من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
حرف العين المهملة (٢)
الصفحة ٢ من ٢
في الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئاً بإحضار الشهوة، ومنعها إياها أياماً، وكان يعتقد ابن العربي اعتقاداً زائداً، ويؤول كلامه تأويلاً حسناً، وبعث إليه سيدي علي بن ميمون مرة يستأذنه في الزيارة، فبعث إليه يقول: إن مشكاح الأسواق لا يزار، ثم سافر ابن حبيب إلى دمشق، وكان سيدي علي بالبترون، فحضر إلى دمشق، ونزل بمكانه بالصالحية، وكان ابن حبيب نازلاً عند الشيخ عبد النبي المالكي بدمشق، ولم يجتمعا بالأشباح في هذه المرة، ولما بلغه أن سيدي علي يذكره في مجلس التربية بين الفقراء أنشدها ضمناً لنفسه: الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئاً بإحضار الشهوة، ومنعها إياها أياماً، وكان يعتقد ابن العربي اعتقاداً زائداً، ويؤول كلامه تأويلاً حسناً، وبعث إليه سيدي علي بن ميمون مرة يستأذنه في الزيارة، فبعث إليه يقول: إن مشكاح الأسواق لا يزار، ثم سافر ابن حبيب إلى دمشق، وكان سيدي علي بالبترون، فحضر إلى دمشق، ونزل بمكانه بالصالحية، وكان ابن حبيب نازلاً عند الشيخ عبد النبي المالكي بدمشق، ولم يجتمعا بالأشباح في هذه المرة، ولما بلغه أن سيدي علي يذكره في مجلس التربية بين الفقراء أنشدها ضمناً لنفسه:
ولقد سما الكلب الحقير إلى السهىلما تلفظت الأسود بذكره
وكان له شعر ضمنه من دقائق المعاني السنية، ما يشهد لأهل الأذواق أنه كان من أهل الهمم العلية، والأسرار الربانية، وإن كان في بعض تراكيبه ما لا يسلمه علماء العربية من التائية التي ذيل بها على أبيات الشافعي - رضي الله تعالى عنه - الذي أولها:
لما عفوت، ولم أحقد على أحدأرحت نفسي من حمل المشقات
وقد تلقاها الناس بالقبول، وجرت أبياتها على الألسنة، وانقادت لمعانيها العقول، حتى شرحها الشيخ العالم العارف بالله تعالى سيدي علوان الحموي - رضي الله تعالى عنه - شرحاً حافلاً، وحل ألفاظها حلاً باستقصاء مراداتها كافلاً، واعتذر عن بعض ما وقع فيها من مخالفة الوزن أو ركاكة التركيب، وأتى فيها بكل معنى لطيف وغريب، وقد اتفق لناظمها - رضي الله تعالى عنه - واقعة رأى فيها روحانية النبي ﷺ وهو يقظان، وعرضها فيها عليه، وأصلح له
بعض أبياتها، وتلقاها بالقبول والاستحسان، ووقوع رؤية النبي ﷺ في اليقظة قد تتفق لبعض الأولياء من قبيل الكرامة، وخرق العادة، وقد تقدم نظير ذلك في ترجمة الشيخ جلال الدين السيوطي - رحمه الله تعالى - وبلغه الحسنى وزيادة، ومن أحاسن تائية ابن حبيب رضي الله تعالى عنه:
يا صاح كم ذا التواني والتلاهي وكمتسوف العمر ولى في المحالات
الحق يدعوك في الإسحار، فاسع وقموافتح فؤادك، وانشق طيب نفحات
واستحل واستجل أبكار المعاني وطبوناج ربك في ترتيل آيات
وأحسن الظن فيه، واستعن بهفاستغن والجأ إليه في الأمورات
واغرس بقلبك أشجار الوداد لهواخليه من شوك سعدان الخليقات
وصالح الله وأصلح ما تريد كماتطيع مولاك تلقى منه طاعات
لم يعلم المدبرون الشوق منه لهملفطروا كيف في أهل المحبات
إن يمش قاصده يأتيه هرولةلبدك اللازم انهض كم إضاعات
دع الزمان وأهليه ونفسك لاتذهب عليهم أخا العرفان حسرات
كالوقت من كان معه كيف حل ومنأضحى مع الله لا يلهو بأوقات
طوبى لمن فاق كأساً من محبتهودام حتى حظي منه بكاسات
من قام بالنفس لم يثبت وقد ثبتامن قام في الله في أهنى هنيئات
خوف المحب، وفسق العارفين كذاكذب المريد فساد في الطريقات
حدثنا الشيخ العلامة عبد الحي الحمصي الحنفي مد الله ظله، وكان قد استطال عليه بعض من لا يدانيه، وأفحش في تحريه عليه وتعديه، واستنصر في أخذ حقه فلم يجد نصيراً، ونام تلك الليلة مقهوراً، قال: فبينما أنا نائم إذ رأيت في فلاة من الأرض، واسعة الطول والعرض، شيخاً مهيباً عليه الوقار، وهو مرتد بأردية الافتقار، قال: فسألت من هذا الرجل المهيب؟ فقيل لي: إنه الشيخ عبد القادر بن حبيب، قال: فتقدمت إليه، وقبلت يحيه، فقال لي: كيف قلنا في التائية؟ فقلت له: يا سيدي لا أدري ما تريد من أبياتها المرضية، فقال: أما قلت فيها:
إن لم تجد منصفاً للحق دعه إلىمولى الموالي ومساك السموات
ومن شعر ابن حبيب - رضي الله تعالى عنه - من قصيدة ذكر منها الشيخ علوان في شرح التائية أبياتاً عديدة:
أنا الضيغم الضرغام صمصام عزمهاعلى كل صب في الغرام مصمم
وما سدت حتى ذقت ما الموت دونهكذا حسن عشقي في الأنام يترجم
وكانت وفاته - رضي الله تعالى عنه - بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
عبد القادر بن محمد بن جبريل: عبد القادر بن محمد بن جبريل بن موسى بن أبي الفرج، الشيخ الإمام العلامة محيي الدين المقرئ الشافعي، الشهير بجده جبريل، وهو والد قاضي قضاة المالكية بدمشق خير الدين. ولد في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وكان مفتياً على مذهب الشافعي بغزة، وتوفي بها ليلة الجمعة تاسع عشر شوال سنة سبع عشرة وتسعمائة، ودفن بمقبرة ساقية العواميد، وصلي عليه غائبة بالجامع الأموي بدمشق عقب صلاة الجمعة سادس عشر شوال السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
عبد القادر بن محمد الدشطوطي: عبد القادر بن محمد، الشيخ الصالح المعمر المعتقد المجرد، العفيف العارف بالله تعالى، المقبول الشفاعة في الدولتين الجراكسية والعثمانية الشيخ زين الدين ابن الشيخ بدر الدين المشطوطي كذا ضبطه العلائي، وضبطه السخاوي في الضوء اللامع - بطاءات مهملة وشين معجمة - كما هو جار على الألسنة قال: وربما جعلت الشين جيماً، ولكن صوابه الدشطوخي - بدال مهملة مكسورة وشين معجمة ساكنة وبعدها طاء مهملة مفتوحة وبعد الواو خاء معجمة - نسبة إلى دشطوخ، وهي قرية من قرى الصعيد. قال السخاوي: كان متقشفاً يحب سماع القرآن، وكلام الصوفية، انتشر اعتقاده بين المصريين من سنة سبع وثمانين فما بعدها، وكانوا يشاهدون منه كرامات وأحوالاً. قال الشيخ زين الدين الشماع الحلبي: وكان من أكابر أرباب الأحوال. قلت: ذكره شيخ الإسلام الجد فيمن اصطحب معهم من أولياء الله تعالى، وجمع به ولده شيخ الإسلام الوالد، وكان يأمره بالذهاب إليه والتبرك به حين كان بمصر من سنة سبع عشرة إلى سنة إحدى وعشرين، وترجمه الشيخ الوالد بالقطبية في أماكن متعددة، وترجمه الحافظ جلال الدين بالولاية، وألف بسببه تأليفاً في تطور الولي ذكر في أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ عبد القادر المذكور حلف كل واحد منهما أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا، فرفع إليه سؤال في
حكم المسألة قال: فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر، وذكرت له القصة، فقال: لو قال أربعة إني بت عندهم لصدقوا. قال السيوطي: فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما، ثم حمل ذلك على تطور الولي، وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء كابن السبكي، والقونوي، وابن أبي المنصور، وعبد الغفار القوصي، واليافعي - رضي الله تعالى عنهم - وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: دخلت مرة على سيدي عبد القادر، فقال: يا ولدي كل من قال سعادته بيده كذب، وفي لفظ آخر، من قال: إن سعادته بغير يد الله فقد كذب، وأذكر لك بمداءة أمري كنت في دشطوط لا أهجع من السعي في الدنيا، وأنا راكب على ظهر الفرس من الغيط إلى السواقي إلى بلدة كذا، وكان يضرب بي في المثل في الجهد في الدنيا فبينا أنا راكب فرسي يوماً، وأنا ذاهب إلى الغيط، فحصل لي جاذب إلهي، فصرت أغيب عن إحساسي اليومين والثلاثة، ثم أفيق فأجد الناس حولي، وأنا في بلد آخر غير بلدي، ثم أغيب حتى صرت أغيب من الجمعة إلى الجمعة، ثم من الشهر إلى الشهر لا آكل ولا أشرب، فأفقت يوماً، فقلت: اللهم إن كان هذا وارد حق منك، فاقطع علائقي من الدنيا. قال: فرجعت إلى ولدي بعد تسعة أشهر، فوجدت الأولاد وأمهاتهم والبهائم حتى كلاب الدار قد ماتوا، فقلت للناس: هل وقع فصل في البلد؟ فقالوا: لا إنما وقع ذلك في دارك فقط. فقلت: إنه وارد حق، فأخذت فى السياحة إلى يومي هذا ليس لي علاقة من الدنيا سوى هاتين الجبتين اللتين علي هذه حكايته بلفظه، وكان الشيخ عبد القادر مشهور الولاية، ظاهر الأحوال بين الناس، مقبولاً عند الخاص منهم والعام، مسموع الكلمة عند السلطان، فمن عونه مقبول الشفاعة، وكان قال له: صاحب مصر، وكان السلطان قايتباي إذأ رآه يمرغ خديه على قدميه، وعمر عدة جوامع بمصر وقراها، ووقف الناس عليها الأوقاف الكثيرة، وكان المتولي لعمارة جامعه بمصر وزاويته بها الشيخ جلال الدين البكري، وهو والد الشيخ أبي الحسن البكري، وكان الشيخ جلال الدين أولاً من قضاة مصر والمباشرين بها، فلما تواضع لله تعالى وخدم الشيخ عبد القادر رفعه الله تعالى، وأقبل الشيخ عبد القادر على ولده سيدي الشيخ أبي الحسن، وكان يومئذ يشتغل في علوم الظاهر فاضلاً فيها، فأمره والده بخدمة عبد القادر واعتقاده، فبعثه الشيخ عبد القادر إلى الشيخ رضي الدين جدي، وكان يومئذ نازلاً بمصر، فلا زال عند الشيخ رضي الدين ملازماً له في
منزله في غالب أوقاته ليلاً ونهاراً حتى فتح الله تعالى عليه بحقائق المعرفة، ولطائف الإشارات، فقال له الشيخ رضي الدين: يا أبا الحسن ما بقيت مصر تسع لنا ولك، وسافر الشيخ رضي الدين من مصر إلى دمشق في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، ثم صارت الشهرة العظيمة لأولاد البكري من يومئذ إلى يومنا هنا، وكان ذلك كله ببركة الشيخ عبد القادر الدشطوطي - رضي الله تعالى عنه - وكان - رضي الله تعالى عنه - صاحياً، وهيئته هيئة المجاذيب، حافياً، مكشوف الرأس، عليه جبة حمراء تارة وتارة جبتان، وكان بعد أن أضر بصره لبس واحدة، وتعمم بالأخرى، وكان له كلام
عال على لسان أهل المعرفة حتى استشهد بكلامه سيدي الشيخ علوان الحموي في رسالة كتبها إلى صاحبه الزيني عمر بن الشماع محدث حلب، وضمنها موعظة أمره فيها بالخروج من عطن الكون المقيد إلى الوجود المطلق، وأنشد فيها قول بعض العارفين:
وكل قبيح إن نسيت لحسنهإليك معاني الحسن فيه تدافع
وقول الآخر:
ويقبح من سواك الفعل عنديفتفعله ويحسن منك ذاكا
ثم قال الشيخ علوان: ولقد بلغني عن الدشطوطي المصري - رحمه الله تعالى - أنه قال له شخص شاكياً من آخر: يا سيدي ذا وحش قوي، فأجابه الشيخ يا ذا حط من حسنك على وحاشته يبقى مليحاً، وذكر الشعراوي أنه أول ما اجتمع به في رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وهو دون البلوغ أوصاه بوصايا، وقال له: أنا أعرف أن عقلك الآن ما يحمل هذا الكلام، ولكن هات الموأة والقلم واكتبها. قال: فأتيته بالدواة، فكتبها، وقال: احفظ هذه الوصية حتى تكبر وتعرف معناها وتمكلو لمن علمك إياها. أوصيك بعدم الإلتفات إلى غير الله ﷿ في شيء من أمورك في الدنيا والآخرة، فإن جميع الأمور لا تبرز إلا بأمره، فارجع في الأمور إلى من قدرها يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين، فنظرت إليها بقلبك طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا وذكر أن البحر توقف يوماً، ثم هبط أيام الوفاء نحو ثلاثة أذرع، فجاء الناس إليه، فذهب إلى شاطي النيل، فخاض فيه، وقال اطلع بأذن الله تعالى، فطلع البحر، وأوفى ذلك الوقت، وكاد الناس أن يتقاتلوا عليه يتبركون به. قال: واتفق الناس أنه ما رؤي قط في معدية في البحر لا في الجيزة، ولا في ينبوبة إنما كانوا يرونه في هذا البر. وهذا البر، وحج مرة ماشياً حافياً طاوياً، فلما وصل إلى باب السلام بحرم مكة انطرح بخده على العتبة ثلاثة أيام حتى أفاق، ثم دخل للطواف والسعي، ولما زار النبي ﷺ وضع خده على باب السلام بحرم المدينة مستغرقاً إلى أن رجع الحجاج، ولم يدخل المسجد. قال الشعراوي: وأخبرني الأمير يوسف بن أبي إصبع أن السلطان قايتباي لما سافر لنواحي بحر الفرات استأذن سيدي عبد القادر، فأذن له قال: فلما سافر مع السلطان كنا نجده ماشياً قدام السلطان في البرية، وبيننا وبينه نحو عشرة أذرع، فإذا نزلنا نسلم عليه اختفى. قال: فلما نزلنا حلب وجدنا زحمة على باب زاوية: فقلنا: ما هذا فقالوا سيدي عبد القادر الدشطوطي له هنا خمسة أشهر ضعيف في هذه الزاوية فقلنا نحن فارقناه في مصر من نحو خمسة وعشرين يوماً. قال: وكنا نراه أمامنا في الطريق، فدخلنا فوجدناه ضعيفاً كما قالوا: فتحيرنا في أمره.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع