تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

علي بن إسرافيل قنالي زاده

علي بن إسرافيل الإمام العلامة الأوحد المفنن الفهامة، علي جلبي قنالي زاده أحد الموالي الرومية المشهورين بالعلم والفضيلة. اشتغل في العلم على جماعة، واتصل آخراً بخدمة ابن كمال باشا، ودرس بإحدى الثماني، وولي قضاء دمشق، فدخلها في غرة ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين بتقديم السين وتسعمائة، ولم يتأخر عن السلام عليه أحد إلا شيخ الإسلام الوالد لأنه انقطع عن التردد إلى القضاة وغيرهم، والشيخ علاء الدين بن عماد الدين المذكور قبله، فإنه كان مريضاً مرض الموت، فبادر القاضي إلى زيارة الشيخ الوالد في بيته، وعيادة الشيخ علاء الدين، ومات الشيخ علاء الدين بعد أيام، فحضر جنازته، وترحم عليه، ثم قرأ على الشيخ الوالد في الحديث، وأخذ عنه، وكان بينهما مطارحات، وكان عالماً متبحراً يميل إلى الأدب والشعر، ولعله أحسن علماء الروم شعراً، وكان يعتقد الشيخ شهاب الدين الطيبي، وأخذ عنه، واستكتب بعض مؤلفاته، وبقي بدمشق قاضياً نحو أربع سنوات، ثم عزل عنها، وأعطي قضاء مصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وتسعمائة، ثم أعطي قضاء أدرنة، ثم إسلام بول، ثم قضاء العسكريين، ثم تقاعد عنه مقبلاً على مطالعة الكتب، والنظر في العلوم، وألف حاشية على حاشية حسن جلبي على شرح المواقف، وحاشية على حاشية شرح التحرير للسيد الشريف، وحاشية على شرح الدرر، ومن شعره ما أنشده الشيخ الإسلام الوالد:

أرى من صدغك المعوج دالاًولكن نقطت من مسك خالك
فأصبح داله بالنقط ذالاًفها أنا هالك من أجل ذلك

فأنشده شيخ الإسلام الوالد:

ذا أصبحت مهتماً بمالكوحالك من صروف الدهر حالك
فلا يحظر سوى خير ببالكلعل الله يحدث بعد ذلك

ومن شعر علي أفندي:

يا من يقيل عثار العبد بالكرمإذا أتاه من الزلات في ندم
أرشد بنور الهدى نفسي فقد بقيتمن المظالم في ليل من الظلم
بقيت من كرب الحرمان في كربهب لي نسيم الرضى يا باري النسم

ومنه:

أنفق فإن الله كافل عبدهفالرزق في اليوم الجديد جديد
المال يكثر كلما أنفقتهكالبئر ينزح ماؤها فيزيد

وصار بينه وبين شيخ الإسلام مفاوضة في أبي حيان، وتلميذه السمين أيهما أمثل؟ فمال الشيخ إلى أبي حيان، وقال: إن كلامه أحسن وأجود، ومال الأفندي إلى ضد ذلك، ثم كتب بعد ذلك رقعة إلى الشيخ يتلطف فيها، وذكر فيها ترجمة السمين من كلام شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة، وفيها قوله: إنه ناقش أبا حيان في إعرابه مناقشات غالبها جيد، وصدر الأفندي رقعته بقوله:

يا سيداً قدره في العلم مشتهروهل رأى الناس قدراً غير مشتهر؟
يفوق فضلاً على أهل العلوم كمايفوق بدر جميع الأنجم الزهر
بعثت قول إمام كان صنعتهتبيان كعبة فضل رافع الحجر
في ذكر ترجمة الشيخ السمين شهاب الدين أوردها كالنثر في الدرر
إن شئتم فانظروا لا زال حضرتكممؤيداً من إله الناس بالنظر

فأجاب الشيخ الوالد رحمه الله تعالى بقوله:

يا سيداً فاق أهل العصر قاطبةفي كل فن على المقدار مشتهر
ويا إماماً سما فوق الرؤوس علىًقد وافق الخبر من عليائه الخبر
بعثت قول شهاب في الشهاب لهنعت به طابت الأخبار والسير
جاءت مناقشة منه لسيدهإذ لاح من فكره من لفظه درر
إن الأثير أبا حيان عمدتهابه الأئمة في الآفاق تفتخر
والكل مغترف من بحره نهلاًفالبعض معترف والبعض متنكر
ثم السمين سمين من معارفهليس التغير يعروه ولا الغير
وليس ضائر كل من يناقشهوالبحر صاف وقد يبدو به كدر
والشمس والبدر قد يعروهما فتروالضوء والنور من هذين منتشر
يكفيهما شرفاً منك الثناء ومنمولاه يوماً علي فهو منتصر
واخترت رفع روي حيث ناسبهعلاك يا شمس فضل زانها خفر
فارفع من جانبي حتماً لجانبكموخفض عيشي من جدواك منتظر

فكتب إليه الأفندي مجيباً وملتمساً:

نظم من السيد الشيخ الإمام أتىكالنجم ملتمعاً والدر منتشراً
علومه لجة لا غرو إن قذفتمن خطة عنبراً من لفظه دررا
كماله غير محصور، وليس يرىمن يبتغي المدح إلا العي والحصرا
أفاد حتماً بتفضيل الإمام أبيحيان أحياه من أحيا الورى وبرى
إن الشهاب دخان مظلم فإذادانى الأثير غداً نجماً يضي ويرى
يرى الشهاب إذا أهدى مناقشةعلى الأثير وفي إعرابه سطرا
كقيم الباغ قد يهدي لسيدهبرسم خدمته من باغه الثمرا
لكن على الحضرة العليا يعرض إذأمر على خاطر المملوك قد خطرا
إن تخرج الشمس من أبحاثه وعلىالإنصاف يلقى عليه البحث والنظرا
عسى يحصل من تحقيق سيدنافوائد تحتوي الأوضاع والغررا
ثم الروي تفاءلنا بفتحتهمنا لنا، ولكم والفتح والظفرا

فكتب كل منهما رسالة اختار فيها عشرة أبحاث بين الشيخين، وسمى الوالد رسالته العقد الثمين، في المناقشة بين أبي حيان والسمين، وكتب فيها اثنى عشر بحثاً، ثم أرسلها إلى الأفندي، وكتب إليه معها:

بحر طما وحلا واستخرج الدرراعقداً يرصف منظوماً ومنتثرا
وامتد جعفر فضل للسوي بهيحيى ربيع رباع أو خصيب برا
وفاح عرف جنان أمطرت سحراًمنه فأنعش قلباً كان مستعرا
بنفحة منه أولى مثل ثانيةمن نفحة الصور يحيى خاطر فترا
والعبد يفخر إن مولاه كاتبهأدى الأمانة عنه واقتفى أثرا
ثم الولا أثره مستلزم وكفىومن علي يواليه فقد نصرا
والعبد ممتثل مرسوم سيدهفي جمع عشرة أبحاث له سطرا
مما أثارته أفكار الأثير وقدبث الشهاب من قدحه شررا
وأنت حاكمها الترضي حكومتهوإنما العدل والإنصاف منه يرى
وأنت حاكم هذا العصر سيدهفاحكم بفكرك في العصر الذي غبرا
فبحر فضلك لا تحصى عجائبهوروض فكرك يؤتي الزهر والثمرا
لا زلت قدرك مرفوعة وقولكمتبوعاً وحلمك مسموعاً على الكبرا
ودمت في دولة دروية أبداًما غاب كوكب أفق أو بدا سحرا

مات بعلة النقرس في سنة تسع وسبعين بتأخير السين في الأول، وتقديمها في الثاني وتسعمائة رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.