تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْهمزَة وَالْألف (٩)

الصفحة ٢ من ٢

أَبُو السماع الْبَصِير الْمصْرِيّ الشَّاعِر البديهي أعجوبة الزَّمَان وَأحد الْأَفْرَاد فِي البديهة وارتجال الشّعْر وَكَانَت طَرِيقَته إِذا أَرَادَ الارتجال أَن يبْدَأ بإنشاد قصيدة من كَلَام أحد الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين بِصَوْت شجي وَفِي أثْنَاء إنشاده يبتدر على وزن تِلْكَ القصيدة فِي أَي بَاب كَانَ من أَبْوَاب الشّعْر مدحا كَانَ أَو غزلا أَو غَيرهمَا وَورد دمشق فِي أَوَائِل شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف فأنزله أديب الزَّمَان أَحْمد الشاهيني عِنْده وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أَعْيَان الشَّام وأدباؤها لغرابة حَاله وتفوقه فِي شَأْنه وَمِمَّا قَالَ فِيهِ اشاهيني الْمَذْكُور

إِن هَذَا أَبَا السماع لشيخفاق فِي الارتجال كل الرِّجَال
فَهُوَ ثَانِي الْأَفْرَاد فِي كل عصروَهُوَ فَرد الرِّجَال فِي الارتجال

وَقَالَ فِيهِ الأديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي من أَبْيَات

فَخر لفخر فِي الزَّمَان بديعمَا حازه فِي الغابري من بديع
وَحَدِيثه فَلَقَد أَتَانِي ذكرهمتواترا حَتَّى انْتَفَى مَوْضُوع
صدقت مَا خبرته من فنهصَحَّ السماع فَصدق المسموع
ندب على غير القياسي قد أَتَىأَهلا بِهِ فالعمر مَعَه ربيع

وَكَانَ مُشَوه الْخلقَة قَبِيح المنظر فَقَالَ فِيهِ بعض الأدباء

أَبُو السماع اسْمَع بِهِ وَلَا ترهفوصفه نَاقض فِيهِ مخبره
شَيْئَانِ فِيهِ موجبان قسورهعمى وخلقه لَدَيْهِ منكره

وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وودع علماءها ونجباءها هَاشم ثمَّ رَحل إِلَى طرابلس قَاصد أقاضيها الأديب البارع عبد اللَّطِيف الْمَعْرُوف بأنسي الرُّومِي وَحصل مِنْهُ عطايا طائلة ورحل إِلَى مصر قَالَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى وَلما كنت بِمصْر زارني مرّة وَأَنا نَائِب الصالحية فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف فرأيته فِي حَالَة ردية حَتَّى كدت أنكرهُ ثمَّ تعرفت مَعَه وذكرته بأيامه بِدِمَشْق فَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ طفق ينشد الأبيات الْمَشْهُورَة لسيدي عَليّ وفا ﵀ وَهِي

قد كنت أَحسب أَن وصلك يَشْتَرِيبعظائم الْأَمْوَال والأرواح
للشاعر محمد وفا، اقرأ القصيدة
وَعلمت حَقًا أَن وصلك هَينتفنى عَلَيْهِ نفائس الأشباح
لما رَأَيْتُك تجتبي وتخص منأجتبيته بلطائف الأمناح
أيقنت أَنَّك لَا تنَال بحيلةفَجعلت رَأْسِي تَحت طي جناحي
وَجعلت فِي عش الغرام إقامتيفِيهِ غدوى دَائِما ورواحي
للشاعر محمد وفا، اقرأ القصيدة

وَبعد مَا أتمهَا نسج على منوالها قصيدة مدحني بهَا وَانْصَرف وَسَأَلت من لَهُ بعض معرفَة عَن سَبَب تبدل حَاله فَذكر لي أَنه حصل لَهُ مقت من جَانب السادات بني الوفا وَكَانَ هُوَ فِي الأَصْل من أتباعهم فطردوه انْتهى قلت وَلَقَد سَأَلت كثيرا مِمَّن لَقيته من أهل مصر وَأهل بَلْدَتنَا عَن وَفَاة أبي السماع فَلم أظفر بهَا لَكِن ذكر لي بَعضهم على وَجه الظَّن أَن وَفَاته كَانَت فِي حُدُود سنة خمس أَو سِتّ وَسِتِّينَ وَألف

أَبُو الصفاء بن مَحْمُود بن أبي الصفاء الأسطواني الدِّمَشْقِي وَهُوَ جدي لأمي ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا وَكَانَ حنبليا على مَذْهَب أسلافه وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي فقه مَذْهَبهم وَغَيره وَقَرَأَ فِي آخر أمره فقه الْحَنَفِيَّة على الْعَلامَة رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري

وَكَانَ من جملَة الرؤساء وفضلاء الْكتاب ولي خدماً كَثِيرَة من كتابات الخزينة والأوقاف وَكَانَ كَاتبا بليغاً كَامِل الْعقل حسن الرَّأْي مَيْمُون النقيبة ورزق دنيا طائلة وسعة وَكَانَ كثير التنعم وافر الْخَيْر محظوظاً فِي الدُّنْيَا وَبلغ من الْعُمر كثيرا وَهُوَ فِي نشاط الشبَّان وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن كَانَ مِمَّن توفرت لَهُ الدَّوَاعِي ونال من الْأَيَّام حَظه وَكَانَ مَعَ ذَلِك سمح الْكَفّ دَائِم الْبشر وَكَانَت صدقاته على الْفُقَرَاء دارة وخيراته واصلة وانتفع بِهِ جمَاعَة وَمِنْه أثروا وَبِه استفادوا وَالْحَاصِل أَنه كَانَ من محَاسِن دهره وأكارم عصره وَكَانَت وَفَاته فِي شهر ربيع الأول سنة سِتِّينَ ألف وَدفن بمقبرة الفراديس فِي تربة الغرباء رَحمَه الله تَعَالَى

أَبُو طَالب بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علوي بن أبي بكر الحبشي ابْن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد أَسد الله ابْن حسن بن عَليّ بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم ولد بِمَدِينَة مريمه من أَرض حَضرمَوْت واشتغل بالفنون وَجمع الله تَعَالَى لَهُ بَين حسن الْحِفْظ والفهم ثمَّ رَحل إِلَى أَرض السواحل وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة وَأخذ بهَا عَن بعض الْفُضَلَاء وَكَانَ كثير الاستحضار للمستحسنات من الْأَشْعَار والحكايات وَله نظم ونثر ثمَّ وَفد على بعض مُلُوك الْهِنْد فَوَقع عِنْده موقعاً عَظِيما وَجلسَ عِنْده للتدريس الْعَام وَكَانَ عَالما بِعلم الْفَرَائِض والحساب وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْأَدَب ثمَّ ترك ذَلِك كُله واشتغل بِالْعبَادَة وَلزِمَ الطَّرِيقَة الموصلة وَرجع إِلَى وَطنه فَركب الْبَحْر فَقدر الله تَعَالَى أَن سقطوا على أَرض عمان وَأقَام بهَا مُدَّة حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن بِأَرْض عمان فَلَمَّا فرغوا من دَفنه فِي لحده سمعُوا هزة وطلع مِنْهَا نور لحق عنان السَّمَاء فنبشوا عَلَيْهِ فَلم يَجدوا جثته وَلَا الْكَفَن رَحمَه الله تَعَالَى

الشريف أَبُو طَالب بن حسن بن أبي نمى مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن ابْن عجلَان بن رمية بن أبي نمى مُحَمَّد بن أبي سعيد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة بن إِدْرِيس ابْن مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن عِيسَى بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن مُوسَى بن عبد الله الْمُحصن ابْن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵃ صَاحب مَكَّة والحجاز كَانَ من أمره أَنه لما كبر أَبوهُ فوض أَولا نِيَابَة الْإِمَارَة لِابْنِهِ الشريف حُسَيْن فَلم يطلّ أمره فِيهَا فَمَاتَ فولاها شقيقه الشريف مَسْعُود وَكَانَ مَوْصُوفا بالشجاعة وَالْقُوَّة لَكِن لم يسْلك فِيهَا مسلكاً

مرضياً وَتُوفِّي وَهُوَ شَاب فآلت إِلَى أبي طَالب صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ ذَا فكر صائب وشجاعة عَظِيمَة وفضيلة باهرة وفَاق سَائِر إخْوَته وَبعد مَا حكم بالنيابة عَن أَبِيه مُدَّة أَمر أَبوهُ أُمَرَاء الْحجاز أَن يلبسوه الخلعة الْكُبْرَى وألبسوا وَلَده عبد الْمطلب الخلعة الثَّانِيَة فلبساهما ثمَّ جهز من أَتْبَاعه الْأَمِير بهْرَام بهدية سنية إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فِي هَذَا الْخُصُوص وَالْتمس من السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن السُّلْطَان مُرَاد تقريراً بذلك فَأُجِيب إِلَى ملتمسه وَرجع بهْرَام بالتقارير وَصُورَة منشورة مَذْكُورَة فِي رَيْحَانَة الخفاجي وَهُوَ من إنشائه لكنه مطول أَعرَضت عَن كِتَابَته لطوله ويعجبني مِنْهُ مَحل وَهُوَ قَوْله فِي مُخَاطبَة الشريف حسن وَقد ورد من جنابه رَسُول تَلقاهُ من سدتنا نسيم الْقبُول إِذْ جاب الفيافي من خزنها وسهلها وَأدّى الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا وَكَانَ كالميل سلك بَين الجفون فأجاد ومتع الْعُيُون بإثمد الصّلاح والسداد وَمَعَهُ منشور أرق من نسيم السحر مُعرب عَن الْعين بالأثر فَأخْبر أَن مرسله أَرَادَ الْفَرَاغ وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ وتضمن منشوره الْمَذْكُور أَنه أَرَادَ الاسْتِرَاحَة من نصب المناصب والتقاعد عَمَّا بهَا من الْمَرَاتِب رَغْبَة عَن زخرف الْحَيَاة إِلَى خدمَة سَيّده ومولاه وَأَن نجله النجيب الْجَلِيل الحسيب النَّاشِئ فِي حجر الشّرف الباهر الْمُسْتَخْرج من أطيب العناصر لَيْث غابة بيض الصفاح وَسمر العسالة الرماح عَلَيْهِ أَمارَة الْإِمَارَة ومخايل النجابة والصدارة

بلغ السِّيَادَة فِي ابْتِدَاء شبابهإِن الشَّبَاب مَطِيَّة للسودد

وَسَأَلَ أَن نقلده صارم إِمَارَة تِلْكَ الديار وَمَا يتبعهَا من الْبلدَانِ والأقطار على مَا جرت بِهِ عَادَة سلفه الَّذِي سلف وقانون من خَلفه من الْخلف فأجبناه إِلَى مُرَاده وأمددناه بإسعافه وإسعاده لِأَنَّهُ إِنَّمَا نزع صارمه من يَده إِلَى يَده الْأُخْرَى وَجعله من بعد يمن الْيُمْنَى فِي يسَار الْيُسْرَى فسارت الْإِمَارَة من حرم إِلَى حرم وَلم تخرج من جيران نجد وَذي سلم وخلعنا عَلَيْهِ حللاً تأنق واشيها ورقت حواشيها ونظرنا إِلَيْهِ بنظرنا الَّذِي هُوَ اكسير أَن يحسن فِي الْعَمَل وَالتَّدْبِير وَينظر إِلَى الرعايا بِعَين الرِّعَايَة ويصونهم عَن أهل الضَّلَالَة والغواية ويؤمن تِلْكَ الْمَنَاسِك ويحرس تِلْكَ المسالك ويختار من قومه من يحرسها من الْأَعْدَاء ويحميها من كل قَاصِر فِي فعله تعدى وَيبْطل مَا فِيهَا من المكوس والمظالم وَيُقِيم الْحُدُود على مستحقيها من كل بَاغ وظالم ليخلد فِي صَحَائِف تِلْكَ الْبِلَاد الْحَسَنَات ويمحو مَا فِيهَا من آثَار السَّيِّئَات ويتصرف

فِي بندر جدة على الْعَهْد الْقَدِيم وَمن جاور ذَلِك الْمقَام فليسعفه بالنعيم الْمُقِيم وَمن يرد فِيهِ بالحاد بظُلْم نذفه من عَذَاب أَلِيم ويحرس الوافدين إِلَى ذَلِك الْبَلَد الْأمين بِإِقَامَة شَعَائِر شرائع الدّين ويحمي بحمايته من ورد أَو صدر ويحرس مواردهم الصافية من الكدر ويلاحظ مَا للتحليل

من صَالح الدَّعْوَات فِي قَوْله وَاجعَل هَذَا الْبَلَد آمنا وارزق أَهله من الثمرات ثمَّ ليعلم كل من كحل بَصَره باثمد منشورنا الْكَرِيم وشنف مسامعه بِلَا آلىء لَفظه الْعَظِيم مِمَّن فِي دارة تِلْكَ الديار وهالة تِلْكَ الأقطار وانتظم فِي سلك سكان الْقرى والأمصار من السادات الْكِرَام والقضاة والحكام وولاة الْأُمُور من الْأَعْيَان والوافدين على تِلْكَ الديار والسكان أَن إِمَارَة تِلْكَ الْمعَاهد وَمَا فِيهَا من العساكر وَمَا أحاطت بِهِ من الأصاغر والأكابر وَسَائِر الْوَظَائِف والمناصب والجهات والمراتب مفوضة إِلَى السَّيِّد السَّنَد أبي طَالب نَاظرا بِعَين الْإِنْصَاف متجنباً سَبِيل الاعتساف وَيصرف الْمُسْتَحقّين بِحسن التصريف وَيصرف من لَا يسْتَحق بِرَأْيهِ الشريف أقمناه مقَام نفسنا فِي ذَلِك الْمقَام وفوضنا إِلَيْهِ النَّقْض والأبرام والعلامة السُّلْطَانِيَّة حجَّة لما فِيهِ مرقوم مُحَققَة لما فِيهِ من مَنْطُوق وَمَفْهُوم فليتحقق من وقف على هَذَا الْخطاب وَمن عِنْده علم الْكتاب من أهل مَكَّة وَمن فِي جوارها وطيبة الطّيبَة وَسَائِر أقطارها وَبَقِيَّة الثغور الباسمة لدولتنا بمباسم السرُور من حاضرها وباديها أَنا أعطينا الْقوس باريها فَلم تَكُ تصلح الإ لَهُ وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا سدد الله سِهَام رَأْيه فِي أغراض الصَّوَاب وَفتح لَهُ بمفاتيح السمر كل مغلق من الْأَبْوَاب مَا سَقَطت من كف الثريا الْخَوَاتِم ورقت على مَنَابِر الأغصان خطباء الحمائم وَالسَّلَام وَاسْتمرّ أَبُو طَالب تَحت مُرَاعَاة وَالِده إِلَى أَن مَاتَ أَبوهُ فِي سنه عشرَة بعد الْألف ولحقه أَخُوهُ عبد الْمطلب فاستقل بِالْملكِ من غير شريك فِيهِ وهناه الله تَعَالَى بِمَا صَار إِلَيْهِ وَأصْلح الله تَعَالَى بِهِ أُمُور الْبِلَاد والعباد وَقَامَ بأعباء الْملك وَأظْهر السطوة وقهر الأكابر والأعيان على الانقياد لأوامره والانزجار لزواجره فهابته النُّفُوس وأنصف فِي أَحْكَامه وَسَار السِّيرَة المرضية وَكَانَ حسن الْهَيْئَة شَدِيد الهيبة فَإِذا حضر النَّاس مَجْلِسه سكتوا لمهابته وَكَانَت تخافه الْبَوَادِي وَأهل النوادي وَكَانَ سخياً ندي الْكَفّ مِمَّا يحْكى من كرمه أَنه زار النَّبِي

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.