من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
من لم أقف على أسماء آبائهم
الصفحة ١ من ٢
من أهل هذه الطبقة، وهي الأولى، وكذا أفعل في كل طبقة، وفي كل حرف أؤخر من لم أعرف أسماء آبائهم إلى آخر الحرف اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً: محمد البكري: محمد الشيخ المسند القطب البكري النازل بالحسينية بمصر. قال العلائي: كان يزعم أن عمره ينوف على المائة سنة وأنه أدرك الحافظ زبن الدين العراقي وغالب طبقته. قال: قد أجاز لنا وكان متعبداً صالحاً. ويفهم من كلام العلائي أنه توفي في أول القرن العاشر رحمه الله تعالى.
محمد البسطامي: محمد البسطامي شيخ زاوية سيدي تقي الدين العجمي البسطامي الكائنة بمصر أسفل قلعة الجبل بالمصنع. أجاز الشيخ بدر الدين الشويخ بخرقة التصوف، ولقنه الذكر، وأخذ عنه العهد من طريق أبي يزيد البسطامي، ومن طريق الشيخ يوسف العجمي الكوراني، وذلك بمكة في سابع رمضان سنة خمس وتسعمائة.
محمد المناوي: محمد الشيخ الفاضل العدل، شمس الدين المناوي، نزيل الكاملية بمصر. أخذ عن ابن حجر، والكمال السيوطي، ومما أخبر به ولده الحافظ جلال الدين السيوطي أن مما يستحضره أن والده ذهب به وعمره ثلاث سنين إلى مجلس رجل كبير لا يتيقن من هو إلا أنه يظن أنه مجلس حافظ العصر ابن حجر، ثم إن رجلاً من طلبة والده كان ذهب معه في تلك المرة، وأركب الشيخ جلال الدين إذ ذاك أمامه. قال: فسألته مرات عن ذلك المجلس فقال: هو مجلس ابن حجر. قال الحافظ شمس الدين الداوودي المصري في ترجمة شيخه الجلال السيوطي والرجل المذكور: هو الفاضل العدل شمس الدين المناوي، نزيل الكاملية أضر بآخره. وتوفي في أوآخر سنة ثمان وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الجلجولي: محمد، الشيخ الإمام، العالم العامل، الخاشع الناسك، ولي الله تعالى العارف به، بل القطب الرباني، والغوث الفرداني سيدي أبو العون الغزي، الجلجولي، الشافعي القادري أصله من غزة، وسكن جلجوليا، ثم انتقل في آخر عمره إلى الرملة، ثم استمر بها إلى أن مات - رضي الله تعالى عنه - صحب الشيخ العلامة ولي الله تعالى الشيخ شهاب الدين الرملي، الشهير بابن رسلان، واصطحب هو وشيخ الإسلام رضي الدين الغزي جدي كثيراً، وكان نفعه متعدياً، وكان كثير القرى للواردين عليه من الغرباء وغيرهم، وكان تفد إليه الناس بالهدايا وللنذور وللزيارة والتبرك بأنفاسه، وترد عليه المظلومون ويستشفعون به، فيشفع لهم، وكانت شفاعته مقبولة، وكلمته نافذة عند الملوك والأمراء، فمن دونهم لا ترد له شفاعة، وكانت أحواله ظاهرة، وكراماته متوافرة. قال الشيخ موسى الكناوي - رحمه الله تعالى -: كان ممن أظهر الله تعالى على يديه الكرامات بكثرة بحيث لو أراد العاد أن يعد في مجلسه كل يوم خمسين كرامة فصاعداً لعد. قال: وكان هذا وداعاً ليتحدث الناس به في ظلمة القرن العاشر وقال في موضع آخر: وهنا الشيخ أظهره الله تعالى في أوآخر القرن التاسع من أول القرن العاشر، وكان ظهوره بكثرة الكشف الزائد الصحيح، وتربية الفقراء، وانتفاع الناس به، وكان متصرفاً في الملوك بمصر والشام، فلا ترد شفاعته، وكان يقبل من الملوك وغيرهم، ويصرفه في وجوه الخير من غير إدخال ولا رغبة، ولما مات انقطع ظهور الولاية بهذه الصفة. انتهى. قلت: وبلغني أن بعض أولياء دمشق أراد أن يستكشف أمر سيدي أبي العون، ويسأله عن بدو أمره، فبعث إليه بعض مريديه، ولم يذكر له فيما بعثه، بل قال له:
اذهب زائراً إلى سيدي أبي العون، وقل له: أخوك فلان يسلم عليك، ولم يزد على ذلك، وقال له: انظر أول شيء يضيفك به، فأخبرني عنه إذا رجعت، فذهب المريد إلى الشيخ أبي العون، فأول شيء أقراه به قلقاس مطبوخ، ثم لما انقضت زيارته وأراد الرجوع إلى شيخه، قال له الشيخ أبو العون: إذا سألك شيخك عن أول طعام أكلته عندنا فقل له: قلقاس، فكان ذلك بداع كشف سيدي أبي العون، ولطائف إشاراته.
وحكي أن بعض الفقهاء ارتحل إلى الشيخ أبي العون يقصد الزيارة، فلما دخل على الشيخ أبي العون رأى ي جماعته الغث والسمين، والبر والفاجر، فقال في نفسه: لا ينبغي أن يكون أصحاب الشيخ كلهم إلا أخياراً، ولا يليق بصحبته مثل هؤلاء الأشرار، أو نحو هذا الكلام، فما استتم هذا الخاطر حتى قال له الشيخ أبو العون: يا أخي إن الشيخ عبد القادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنه - كان في جماعته البر والفاجر، فأما الأبرار، فكانوا يزدادون به براً، وأما الأشرار، فكان الله يصلحهم بصحبته، فعرف الفقيه أن الشيخ كاشفه بخاطره، فاستغفر الله تعالى، واعتذر من الشيخ، ومن تصرفات الشيخ أبي العون في الوجود ما حكاه الشيخ موسى الكناوي رحمه الله تعالى، وهو أن امرأة من أهل حلب خرجت من الحمام في جماعة من النسوة، فاحتملها رجل من الجند من جماعة نائب حلب، وأراد أن يذهب بها إلى الفاحشة، وعجز الناس عن خلاصها، فجاء رجل يقال له: قاسم بن زنزل بزائين مفتوحتين بينهما نون ساكنة، وكان من أهل الشجاعة والزعارة، فضرب الجندي ليستخلص منه المرأة، فقضى عليه، فمضى قاسم لوجهه هارباً، ثم لما أصبح عاد إلى المدينة، ودخل الحمام، فلما أحس به نائب حلب بعث في طلبه جماعة، فدخلوا عليه الحمام، فقال لقيم الحمام: أعطني سراويلي وخنجري، فخرج عليهم، فتفرقوا عنه، فهرب منهم، ووثب إلى بستان هناك، واستغاث بأبي العون الغزي، وكان قد رأى الشيخ أبا العون قبل ذلك واعتقده، فحماه الله تعالى منهم ببركة الشيخ أبي العون، فاستمر على وجهه على طريق الساحل حتى دخل جلجوليا فدخل على الشيخ أبي العون ودخل تحت ذيله، فدعا له الشيخ وكاشفه بما وقع، وقال له: كيف تقتل مملوك السلطان؟ فاعتذر بما فعله الجندي، فقال له: لك الأمان، ثم كتب الشيخ له كتاباً إلى نائب دمشق قانصوه اليحياوي، وكتاباً إلى نائب حلب، وقال له: اسق الماء واترك الزعارة، قال: نعم، ثم لما كتب له الكتاب إلى نائب حلب قال: يا سيدي أخاف أن لا يقبل ويقتلني، وكان في المجلس إذ ذاك الشيخ نعمة الصفدي فمد يده، وقال له: إن كلمك أقلع عينه بيدي، فأمسك أبو العون على يد الشيخ نعمة قبل أن يتم رفع يديه، وقال له: لو مكنته من رفع يده لقلع عينه، ثم ذهب قاسم إلى دمشق بكتاب الشيخ أبي العون إلى اليحياوي فأكرمه ودفع إليه نحو مائة درهم لكرامة الشيخ، ثم كتب إلى نانب حلب بإكرامه والعفو عنه لأجل
الشيخ، فأكرمه نائب حلب وعفا عنه، واستمر قاسم يسقي الماء، ويلازم زي الفقراء حتى صار رجلاً مذكوراً، وستأتي ترجمته في الطبقة الثانية، وحج الشيخ أبو العون في سنة سبع وتسعين وثمانمائة، فدخل القدس الشريف من جلجوليا في يوم السبت سابع عشر شوال، وتوجه من القدس إلى زيارة الخليل ﵇ قاصداً مكة المشرفة بعد الظهر يوم الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور، فقضى مناسكه، وزار النبي ﷺ، وعاد إلى محل وطنه ذكر ذلك صاحب الأنس الجليل فيه.
وممن أخذ عن الشيخ أبي العون شيخنا الشيخ حسن الصلتي مقرئ دمشق، ومن طريقه تحصل لنا طريقة الصحبة المتصلة بالشيخ أبي العون مع العلو الزائد - رضي الله تعالى عنهما - ولسيدي الشيخ أبي العون - رضي الله تعالى عنه - شعر قوي متين يشتمل على حماسة العارفين، فمنه ما قرأته بخط الشيخ أبي البقا البقاعي خطيب الأموي بدمشق أنه من كلام الشيخ أبي العون رضي الله تعالى عنه:
يا حاضراً في ضمير القلب ما غابالولاك ما لذ لي عيش ولاطابا
آثار فعلك كانت أصل معرفتيويجعل الله للتوفيق أسبابا
ومن كلامه أيضاً رضي الله تعالى عنه:
حياكم الله وأحياكمولا عدمنا قط رؤياكم
ولا حضرنا مجلساً بعدكممحسناً إلا ذكرناكم
وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه:
أقول وقد نوديت سيما، وقيل ليفإنك في حفظ، وإنك في حرز
أنا قادري الوقت صاحب عصرهلوائي لواء الفتح والنصر والعز
فهذا زماني ليس فيه مشاركأزمة أعلام الطريقة في حوزي
مريدي إذا ما ضقت شرقاً ومغرباًفناد بأعلى الصوت غوثك يا غزي
تجدني بأمر الله للوقت ناصراًهنيئاً مريدي بالسعادة والفوز
وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه:
تعالوا إلينا لا ملال ولا بعدولا صد عن أبوابنا لا ولا طرد
تعالوا وقد صححتم عقد ودكمفمن صح منه العقد صح له الود
إذا جئتم لا تنزلوا غير عندناومن غيرنا حتى يكون له عند
فما كل دار في الهوى دار زينبولا كل خود بين أترابها هند
ولا كل مورود يرود له الظماولا كل واد في الهوى لكم رند
أنا الفارس الصنديد والأسد الذيأبو العون من عزمي تذل له الأسد
فتحت رتوقاً كان صعباًمسدهاوليس لها من بعد فتقي لها سد
وجردت سيف العزم في موكب الوفابحد ذباب ما له أبداً غمد
وفارقت أغياري، وملت عن السوىوعند التساوي الأخذ والبذل والرد
فمن شاء فليرحل، ومن شاء فليقمفسيان عندي من يقيم ومن يغدو
فهذا زماني ليس فيه مشاركصناجق أعلام الحقيقة ما تبدو
فعش يا مريدي في هذا وسعادقلك العز والإقبال والجود والسعد
وكان رضي الله تعالى عنه كثيراًما ينشد هذه الأبيات المروية عن سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني ﵁:
إذا كان متا سيد في عشيرةرعاها وإن ضاق الخناق حماها
فما ذكرت إلا وأصبح شيخهاوما افتخرت إلا وكان فتاها
وما ضربت بالأبرقين خيامنافأصبح مأوى العارفين سواها
وكانت وفاة سيدي أبي العون بالرملة في سنة عشر وتسعمائة، وصلي عليه صلاة الغائب بجامع دمشق يوم الجمعة سبع عشر صفر من السنة المذكورة، وقبره - رضي الله تعالى عنه - داخل مدينة الرملة عليه بناء يقصد للزيارة والتبرك. أعاد الله تعالى علينا وعلى المسلمين من بركاته. آمين.
محمد العجمي: محمد العجمي الشهير بالطواقي شيخ الزاوية الخوارزمية، ويراجعهم في أمر المظلومين وينصرهم، فلما ولي نيابة دمشق قانصوه البرج المحمدي كان يظهر الديانة والمحبة لأهل دمشق، وكان يكرم العلماء والصالدين، وكان ممن يكرمه صاحب الترجمة الشيخ محمد، وكان يتردد إليه في أمر المظلومين، ويراجع الدوادار وغيره في أمرهم، فلما توفي النائب المشار إليه في ليلة الخميس سادس عشري صفر سنة عشر وتسعمائة عامل الدوادار على الشيخ محمد جماعة من غوغاء دمشق، فجاؤوا ليلاً إلى الخوارزمية، فطعنوه بالسكاكين، ثم ذبحوه، وأخفوا رأسه وقلبه، وألقوا جثته في بئر الزاوية، ولم يستطع أهله دفعهم، ثم لما طلع النهار جاء الناس إلى الزاوية، فلم يجدوه، ثم رأوه في البئر، فأخرجوه وغسلوه وكفنوه، ودفن في الزاوية المذكورة، ثم كبر الأمر، وكثر الكلام في أمره، فأمر
الدوادار حينئذ بالأمان، وأن لا يتكلم أحد فيما لا يعنيه، فغلب على ظن الناس أن قتله كان بإشارة الدوادار المذكور، وفاز الشيخ محمد العجمي بالشهادة، وكان قتله - رحمه الله تعالى - ليلة الأربعاء ثالث ربيع الأول سنة عشر وتسعمائة.
محمد الأبشيمي: محمد الشيخ الإمام العلامة جلال الدين الأبشيمي المصرفي الشافعي. توفي بالقاهرة يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى سنة عشر وتسعمائة.
محمد النحريري: محمد الشيخ العلامة القاضي، شمس الدين النحريري، المالكي خليفة الحكم بالقاهرة، وكان مباشراً للمقر بن أجا صاحب ديوان الإنشاء بها. توفي يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وتسعمائة، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي - رحمهما الله تعالى -.
محمد المغربي: محمد المغربي، الشيخ الصالح العالم، الزاهد الورع المسلك، المرئي العارف بالله تعالى سيدي شمس الدين، المعروف بالمغربيي، الشاذلي بالقاهرة. قال الشيخ عبد الوهاب: أخذ الطريق عن سيدي أبي العباس المرسي تلميذ سيدي شمس الدين الحنفي، وكان من أولاد الأتراك، وإنما اشتهر بالمغربي لكون أمه تزوجت مغربياً، وكان الغالب عليه الاستغراق، وكان بخيلاً في الكلام بالطريق، عزيز النطق بما يتعلق بها، وذلك من أعظم الأدلة على صدقه وعلو شأنه. وقال في الطبقات الوسطى: اجتمعت به مرة واحدة ذكروا أنه أقام في القطبية ثلاث سنين، وكان كريم النفس، يعطي السائل الألف كأنه لم يعطه شيئاً، وكان ينفق النفقة الواسعة من الغيب، وكثيراً ما كان يأتيه المدين، فيقول: يا سيدي ساعدني في وفاء ديني، فيقول له: ارفع طرف الحصير، وخذ ما تحته، فربما رأى تحته أكثر من ديونه، فيقول له: اوف دينك وتوسع بالباقي، وكان مع كثرة إعطاءاته يفت الرغيف اليابس في الماء ويأكله وينشد:
اقنع بلقمة وشربة ماء ولبس الخيشوقل لقلبك ملوك الأرض راحوا بيش
ودخل عليه السلطان قايتباي يزوره، ورسم له بألف دينار، فردها وأنشد البيت، فبكى السلطان قايتباي حتى بل منديله، وقال له: فرقها على المحبين، فقال له: من تعب في تحصيلها فهو أولى بتفرقتها، ثم قال: من كانت الحقيقة تتصرف فيه فلا اختيار له مع الله تعالى، ولم يقبل الألف دينار، وكان يقول: من أكثر على الله الرد، فهو من أهل الطرد، وكان علماء مصر قاطبة يذعنون له في العلوم العقلية والوهبية ويستفيدون منه العلوم التي لم تطرق سمعهم قط، وذكر الحمصي: أنه كان مقيماً بقنطرة سنقر بالقاهرة، وكان له كشف وكرامات ظاهرة.
قلت: وهو ممن صحبهم شيخ الإسلام الجد من أولياء الله تعالى في طريق الله تعالى كما ذكره في قائمة كتبها بخطه، وكانت وفاته يوم الاثنين سادس جمادىالآخرة سنة إحدى عشرة وتسعمائة بمنزله بقنطرة سنقر. قال الشيخ عبد الوهاب في الطبقات الوسطى: ودفن قريباً من باب القرافة وقبره ظاهر يزار - رحمه الله تعالى -.
محمد الصيداوي: محمد الشيخ الفاضل العالم المفنن شمس الدين الصيدواي. كان عالماً بعلم النغمة، وله فيه مصنفات، وكان له فيه ملكة تامة، وانتفع به خلق كثير. توفي بدمشق سادس عشري القعدة سنة إحدى عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الدلجي: محمد الشيخ الصالح الزاهد، العارف بالله تعالى سيدي محمد الدلجي المصري. كان مقيماً بتربة خارج باب القرافة يقصد للتبرك والزيارة، وزاره سيدي محمد بن عنان، وقبل رجله، وكان يلبس القلنسوة من غير عمامة، ويجلس على تخت من جريد، وكان مع ذلك مهيباً وقوراً. مات في سنة ثلاث عشرة وتسعمائة، ودفن بالقرافة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.
محمد المحرقي: محمد الشيخ الإمام العالم أبو الفضل محب الدين بن المحرقي خطيب الجامع الأزهر بمصر، وهو أحد الخطباء الذين أمرهم السلطان قانصوه الغوري أن يخطبوا بين يديه كل واحد في جمعة، وسبب ذلك أن بعض القضاة أراد أن يشارك قاضي قضاة الشافعية في خطبة القلعة بمصر، وكانت الخطبة إذ ذاك تختص بقضاة الشافعية، وكان قضاة الشافعية يومئذ البرهان القلقشندي، وكان يستنيب في الخطابة الشيخ شهاب الدين الحمصي، وكان السلطان تعجبه خطبته على خطبة قاضي القضاة المستنيب له، فاتفق أن الشيخ شهاب الدين الحمصي مرض وانقطع عن الخطبة، فخطب قاضي القضاة المذكور أول جمعة في رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة والخطبة الثانية، فارسل السلطان إليه أن لا يخطب إلا الشيخ شهاب الدين الحمصي، فقيل له: إنه مريض، فقال السلطان: يخطب القاضي الحنفي جمعة، والمالكي جمعة، والحنبلي جمعة، وخطباء البلد كل جمعة إلى أن يبرأ الحمصي، وكان ذلك موافقا لما أراده بعض القضاة المتقدم ذكره، فبرأ الحمصي قبل يوم الجمعة، فحضر الخطيب وخطب، وحضر قاضي القضاة السري بن الشحنة للخطبة، فسبق وقفل عليه باب القلعة، فدخل على السلطان واستأذن في الخطابة في الجمعة الآتية، فأذن، فلما كان يوم الجمعة وهي رابع جمعة في رجب المذكور، فكانت حادي عشرية، طلع القلعة قاضي القضاة الحنفية المشار إليه، وتعمم بعمامة سوداء، وألقى على رأسه وكتفيه طرحة سوداء، فعلق طرفها بالحصير، فسقطت عمامته عن رأسه فلبسها، ثم صعد المنبر وخطب، وانتقدت عليه تكلفات
حصلت في خطبته، ثم خطب في الجمعة الثانية منها قاضي القضاة المالكية برهان الدين الدميري بعد أن استعفى، فلم يقبل منه فارتج وسقط عن المنبر، ثم قام بعضده رجل حتى رقي المنبر، فلما شرع في الخطبة ارتج عليه القول وقام وقعد مراراً، ثم خطب في الجمعة الثالثة قاضي القضاة الحنابلة شهاب الدين الشيشني، وأجاد في الخطبة الأولى، لكن أطال في الثانية، وساق فيها المواعظ ونزل، فصلى فسها عن الفاتحة، وشرع في السورة، فنبهه رجل من الحاضرين على قراءة الفاتحة، فعاد لقراءتها، ثم خطب في الجمعة الرابعة الشيخ العلامة كمال الدين الطويل الشافعي، ثم العلامة شمس الدين الغزي خطيب الغورية في الخامسة، ثم القاضي شرف الدين البرديني الشافعي في السادسة، ونسي الجلوس بين الخطبتين، ثم الشيخ العلامة محب الدين المحرقي خطيب الأزهر وهو صاحب الترجمة، والشيخ يحيى الرشيدي خطيب الأرتكية، ثم القاضي فخر الدين الطويل نقيب الشافعي، ثم قاضي القضاة البرهان القلقشندي صاحب الوظيفة. قال الحمصي في تاريخه: وشرط عليه أن لا يعود، ثم استقر الحمصي المذكور يخطب نيابة عنه، ووقع رعب السلطان الغوري في قلوب بعض هؤلاء الخطباء بسبب الخطبة بين يدي السلطان، حتى كان سبباً لموت القاضي برهان الدين الدميري المالكي، وصاحب الترجمة فيما ذكره الحمصي. واستمر صاحب الخطبة ضعيفاً حتى مات يوم الأربعاء سنة ثلاث عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الناسخ: محمد الشيخ الإمام العلامة كمال الدين بن الناسخ الإطرابلسي الشامي المالكي قاضي المالكية بطرابلس الشام. أخذ عن الحافظ البرهان الحلبي وعن غيره، ودخل حلب فأكرمه أهلها لأنه كان معمرًا، وله سند عال، فسمع عليه الموفق بن أبي ذر وغيره صحيح البخاري بقراءة القاضي شمس الدين العرضي وغيره، واشتغل عليه الموفق أيضاً في شرح الألفية لابن عقيل، وكان يذكر أنه يحفظ من كتاب سيبويه ألف شاهد، وكان يعرف مذهب مالك، ومذهب الشافعي كما ينبغي، ومن مؤلفاته: " الجواهر الثمينات في الفرائض "، و " قسمة التركات "، وكتاب " الدرر في توضيح المختصر " مختصر الشيخ خليل، وكتاب " كافي المطالب " لمختصر ابن الحاجب، وكتاب " الحر الثمين بين الغث والسمين " في إعراب القرآن، واختصر شرح الرسالة لابن ناجي، وكانت وفاته بطرابلس سنة أربع عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الديري: محمد الشيخ الإمام العلامة بدر الدين الديري، القاهري الحنفي شيخ مدرسة المؤيدية، ومفتي الحنفية بمصر. كانت وفاته يوم الأربعاء ثاني جمادى الأولى سنة أربع عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الأسدي: محمد الشيخ العالم الفاضل بهاء الدين الأسدي الدمشقي الشافعي الشهير بابن الجاموس، مات بدمشق يوم الأحد تاسع عشر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن السابق: محمد الشيخ المبارك الصالح شمس الدين بن السابق الدمشقي كان مؤذناً بالجامع الأموي. توفي يوم الخميس سادس رجب سنة ست عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد الحلواني: محمد الشيخ شمس الدين الحلواني الدمشقي. كان خطيب جامع الحشر بالحدرة تحت قلعة دمشق، وأحد العدول بمركز الخضريين بها. كانت وفاته يوم الاثنين سابع عشري شوال سنة ست عشر وتسعمائة.
محمد الحمصي: محمد القاضي شمس الدين الحمصي ناظر الخواص بمصر. كان من الرؤساء الأعيان، وله كلمة نافذة عند الحكمام ووجاهة عند أرباب الشوكة، وناب في القضاء، وكانت وفاته بمصر يوم الجمعة سلخ الحقدة سنة ست عشرة وتسعمائة.
محمد بن الهمام: محمد الشيخ الإمام المحقق كمال الدين بن الهمام الحنفي. أخذ عنه عبد البر بن الشحنة وغيره، وأخذ هو عن العلامة السراج عمه قاريء الهداية قرأت بخط الشهاب بن شعبان العمري القاهري أنه توفي في سنة سبع عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد القرصوني: محمد الشيخ الإمام الفاضل البارع المفنن العلامة الرئيس شمس الدين القرصوني رئيس الأطباء بالقاهرة، وطبيب السلطان الغوري. توفي بالقاهرة في ربيع الأول سنة سبع عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد القرماني: محمد العالم المولى محيي الدين القرمافي، الرومي، الحنفي. اشتغل في العلوم وبرع وأعطى تدريساً ببعض المدارس، ثم صار مدرساً بأحد المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم تقاعد وأعطي كل يوم خمسين عثمانياً، ولزم بيته بقسطنطينية حتى مات في أوائل سلطنة سليم بن بايزيد - رحمه الله تعالى -.
محمد المحلاوي: محمد الشيخ شمس الدين المحلاوي رئيس المؤذنين، ومؤدب السلطان الغوري. توفي القاهرة في ربيع الأول سنة سبع عشرة وتسعمائة أيضاً - رحمه الله تعالى -.
محمد الغزي: محمد الشيخ الإمام العالم العلامة المفنن شمس الدين الغزي الشافعي. نزيل القاهرة كان مهيباً لا يكاد أحد ينظر إليه إلا ارتعد من هيبته، وكان حسن الصوت جداً لا يمل من قراءته من صلى خلفه، وإن أطال القراءة، وكان يفتي ويدرس سائر نهاره على طهارة كاملة، ولم يضبط عليه غيبة قط لأحد من أقرانه ولا من غيرهم، وكان يقبح الغيبة وينكرها جداً، ولما بنى السلطان الغوري مدرسته بمصر جعله إمامها وخطيبها من غير سؤال منه، وقدمه على سائر علماء البلد، وكانت وفاته بالقاهرة يوم الجمعة خامس عشر المحرم الحرام سنة ثمان عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى - واسعة.
محمد البكري: محمد الشيخ الصالح العالم العامل الورع الزاهد الشيخ صدر الدين البكري. أخذ عن سيدي إبراهيم المتولي، وسيدي أبي العباس الغمري، وكان أجل أصحابهما، وكان كثير الصمت لا يتكلم إلا جواباً، ولا يكاد يرفع بصره إلى السماء في ليل ولا نهار تخشعاً، ولما حج وزار النبي ﷺ. سمع النبي ﷺ يرد ﵇، وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة ثمان عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى ورضي عنه.
محمد الخضري: محمد العبد الصالح الخضري المؤذن بالجامع الأموي بدمشق. كان الناس يحبونه ويعتقدونه، وكان جهوري الصوت يبلغ بمحراب الحنفية المخصوص الآن بالشافعية بين باب العنبرانية وباب الخطابة، مات يوم الأربعاء ثامن عشر المحرم سنة عشر وتسعمائة، وتأسف الناس عليه - رحمه الله تعالى -.
محمد العريان: محمد العريان المجذوب المعتقد. بجلب. كان في بداية أمره مسرفاً على نفسه، فشرب ذات يوم خمراً وجرح إنساناً، فلما سال دمه هاله أمره، وندم على ما فرط منه، واجترأ عليه، واضطرب عقله، وصار يختلط بمؤذني جامع الزكي بحلب، ويعمل أعمالهم، ثم تجرد عن الملبس، وأوى إلى قبة من اللبن بين الكروم مجاورة لقبة الولي المعروف بالشيخ فولاد، وهو عريان، لا يستر سوى سوءتيه، وكان بين يديه كلاب كثيرة، وكانت تمنع مريديه زيارته إلا باشارة منه. وإذا أهدي إليه شيء بادر فأطعمها منه، وربما منع الناس من الوصول إليه بالحجارة. وكان لا يزال نظيفاً، وكان خير بك كافل حلب يعتقده، لكونه قدم يوماً، والناس محتاجون للمطر قدوماً خرق فيه عادته من الإقامة بمكانه المذكور،
وقال له: ما لك لا تبادر بالاستمطار؟ فسأله الدعاء وبادر بالاستمطار، فخرجوا فأمطروا.
وكانت وفاته سنة تسع عشرة وتسعمائة، ودفن بقبته المذكورة - رحمه الله تعالى واسعة -.
محمد بن الشنتير: محمد الشيخ الإمام العلامة شمس الدين المقدسي إمام المسجد الأقصى، المعروف بابن الشنتير أقام آخراً بدمشق، وكان إماماً لكافلها سيبائي، وتوفي بها في سابع رجب سنة تسع عشرة وتسعمائة، ودفن بها - رحمه الله تعالى -.
محمد السيوفي: محمد الشيخ الصالح المبارك شمس الدين السيوفي، وكان مؤذناً بالجامع الأموي بدمشق، ومات بها يوم الجمعة ختام رجب سنة تسع عشرة وتسعمائة، ودفن بباب الفراديس - رحمه الله تعالى -.
محمد بن السقطي: محمد الشيخ شمس الدين بن السقطي. كان من أعيان لشهود بدمشق، وتوفي بها حادي عشر شعبان يوم الجمعة سنة تسع عشرة وتسعمائة - رحمه لله تعالى -.
محمد الزفتاوي: محمد الشيخ الصالح ناصر الدين الزفتاوي، المعروف بأبي العمائم لأنه كان يتعمم بنحو ثلاث أبراد صوف. وأكثر. أقام بالنحرارية وبني بها زاوية وبستاناً، وكان أحمدي الخرقة، وقصده الناس بالزيارة من سائر الآفاق، وكان لسانه لهجاً بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن العظيم. مات سنة تسع عشرة وتسعمائة بالنحرارية، ودفن بها وقبره بها ظاهر يزار - رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
محمد الصيروفي: محمد الشيخ الصالح ناصر الدين الصيروفي قال الحمصي في تاريخه: كان في خدمة الأمير أزدم دوادار السلطان بالقاهرة، وفارقه وتاب إلى الله تعالى، وبنى زاوية بالقاهرة بالقرب من ضريح السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها، وبنى زاوية آخرى بدمشق بالقرب من مدرسة قبليه بضم القاف، وإسكان الباء الموحدة، والياء المثئاة تحت وبينهما لام مفتوحة، وآخره هاء بمحلة مسجد القصب. وتوفي بدمشق يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - آمين.
محمد منلا دران: محمد المعروف بمنلا دران، ومنلا سيدي بفتح المهملة وإسكان التحتية التركماني الحنفي. أحد تلامذة الجلال الدواني. قطن حلب، فقرأ عليه بها جماعة من فضلائها، وتوفي بها في سنة عشرين وتسعمائة، ونقل ابن الحنبلي عن تلميذ صاحب الترجمة ابن بلال. قال: رأيته في المنام، فسألته ما فعل الله بك. فقال: عاتبني عتاباً كثيراً، ثم غفر لي بما في صدري من العلم - رحمه الله تعالى -.
محمد العجاوي: محمد، الشيخ العالم. شمس الدين العجماوي المصري إمام سيبائي كافل المملكة الشامية. توفي بدمشق يوم الاثنين سادس عشري محرم سنة إحدى وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد الضيروطي: محمد، الشيخ الإمام، العالم، الفقيه الواعظ شمس الدين الضيروطي الشافعي، قالت والدته: لما حملت به رأيت النبي ﷺ، وأعطاني كتاباً، فأولته بولدي هذا، وكان محققاً بارعاً زاهداً عابداً، كثير البكاء من خشية الله تعالى، وكان يرابط في برج له بناه بثغر دمياط ليلاً ونهاراً، وكان يعظ الناس في الجامع الأزهر بمصر، وكان على مجلسه أبهة وسكينة يحضره الأمراء فمن دونهم، فيكثر عويلهم وبكاؤهم، وحصل له القبول التام عند الخاص والعام، وكان لا يكاد يمشي وحده بل الناس يتبعونه، ومن لم يصل إليه رمى بردائه على الشيخ حتى يمس ثياب الشيخ به، ثم يرده إليه ويمسح به وجهه، وكان قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وشدد النكير يوماً على السلطان الغوري في ترك الجهاد على الكرسي، فبلغ السلطان ذلك، فبعث إليه، وقال له: ما حملك على أن تذكرني بالنقائص بين العوام؟ فقال: نصرة الدين، فقال: ما عندنا مراكب معدة للجهاد، فقال: عمر لك مراكب أو استأجر، وأغلظ على السلطان، فاصفز لون السلطان، وأمر له بعشرة آلاف دينار، فردها وقال: أنا رجل تاجر لا أحتاج إلى مالك، فقال: عقر بها في البرج، فقال: أنا لا أحتاج إلى أحد يساعدني فيه، ولكن إن كنت محتاجاً إلى شيء تصرفه على الجهاد أقرضك وأصبر عليك، ثم طال بينهما الكلام، فقال الشيخ للسلطان: أما تؤدي شكر ما أنعم الله تعالى به عليك. قال: فبماذا؟ قال: كنت كافراً فمن الله عليك الإسلام، وكنت رقيقاً، فمن الله عليك بالعتق، ثم جعلك أميراً، ثم سلطاناً، ثم عن قريب يميتك ويجعلون أنفك في التراب، ثم يحاسبك على النقير والقطمير، وينادى عليك يوم القيامة من له حق على الغوري، فيا طول تعبك هناك،
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع