من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (٩)
الصفحة ١ من ٢
فَأجَاب بقوله قرر النُّحَاة أَن الْمركب المزجي قد يُضَاف أول جزأيه إِلَى ثَانِيهمَا تَشْبِيها بالمركب الاضافي فيعرب الْجُزْء الأول بِحَسب العوامل ويجر الثَّانِي بِالْإِضَافَة ثمَّ إِن كَانَ فِي الْجُزْء الثَّانِي مَا يمْنَع صرفه كالمعجمة فِي رام هُرْمُز منع من الصّرْف والأصرف كحضرموت وَإِن كَانَ آخر الْجُزْء اول يَاء كمعدي كرب وقالي قلافانه تقدر فِيهِ الحركات الثَّلَاث وَلَا تظهر فِيهِ الفتحة قَالَ فِي النكت بِلَا خلاف استصحاباً لحكمها حالتي الْبناء وَمنع الصّرْف وَعلله شَارِح التَّوْضِيح يشبه الفتحة بِالْألف لِأَن من الْعَرَب من يسكن مثل هَذِه الْيَاء فِي النصب مَعَ الْأَفْرَاد فألزم فِي التَّرْكِيب لزِيَادَة الثّقل مَا كَانَ جَائِزا فِي الْأَفْرَاد فَحِينَئِذٍ يكون المنقوص وَهُوَ معدي كرب مثلا كالمقصور رأى فِي حكم التَّقْدِير فِي الْحَالَات الثَّلَاث لَا أَنه يكون معرباً بالتقدير على الْألف كَمَا يرشد إِلَيْهِ قَول السَّائِل وَيُعْطى لَهُ حكم الْفَتى دون قَوْله إِعْرَاب الْفَتى فَللَّه دره هَذَا هُوَ الْمُرَجح فِي المسئلة كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَاقْتصر عَلَيْهِ أَبُو حَيَّان وَنَصّ عَلَيْهِ أَبُو عَليّ وَعبد القاهر وَغَيرهمَا
وَقَالَ بَعضهم بِفَتْح فِي النصب ويسكن فِي الرّفْع والجر على أصل قَاعِدَة المنقوص كقاضي الْقَوْم فَتبين بِهَذَا إِيضَاح مَا الغزه هَذَا السَّائِل وَظهر الْمَقْصُود وَالْحجّة واتضحت بِهِ الْحجَّة انْتهى مَا قَالَه فِي الْجَواب وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس بعد الْعَصْر عَاشر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو السُّعُود بن عبد الرَّحِيم بن عبد المحسن بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الْمصْرِيّ قَاضِي الْقُضَاة الشعراني أحد أَفْرَاد الدَّهْر فِي المعارف الآلهية وَكَانَ فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من محاسنه الباهرة جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ لأهل الرّوم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ من بَيت الْولَايَة وَالصَّلَاح وَعم وَالِده الْعَارِف الْكَبِير عبد الْوَهَّاب صَاحب العهود والطبقات وَالْمِيزَان وَغَيرهمَا وفضله أشهر من أَن يذكر وَأما أَبوهُ عبد الرَّحِيم فقد أفردت لَهُ تَرْجَمَة خَاصَّة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَبُو السُّعُود ولد بِمصْر وَدخل الرّوم مَعَ وَالِده وَهُوَ صَغِير وَذكر شَيخنَا إِبْرَاهِيم الخياري الْمدنِي فِي رحلته عِنْد تَرْجَمته لَهُ وَأَنه أَخذ عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والنور الزيَادي قَالَ وَأَخْبرنِي عَن جمَاعَة من بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الصَّالِحين المتصرفين من أهل الطَّرِيقَة وَهُوَ بالروم أَنه قَالَ لرجل مِنْهُم مالنا مَعكُمْ حِصَّة فَقَالَ لَهُ بلَى وَلَكِن تنْزع جَمِيع عَلَيْك من الثِّيَاب ثمَّ تخرج من بَاب أدرنه إِلَى حَضْرَة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ فَقلت الْآن قَالَ لَا بعد أَيَّام فعاودته بعد أَيَّام فَقلت الْآن قَالَ نعم فنزعت ثِيَابِي إِلَّا السَّرَاوِيل وَقلت لَهُ أتأذن لي فِي إبقائه حفظا لِمِيزَانٍ الشَّرِيعَة فَأذن ثمَّ أخذت فِي السّير إِلَى أَن وصلت إِلَى الْبَاب الْمَذْكُور فَلَمَّا جاوزته مَرَرْت بالمقبرة فكشف لي عَن أَحْوَال أهل الْقُبُور وَمَا هم عَلَيْهِ وَلم أزل كَذَلِك إِلَى أَن وصلت أَبَا أَيُّوب فزرته وَرجعت وَكَانَ مَا كَانَ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ صَاحب قدم راسخة فِي الْولَايَة وأطبق أهل عصره على ديانته وعفته وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب وفنونه يَد طولي وَله شعر مِنْهُ قَوْله
أَقُول للقلب لَا تجزع لفائتةإِن الزَّمَان مُطِيع أَمر من أمره
قد يسكن الدَّار وَحقا غير ساكنهاويسكن الْبَيْت حَقًا غير من عمره
وَقَوله
اصبر فَإِن الصَّبْر مِفْتَاح الصعابواشكر فَإِن الشُّكْر مدرار السَّحَاب
وَاعْلَم بِأَن الله يولي عَبدهأَنْوَاع لطف وَهُوَ لَا يدْرِي الصَّوَاب
وَذكره وَالِدي المرحوم وَأَطْنَبَ فِي تَرْجَمته ثمَّ قَالَ لَازم من شيخ الْإِسْلَام صنع الله بن جَعْفَر الْمُفْتِي ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى إِحْدَى مدارس السُّلْطَان
سُلَيْمَان وَولي مِنْهَا قَضَاء القضاه بِالشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا ثمَّ عزل وَحكى لي بعض الثِّقَات نَاقِلا عَنهُ أَنه بعد عَزله عزم على الرحلة إِلَى الرّوم فطلع إِلَى زِيَارَة الاستاذ ابْن عَرَبِيّ فخاطبه من دَاخل قَبره بالتربص وَأَنه يَأْتِيهِ فِي يَوْم كَذَا وَقت كَذَا منصب كَذَا فَوَقع لَهُ أَن جَاءَهُ فِي الْوَقْت الْمعِين المنصب الْمعِين وَهُوَ قَضَاء الْقُدس ثمَّ بعد ذَلِك ولي قَضَاء بروسه وأدرنه وقسطنطينية وَأعْطى آخرا رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي قَالَ وَالِدي روح الله روحه وتشرفت بِهِ فِي يسفرتي الثَّانِيَة إِلَى الرّوم سنة ثَلَاث وَسبعين والف ثمَّ لَزِمته وَكنت إِذا اجْتمعت بِهِ يتنور باطني وظاهري من مخاطبته وينشرح لسَمَاع فَوَائده صَدْرِي من محاضرته وأنشدته مرّة قولي وَأَنا فِي شدَّة من الْحَال
الْحَال غَدا يكل عَنهُ الشَّرْحمن سكرته مَتى زماني يصحو
أَبْوَاب مطالبي جَمِيعًا سدتمولَايَ عَسى يكون مِنْك الْفَتْح
فأنشدني لنَفسِهِ قَوْله
فَلَا تحزن إِذا مَا سد بَابفَإِن الله يفتح ألف بَاب
وَكنت تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وغيرت تَرْجَمته إِلَى قالب آخر حَسْبَمَا التزمته فِيهَا من الالتزامات فَمَا عَليّ أَن أذكر المعدول عَنهُ إِذْ فِيهِ على كل حَال تطرية فَقلت فِيهِ وَقد ذكرته بعد أَبِيه هُوَ جَار مَعَ أَبِيه فِي ميدانه آخذ من فَضله بعنانه متحل بنعته متخلق بسمته ولد فِي طالع السخاء وغذي فِي حجور الكرماء ومارس البلاغة ممارسة كشفت لَهُ عَن أسرارها وأظفرته بكنوز جواهرها إِذْ لم يظفر غَيره بأحجارها وَكَانَت أوقاته مقسمة بَين عارفة ينيلها أَو ملمة يزيلها ومساءة من الْمسَاوِي يسرها وصنيعة من الصَّنَائِع بدخرها ومجلسه أَوله ثَنَاء جميل وَآخره عَطاء جزيل وَبَينهمَا ترحيب وتأهيل إِذا قَالَ فتحت لثنائه الأفواه وَإِذا روى تحدثت بفضله الرواه وَله من دُرَر المكارم وغرر المآثر مَا يسْتَغْرق نظم كل ناظم ونثر كل ناثر وأنشدت لَهُ تخميسه الْمَشْهُور وَهُوَ فِي صَاحب الْبَهْجَة والنور
يَا حادي العيس إِن حفت بك الكربألحق هديب بركب سَاقه الطَّرب
وَقل لصب غَدا بالشوق يلتهبلمهبط الْوَحْي حَقًا ترحل النجب
(وَعند هَذَا المرجى يَنْتَهِي الطّلب ...)
أَعنِي الرَّسُول الَّذِي قد شرف الأمماونال سائله فَوق السما قسما
يلقى العفاة بِمَا يرجون مُبْتَسِمًابِهِ تحط رحال السَّائِلين فَمَا
(لسائل الدمع مَا يَقْضِيه مَا يجب ...)
إِن رمت كشف العنا وَالْحوب والنوبكَذَا الْخَلَاص من الأكدار وَالنّصب
وَكنت حَقًا سعيداً غير مكتئبقف وَقْفَة الذل والإطراق ذَا أدب
(فَعِنْدَ حَضرته يسْتَلْزم الْأَدَب ...)
وَهَذَا التخميس جيد جدا وأظن أَن الأَصْل أَيْضا لَهُ وَله بَقِيَّة اكتفينا عَنْهَا بنبذة نقية وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف بقسطنطينية والشعراني نِسْبَة إِلَى قَرْيَة أبي شعرًا بِمصْر
أَبُو السُّعُود بن عَليّ الزين الْمَعْرُوف بالقسطلاني الْمَكِّيّ الْمَالِكِي الشَّيْخ الإِمَام رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي وَصفه عَالم عَامل وناسك بركته غيث هامل وَإِمَام بِمثلِهِ يَقْتَدِي وطود بنجوم هَدْيه يَهْتَدِي عَلامَة فِي عُلُوم الْعَرَبيَّة ومثابر على خدمَة خَالق الْبَريَّة كَانَ متلقداً بقلائد العفاف متخلياً عَمَّا يزِيد على الكفاف ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم واشتغل بِالْعلمِ مُدَّة سِنِين تقَارب الْعشْرين وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة عَليّ بن جَار الله وَالشَّيْخ يحيى بن الْحطاب وَغَيرهمَا وَعنهُ أَخذ الْعَلامَة عبد الله بن سعيد باقشير والفاضل حنيف الدّين المرشدي وَغَيرهمَا وَلم يزل ملازماً لخدمة الْعلم وإفادته منهمكاً على مطالعته ومذاكرته مكباً على إِفَادَة الطّلبَة وَله مؤلفات مِنْهَا الْفَتْح الْمُبين فِي شرح أم الْبَرَاهِين وفوح الْعطر بترجيح صِحَة الْفَرْض فِي الْكَعْبَة وَالْحجر وأملى على الأجرومية شرحاً لطيفاً وَله منظومة فِي مسوغات الِابْتِدَاء بالنكرة وَله شعر حسن مِنْهُ قَوْله
أَلا ثمَّ الْقَوْم حَتَّى أَن أرى رجلاأَخا مذاكرة للْعلم ينتسب
أَقَامَ ذكر عهود بالحمى فَلهُأحن الفاو بالمألوف انتسب
كأنني هَل إِذا فعل بحيرهاحنت إِلَيْهِ وَأهل الْعلم تصطحب
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره النحويون من أَن هَل مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ إِذا كَانَ فِي حيزها فَلَا يجوز هَل زيد خرج لِأَن أَصْلهَا أَن تكون بِمَعْنى قد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين﴾ وَقد مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ فَكَذَا هَل لَكِنَّهَا لما كَانَت بِمَعْنى همزَة الِاسْتِفْهَام انحطت رتبتها عَن قد فِي اختصاصها بِالْفِعْلِ فاخصت بِهِ فِيمَا إِذا كَانَ فِي حيزها لِأَنَّهَا إِذا رَأَتْهُ فِي حيزها تذكرت عهوداً بالحمى وحنت إِلَى الْألف المألوف وَلم ترض بافتراق الِاسْم بَينهمَا وَإِذا لم تره فِي حيزها تسلت عَنهُ وذهلت وَمَعَ وجوده إِن لم يشْتَغل بضمير لم تقنع بِهِ مُقَدرا بعْدهَا وَإِلَّا قنعت بِهِ فَلَا يجوز فِي الِاخْتِيَار هَل زيدا رَأَيْت بِخِلَاف
هَل زيدا رَأَيْته وأنشدني الْفَاضِل الأديب على النجاري الْمَكِّيّ فِي معنى قَول الْقُسْطَلَانِيّ
إِذا غَابَ كَانَ الْميل مني لغيرهون لَاحَ كَانَ الْميل مني لَهُ حتما
كَأَنِّي هَل فِي النَّحْو وَالْفِعْل حسنهوكل الورى أَن لَاحَ محبوبي الأسمى
(وَلأبي السُّعُود أَيْضا ...)
فَبَيْنَمَا الشَّخْص يمشي وَهُوَ فِي فَرحإِذْ صَار فِي النعش مَحْمُولا على الْكَتف
فعد زاداً هُوَ التَّقْوَى وَكن حذراواكثر من الذّكر وَالْأَحْزَان والأسف
وَله أَيْضا
أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَةبروضة من بِالصّدقِ كَانَ يَقُول
وَهل أبصرن تِلْكَ الْمعَاهد والربىوَهل يقعن لي نظرة وَقبُول
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة بِمَكَّة المشرفة رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو السُّعُود بن مُحَمَّد الْحلَبِي الْمَعْرُوف بالكوراني الأديب الشَّاعِر الْفَائِق كَانَ لطيف الطَّبْع جيد الفكرة وَله محاضرة رائقة ومفاكهة فائقة مَعَ حَدَاثَة سنه وطراوة عوده وشعره عَلَيْهِ طلاوة وَفِيه عذوبة وقفت لَهُ على قصيدة غرا فريده زهراً ومطلعها
أجل إِنَّهَا الآرام شيمتها الْغدرفَلَا هجرها ذَنْب وَلَا وَصلهَا عذر
ففر سالما من ورطة الْحبّ واتعظبحالي فَإِن الْحبّ أيسره عسر
وقدها جنى فِي الأيك صدح مغردبِهِ حلت الأشجان وارتحل الصَّبْر
يذكرنِي تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِي انْقَضتْبلذة عَيْش لم يشب حلوه مر
سقيت ليَالِي الْوَصْل مزن غمامةفقد كَانَ عيشي فِي ذراك هُوَ الْعُمر
فكم قد نعمنا فِيك مَعَ كل أغيدرَقِيق الْحَوَاشِي دون مبسمه الزهر
لقد خطّ ياقوت الْجمال بخدهجداول من مسك صحيفتها الدّرّ
وَروض بِهِ جر الْغَمَام ذيولهفَخر لَهُ وجدا على رَأسه النَّهر
وَقد أرقص الأغصان تغريد ورقهوأضحك ثغر الزهر لما بَكَى الْقطر
وَضاع بِهِ نشر الخزامى فعطرتنسيم الصِّبَا مِنْهُ وَيَا حبذا الْعطر
بَدَائِع من حسن البديع كَأَنَّهَاإِذا مَا بَدَت أَوْصَاف سيدنَا الغر
وَمن مقاطيعه قَوْله
كَأَنَّمَا الْوَجْه وَالْخَال الْكَرِيم بِهِمَعَ العذار الَّذِي اسودت غدائره
بَيت الْعَتِيق الَّذِي فِي رُكْنه حجرقد أسبلت من أعاليه ستائره
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بحلب سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَأَبوهُ مُحَمَّد شَاعِر مثله حسن السبك دَقِيق الملاحظة وَلَقَد سَأَلت عَن وَفَاته كثير من الحلبيين فَلم أظفر بهَا فَلهَذَا لم أفرده فِي هَذَا الْكتاب بترجمة وذكرته هُنَا رَغْبَة فِي تطريز هَذَا التَّارِيخ بِشعرِهِ وَمَا أوردهُ لَهُ قد ذكر غالبه البديعي وَلم يوفه فِي تَرْجَمته حَقه فَمَا أوردهُ لَهُ قَوْله
بدر أدَار على النُّجُوم براحةشمسا فنارت فِي كؤوس رحيقه
شمس إِذا طلعت كَانَ وميضهابرق تلألأ عِنْد لمع بريقه
يسقى وَإِن عزت عَلَيْهِ ورام أَنيشفى لداء محبه وحريقه
فيديرها من مقلتيه وَتارَةمن وجنتيه وَتارَة من رِيقه
وَقَوله
عجبت لما أبداه وَجه معذبيمن الْحسن كالسحر الْحَلَال وأسحر
بوجنته ياقوت نَار توقدتعَلَيْهَا عذار كالزمرد أَخْضَر
وَقَوله مضمناً
مليك جمال أنبت الْعِزّ خَدّهنباتاً لَهُ كل المحاسن تنْسب
فكررت لثم الخد مِنْهُ لطيبهوكل مَكَان ينْبت الْعِزّ طيب
وَقَوله
ومهفهف لدن القوام وَوَجههقمر تقمص بالعذار الْأَخْضَر
فتق العذار بخده فَكَأَنَّمَافتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
أَبُو السُّعُود بن الشّرف يحيى بن أَحْمد بن أبي السُّعُود بن تَاج الدّين بن أبي السُّعُود ابْن جمال الدّين بن القَاضِي الْجمال مُحَمَّد بن أَحْمد صفي الدّين ابْن مُحَمَّد بن روزبة بن أبي الثَّنَاء مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الكازروني الْمدنِي الزبيرِي نِسْبَة إِلَى الزبير بن الْعَوام ﵁ الشَّافِعِي إِمَام الشَّافِعِيَّة بِطيبَة الطّيبَة كَانَ فَاضلا ذَا همة عالية وَنَفس مطمئنة ومحاضرة لَطِيفَة وجاه عريض مَعَ خشيَة الله تَعَالَى والتورع فِي كثير من أُمُور الدُّنْيَا والتقلل مِنْهَا وَالتَّعَفُّف عَنْهَا خطبَته المناصب السّنيَّة فأباها وَرفعت لَهُ عَن نقاب زخرفها فَنَهَاهَا وَكَانَ لَهُ همة عَظِيمَة فِي النّسخ لم يضيع أوقاته بِلَا شَيْء مِنْهُ فَجمع بذلك كتبا نفيسة بِخَطِّهِ وَكَانَ ملازماً لورد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي أَحْمد ابْن مُوسَى العجيل كَمَا أوصاه بِهِ وَالِده من حِين خرج من الْمكتب إِلَى وَفَاته وَأوصى هُوَ بِهِ وَلَده الْفَاضِل الْخَطِيب عبد الرَّحْمَن وَكَانَ يَقُول إِنَّه دِرْهَم الْكيس وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَحفظ كتبا فِي الْفِقْه والأصلين وألفية ابْن مَالك والشاطبية والرحبية وَغَيرهَا وَقَرَأَ على كثير من الْمَشَايِخ كالسيد حُسَيْن السَّمرقَنْدِي الْمدنِي
وَأخذ عَن عَمه الإِمَام مُحَمَّد تَقِيّ الدّين الكازروني الْمِنْهَاج وَشَرحه لِابْنِ حجر وَعَن خَاتِمَة الْمُحَقِّقين عبد الْملك العصامي ومولات الْمَالِكِي وَأحمد بن مَنْصُور وَالْإِمَام عبد الرَّحْمَن الخياري وَغَيرهم وَلزِمَ الإفادة وَصَلَاة الْجَمَاعَة بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ بِحَيْثُ لايفوته فرض إِلَّا لعذر وَكَانَ لَا يخرج من الْمَسْجِد إِلَّا آخر النَّاس خُصُوصا بعد صَلَاة الْعشَاء وَيَقُول أحب أَن أكون آخر النَّاس خُرُوجًا أَوَّلهمْ دُخُولا وَكَانَ وَالِده يلْزمه وَهُوَ مراهق بِحُضُور صَلَاة الصُّبْح مَعَ الْجَمَاعَة وَحُضُور قِرَاءَة الْوَظَائِف وَاسْتمرّ على ذَلِك وَمن عَادَة أهل الْمَدِينَة غَالِبا إِذا جَاءَ وَقت الصَّيف يخرجُون إِلَى النّخل قَالَ وَكَانَ لوالدي نخل بالمقصرة عِنْد الْميل الْأسود فطلع هُوَ وطلعنا مَعَه وَالْوَقْت صيف فانتبهت لَيْلَة من النّوم وَكَانَت مُقْمِرَة فتوهمت أَن النَّهَار أَسْفر وفاتني حُضُور الْجَمَاعَة فانزعجت ثمَّ تَوَضَّأت وَفتحت بَاب النّخل وَذَهَبت إِلَى أَن وصلت مَحل الدَّاعِي بِبَاب الْجُمُعَة فَإِذا الريس أول مَا ابْتَدَأَ فِي التهليل على المنارة فتحيرت حِينَئِذٍ وَعرفت أَنِّي قد اغتريت بالقمر وَأَن اللَّيْل بَاقٍ وَلَا يمكنني الرُّجُوع إِلَى الْمحل لِأَنِّي أهاب الدُّخُول بَين تِلْكَ النخيل وَلَا أجد قدرَة على الدُّخُول فِي البقيع فِي تِلْكَ السَّاعَة لكَون الْمحل مهاباً عَادَة ثمَّ ألهمني الله تَعَالَى وقوى جناني إِلَى أَن عزمت على التَّقَدُّم إِلَى البقيع فِي تِلْكَ السَّاعَة فتقدمت باسم الله إِلَى أَن جَلَست على بَاب عمات النَّبِي
واتكأت على بَاب الْقبَّة وَوضعت العباءة على رَأْسِي فَبعد سَاعَة لم أشعر لَا بفانوس أقبل من جِهَة سيدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ حَتَّى وقف بِهِ حامله بِالْقربِ مني وَمَعَهُ جمَاعَة مبيضون ثمَّ بعد سَاعَة أقبل فانوس آخر من جِهَة قبَّة الْعَبَّاس ﵁ ووقف بِهِ حامله بِالْقربِ من بَاب الْجُمُعَة وَمَعَهُ جمع مبييضون أَيْضا ثمَّ بعد سَاعَة أقبل جمَاعَة كَثِيرُونَ من الدَّرْب الَّذِي أتيت مِنْهُ إِلَى الْمحل الَّذِي أَنا بِهِ من درب الْغنم وَمَعَهُمْ فانوس وَلَهُم حَرَكَة عَظِيمَة فَسلم وَاحِد على الْجمع الأول فَردُّوا سَلَامه فقصدوا بَاب السيدة فَاطِمَة ﵂ فَإِذا هُوَ مَفْتُوح فَدَخَلُوا فَدخلت مَعَهم وقصدوا جِهَة الصَّحَابَة فَأَرَدْت الدُّخُول مَعَهم فَوقف لي رجل مِنْهُم وَقَالَ لي هَهُنَا حدك فوقفت عِنْد قبر السيدة فَاطِمَة أتهجد سَاعَة ثمَّ خَرجُوا وَخرجت مَعَهم فَخَرجُوا من بَاب الْجَبْر ثمَّ من بَاب الْجُمُعَة فَخرجت مَعَهم فوقفوا هُنَاكَ بعد أَن توجهوا إِلَى الْقبْلَة ودعوا وَأَنا مَعَهم فَالْتَفت إِلَى رجل مِنْهُم وضيء وَقَالَ لي من أَنْت قلت أَبُو السُّعُود بن يحيى الكازروني فَرفع يَده وطبطب بهَا بَين كَتِفي وَقَالَ
بَارك الله فِيك حصلت لَك الْعِنَايَة ولذريتك ثمَّ تفَرقُوا على أسْرع مَا يكون حَتَّى كَأَنَّهُ لم يكن وَالْوَقْت بَاقٍ فَرَجَعت إِلَى الْمَكَان الَّذِي كنت فِيهِ بَقِيَّة لَيْلَتي فَبعد هنيهة إِذا بحس قافلة مقبلة أسمع وَلَا أرى ثمَّ بعد ذَلِك رَأَيْت رجلا مُقبلا من جِهَة درب الْجَنَائِز يَقُود جملا عَلَيْهِ شقدف عَلَيْهِ ثوب أَبيض وَرجل من خلف الْجمل يَسُوقهُ وهما فِي صفة يمانيين بازار فَقَط فَقلت هَذِه قافلة لبَعض أهل الحارة تحط هُنَا أتونس بهَا إِلَى أَن يفتح الْبَاب فَإِذا هما طلعا إِلَى البقيع وأخذا فِي السّير فَبَقيت مُتَعَجِّبا من هذَيْن الرجلَيْن من أَيْن وَإِلَى أَيْن إِلَى العريض فَمَا هُوَ وقته أوالي العوالي فَمَا اتّفق أَن أحدا يذهب إِلَيْهِ بشقدف فَإِذا هم قصدُوا جِهَة بِالْقربِ من سيدنَا إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله
فبركوا الْجمل ثمَّ أخذُوا فِي الْحفر أَرَاهُم أخرجُوا من ذَلِك الْقَبْر شَيْئا وأدخلوه فِي الشقدف وأخرجوا من الشقدف شَيْئا وأدخلوه ذَلِك الْقَبْر ثمَّ دفنوه وَأَنا أنظر إِلَيْهِم من مَكَاني وَبعد سَاعَة أناروا الْجمل فَقَامَ وَإِذا بالشقدف وَعَلِيهِ ثوب مسود بعد ذَلِك الْبيَاض الأول ومروا عَليّ فَلَمَّا جاوزوني قُمْت فمسكت قَائِد الْجمل من يَده وَقلت لَهُ من تَكُونَا فَقَالَ إِلَيْك عَنَّا نَحن الْمَلَائِكَة النقالة فتأخرت واقشعر جلدي وَذهب لبي ثمَّ أذن الريس للصبح وَفتح الْبَاب فَكنت أول من دخل فقصدت الْمَسْجِد وزرت الحضرة الشَّرِيفَة وَصليت سنة الْفجْر ثمَّ قَامَت الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فَصليت مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ حضرت وظائفي فقرأتها مَعَ أَصْحَابِي وَرجعت للنخل وأخبرت وَالِدي بذلك كُله فَقَالَ لَا بقيت تذْهب وَأَنا أقيم فِي وظائفك نَائِبا عَنْك وناب عني انْتهى وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم ونثر ثابتان فِي مجاميعه وَله تذكرة لَطِيفَة جمع فِيهَا من كل غَرِيبَة ونادرة وَلما وقف عَلَيْهَا عَليّ بن غرس الدّين الخليلي الْمدنِي قَالَ مادحاً لَهُ
لله در بارعأتحفنا بتذكره
حوت علوماً جمةعلى التقى مذكره
تغنى عَن المغنى فِينَحْو لما قد ذكره
وفقهها يَكْفِي الْفَقِيهعَن كتاب حَرَّره
وشعرها رب الشُّعُورمن كَلَام الْخيرَة
عروضها يعرض أَنيدعى لَهُ بالمغفرة
فِيهَا أَحَادِيث عَن الْمولىعَليّ حيدره
أبي الْحُسَيْن من زكاأصلا وضاءت زهره
وَكم حَدِيث ثَابتعَن حَافظ قد قَرَّرَهُ
وطرفة طريفةبظرفها مخدره
ونكتة بديعةعلى العدا مظفره
وتحفة نفيسةبروضها مسطره
قد نقلت عَن مُسْندمن صحف مطهره
وَكتب مَرْفُوعَةبَين الورى محبره
لَا سِيمَا وَهُوَ علىأَيدي كرام برره
وُجُوههم وجيهةعلى الدَّوَام مسفرة
مبيضة من التقىضاحكة مستبشرة
وَقد أنار سلكهابدرّة وجوهرة
من نظمه البديع مَعَنثر لَهُ قد نثره
أَبُو السُّعُود الْفَاضِل المفضالنجل الخيره
أعنى الحواريين وَالصديقنعم المدره
وَهُوَ الإِمَام للورىفِي طيبَة المطهره
فدام مَحْفُوظًا مَعَالنجل وَأبقى عمره
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِالْمَدِينَةِ وَتُوفِّي بهَا فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَصلى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ بعد صَلَاة الْعَصْر وَدفن ببقيع الْغَرْقَد بِقرب تربة وَالِده وأسلافه عِنْد قبر سيدنَا إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله
أَبُو سعيد بن أسعد بن مُحَمَّد سعد الدّين ابْن حسن جَان القسطنطيني المولد والمنشأ والوفاة شيخ الْإِسْلَام بن شيخ الْإِسْلَام بن شيخ الْإِسْلَام وعلامة الْعلمَاء الْأَعْلَام الَّذِي ابتهجت بِهِ الْأَيَّام والليالي وافتخرت بِهِ وببيته الْمَرَاتِب العوالي مفتي السلطنة العثمانية وأوحد كبراء الدولة الخاقاقية جمع الْفَضَائِل كلهَا وحوى المحاسن دقها وجلها فَمَا من فَضِيلَة إِلَّا فِيهِ أَصْلهَا ومقرها وَلَا مِدْحَة إِلَّا وَصِفَاته الْعلية أَصْلهَا ومستقرها دَانَتْ لَهُ اللَّيَالِي فَجلى ظلمَة الحنادس وتدانت لَهُ سَمَاء الْمَعَالِي فصافح يَد الثريا وَهُوَ جَالس وَبِالْجُمْلَةِ فحلالة قدره وسمو فخره غنيان عَن التَّعْرِيف وهما مِمَّا يشرفان التوصيف وَكَانَ عَالما فَاضلا أديب كَامِلا بليغ الْخطاب كثير الْآدَاب لَهُ يشوبه فِي المدحة شائب وَجَمِيع صِفَاته حَسَنَة أطايب وَله الْوَقار الَّذِي
يرجح على الْجبَال الرواسِي والسكون الَّذِي تتعظ بِهِ الْقُلُوب القواسي وَكَانَ مثابرا على الْعِبَادَة الصَّدقَات ملازما للأوراد الْأَذْكَار فِي الخلوات والجلوات اشْتغل فِي مبدأ أمره وبرع ونظم الشّعْر التركي وَله شعر عَرَبِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَلِيل أورد مِنْهُ وَالِدي ﵀ فِي تَرْجَمته قطعتين استحسنت أَحدهمَا وَهِي هَذِه وكتبت بهَا على مؤلف الْعَلَاء الطرابلسي فِي الْفَرَائِض
كتاب نَفِيس للفوائد جَامعمُفِيد لطلاب الْمسَائِل نَافِع
على حسن تَرْتِيب تجلى مُجملافقرت عُيُون الورى ومسامع
بدا معجيا إِذْ لم تَرَ الْعين مثلهبِهِ نور آثَار الْفَضَائِل لامع
لجامعه فَخر الْأَئِمَّة سوددلرايات أنوار المكارم رَافع
أَفَاضَ عَلَيْهِ الرب من سحب جودهفَإِن غمام الْفضل مِنْهُ لوامع
وَكَانَ لَازم على عَادَة عُلَمَاء الرّوم من عَمه شيخ الْإِسْلَام الْمولى مُحَمَّد وَلم يزل يترقى فِي الْمدَارِس حَتَّى صَار قَاضِي قُضَاة الشَّام ودخلها نَهَار الْأَرْبَعَاء سادس عشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ألف وَكَانَ وَالِده مفتي الدولة وَقَالَ الأديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي فِي تَارِيخ قدومه
أَهلا بأكمل فَاضلرب الحجى المتكامل
يَا مرْحَبًا بقدوم غيثفِي مقَام ماحل
لما أَتَاهَا حَاكمارب الْعَطاء الشَّامِل
تَارِيخ مقدمه أَتَىفِي بَيت شعر كَامِل
زهيت معالم جلقبِأبي سعيد الْعَادِل
وَهُوَ أجل من ولي الشَّام من الْقُضَاة وأعفهم وأعظمهم قدرا وَقد سَار سيرة فِي أَحْكَامه أنست من تقدمه وأتعبت مَا جَاءَهُ بعده وَجَاء الْخَبَر وَهُوَ قَاض أَن السُّلْطَان عُثْمَان بن السُّلْطَان أَحْمد قد تزوج بأخته فَجمع إِلَى سعوده سَعْدا وَبعد ذَلِك بِمدَّة جزئية ورد عَلَيْهِ خبر مقتل السُّلْطَان وعزل وَالِده عَن الْفتيا ثمَّ عزل هُوَ أَيْضا عَن قَضَاء الشَّام ورحل إِلَى الرّوم فِي سادس عشرى شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ بعد وُصُوله الرّوم بِمدَّة ولى قَضَاء بروسه والغلطة ثمَّ قَضَاء قسطنطينة وعزل مِنْهَا ثمَّ أُعِيد إِلَيْهَا ثَانِيًا وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي ثمَّ نقل إِلَى روم إيلي وعزل عَنْهَا وأعيد ثَانِيًا ثمَّ صَار مفتي التخت ثَلَاثًا وَكَانَ كلما أُعِيد إِلَيْهَا تَلا قَوْله تَعَالَى هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا وَكَانَ يكْتب فِي الفتاوي الَّتِي ترفع إِلَيْهِ فَوق السُّؤَال
الله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَأول من غير مختارات الْمُفْتِينَ من كتابتهم اللَّهُمَّ يَا ولي الْعِنَايَة والتوفيق نَسْأَلك الْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق جده سعد الدّين كَانَ يكْتب اللَّهُمَّ يَا مُجيب كل سَائل نَسْأَلك تسهيل الْوَسَائِل إِلَى حل مشكلات الْمسَائِل ثمَّ تبعه ابْنه أسعد وَالِد أبي سعيد فَكَانَ يكْتب الله الْهَادِي عَلَيْهِ اعتمادي وَأُصِيب فِي آخر تولياته للْفَتْوَى بِنَهْب دَاره وَأخذ لَهُ أَشْيَاء لَا يُمكن حصرها وَكَانَ سَبَب ذَلِك قيام الْعَسْكَر على الْوَزير الْأَعْظَم أبشير وَبعد وُقُوع هَذِه الْحَالة اختفى مُدَّة ثمَّ أَمر بالتوجه نَحْو بِلَاد أناطولي وَأعْطِي قَضَاء قونية فَلم يفعل وَأرْسل إِلَيْهِ قَضَاء الشَّام فَلم يقبله ثمَّ أَمر بِالْعودِ إِلَى وَطنه وَبَقِي فِي الاختفاء مُدَّة مديدة إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَتُوفِّي فِي ذِي الْقعدَة سنّ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة أجداده بِالْقربِ من تربة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ وَبَنُو سعد الَّذين هَؤُلَاءِ يُقَال لَهُم بَيت الخوجا لِأَن جدهم الْمَذْكُور كَانَ معلم السُّلْطَان مُرَاد بن سليم من كبراء الْعلمَاء فِي الدولة كَانَ جدهم حسن جَان الْمَذْكُور عِنْد السُّلْطَان سليم الْأَكْبَر لَهُ الحظوة التَّامَّة وَهُوَ من كبراء دولته الْعلية وَولد لَهُ سعد الدّين وَهُوَ الَّذِي عظم بِهِ قدر بَيتهمْ وسما وتشعبت أبناءه حَتَّى تزينت بهم المحافل والرتب وخلدت مآثرهم فِي دواوين السّير وَالْأَدب وَقد خرج مِنْهُم فذ بعد فذ تطرب المسامع بِذكر اوصافه وتلتذ وكل مِنْهُم عرف بمزيه واختص بفضيلة سنية وفضلهم وَقدم صدارتهم مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى إِيضَاح بل هُوَ أشهر فِي الخافقيني من الصَّباح وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا مِنْهُم جمَاعَة كل مِنْهُم مُنْفَرد بترجمة مُسْتَقلَّة
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع