تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

محمد بن محمد المولى أبو السعود

محمد بن محمد الإمام العلامة، المحقق المدقق الفهامة، العلم الراسخ، والطود الشامخ، المولى أبو السعود العمادي الحنفي مفتي التخت السلطاني وهو أعظم موالي الروم، وأفضلهم لم يكن له نظير في زمانه في العلم، والرئاسة، والديانة أخذ عن علماء عصره منهم العلامة المولى قادري جلبي، وترقى في التداريس، والمناصب حتى ولي الإفتاء الأعظم، وألف المؤلفات الحافلة منها التفسير المشهور المسمى بالإرشاد جمع فيه ما في تفسير البيضاوي، زاد فيه زيادات حسنة من تفسير القرطبي، والثعلبي والواحدي، والبغوي، وغيرها، وله كتاب جمع فيه بعض ملازميه جملة صالحة من فتاويه، وله القصيدة المشهورة التي أولها:

أبعد سليمى مطلب ومرامودون هواها لوعة وغرام
وفوق حماها ملجأ ومثابةودون ذراها موقف ومقام

وهي مشهورة من محاسنها قوله فيه:

فكم عشرة ما أورثت غير عسرةورب كلام مقتضاه كلام

وقد خدمها الأفاضل، فمنهم من خمسها، ومنهم من شرحها، وقد اتفق لنا رواية هذه القصيدة، وغيرها من كلامه، ورواية تفسيره الحافل عن أحد تلاميذه العلامة السيد الشريف المولى محمد المعروف بالسعودي قاضي حلب، وآمد، وغيرها حين قدم علينا دمشق سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، وكان المولى أبو السعود عالماً عاملاً، وإماماً كاملاً شديد التحري في فتاويه حسن الكتابة عليها، وقدراً مهيباً حسن المجاورة، وافر الأنصاف ديناً خيراً سالماً مما ابتلي به كثير من موالي الروم من أكل المكيفات، سالم الفطنة جيد القريحة، لطيف العبارة، حلو النادرة، سئل عن شخص لا هو مريض، ولا صحيح ولا حي، ولا ميت، ولا عاقل، ولا مجنون، ولا نائم، ولا يقظان، فأجاب بقوله إن كان لهذا وجود فهو الترياقي وسئل عن شرب القهوة قبل أن يكمل اشتهارها بعدما قرر له اجتماع الفسقة على شربها، فأجاب بقوله ما أكب أهل الفجور على تعاطيه، فينبغي أن يجتنبه من يخشى الله، ويتقيه، وهذا ليس فيه تصريح بتحريمها، بل يقتضي أن الأولى تركها حذراً من التشبه بالفجار، والكلام في القهوة الآن قد انتهى الاتفاق على حلها في نفسها وأما اجتماع الفسقة على إدارتها على الملاهي، والملاعب، وعلى الغيبة، والنميمة فإنه حرام بلا شك وقد أجبت عن سؤال صورته.

أيها الفاضل الذي جمع العلموحاز التقى فأصبح قدوة
أفتنا أنت هل تقول حلال أمحرام على الورى شرب قهوة

فقلت:

أيها السائل الذي جاء يرجوعندنا أن نبيحه شرب قهوه
قهوة البن لا تكون حراماًإنها لا تفيد في النفس نشوه
غير أن الذي يجيء بيوتاًهي فيها تدار عادم نخوه
إذ يرى المرد والمعازف والنردوكل يلهو فيبلغ لهوه
ثم لم يقو أن يغير نكرأخشية أن يعد ذلك هفوه
أو يجيبوه بالإهانة والسوءويجفونه بأعظم جفوه
أويخلي شيطانه لهواهلهوه في تلك البيوت ولغوه
معرضاً عن رشاده وتقاهسالياً عن صلاته أي سلوه
كل هذا مخالف لطريقخطه المصطفى وعرج نحوه
فأجتنبه ودع طوائف تدعوكإليه ولو باكد دعوه
لا تطعهم ولو رضوا منك خطوةفتطيع الرجيم في كل خطوه
وإذا شئت شرب قهوة بنحسوة قد أردت أو ألف حسوه
فليكن ذاك وسط بيتك مهمالم تشب صفوها بموجب صبوه
واذكر الله أولاً وأخيراًوتوثق منه بأوثق عروة
قاله ابن الغزي نجم ابن بدريرتجي من رب البرية عفوه

أخبرني شيخنا القاضي محب الدين الحنفي العلامة أن المفتي أبا السعود - رحمه الله تعالى - توفي بالقسطنطينية في الثلث الأخير من ليلة الأحد خامس جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وكانت جنازته حافلة وصلي عليه في حرم جامع السلطان محمد الكبير في ملأ عظيم، وجمع كثير، وتقدم للصلاة عليه فخر الموالي سنان، ودفن بمقبرته التي أنشأها بالقرب من تربة سيدي أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.