البرق إما لحت معترضالا تستقر لقلب عزه القلق
إني أخال خفوقا منك أقلقنييهدا وقلبي لا يهدا به الفرق
ومن أخرى أولها
يعيذك من نار حوتها ضلوعهمشوق أحاديث البعاد تروعه
ومن أخرى
سل عن أحاديث أشواقي إذا خطرترسل النسيم فقد أودعتها لمعا
مات في ذي القعدة سنة
محمد بن يوسف بن عبد الله الدمشقي الحنفي شمس الدين الخياط الشاعر المشهور الملقب بالضفدع ولد في شهر رجب سنة وتعانى
الأدب فلازم شمس الدين ابن الصائغ الدمشقي ثم تردد إلى المجد الخونجي والشهاب محمود ومدح ابن صصرى في حدود سنة عشر بقصيدة أولها
أما ولواحظ الحدق السواجيلقد أصبحت منها غير ناجي
فقرظها الشهاب محمود ثم أكثر النظم وكان سهلا عليه وديوانه قدر ست مجلدات ومدح أعيان الدماشقة ثم دخل الديار المصرية فمدح أعيانها ومدح الناصر بقصيدة قرأها عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني قال البرزالي في معجمه أديب فاضل كثير النظم قادر عليه جمع من شعره مجلدتين وهو ابن عشرين سنة ثم زاد شعره وكثر وهو مواظب على النظم والعمل في التهاني والتعازي - انتهى وسمع الخياط الحديث من ابن الشحنة والشهاب محمود وجلس مع الشهود تحت الساعات ونزل في مدارس الحنفية ولما نظم ابن نباتة التائية في ابن الزملكاني وجعل غزلها في وصف الخمر عارضة الخياط وعرض به حيث قال في أواخرها
ما شأن مدحي لكم ذكر المدام ولاأضحت جوامع لفظي وهي حانات
ولا طرقت حمى ضمارة سحراولا اكتست لي بكأس الراح راحات
عن منظر الروض يغنيني القريض وعنرقص الزجاجات تلهيني الزجاجات
عشوت منها إلى نور الكمال ولميدر على خاطري دير ومشكاة
قال الصفدي وكان قد تسلط على ابن نباتة كلما نظم شيئا عارضه فيه وناقضه قلت ولكن أين الثريا من الثرى
لا يضر البحر أمسى زاخراإن رمى فيه غلام بحجر
ومن شعر الخياط فيمن التحى
كم تظهر الحسن البديع وتدعىوبياض وجهك في النواظر مظلم
هل تصدق الدعوى لمن في وجههبالذقن كذبه السواد الأعظم
وله
قد طال فكري في قريضي الذيمن نفعه لست على طائل
أمرني زيدا فصرت امرءاصاحب ديوان بلا حاصل
قال الصفدي كان طويل النفس في الشعر لكن لم يكن له غوص على المعاني ولا احتفال بطريقة المتأخرين ذات المباني لكنه مقراض الأعراض وكنانة نبل أنفذ من سهام الأغراض وكان هجوه أكثر من مدحه وقد أهين بسبب ذلك وصفع وجرس وذلك أنه حج سنة فلم يترك في الركب من الأعيان أحدا إلا هجاه فاجتمعوا عليه ورفعوه إلى أمير الركب فاستحضره وأهانه جدا وحلق لحيته وطوفه ينادى عليه فانزعج من ذلك وكمد مات عن قرب قال الصفدي وكان مع ذلك كثير التلاوة حج مرات وقدرت وفاته بمعان بعد أن رجع من الحج سنة في ليلة المحرم ودفن على قارعة الطريق وقال ابن كثير كان يذاكر في شيء من التاريخ ويحفظ شعرا كثيرا وكان حسن المحاضرة وكان
قد أثرى من كثرة ما أخذ من الناس بسبب المديح والهجاء وكان الناس يخافون منه لبذاءة لسانه
محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجياني ولد في أواخر شوال سنة وقرأ القرآن على الخطيب عبد الحق بن علي إفرادا وجمعا ثم على الخطيب أبي جعفر ابن الطباع ثم على الحافظ أبي علي بن أبي الأحوص بمالقة وسمع الكثير ببلاد الأندلس وإفريقية ثم قدم الإسكندرية فقرأ القراءآت على عبد النصير بن علي المربوطي وبمصر على أبي طاهر إسماعيل بن عبد الله المليجي خاتمة أصحاب أبي الجود ولازم بها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس فسمع عليه كثيرا من كتب الأدب ومن عوالي أشياخه على ما كتب بخطه أبو علي بن أبي الأحوص ومحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع والوجيه بن البرهان والقطب القسطلاني وابن الأنماطي والعز الحراني وأبو محمد بن هارون ومحمد بن عبد الله بن البن وابن خطيب المزة وغازي الحلاوي ومؤنسة بنت العادل وشامية بنت البكري قال وعدة من أخذت عنه أربعمائة وخمسون شخصا وأما من أجازني فكثير جدا وسمع أيضا من عبد الوهاب ابن الفرات وعبد الله بن أحمد بن فارس قال الصفدي لم أره قط إلا يسمع أو يشغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره على غير ذلك وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم وكان كثير النظم من الأشعار والموشحات وكان ثبتا فيما ينقله عارفا
باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يذكر أحد في أقطار الأرض فيهما غيره وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم وخصوصا المغاربة وله التصانيف التي سارت في آفاق الأرض واشتهرت في حياته وأقرأ الناس قديما وحديثا حتى ألحق الصغار بالكبار وصارت تلامذته أئمة وأشياخا في حياته وهو الذي جسر الناس على قراءة كتب ابن مالك ورغبهم فيها وشرح لهم غامضها وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب هذه نحو الفقهاء وألزم أحدا أن لا يقرئ أحدا إلا في كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في مصنفاته وقال ابن الخطيب كان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدة شبيبته على التعرض للأستاذ أبي جعفر ابن الطباع وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير وحشة فنال منه وتصدى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته فرفع أمره للسلطان بغرناطة فانتصر له وأمر بإحضاره وتنكيله فاختفى ثم أجاز البحر مختفيا ولحق بالمشرق وتكررت رحلته إلى أن حل بالديار المصرية قال وشعره كثير بحيث يوصف بالإجادة وضدها وقدم أبو حيان سنة فأدرك أبا طاهر المليجي وكان آخر من قرأ على أبي الجود فقرأ عليه وحضر مجلس الشيخ شمس الدين الأصبهاني وكان ظاهريا وانتمى إلى الشافعية واختصر المنهاج وكان أبو البقاء يقول إنه لم يزل ظاهريا قلت كان أبو حيان يقول محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه ذكر مصنفاته منقولة من خطه البحر المحيط في التفسير كبير غريب القرآن
في مجلد الأسفار الملخص من كتاب الصفار وشرح التسهيل التذكرة الموفور التذكير المبدع التقريب التدريب غاية الإحسان والنكت الحسان الشذى في مسألة كذا اللمحة الشذرة الارتضاء عقد اللآلئ نكتب الأملى النافع المورد الغمر والروض الباسم المزن الهامر الرمزة تقريب النائي غاية المطلوب والنثر الجلي الوهاج في اختصار المنهاج الأنور الأجلى في اختصار المحلى الحلل الحالية الأعلام ونثر الزهر في نظم الزهر القطر الحبى والفهرست نوافث السحر مجاني الهصر تحفة الندس في نحاة الأندلس الأبيات الوافية في القافية الإدراك للسان الأتراك وزهو الملك في نحو الترك الأفعال في لسان الترك منطق الخرس بلسان الفرس ونور العبش في لسان الحبش المحبور في لسان اليحمور مسلك الرشد منهج السالك نهاية الإعراب خلاصة التبيان بعضها لم يكمل ومن شعره
راض حبيبي عارض قد بدايا حسنه من عارض رائض
وظن قوم أن قلبي سلاوالأصل لايعتد بالعارض
وله
رجاؤك فلسا قد غدا في حبائليقنيصا رجاء للنتاج من العقم
أأتعب في تحصيله وأضيعهإذا كنت معتاضا من البرء بالسقم
وله
إن الدراهم والنساء كلاهمالا تأمنن عليهما إنسانا
ينزعن ذا اللب المتين عن التقىفيرى إساءة فعله إحسانا
وله
أتى بشفيع ليس يمكن ردهدراهم بيض للجروح مراهم
تصير صعب الأمر أهون ما ترىوتقضي لبانات الفتى وهو نائم
وله
عداتي لهم فضل علي ومنةفلا صرف الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ومن قصائده المطولة القصيدة التي مدح بها الشافعي أولها
غذيت بعلم النحو إن صار لي ثديا يقول فيها شآى الشافعي الناس والقصيدة الدالية التي مدح بها النحو والخليل وسيبويه وختمها بمدح ابن الأحمر أولها
هو العلم لا كالعلم شيء يراودهلقد فاز باغيه وانجح قاصده
وهي تزيد على مائة بيت والقصيدة السينية التي أولها
أهاجك ربع حائل الربع دارسهكوحي كتاب أضعف الخط دارسه
ونظم قصيدة على وزن الشاطبية في القراءآت بغير رموز وهي أخصر
وأكثر فوائد ولكن ما رزقت حظ الشاطبية قال الكمال جعفر في ترجمته شيخ الدهر وعالمه ومحيي الفن الأدبي بعد ما درست معالمه ومجرى اللسان العربي فلا يقاربه أحد فيه ولا يقاومه وذكر أنه لازمه من سنة ثماني عشرة إلى أن مات وذكر جملة كثيرة من شيوخه وأنه بحث في المحرر للرافعي على العلم العراقي وحفظ المنهاج واختصره واختصر المحلى لابن حزم وذكر تصانيفه وذكر أنه كان صدوقا حجة ثبتا سالما في العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم وجرى على مذهب الأدب في الميل إلى محاسن الشباب ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة علي بن أبي طالب والتجافي عن من قاتله وكان يتأول قوله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق وكان كثير الخشوع يبكي عند قراءة القرآن وعند الأبيات الغزلية قال وامتدحه الأعيان منهم ابن عبد الظاهر وشافع والصدر بن الوكيل والشرف بن الوحيد والنجم الطوفي وأبوه الحسين الجزار والشهاب العزازي وإسحاق بن المنجا التركي والمجير القوصي ابن الخيمي - انتهى ووقفت على كتاب له سماه النضار عن المسلاة عن نضار بخطه في مجلد صخم ذكر فيه أوليته وابتداء أمره وصفة رحلته وتراجم الكثير من أشياخه وأحواله إلى أن استطرد إلى أشياء كثيرة تشتمل على فوائد غزيرة قد لخصتها في التذكرة ومما ذكر في نسبه النفزى قال هي نسبة إلى نفزة قبيلة من البربر والبربر فيما يزعمون من ولد بربر بن قيس بن عيلان بن مضر وهم قبائل زناتة وهوارة وصنهاجة ونفزة وكتامة ولواتة وصدينة وسنانة ومرانه وكانوا كلهم بفلسطين
مع جالوت فلما قتل تفرقوا وقصد أكثرهم الجبال في السوس وغيرها وقال غرناطة قاعدة بلاد الأندلس تشبه دمشق في كثرة الفواكه وهي إسلامية قال وكان أبي من جيان - بالجيم فكان يقال لأبي حيان الجياني - بالجيم والمهملة ويقال إنه ضعف مرة فعاده جماعة منهم ابن دانيال المقدم ذكره فأنشدهم قصيدة من مطولاته فلما فرغ قال ابن دانيال يا جماعة أبشركم أن الشيخ عوفي وغدا يدخل الحمام فسألوه عن ذلك فقال لم يبق عنده فضلة إلا استفرغها قال الصفدي كان شيخا طوالا حسن النغمة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا بحمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة وعباراته فصيحة بلغة الأندلس يعقد القاف قريبا من الكاف لكنه لاينطق بها في القرآن إلا فصيحة متقنة قد مدحه جماعة من الأدباء البلغاء وأخذ عنه كبار المشايخ ممن مات في حياته أو بعده بقليل لأنه عمر طويلا وكان اختص بأرغون النائب وصار يبيت عنده بالقلعة ولما ماتت بنته نضار سأل من السلطان الناصر أن يأذن له أن يدفنها في بيته بالشرقية فأذن له وكان ظاهري المذهب فلما قدم القاهرة ورأى مذهب الظاهر مهجورا فيها تمذهب للشافعي وقرأ على العلم العراقي في المحرر وفي المنهاج ثم درس المنهاج فحفظه إلا يسيرا منه قلت ونسخه بخطه ورأيته ثم اختصره وقرأ شيئا من أصول الفقه على أبي جعفر بن الزبير في الإشارة للباجي ومن المستصفى وقرأ في أصول الدين على ابن الزبير أيضا وقرأ شيئا في المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان وقرأ عليه من الإرشاد للحميدي في الخلاف وبرع في
النحو إلى أن صار لا يعرف إلا به وكان عريا من الفلسفة بريئا من الاعتزال والتجسيم متمسكا بطريقة السلف وكان يعظم ابن تيمية ومدحه بقصيدة ثم انحرف عنه وذكره في تفسيره الصغير بكل سوء ونسبه إلى التجسيم فقيل إن سبب ذلك أنه بحث معه في العربية فأساء ابن تيمية على سيبويه فساء ذلك أبا حيان وانحرف عنه وقيل بل وقف له على كتاب العرش فاعتقد أنه مجسم وأكثر من سماع الحديث حتى بلغت عدة شيوخه أربعمائة وأجاز له جمع جم وقد جمعهم في كتاب البيان في شيوخ أبي حيان فبلغوا ألفا وخمسمائة وتصانيفه يزيد على خمسين قال جعفر الأدفوي جرى على طريق كثير من أئمة النحاة في حب على حتى قال مرة لبدر الدين ابن جماعة قد روى على قال عهد إلى النبي ﷺ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق هل صدق في هذه الرواية فقال له ابن جماعة نعم فقال فالذين قاتلوه وسلوا السيوف في وجهه كانوا يحبونه أو يبغضونه قال الأدفوي أيضا كان الشيخ سيء الظن بالناس كافة وتعقبه الصفدي بأنه لم يسمع منه في حق أحد من الأحياء ولا الأموات إلا خيرا قال وكان يبلغني أنه كان يحط على ابن دقيق العيد لكن لم أسمع منه في ذلك شيئا وسمعت منه التنفير عن الذين ينسبون إلى الصلاح حتى قلت له يوما يا سيدي فما تقول في الشيخ أبي مدين قال رجل مسلم دين وإلا ما كان يطير في الهواء ولا يصلي الخمس بمكة كما يدعي فيه هؤلاء الجهلة قال وكان فيه خشوع ويبكي إذا سمع القرآن ويجري دمعه إذا سمع الأشعار الغزلية وكان يقول يؤثر في من الأشعار
ما كان غزلا أو حماسة إلا أشعار الكرم فإنها لا تؤثر في وكان يفتخر بالبخل كما يفتخر الناس بالكرم ويقول أوصيك احفظ دراهمك ودع يقال بخيل ولا تحتاج إلى الأرذال قال وكان يلومني على بذل الدراهم في شراء الكتب ويقول إذا أردت كتابا استعرته من كتب الأوقاف وقضيت حاجتي وإذا احتجت إلى درهم لم أجد من يعيرني إياه وكان يقول يكفي الفقير في مصر في كل يوم أربعة أفلس يشتري طلمة بأئتة بفلس للعشاء وأخرى للغداء وبفلس زيتا وبفلس ماء وقال الذهبي في المعجم المختص أبو حيان ذو فنون حجة العرب وعالم الديار المصرية له عمل جيد في هذا الشأن وكثرة طلب وقال الأسنوي كان إمام زمانه في علم النحو إماما في اللغة عارفا بالقراءات والحديث شاعرا مجيدا صادق اللهجة كثير الاتقان والاستحضار شافعيا لكنه يميل إلى الظاهر ويصرح به أحيانا وأضر قبل موته بقليل قلت حدثنا عنه جماعة من شيوخنا منهم حفيده أبو حيان محمد بن حيان ابن أبي حيان والشيخ أبو إسحاق التنوخي وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ومات بمنزلة خارج باب البحر في صفر سنة
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع