من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
إسماعيل النابلسي
إسماعيل بن أحمد ابن الحاج إبراهيم النابلسي، الشيخ العالم العلامة، الإمام الأوحد الفهامة، الهمام، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، كاشف المعضلات من المسائل العلمية، محقق الدلائل العقلية والنقلية، أستاذ العصر، ومفرد الوقت، تصدر للإفتاء والتدريس، وصار إليه المرجع بعد شيخ الإسلام الوالد. مولده كما وجدته بخط المنلا أسد سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، واشتغل في صباه على جماعة من أهل العلم في النحو والصرف، وحفظ القرآن العظيم، وألفية ابن مالك، ثم لازم الشيخ أبا الفتح السبستري هو وصاحبه الشيخ عماد الدين الحنفي، ثم رافقهما الشمس بن المنقار، والمنلا أسد، والشمس الصالحي وغيرهم، وبالشيخ أبي الفتح تخرج في المنطق، والنحو، والمعاني، والبيان، والأصول، والتفسير وغير ذلك، ثم لزم العلامة الشيخ علاء الدين بن عماد الدين في المعقولات وغيرها، وحضر دروس شيخ الإسلام الوالد كثيراً، وأخذ إسماعيل عن شيخ الإقراء الشيخ شهاب الدين الطييي، وقرأ المنهاج على العلامة الفقيه القاضي نور الدين السنفي، وحضر تقسيم المحلي عليه رفيقاً للشيخ محمد الحجازي، وشيخنا الشيخ أحمد العيثاوي، والشيخ أحمد القابوني، وأجازه بالإفتاء والتدريس، وكان يبحث معه في مجلس درسه كثيراً، ودرس بالجامع الأموي، ثم بدار الحديث الأشرفية، وبالشامية البرانية عن الشيخ شهاب الدين الفلوجي، وكان قاضي دمشق حينئذ عرض فيها للشيخ الحجازي، وأرسل الشيخ إسماعيل ساعياً في طلبها من إسلام بول، فسبق ساعيه، ووجهت المدرسة إليه، فوليها إلى أن مات، ودرس بالدرويشية بشرط واقفها، وضم له إليها تدريس العادلية الكبرى. وكانت دروسه حافلة لصفاء ذهنه، وطلاقة لسانه، وحسن تقريره، وله شعر منه قوله أحجية في عاقر قرحا:
مولاي يا خير مولىويا سليم القريحه
ما مثل قول المحاجييوماً عجوز قريحه
وكتب له العلامة شمس الدين محمد بن نجم الدين الصالحي الهلالي:
أمولاي إسماعيل يا خير مرتجىويا فاتحاً باباً من العلم مرتجا
ويا روض علم أينعت ثمراتهويا بحر علم فاض لما تموجا
بتحرير تحقيق هديت لمطلبعزيز فأضحى للأفاضل منهجا
سألتك عن شخص تحرر نصفهونصف رقيق لم يجد منه مخرجا
جنى واعتدى عمداً على يد نفسهفأفضل عضو بالدماء مضرجا
فماذا عليه للذي حاز نصفهوما نص حكم بالشريعة انتجا
فأجابه صاحب الترجمة بقوله:
أكامل هذا العصر في العلم والحجىوموضح ما من غيهب الشك قد دجا
ويا شمس دين الله يا فاضلاً غداًمن الشمس شمس الكون أبهى وأبهج
لك الله من حبر له فضل فطنةتضوع منك المسك لما تأرجا
لقد جاءني من بحر علمك جدولففرح قلبي حين همي فرجا
على حين أوقات تفاقم أمرهاوطاعونها قد قل منه الذي نجا
فقلت وقلبي بالهموم مشتتوعيني تنشي بحر دمع تموجا
لقد أهدر الجاني بذلك عضوهوإن كان عضواً بالدماء مضرجا
وقد فقد المولى يدي عبده فمالها بدل بل خاب من دونه وارتجى
أو الثمن ممن قابل الذات لازمأو الربع يعطيه المبعض مزعجا
كما في فتاوي المروزي ذاك كلهوأوسطها رجح سلمت من الشجا
فهاك جواباً لا برحت مسدداًمجيداً مفيداً للفروع مخرجا
ودم أبداً في نعمة وسعادةمعيناً مغيثاً كل خطب مفرجاً
ولبعضهم:
يا أيها النحوي ما اسم قد حوىمن مانعات الصرف خمس موانع
ويزول من تلك الموانع علةفيعود مصروفاً بغير منازع
أجاب عنه الشيخ إسماعيل:
يا أكمل الفضلاء يا من قد غدافي فضله فرداً بغير مدافع
في أذربيجان لقد ألغزت إذشنفت باللغز البديع مسامعي
وعظم أمره، ورزق الحظ من المال، والخدم، والكتب، والجاه، ونفوذ الكلمة، وصار بعد موت الوالد مرجع أهل دمشق، وله الصدارة فيها، وكان سريع الكتابة على الفتوى، وكان يفتي معه الشيخ محمد الحجازي، والشيخ أحمد ابن الشيخ شهاب الدين الطيبي، وشيخنا،
وكان شيخنا الشيخ أحمد العيثاوي أمثلهم، والمرجع في مذهب الشافعي إذ اختلفوا، وكان الشيخ إسماعيل أوجههم، وأنفذها كلمة، وكان الشيخ إسماعيل محسناً في حق الطلبة في المال، وبالشفاعة في الوظائف والمناصب له الحظ الوافر في الكتب. جمع كتباً كثيرة نفيسة، وكان يكثر من إعارة الكتب، وصار عين الشافعية بدمشق، بل عين علمائها، ورأس عظمائها، وكان يستأجر القرى والمزارع كثيراً، ورزق الحظ فيها، ولم يرغب في الأملاك والعقارات إلا شيئاً قليلاً. وملك
داراً بالقرب من الأموي لصيق سوق العنبرانيين وعمرها، وكان ملازماً لصلاة الجماعة في الصلوات الخمس بالجامع الأموي مع الأولى، وكان له أفضال على القضاة والنواب والكتاب، وأكثر النواب والكتاب هو الذي قدمهم ورتبهم، وهم في نعمته وأفضاله، وكلهم يرجع إلى مشاورته، ويصدر عن رأيه، وكان موقراً موفر الحرمة، سابغ النعمة، لم يجر عليه من نوائب الدهر، ومحن الزمان إلا قصة القابجي الذي عين في فتنة ميراث محمود الأعور بوشاية السقا يوسف، وكان أصل الفتنة مداخلة رئيس الكتاب محمد بن خطاب والد القاضي كمال الدين، وأكثر جماعة القاضي للميراث، فاعتقل القاضي محمد بن خطاب وولده وأهانهما، واعتقل جماعة آخرين منهم صاحب الترجمة، والشيخ محمد الحجازي، ثم كانت النصرة للشيخ إسماعيل من جانب مفتي الروم يومئذ محمد أفندي جوي زاده سبباً لاستخلاص الباقين، والانتقام من القابجي بشنقه في أمور يطول شرحها، ثم عادت دولة الشيخ إسماعيل له، وتوفرت حرمته، وبقي على نفع المسلمين بالإفتاء والتدريس والتعليم إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة، ودفن بمقبرته التي اشتراها شمالي مقبرة باب الصغير بالقرب من جامع جراح. ورثاه الفضلاء بمراث منها هذه القصيدة للعلامة المنلا أسد رحمه الله تعالى:
مصيبة قد أذابت مني الكبداوأسهرت لي طرفاً طالما رقدا
وأفنت الصبر عن قلبي، وقد وضعتمكانة الوجد والتبريح والكيدا
إلى متى نحن في ذا الدهر في حرجوحقنا أن نديم الحزن والكمدا
إلى متى نحن فيها غافلون وقدتدير كأس المنايا بيننا أبدا
ونحن كالشرب بعض مال ساعتهوالبعض منتظر حتى يميل غدا
ألا ترى كيف إسماعيل سيدناكهف الأنام ومنيتهم إمام هدى
ثوى وخلفنا رهن الأسى أبداًوسار نحو جنان الخلد منفردا
