تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

منصور خطيب السقيفة

منصور بن عبد الرحمن، الشيخ العلامة الصالح الأديب زين الدين الدمشقي، الحريري، الشافعي، الشهير بخطيب السقيفة لأنه كان خطيباً بجامع السقيفة خارج باب توما سنين كثيرة، وكان خادم ضريح الشيخ أرسلان مدة طويلة. كان له يد طولى في علوم كثيرة كالتفسير والعربية، وكان صوفي المشرب أرسلاني الطريقة. أخذ عن جماعة منهم شيخ الإسلام الوالد، وله أرجوزة في حفظ الصحة، ورسالة سماها برسالة النصيحة، في الطريقة الصحيحة، وذكر ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: تعانى الأدب، ونظم ونثر، وألف مقامه حسنة غزلية سماها لوعة الشاكي، ودمعة الباكي. وشاع ذكره بحل الزايرجة للسبتي، واتصل بسبب ذلك بالسلطان أبي يزيد خان ابن السلطان سليمان، فأكرم مثواه، وبلغه مناه، ثم عاد إلى وطنه ومأواه. ثم رحل منه إلى حلب سنة خمس وستين وتسعمائة، فجاور بالمدرسة الشرقية، وأسفر عن تأليف في التصريف أتهم فيه أنه لغيره، أو منقول فيه كلام غيره فحسنه. قال: وهرع إليه أفراد من أوباش عوام الصوفية من صوفية العوام، وأضافه من الناس أقوام. ثم شاع عنه أكل الكيف والتهاون في بعض الأمور الدينية. ثم ذكر كلاماً يقتضي الطعن عليه، وإضافة أمور غير مرضية إليه. وكذلك عادة ابن الحنبلي في هذا التاريخ بأدبي شبهة يهتك من المترجم ستراً، ولا يكاد يقيم لمن يحتمل حاله التأويل عذراً. والذي عرفناه من أخبار أخيار الدمشقيين أن الشيخ منصور كان من عباد الله الصالحين. ومن كراماته ما حدثنا به شيخنا الشيخ محمد بن أبي بكر اليتيم العارف بالله تعالى. قال: كنت يوماً عند الشيخ منصور، وكان الشيخ جالساً على إحدى الصفتين اللتين في باب جامع السقيفة، وهي القبلية، فجلست في مقابلته على الصفة الأخرى الشمالية، فجاءته بنت صغيرة بعثها إليه أهل بيته، فقالت: يا سيدي يريدون بطيخاً أصفر. قال: وكان البطيخ الأصفر يومئذ قد فرغ من دمشق. فقال: نرسل الساعة إن شاء الله تعالى، فتعجبت من كلام الشيخ، وقلت: كيف؟ قال: نرسل ولا بطيخ بهذا البلد. قال: ثم أقبل على كلامه، فبينا نحن كذلك إذا بإنسان أقبل من الغوطة، فسلم على الشيخ، ومعه دابة عليها خرج، فأخرج من كل عين منه بطيخة من أحسن البطيخ، وأكبره، فقال الشيخ: هذه نرسلها إلى البيت، وهذه نأكلها هنا. ومن شعر الشيخ منصور:

يا صاحبي اهجرا جنح الدجى الوسنالتخبرا في الورى عن بهجة وسنا
خذا من الشرع ميزاناً لفعلكماولا تميلا إلى مستقبح وزنا

ومنه:

يا خليلي خلتي هجرتنيوإذا بالهجر منها وجدي
بلغاها بعد السلام سقاميثم قولا حني عليه وجودي

ومنه مقتبساً:

عاذلي ظن قبيحاًمذ رأى عشقي ينم
ظن بي ما هو فيهإن بعض الظن إثم

وله أيضاً:

ظن بالناس جميلاًواتبع الخيرات تسم
واجتنب ظناً قبيحاًإن بعض الظن إثم

وله أيضاً:

إن عزت الصهباء يا سيديوكان في الحضرة عذب اللما
جعلت سكري ماء ريق لهلا واخذ الله السكارى بما

وله:

ناديته في سكرهبنظر أو ما إليّ
إني لأفهم ما تقولوإنما غلبت علي

ويحكى عنه أنه رأى في منامه رسول الله ﷺ، وكان عزم على لاشتغال بالزايرجة فقال له: اكتب ألفاً، اكتب سيناً، كتب كذا حتى سمى له حروف هذين البيتين:

استقم أنت أول الأمر ماءثم من بعد جيفة مأكولا
إن ذا شأن كل حر وعبدسنة الله فاجتنب تبديلا

فأصبح، وقد أعرض عن ذلك الخاطر. أنشدني صاحبه الشيخ بركات الكيال قال: أنشدنا الشيخ منصور خطيب السقيفة لنفسه:

لي من الله عنايةأنا منها في رعاية
لطفه بي من قديمكان في أصل البداية
لم يزل عندي مقيماًبسرور للنهاية
خصني الله بعلمهو من سر الدراية
وهو وهمي، وفيهحكم فيها الهداية
والذي ينكر حاليوهو من أهل السعاية
حلت مولاي عليهإن في الله كفاية
وحسودي إن رمانيلا أبالي بالرماية
ودروعي محكماتوهي من ربي وقاية
كنف الله كفانيوهو لي نعم الحماية
لم يزل قدري علياًعند أرباب الولاية
واقتدائي بالتهاميشرفي في كل غاية
وعلى الله اعتماديوكفاني بالعناية

ومن غرر قصائد الشيخ منصور ما امتدح به شيخ الإسلام الوالد، ونقلته من خطه رحمة الله تعالى عليهما:

إلام أنا الولهان بالرشأ الألميوحتام لم أبرح أرى حبه حتما
وكم ضن باللقيا فأورثني ضناًويمنعني ظلماً، فيمنحني ظلما
ومن وسن الأجفان كم رمت أنهيفوض لي سهماً، ففوق لي سهما
نظرت إلى سقم الجفون، فأثرتبقلبي، وزادتني على سقمي سقما
فيا صاحبي داعي الهوى اليوم صاح بيفسل ما بنا في الحي قد فعلت سلمى
أباحت حمى جسمي سيوف لحاظهافألحاظها تدمي، ووجناتها تدمى
وكل كلام العاذلات، فلم أكنأحس به إلا وأحسبه كلما
ألائمتي كفي الملام، واقصريفعند سماع اللوم لي أذن صما
جفاني الكرى حتى يئست من الكرىفكم بت في الظلماء أرتقب النجما
وطال علي الليل حتى إذا بداسنا وجه بدر الدين انجلت الظلما
هو الفاضل ابن الفاضل البحر في الندىهو الحبر في علم هو الغاية العظمى
له منطق من نحوه الدر يجتليولفظ معانيه بها أنطق البكما
وليس له في فعله من مضارعوفي كل حال أمره ماضياً حتما
يطابق لفظي فيه معنى وصورةفلا غرو إن أبدعت نثراً، وإن نظما
عليم زهت أيامه بوجودهفكان لها روحاً، وكانت له جسما
ولو عرضت للعلم شرح غوامضعليه، لما زادته يوماً بها علما
أعز الورى جاراً وأحماهم حمىوأغزرهم جوداً وأعظمهم حلما
كريم إذا أولى، وغيث إذا همىوليث إذا أوما همام إذا هما
إمام به أهل الفضائل تقتديفكل به في العلم أصبح مؤتما
وفي الجود والإعطاء أمسى مبالغاًوكاد نداه اليوم يستغرق اليما
تجمع فيه كل فضل وسؤددوقد ساد في أيامنا العرب والعجما
وما بلغت أهل الفصاحة في الورىبلاغته، إلا وصيرهم بكما
أيا شيخ الإسلام السليم فؤادهويا من سواه في الورى قط لا يسمى
أيا ديك قد فاضت على سائر الورىوكم لك من أيد، وكم لك من نعما
فيا ويح من لم يعط قدرك حقهويا فوز من قد نال من كفك اللثما
أبثك ما يلقاه قلبي من الأسىوهذي الليالي كم تجرعني السما
ولم يكفها ما مر بي من صروفهاإلى أن غدت قهراً تحملني الهما
وصاحبت هذا الناس براً وفاجراًفحرت، ولم أصحب يقيناً ولا وهما
وأشغلت فكري في المدائح في الورىفضاعت ولا حمداً أفادت ولا ذما
ولم أر في الأيام مثلك سيداًكريماً هماماً ماجداً أروعاً شهما
وما ضاع فيك المدح بل ضاع نشرهولكن له الحساد لم تستطع شما
فباسمكم هذي القوافي وسمتهافيا حبذا اسماً ويا حبذا وسما
وما أنا نظام لعمري وإنمامدائحكم أمست تعلمني النظما
فأنت الذي أدبني، وأنا الذيإلى أدبي بين الورى نظر الأعمى
فإن أر يوماً منك بعض عنايةكفاني، فلا بؤساً أخاف ولا غما
بكم صرت منصوراً على كل حاسدوكم من ضعيف الحال أوليته عزما
إذا المرء لم يعلق رجاء ببابكمفمن ذا الذي ترجى أياديه للرحمى
فدونكها غراء مسك ختامهاودمت قرير العين لا تختشي هما
ولا زلت بحراً بالعطا متداركاًبسيط الأيادي وافر الجود والنعما

توفي الشيخ منصور في رابع رجب سنة سبع بتقديم السين وستين وتسعمائة، ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان. قال والد شيخنا: كما قرأته بخطه، وكان رجلاً صالحاً، ومات ميتة صالحة فيما بلغني انتهى.

وترك ولدين أحدهما الشيخ أحمد المجذوب. بلغني أنه لما أتى أمه في بعض الأحوال.

قال لها: أحسب أنك قد حملت برجل صالح، فجاء الشيخ محمد مجذوباً مباركاً، والثاني الشيخ أبو الفتح، وبقي حياً إلى الآن له معرفة بالأوفاق. وكان كاتباً بسوق الخيل، ثم ترك ذلك بعد سفر ولده الشيخ يوسف إلى إسلام بول وعودة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.