تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

محمد بن علي البكري الصديقي

محمد بن علي بن محمد الشيخ الإمام

شيخ الإسلام وابن شيخ الإسلام العارف بالله وابن العارف به الأستاذ ابن الشيخ شمس الدين ابن أبي الحسن البكري الصديقي، المصري الشافعي. مشهور الآفاق قال الشعراوي: حجبت معه مرتين، فما رأيت أوسع منه خلقاً، ولا أكرم نفساً، ولا أجل معاشرة، ولا أحلى منطقاً درس، وأفتى في علم الظاهر، والباطن، وأجمع أهل الأمصار على جلالته، ونشأ رضي الله تعالى عنه كما نشأ والده على التقوى، والورع، والزهد، وعز النفس حتى أتته الدنيا، وهي راغمة قال: وأعرف من مناقبه ما لا يقدر الأقران على سماعه انتهى.

أخذ العلوم عن والده، وغيره، وأخبرني الدرويش محمد القدسي نزيل دمشق قال: حدثنا الأستاذ سيدي محمد البكري قال: كان أول فتوحي إني كنت يوماً جالساً أطالع في كتاب الفتوحات للشيخ محيي الدين بن العربي، فدخل علي الأستاذ والدي فقال لي: يا محمد ما هذا الكتاب؟ فقلت: يا سيدي فتوحات ابن العربي قال فقال: هذه فتوحات ابن العربي فأين فتوحاتك أنت؟ قال: ففتح لي من ذلك الوقت، وتركت الفتوحات، وغيره. ولما دخل شيخ الإسلام الوالد مصر حاجاً منها في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة. كان الشيخ أبو الحسن قد توفي قريباً وكان حضوره مصر تقريراً لسيدي محمد البكري، وتثبيتاً له، وبلغني أنه حضر أول مجالسه، وكان سيدي محمد يعترف للشيخ بالأستاذية. كما كان أبوه يعترف لأبيه، ويعتقد أنه لولا الشيخ رضي الدين ما حصل لهم من الفتح، واللسان، والمعرفة ما فتح، وأضاف سيدي محمد البكري في التاريخ المذكور شيخ الإسلام الوالد، وحضر تلك الضيافة من أكابر مصر إذ ذاك جماعة، وحدثني الخوجا إبراهيم بن عثمان بن مكسب قال: كنت لا أقول أن في الدنيا مثل شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين والدك، وقد دخلت مكة والمدينة واليمن، ومصر، وغيرها، وكنت يوماً ببعض أسواق مصر فمر الشيخ محمد البكري، فرأيت الناس أكبوا عليه وقبلوا يده فقلت مساكين أهل مصر كيف لو رأوا شيخ الإسلام بدر الدين؟ فلما حاذاني سيدي محمد البكري قبلت يده فأمسك على يدي، وقال لي: انظر الشيخ بدر الدين الغزي شيخنا. وأستاذنا، ولكن الاعتقاد مليح، فوقع كلام الشيخ في قلبي، ثم ترددت إليه، وكان هذا سبب اعتقادي فيه. وله رضي الله تعالى عنه تآليف، ورسائل في السلوك وغيره وقفت له على

كتاب هداية المريد، إلى الطريق الرشيد، وكتاب معاهد الجمع، في مشاهد السمع، وله ديوان شعر يدل على مشربه الرائق، ومقامه الفائق، ومن شعره ما أورده في كتابه معاهد الجمع:

شربت من نغمات القدس كاساتيوقام يرقص ناسوتي بآلاتي
وكنت في حان لاهوتي نشاهدهوشاهدي اليوم ممحو بأثبات
متى سمعت؟ وإني منه مستمعوالآن فقد بأوصافي وحالاتي
ولو نظرت وما عنه حجبت وبيعرائس الجمع يجلوها بمرآتي

ومنه ما أورده في كتاب هداية المريد:

شهدناك في مرآة كل حقيقةتليح لنا فيها الذي أنت تعلمه
وتهدي لنا منها قلوباً توجهتلتعرف ما يخفي المحب ويكتمه
وأعلمتنا منها بوحدتك التيبها طلعت من مشرق الحق أنجمه
فلما عرفناها عرفنا توجهاًإليك فلا وهم علينا نحكمه
فأظهرت وجه النور غير مبرقعفأذهب عنا ما الفؤاد توهمه
فعدنا مفيضين المعارف فيالورىوأخمصنا الصيد الأماجد تلثمه
على أننا في مهلة الشوق لم يرموحر هوانا بالتذكر نضرمه
ونرسل من آماقنا كل مدمعوحالتنا تقضي بأنا نحمحمه

ومن شعره ما أنشده شيخنا شيخ الإسلام محب الدين الحموي قال: كتب إلي الأستاذ الإمام سيدي محمد البكري في صدر مكاتبة إلي، وأنا قاض بثرمنت:

يا نسمة البان بل يا نسمة الشيحأن رحت يوماً إلى من عندهم روحي
خذي لهم من ثنائي عنبراً عبقاًوأوقديه بنار من تباريحي

حدثنا شيخنا المذكور قال: لما اجتمعت بسيدي محمد البكري قال لي: ما اسمكم قلت عبدكم محب الدين قال: بحم أقسم إني محب، ومحاسنه كثيرة، ولطائفه شهيرة ومن كراماته ما حدث عنه أحد جماعته الشيخ الفاضل عبد الرحيم الشعراوي قال: جاورت بمكة المشرفة مع الأستاذ سيدي محمد البكري الصديقي في بعض مجاوراته، وكنت كثير الملازمة له شديد الاتصال به، فبينما هو جالس يوماً بالحرم الشريف عند منزله باب إبراهيم، وأنا عنده إذ جاء الخادم من منزله، فطلب شيئاً من النفقة، ولم يكن معه إذ ذاك ما ينفق. فقال للخادم: نرسل الآن إن شاء الله فمضى الخادم، ثم عاد وألح في الطلب، فأجاب الشيخ بما

أجاب أولاً، وتكرر ذلك من الخادم فنهض الشيخ للطواف وأنا معه وهو يقول:

صوح النبت فاسقهقطرة من سحائبك
وأغثنا فإننافي ترجي مواهبك
للشاعر عبد الغني النابلسي، من قصيدة «فر دهري بحقه»

وما زال يكررها في الطواف، واذ بشخص هندي أقبل على الشخص، وقبل يده ودفع له من جيبه صرة من الدنانير، وقال: يا سيدي هذه هدية أرسلها لك معي ملك الهند، فسجد الشيخ شكراً لله تعالى، وانقلب إلى أهله مسروراً، وكان سيدي محمد البكري رضي الله تعالى عنه حسن العقيدة في الصالحين، من المجاذيب والسالكين، معترفاً بفضل ذي الفضل، شديد التأدب مع الحضرة المصطفوية، معظماً لذريته الأشراف لا يدخل عليه شريف إلا، ونهض له قائماً حتى سافر معه جمال شريف، وكان كلما دخل عليه يقوم له، واجتمع به الشيخ العارف بالله تعالى أبومسلم محمد بن محمد الصمادي شيخ الطائفة الصالحية بدمشق في بيض المقدس، فاعتقد كل منهما الآخر ولما دخل الشيخ محمد الصمادي إلى وطاقه مودعاً له أمر سيدي محمد البكري بتقديم فرس الصمادي إليه على بساطه، وأمسك له الركاب بنفسه وحدثني بعض أصحابنا قال: حملت مكتوباً من الشيخ محمد الصمادي إلى الشيخ البكري فلما دخلت على البكري سلمت عليه من قبل الشيخ الصمادي، فلما ذكرت اسمه له قام على حيله، ورد سلامه، ثم قعد فلما أعطيته المكتوب قبل عنوانه، ووضعه على عينيه، ثم فتحه بتعظيم قلت: ومن الاتفاقات العجيبة أنهما ماتا في سنة واحدة واجتمع به صاحبنا العارف بالله تعالى الشيخ محمد اليتيم العاتكي، واستمد منه، وحدثنا عن كراماته ومنها تسخير الطاغية سليمان باشا ابن قباد، وكان نائب القدس إذ ذاك، وكان عسوفاً له بحيث أنه كان يخدمه ويمشي بين يديه وهكذا كان اعتقاد أركان الدولة بمصر فيه، وأشراف مكة، وأعيانها، وبالجملة فإن ترجمته تحتمل مؤلفاً مستقلاً، وبلغني أن رجلاً ذكر سيدي محمد البكري مرة فقال: لا أدري كيف أمر الشيخ في سعة دنياه وتبسطه فيها إلى حد الإسراف في المطعم، والملبس؟ فمرعليه الشيخ، فلما قبل يده قال له: يا بني الدنيا بأيدينا، وليست في قلوبنا. وممن مدح الأستاذ بشعر الفاضل الأديب محمد بن الحسين الحارثي الشامي الأصل الخراساني المولد حج، ورجع إلى مصر، ثم زار القدس، ثم دخل دمشق، وأسرع الرحلة منها إلى العراق وكان في الآن مقيماً بقزوين عند ملك العجم شاه عباس، ولا أدري أهو حي الآن أو مات فقال:

يا مصر سقياً لك من جنةقطوفها يانعة ودانيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
ترابها كالتبر في لطفهوماؤها كالفضة الصافية
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
قد أخجل المسك نسيم لهاوزهرها قد أرخص الغاليه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
دقيقة أصناف أوصافهاوما لها في حسنها ثانيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
منذ أنخت الركب في أرضهاأنسيت أصحابي وأحبابيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
فيا حماها الله من روضةبهجتها كافية شافيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
فيها شفا القلب وأطيارهالنغمة القانون كالزارية
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
تركت مذ حل ركابي بهاالحساب والهيئة في ناحيه
والطب والمنطق في جانبوالنحو والتفسير في زاويه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
كذا معان وبيان لهأسهرت عيني برهة وافيه
وحكمة ثم كلاماً بهفقت أهيل الأعصر الماضيه
فذا زمان ليس يرجى بهلصاحب الفضل سوى ناريه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
من شاء أن يحيي سعيداً به ممنعماً في عيشة راضيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
فليدع العلم وأصحابهوليجعل الجهل له غاشيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
وليترك الدرس وتدريسهوالمتن والشرح مع الحاشيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
إلى م يا دهر وحتى متىتشقى بأيامك أياميه
تحقق الآمال مستعطفاًوترفع النقص بآماليه
وهكذا تفعل في كل ذيفضيلة وهمة عاليه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
فإن تكن تحسبني منهمفهي لعمري ظنة واهيه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
دع عنك تعذيبي وإلا فأشكوك لدى ذي الحضرة العاليه
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
سيدنا الأستاذ كهف الورىمنقذهم من درك الهاويه
ومرشد الخلق إلى الحق ذي المناقب الظاهرة الساميه
سرت مع الركبان في شرقهاومغرب أكرم بها ساريه
إن كنت تبغي أن ترى جنة الفردوس فأحضر ساعة ناديه
والثم ثرى أعتابه خاضعاًوعفر الخد مع الناصيه
وشنف الأذن بألفاظهإن كنت ممن أذنه واعيه
فتنظر الفيض اللدني والأسرار مستكشفه باديه
يا سيدي إني امرؤ لم أزلإلى العلا ذا قدم ساريه
قد طفت في الأض بأكنافهامن حضر فيها ومن باديه
وأبصرت عيناي كل أمرىءفي فنه ذا قدم راسيه
وكل طود شامخ يهتديبنوره في الظلمة الداجيه
حتى توصلت إلى خدمةالأستاذ من مملكة نائيه
أطوي الفيافي قاصداًنحوه ميمماً سدته العاليه
فاستحقرت عيناي من كنت قدأبصرته في الأعصر الماضيه
من أبصر البحر فمن شأنهأن يستقل النهر والساقيه
مولاي عذراً إن فكري غدامشتتا من سوء أحواليه
صفاتكم أعلى منالاً من أنتخطر مولاي على باليه
وهذه الأبيات كاللغو والأستاذ لا يستمع اللاغيه
خلت من المعنى فكن قانعامولاي بالوزن مع القافيه
لا زال حسادك في ذلةومقلة دامعة داميه
ولا برحت الدهر ذا عزةونعمة واسعة صافيه

وكانت وفاة سيدي محمد البكري رحمه الله تعالى ليلة الجمعة رابع عشري صفر سنة أربع وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة، وتقدم أن وفاة سيدي الشيخ محمد الصمادي ليلة الجمعة عاشر صفر المذكور فبين وفاتيهما ثلاثة عشر يوماً في يوم واحد في شهر واحد في ليلة واحدة من الأسبوع رضي الله تعالى عنهما وقيل في تاريخ وفاته:

مات من نسل أبي بكر فتىكان في مصر له قدر مكين
قلت لما الدمع من عيني جرىارحوه مات قطب العارفين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.