من للفتاوى إذا أضحت مشتتةمن للدروس إذا ما طالب قصدا
من للتصانيف من للمشكلات وقدأضحى رهيناً بقبر لا يجيب ندا
يا لهف نفسي عليه كيف غيب فيبطن الثرى، وهو بحر العلم قد زبدا
يا حسرتي، وهو طود الفضل شامخهفكيف وارته تحت الأرض كف ردى
يا من غدا طالباً للعلم مجتهداًخفض عليك، فسوق الفضل قد كسدا
أبكيه ما دمت حياً بالدموع وقدقل البكاء له مني، وإن نفذا
أبكيه ما دمت في الدنيا رهين أسىولا أرى بعده لي عيشة رغدا
إن كان قد فارق الدنيا فلا أسففإنه بنعيم الخلد قد سعدا
فإنه قال مولانا وسيدنانبينا من إلى السبع العلى صعدا
قولاً عظيماً عجيباً فيه منقبةأتى به المصطفى الهادي الشفيع غدا
بأن عالمنا مثل النبي غدافي سالف الدهر فأفهمه تحز رشدا
وقال الشيخ أحمد العناياتي النابلسي شاعر دمشق:
ألم تر عقد الفضل كيف تبدداوعطل منه إذ تحلى به الردى
فنوء المعاني كيف تهوى نجومهافما للندى نوء ولا نور للهدى
أرى الدهر يرمي نفسه بمصائبويهدم ما من شامخ العز شيدا
تحلى بصداء العلوم، فكيف قدتحلأ عنها ظامياً يشتكي الصدى
لذاك تراه شائب اليوم لابساًعلى فقد مولاه من الليل أسودا
وليس الشتا والصيف إلا مدامعاًلمقلته أو حر قلب توقدا
لقد أسعدت عيناي عينيه بالبكاوناوحت بالشجو الحمام المغردا
على كامل لم ألف من حر فقدهعلى الأرض يطفي الحزن ماء مبردا
لو أني أعطى في المنايا لي المنىفدا ألف عين فاضلاً كيف أوحدا
فكيف بمن في نابلوس ومهجتيفديت أبا المجد الهمام أبا الفدا
لقد ثكلتك الشام واحد عصرهعقمن الليالي مثله أن تولدا
وقد فقدت منه المدارس بدرهاإذا قال أبصرت الفصيح تبلدا
إمام إذا قال الكلام تزال لايزال بسيف من ذكاه مؤيدا
يشوقك وجهاً يملأ العين بهجةوصدراً بعقد الاجتهاد مقلدا
فيا عمدة الطلاب كيف تركتهمحيارى وكل منشد فيك مرشدا
وحزت المعاني والبيان مطولعليك يبكي عبدها منك سيدا
لقد حزت فضل السبق في كل حلبةمن الفضل حتى حزت في شأوك المدى
تصول بسيف من أصولك قاطعفلا ملحد إلا وملقيه ملحدا
فتى بالفتاوى والفتوة يملأ الطروسسطوراً للهدى منه والجدى
ولم يختلف في فضله اثنان أنهالمبرز في جمع العلوم تفردا
وما روضة أسدى إليها الندى يداًفراحت فأنفاس الشذا تشكر السدى
بأبهى وأزهى من بيان بنانهإذا نظم الدر الفريد ونضدا
على حين أعطاه الزمان زمامةووطا له حتى علاه ولحدا
وصرفه طوعاً له في صروفهفمن شاء أدناه، ومن شاء أبعدا
وأخدمه زهر الليالي جوارياً وأمضى له أيامه العز أعيدا
وجاد بنعماه على أوليائهوعاد ببؤس من سطاه على العدى
وأظهره كالشمس صيتاً ورفعةًفيا ليت شعري ما عدا في الذي بدا
فأصبح من سهم الحوادث مقصداوقد كان في ربع الحوادث مقصدا
أرب العلى إن غبت عنا برغمنافذكرك فينا لا يزال مجددا
وإن سرت من دار الفناء مفوضاً فقد صرت في دار البقاء مخلداً
عليك سلام من الله من بلديكالفقير العناياتي عبدك أحمدا
ولا زال للأمطار قبرك مسجداًتظل عليه ركعاً فيه سجدا
وأشهد الرحمان في الخلد وجههوحسبك أن تلقى الحبيب وتشهدا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع