تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

محمد بن محمد جودي زاده

محمد بن محمد بن الياس المولى الفاضل، والعلامة الكامل، قاضي القضاة محيي الدين. أحد موالي الروم المعروف بجوي زاده أحسن قضاة الدولة العثمانية، وأعفهم، وأصلحهم سيرة، وترقى في المدارس على عادة موالي الروم وولى قضاء دمشق، فدخلها في خامس عشر شهر صفر سنة سبع وسبعين وتسعمائة، وهي سنة

ميلادي، وانفصل في ختام السنة عن قضاء دمشق، وأعطي قضاء مصر، ثم صار قاضياً بالعساكر، وفي آخر أمره صار مفتياً بالتخت السلطاني، وكانت سيرته في قضائه في غاية الحسن بحيث يضرب بها المثل، وكان عالماً فاضلاً، بارعاً، ديناً خيراً عفيفاً، كان رسم الحجة في دمشق قبل ولايته أربع عشرة قطعة، فجعله عشراً، وكان رسم الصورة ثماني قطع فجعله ستاً، ودام على ذلك، وأخذ بعض نوابه في بعض الوقائع ما زاد على ذلك، فرده على مالكه، وقرأ على شيخ الإسلام الوالد في أوائل الكتب الستة، وغير ذلك، وحضر بعض دروسه في التفسير والفقه، واستجازه فأجازه، وكان يفتخر بقراءته على الشيخ وأجازته. وكتب الشيخ له إجازة بخطه حافلة في يوم الاثنين رابع شعبان المكرم عام ثمانية وسبعين وتسعمائة، وأثنى عليه الشيخ في هذه الإجازة كثيراً، وقال فيها: وقد اجتمع بي في الشام حين وليه قاضياً، وكان بحمد الله في قيام الحق، ونصرة الدين سيفا ماضياً، وصار كل من أهل الصلاح به راضيا.

وهو والله عفيف نزهوله عرض مصون ما اتهم
وخبير بمداراة الورىومداراة الورى أمر مهم

وكتب إليه شيخ الإسلام، وهو قاضي في دمشق في قضية من أبيات:

يا مفرد العصر في علم ومعرفةوعفة ما عهدناها لمن سلفا
ورفعة لمقام العلم مغترقامن نهلة ولأهل العلم معترفا
قد عز مقداره أيام دولتكموزداد مع شرف فيه لكم شرفا

وكان - رحمه الله تعالى - حليماً إلى الغاية إلا في أمر الدين، ومصالح المسلمين، فإنه كان صلباً يغضب لله تعالى منع نائبه الجالس ببابه أن يسمع دعاوي حكام السياسة، بل كان هو يسمعها بنفسه، ويبالغ في ردعهم، ويتوعدهم، وربما ضرب بعضهم بحيث قل الظلم في زمانه، وانكف الظلمة عن أمور كثيرة، وكان إذا شفع عنده أحد من الأكابر أظهر له قبول الشفاعة فإن خالفت الحق، والأنصاف تناساها، وأعرض عن ذكرها ولم يقبل من أحد هدية في مدة قضائه. ولما انفصل عن دمشق أمر منادياً ينادي يوم الجمعة بالجامع الأموي أن قاضي القضاة عزل عن دمشق، فمن أعطاه شيئاً، أو أخذ منه، أحد من جماعته شيئاً، أو تعدى عليه أحد من جماعته، فليرفع قصته إليه حتى يرد إليه ما انتزع منه، فرفعت الناس أصواتهم بالبكاء، والدعاء، وأظهروا التأسف عليه لعزله، وتمنوا لو دامت ولايته عليهم ولما ولي قضاء العساكر الأناطولية بعد محمد أفندي ابن معلول، وكان قد حصل لابن معلول صرع في الديوان بعد أن ولي قضاء العساكر الأناطولية سبعة أيام، فأخرج تدريس التقوية عن شيخ الإسلام الوالد للشيخ

محمد الحجازي بسبب خنق كان عند ابن معلول، على شيخ الإسلام الوالد بسبب أن شيخ الإسلام لم يتردد إليه على عادة أهل دمشق، ولم يكن لشيخ الإسلام والدي عادة بذلك، فحقد عليه، فلما ولي قضاء العسكر أخرج في أول ولايته بمدرسة التقوية عنه فما بقي في قضاء العسكر سبعة أيام حتى جن في الديوان، فولى قاضي القضاة جوي زاده مكانه، وكان له مزيد اعتقاد في الوالد رحمه الله تعالى فلما ولي قضاء العسكر الأناطولي كان أول شيء عرضه على السلطان مراد رحمه الله تعالى تلخيص للوالد بثمانين عثمانياً، وكانت في يده قبل ذلك بسبعين عثمانياً وما بلغ أحد من موالي العرب في دولة بني عثمان ثمانين قبل المرحوم الوالد، وقال أبدأ بمدرسة شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين تيمناً، وتبركاً، وكان حسن اعتقاده سبباً لرفعة مقامه حتى ولي قضاء العساكر الروم إيليه، وولي الإفتاء ودام في ولايته كلها على التعبد والتورع في طعامه، وشرابه، ولباسه، ومات وهو مفتي التخت العثماني ليلة الخميس سادس جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.