من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٠)
الصفحة ١ من ٢
قبل أَن يَلِي أَمر مَكَّة فَلَمَّا أَمْسَى نزل فِي وَاد هُنَاكَ هُوَ وَمن مَعَه فأضافه رجل من أهل الْوَادي يُقَال لَهُ
السوداني فذبح الذَّبَائِح وَمد الموائد وقدمها ثمَّ بلغه أَن الشريف أَبَا طَالب لم يَأْكُل من ذَلِك الطَّعَام وَلم يحضرهُ لشغل عرض لَهُ فَعمد السوداني إِلَى أَربع أَو خمس دجاجات فذبحهن وطبخهن وقدمهن على كيلتين من الْعَيْش فِي زبدية كَبِيرَة من الصيني وَجَاء بهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي هَذَا عشَاء عَبدك أجبر خاطره جبر الله خاطرك فَغسل الشريف يَده وَأكل من تِلْكَ الزبدية لقيمات ودعالة فَلَمَّا اسْتَقل بِالْولَايَةِ وَفد عَلَيْهِ السوداني بعد سنة فَقَالَ لَهُ الشريف الزبدية الَّتِي تعشينا فِيهَا عنْدك فَقَالَ نعم فَقَالَ اثْنَتَيْ بهَا فَمَلَأ هاله ذَهَبا وَله كثير من هَذَا الْقَبِيل وَلأَهل عصره فِيهِ مدائح كَثِيرَة فَمِنْهَا قَول الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ مهنئا لَهُ فِي بعض غَزَوَاته
بسمر القنا وبيض الصوارمتنَال العلى وتنال المكارم
وبالمرسلات بُلُوغ المنىوبالعاديات نوال الْغَنَائِم
وَلَو لم يحل ليل ذَا العجاجلما أشرقت شمس تِلْكَ المعالم
ولي سيد مَاله فِي الوغىشَبيه سوى جده ذِي العزائم
يجيل الحروب ويجلو الكروبوينفي اللغدب ويزري بحاتم
لقد أذكرتنا فتوحاتهمغازي الْأَئِمَّة من آل هَاشم
لَهُ النَّصْر بِالرُّعْبِ من أشهروَمن شَأْنه قسم مَال الْغَنَائِم
إِذا مَا بُد اللعدا جحفلوَلم يَك فِيهِ فَكل مقاوم
وَإِن قيل فِيهِ أَبُو طَالبفَمن ذَا يلاقيه إِلَّا مسالم
ترَاهُ يَخُوض بحور النحوربجرد تجاذب جذب الطرايم
هِيَ الْبَرْق فِي السَّبق لَو لم تكنلَهَا غزوات بِتِلْكَ الحماحم
يحِق لَهَا الزهو بِابْن النَّبِيسليل الصفى على المعالم
من اتخذ الدرْع تعويذةوَطول النجاد تَمام التمائم
سناء النُّبُوَّة فِي وَجههكفى شرفا عَن طراز العمائم
وأوصافه الغربين الْأَنَامبهَا غنية عَن طوال التراجم
فَمَا حاول الْخطب الأوكانلَهُ الْفَتْح والنصر عبدا وخادم
فيا سيد أسدت كل الْمُلُوكمن الخلص الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم
فَهَل ملك أَنْت فِي الارض أممليك فعدلك أنسى الْمَظَالِم
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من سراة الْأَشْرَاف ومشاهير وُلَاة الْحجاز قَالَ الشلي وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة
خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لعشر بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف بِمحل يُقَال لَهُ العشة من جِهَة الْيمن وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ قبَّة كَبِيرَة يزار بهَا
أَبُو الطّيب بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مفرج بن بدر بن بَدْرِي ابْن عُثْمَان بن جَابر بن ثَعْلَب بن صنوى الْغَزِّي ابْن شَدَّاد بن عَاد بن مفرج بن لَقِيط ابْن جَابر بن وهب بن ضباب بن جحيش بن مغيفر بن عَامر بن لؤَي بن غَالب العامري يتَّصل نسبه بعامر بن لؤَي واليه أَشَارَ جده الرضي حَيْثُ قَالَ
وَأَبُو الْفضل كنيتي وانتسابيمن قُرَيْش لعامر بن لؤَي
الدِّمَشْقِي المولد الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر المفنن الْمَشْهُور أوحد الزَّمَان ونادرة الْعَصْر والأوان كَانَ فِي زَمَانه أبلغ الشُّعَرَاء وأدقهم نظرا وشعره من أَجود الشّعْر رونقاً وديباجة وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي سبك الْمعَانِي وَاسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ الشائقة وَلم يكن شعره مَعَ جودته مَقْصُورا على أسلوب وَاحِد بل كَانَ يتفنن فِيهِ وَيدخل فِي أساليب مُخْتَلفَة وَكَانَ غزير الْمَادَّة من الْأَدَب مطلعاً على مُعظم شعر الْعَرَب الخلص وَغَيرهم وَكَانَ يكْتب الْخط المدهش وَهُوَ من أذكياء الْعَالم وفضلائه الْمَشْهُود لَهُم بالتفوق والبراعة قَرَأَ فِي مبدأ أمره كثيرا وَضبط وبرع ومعظم انتفاعه فِي عُلُوم الْأَدَب بجدي المرحوم القَاضِي محب الدّين فَإِنَّهُ بِهِ عرف وَعَلِيهِ تخرج وتفقه بالشهاب العيثاوي ورحل إِلَى مصر فِي حُدُود الْألف وَأخذ عَن علمائها وَرجع إِلَى دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ القصاعية الشَّافِعِيَّة ثمَّ تفرغ عَنْهَا وَعرض لَهُ فِي سنة خمس عشرَة وَألف عَارض سوداوي فَطلق زَوجته وَفرق ثِيَابه على كثير من أَصْحَابه وَكَانَ مَعَ هَذَا الْحَال يكْتب تَفْسِير الْمولى أبي السُّعُود كِتَابَة صَحِيحَة مليحة إِلَى الْغَايَة من غير نُقْصَان وَلَا تَبْدِيل وَذكره البديعي فِي كِتَابه ذكرى حبيب وَقَالَ وَمد نظم فِي سلك ذَوي الأفضال اعترته آفَة الْكَمَال بِسَبَب مَا اعتراه من عَارض الْجُنُون وَصَبره ثَالِث خَالِد وَالْمَجْنُون وَلم يزل بعد تِلْكَ الْجنَّة يَأْتِي بِكُل معنى شارد ويساعده شَيْطَانه المارد فِي الشّعْر على كل طريف من الْأَدَب وتالد وَله من الشّعْر مَا ينفث عقد السحر ثمَّ أورد لَهُ مَا ذكره الخفاجي فِي كِتَابه وَذَلِكَ قَوْله من قصيدة
مؤنبي لَا بَرحت فِي عذليفحبذا حبه عَليّ ولى
غُصْن دلال أغر طلعتهشمس ضحى فَوق ناعم خضل
يجول فِي عطفة الدَّلال إِذاتحمل حقْوَيْهِ فَتْرَة الكسل
رقمت فِي طرس خَدّه قبلافظل يمحو بنانه قبلي
وأخجل الْورْد فِي نضارتهشَقِيق خد فِي وردتي خجل
وَمِنْهَا
لله قلب ينوبه كلفامطال مثر إِلَى ملام خلي
كَأَنَّهُ فِي يديهما كرةفَمن هِلَال الدجى إِلَى زحل
وَأنْشد لَهُ الخفاجي قَوْله وَهُوَ من أحسن الشّعْر وَأخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب
صادفته وَالْحسن حليتهكالريم لَا رعثا وَلَا قلبا
والعيد للألحاظ أبرزهوالبدر أيسر مِنْهُ لي قربا
أَهْوى لتهنئتي ومديداوفْق الْهوى وَتَنَاول القلبا
قَالَ وَمد الْيَد الْمُعْتَاد للمصافحة فِي الأعياد مسنون لإِظْهَار الْقرب والاتحاد فَجَعلهَا لأخذ الْفُؤَاد معنى بديع وَمثله مَا قلته فِي مد الْيَد الْمَأْمُور بِهِ فِي الدُّعَاء وَهُوَ مِمَّا لم أسبق إِلَيْهِ فَإِن أَمر السَّائِل بِمد الْيَد بِمَعْنى خُذ مَا طلبت وأزيد وَهُوَ
أما آن من نجم الشجون غرُوبوَحَتَّى مَتى ريح الْفُنُون تؤوب
تكلفني من بعد سلوان صبوتيشمال تعنى مهجتي وجنوب
سهرت لَهَا نائي الْمضَاجِع فانبرىلَهَا بَين أحناء الضلوع لهيب
إِذا ركدت ريح وقر نسيمهاأَبى مِنْهُ إِلَّا أَن يعود هبوب
لحى الله قلبِي كم تنازعه الردىلحاظ لَهَا فِي صفحتيه ندوب
يلذ الْهوى لأدر در أبي الْهوىوحسبك مِنْهُ زفرَة ونحيب
أدرح أنفاسي مَخَافَة كاشحوأطرق كَيْمَا لَا يُقَال مريب
أدين بكتمان الْهوى فيذيعهفؤاد وطرف خافق وسكوب
عدتنا عواد بَيْننَا وخطوبوحالت قفار بَيْننَا وسهوب
لَعَلَّ صَرِيح الود يَنْمُو على النَّوَىفيهتاج شوق أَو تشق جُيُوب
وَلَو أنني وفيت حبك حَقهلشاب عذارى حِين لات مشيب
وَلَو أنني أسْتَغْفر الله كلماذكرتك لم تكْتب على ذنُوب
لله دره مَا أَعلَى هَذِه الحشوة وَهِي قَوْله وَأَسْتَغْفِر الله وَأهل الْبَيَان يسمون هَذَا النَّوْع حَشْو اللوز ينج وَمِنْهَا
لانت على غيظ الوشاة محببوَأَنت على شط المزار قريب
أمرت الْهوى مَا شِئْت فِي وشاءهونظمت فِيك الدّرّ وَهُوَ رطيب
بقيت على الْأَيَّام تختلس النهىوجادك غيث الْحسن حَيْثُ يَنُوب
وَلَا زلت بَدْرًا لَا يغيب الضيالةعلينا شروق مرّة وغروب
وَمن شعره الْبَهِي قَوْله
عاطيته حلب الْعصير وَلَا سوىزهر النُّجُوم تجاه حول الْمجْلس
أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متبرممِمَّا تغازله عُيُون النرجس
وَكَأن صفحة خَدّه ياقوتةوَكَأن عَارضه خميلة سندس
وَمثله لِابْنِ هاني الأندلسي
عاطيته كأسا كَانَ شعاعاشمس النَّهَار يضيئه إشراقها
أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متنصلبجفونه مِمَّا جنت أحداقها
وَكَأن صفحة خَدّه وعذارهتفاحة حفت بهَا أوراقها
وَقَوله أَيْضا
خالسته نظرا وَكَانَ موردافازداد حَتَّى كَانَ أَن يتلهبا
أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متنصلبحفونه من طول مَا قد أذنبا
وَكَأن صفحة خَدّه وعذارهتفاحة رميت لتقتل عقربا
وَلأبي الطّيب أَيْضا
وَشرب اداموا الْورْد من اكؤس الطلاوَقد أنفوا الأصدار عَن ذَلِك الْورْد
وَقَوله
أنسأني الْوَصْل فهنيتهمِيقَات مُوسَى فَاتَ بالصد
لَا بُد من بَين على غرَّةمَا أَنْت إِلَّا زمن الْورْد
وَقَوله
لقد علقت يَا فُؤَادِيبالحسين ذِي الوسن
فَإِن ظمئت فاؤشفنريق الْحُسَيْن وَالْحسن
وَمِمَّا اشْتهر من شعره وَجرى مجْرى الْأَمْثَال قَوْله
لنا نفوس إِذا هِيَ انصدعتبلمح طرف تقوم ساعتها
عزت فَعَاشَتْ بفقرها رغداوَفِي اعتزال الْأَنَام راحتها
وَمِمَّا اشْتهر انه من شعر عبد الْمطلب جد النَّبِي
فِي مَعْنَاهُ
لنا نفوس لنيل الْمجد طالبةوَإِن تسلت أسلناها على الأسل
لَا ينزل الْمجد إِلَّا فِي مَنَازلنَاكالنوم لَيْسَ لَهُ مأوى سوى الْمقل
قد تَرْجمهُ الخفاجي فِي كِتَابيه لَكِن اخْتلفت تَرْجَمته لَهُ كثيرا وَالَّذِي حررته وَصَحَّ مَا نَقله وَالِدي من خطّ الشهَاب من نُسْخَة الخبايا حَيْثُ قَالَ من ذَوي الْبيُوت الشامخة الرتب الْمُزَاحمَة للنيرات فِي منازها بالركب وَله أدب غض نَقده نض وَشعر يتساقط فِي أندية الْكِرَام تساقط الدّرّ أسلمه النظام ألطف من شمائل الشمَال وَأحب من دَلَائِل الدَّلال وأرق من دموع السَّحَاب وأصفى من مَاء المزن والشباب وَبَينهمَا هُوَ رحيب الصَّدْر صلب قناة الصَّبْر لم تعقد حبار أيه بِغَيْر يَد الحزم وَلم تحل الْأَيَّام عقد رَأَيْته الأبراحة الْعَزْم إِذْ غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فأعجز داؤه الدَّوَاء فبدلت جُنُون الْفُنُون بفنون الْجُنُون وَفتحت مغلق قفله وحلت عقلة عقلة فَظهر تشَتت باله ونادى لِسَانه حَاله
تقضي زمَان لعبنا بِهِزهذا زمَان بِنَا يلْعَب
فَمَا رويت من شعره قَوْله
ترامت نَحْوهَا الْإِبِلوشامت برقها الْمقل
فتاة من بني مُضريجاذب خصرها الكفل
فَمَا الخطار إِن خطرتوَمَا الميالة الذبل
تكنفها لُيُوث وغىيحاذر بأسها الأسل
لَئِن شط المزار بهَاوأقفر دونهَا الطلل
بِمِثْلِهَا الْفُؤَاد بِهِويدينها لَهُ الأمل
وَكم لي يَوْم كاظمةفؤاد خافق وَجل
وطرف بعد بعدهمْبميل السهد مكنحل
علقت بهَا غَدَاة غَدَتْوموطئ نعلها الْمقل
فَإِن سَارَتْ بأخمصهاتداعى الوابل الهطل
(وَإِن قرت تقر الْعين ففينا بِضَرْب الْمثل ...)
قلت وَجل شعره يشْتَمل على معَان عَذَاب لَطِيفَة الْموقع وَكَانَت وَفَاته فِي ربيع الأول
سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره الْعَزِيز
الشَّيْخ أَبُو الْغَيْث بن مُحَمَّد شجر القديمي وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الشريف القديمي ابْن الشّجر بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي بكر العربادي ابْن عَليّ بن مُحَمَّد النجيب ابْن حسن بن يُوسُف بن حسن بن يحيى بن سَالم بن عبد الله بن حُسَيْن بن آدم بن إِدْرِيس بن حُسَيْن بن مُحَمَّد التقي الْجواد ابْن عَليّ الرِّضَا ابْن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين ابْن الْحُسَيْن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ هَكَذَا نقل نسب السَّادة بني القديمي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أبي بكر الأشخر فِي رسَالَته قَالَ وَأكْثر ذُرِّيَّة الشريف شجر من وَلَده الشريف القديمي فَإِنَّهُ أعقب عمر وَالشَّجر وَالْحسن وَأَبا الْقَاسِم وَأحمد الْمسَاوِي وَعز الدّين وَلكُل من هَؤُلَاءِ عقب مَشْهُورُونَ كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر أَوْلِيَاء عصره الْمَشْهُورين لَهُ الجاه الْوَاسِع عِنْد مُلُوك مَكَّة الحسينيين وأمراء الأروام وَالْخَاص وَالْعَام وَكَانَ صَاحب كشف عَظِيم وَيُحب الطّيب وَيحيى زواره بِهِ ويتصرف فِي النَّاس وَيَأْخُذ مَا شَاءَ مِنْهُم ويصل بِهِ الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والمنقطعين وَكَانَ تَارَة يلبس لِبَاس الْمُلُوك وَتارَة يَنْزعهُ ويبيعه وَيطْعم بِثمنِهِ الْفُقَرَاء ويلبس لِبَاس الْفُقَرَاء وَكَانَت تجار الْيمن وَغَيرهم يستغيثون بِهِ فِي شَدَائِد الْبَحْر ومضايق الْبر فيجدون بركَة الاستغاثة بِهِ فِي الْحَال وينذرون لَهُ وَإِذا حصل لَهُم الْفرج وَالْغَرَض وفوه وَكَانَ يعْمل المولد بِالْحرم فِي الْمَوْسِم وَغَيره على طَريقَة أهل الْيمن وَيعْمل أشغالهم ويلحن ألحانهم بِنَفسِهِ وَله رياضة واجتهاد فِي الْعِبَادَة وَهُوَ الْمَشْهُور الْآن عِنْد المكيين بِأبي الْغَيْث بن جميل وَمن كراماته أَنه وقف فِي الْمَوْسِم فِي الْمَكَان الَّذِي يفرق فِيهِ الصر السلطاني بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَقَالَ للْكتاب أعطوني مِنْهُ مَا يخصني فَقَالَ لَهُ بَعضهم إِن كنت رجلا كَامِلا فهات لنا تَقْرِير سلطانياً بِمَا ترومه ونعطيه لَك فَمَا مَضَت سَاعَة إِلَّا وأتاهم تَقْرِير من سُلْطَان عصره مُحَمَّد بن مُرَاد بجامكية وَغَيرهَا فدفعوا لَهُ مَا هُوَ مَكْتُوب فِي المرسوم السلطاني وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد الْمَذْكُور من اولياء الله تَعَالَى وَمن أهل الخطوة وَيُقَال إِن صَاحب التَّرْجَمَة بعد أَن فَارق الْكتاب الْمَذْكُورين دخل الطّواف فَرَأى السُّلْطَان مُحَمَّد فِي المطاف وَهُوَ مختف فأمسكه وَقَالَ لَهُ إِن لم تكْتب لي تَقْرِير الصر يكون لي ولأولادي وَإِلَّا فضحتك ين النَّاس فَكتب لَهُ مرسوماً فِي تِلْكَ السَّاعَة بمطلوبه فَأتى بِهِ إِلَيْهِم فأمضوه على مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة
وَألف بِمَكَّة وَدفن بِالشعبِ الْأَعْلَى من المعلاة بِالْقربِ من ضريح سيدتنا خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂
الشَّيْخ أَبُو الْغَيْث الْمَعْرُوف بالقشاش المغربي التّونسِيّ الْأُسْتَاذ الْعَالم الْوَلِيّ الرحلة الْكَبِير الْقدر قطب الأقطاب ولسان الحضرة الْمُتَصَرف فِي الْأَسْمَاء والحروف الْكَامِل فِي الْخَلَائق والنعوت كَانَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى الباهرة رحْلَة تتعنى إِلَيْهِ الْوُفُود وتستقي من بَحر كرمه العطاش وَله الْجَلالَة الَّتِي مَا رزقها أحد والكرامات الَّتِي مَا نالها وَاحِد من الخليقة ومآثره وَصِفَاته الْحَسَنَة وأحواله العجيبة الغريبة مِمَّا لَا يُحِيط بهَا وصف واصف وَلَا مدح مادح وَلم أر من ذكره إِلَّا ابْن نَوْعي فِي ذيله التركي فَجَمِيع مَا ترَاهُ إِلَّا الْقَلِيل مِمَّا ذكرته فِي تَرْجَمته مترجم مِمَّا قَالَه فِي حَقه فَأَقُول أَنه ولد بِمَدِينَة تونس وساح فِي ابْتِدَاء حَاله لتَحْصِيل الْعلم وادب فَأخذ عَن عُلَمَاء عصره الْفُنُون المتداولة حَتَّى مهر فِي علم التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأُصُول وَالْفُرُوع وأحاط بهَا وَصَارَ فِي علم الْأَدَب شيخ الْفَنّ ثمَّ حصل لَهُ جذف الهي فساح فِي أَطْرَاف الْجَبَل الْمَعْرُوف بجبل الزَّعْفَرَان وانْتهى إِلَى خدمَة الشَّيْخ مُحَمَّد الجديدي وَكَانَ من كبار أهل الْإِرْشَاد فَحصل من تلمذته لَهُ على فيوضات عَجِيبَة فَلَمَّا انْتقل شَيْخه الْمَذْكُور بالوفاة إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى أَتَى بنية الْحَج إِلَى وَطنه تونس وَجمع جملَة من المريدين الصلحاء وَأقَام هُوَ وإياهم بقريهم تَارَة أَنْوَاع الْعُلُوم وَتارَة يذكر هُوَ وإياهم ويتواجدون مَعَه وَكَانَ أَكثر لياليه يحيها هُوَ وإياهم فِي ذكر وتسبيح وَكَانَ إِذْ ذَاك حسن الملبس فَهبت عَلَيْهِ نفحة من صوب الفناء فمزق مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب وتجرد وَخرج مُنْفَردا بنية أَدَاء الْحَج فأداه وجاور بِالْمَدِينَةِ مِقْدَار سنة ثمَّ لبس ثيابًا خشنة وقفل إِلَى وَطنه وَأقَام مُدَّة قَليلَة مشتغلاً بإفادة الْعُلُوم وَالْعِبَادَة ثمَّ تَغَيَّرت أطواره وَظَهَرت مِنْهُ حركات متغيرة وكلمات متنافية فَكَانَ تَارَة يَقُول إِنَّه الْمهْدي صَاحب الزَّمَان وَتارَة يَدعِي الْأَخْبَار عَن الْغَيْب فيبسط مدعاه فِي الْحَوَادِث الْآتِيَة وَيخرج فِي ذَلِك عَن طور الْعقل فَتَبِعَهُ خلق كثير وَقَامُوا بنصرته وترويج مدعاه وأفضى تشعب الْأَمر فِيهِ أَن اجْتمعت عُلَمَاء الْبَلَد وَاتَّفَقُوا على إِيقَاع أَمر بِهِ يمنعهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ فَذَهَبُوا إِلَى حَاكم تونس رَمَضَان باشا وطلبوا مِنْهُ إِحْضَاره ليقيموا عَلَيْهِ بِمحضر من القَاضِي دَعْوَى بِمَا أبرموا أَمرهم عَلَيْهِ فتكرر إِحْضَاره إِلَى مجْلِس الْحَاكِم الْمَذْكُور وقاضي الْبَلَد وتكرر مِنْهُم السُّكُوت وَعدم النُّطْق مهابة مِنْهُ حَتَّى أدّى أَمر الْجَمِيع إِلَى تَركه وَمَا
يصنع رَأْسا فَبَقيَ متلون الْأَحْوَال ينْتَقل من طور إِلَى طور فَتَارَة يلبس عِمَامَة الْعلمَاء الْكِبَار ولباسهم ويعقد حَلقَة درس يُفِيد فِيهَا الطلاب وَتارَة يسوح فِي الْجبَال عُريَانا مغلوب الْحيرَة فِي زِيّ المجانين إِلَى أَن ترك التلون وَاخْتَارَ السّكُون والتمكن وَأَنْشَأَ جَامعا وخانقاه وتكية واشتهر بِأَنَّهُ مِمَّن ينْفق من الْغَيْب أَو من صَنْعَة الكيميا ثمَّ ترقى بِهِ الْحَال إِلَى أَن أنشأ اثنيها وَثَلَاثِينَ موضعا زَوَايَا ومساجد وجوامع وَبنى مَالا يعد من الْمدَارِس الرفعية والقناطر المنيعة ووقف على كل أثر مِنْهَا أوقافاً عَظِيمَة وَعين للمقيمين والمسافرين نفقات وَكَانَ يبْذل فِي فكاك أسرى الْمُسلمين أَمْوَالًا كَثِيرَة وَكَانَ فِي شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان يعْقد مَجْلِسا لقِرَاءَة التَّفْسِير وَالْبُخَارِيّ وَكَانَ يمِيل إِلَى تَحْصِيل نسخ مُتعَدِّدَة من البُخَارِيّ وَكَانَ من ملتزماته أَنه لَا يقبل هَدِيَّة من أحد إِلَّا إِذا أهْدى لَهُ البُخَارِيّ فَكَانَ يقبله ويقابل مهديه بأنواع الْإِحْسَان وَجمع من نفائس الْكتب مَالا يعد وَلَا يُحْصى وَمن جملَة مَا وجد فِي خزانَة كتبه ألف نُسْخَة من البُخَارِيّ وَقس عَلَيْهِ الْبَاقِي وَكَانَ مفرط السخاء مبذول الْعَطاء وَأكْثر مَا كَانَ ينْفق مَاله على أسرى الْمُسلمين حكى أَنه أوصى يَوْمًا خُدَّامه أَن يجلبوا لَهُ مَا يَكْفِي كسْوَة سَبْعمِائة نفس من ثوب وقميص وشاش وحزام قاسومة فامتثلوا وَصيته وأحضروا ذَلِك وَلم يدروا السِّرّ فِي ذَلِك فَمَا تمّ جمع مَا طلب إِلَّا وصل الْخَبَر أَن ثَلَاث غلايين من غلايين الفرنج قد انْكَسَرت فِي قرب سَاحل تونس وفيهَا سَبْعمِائة أَسِير من الْمُسلمين فخلصوا جَمِيعًا وأحضروا إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ فألبسهم مَا أعد لَهُم من اللبَاس وَأكْرمهمْ وحياهم وَحكى أَن رجلا من الْجند مر لَيْلَة بِمحل فِي نواحي تونس فَرَأى حجرا عَظِيما قد ارْتَفع وانفتحت تَحْتَهُ مغارة فَرَأى المغارة ملآنة بِالذَّهَب المسكوك فَدَخلَهَا وملأ جيبه وذيله مِنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج رأى الْبَاب قد انسد فَذهب عقله ثمَّ وضع الدَّنَانِير الَّتِي أَخذهَا مَكَانهَا وَتوجه نَحْو الْبَاب فَرَآهُ مَفْتُوحًا فكرر الْأَخْذ وتكرر انسداد الْبَاب فَعِنْدَ ذَلِك قنع بالتفرج وَخرج ثمَّ بعد أَيَّام مر بذلك الْمحل فَرَأى رجلا قد دخل وعبى عبه مَعَه من ذَلِك الذَّهَب وَخرج ثمَّ حمله على بغل كَانَ مَعَه فَسَأَلَهُ العسكري من أَنْت فَقَالَ أَنا خَادِم شيخ الشُّيُوخ أبي الْغَيْث وَهَذِه الخزينة نصِيبه إِذا أَمرنِي بِنَقْل شَيْء مِنْهَا جِئْت فَأرى الْبَاب مَفْتُوحًا فَأدْخل وآخذ مِنْهَا مِقْدَار مَا يُعينهُ لي ثمَّ أخرج وَلَيْسَ لأحد غَيره فِيهَا نصيب وَنقل أَنه كَانَ إِذا قع خِيَانَة فِيهَا من أحد فَفِي الْحَال يَنْقَلِب الذَّهَب فحماً أسود وَاتفقَ لبَعض النَّاس أَنه أبرم على الْخَادِم مرّة فِي تنَاول شَيْء مِنْهَا
فَمَلَأ لَهُ جيبه وذيله فَلَمَّا وصل إِلَى بَيته فَإِذا هُوَ فَحم أسود وَمن كراماته المأثورة عَنهُ أَن شخصا من النَّاس فقد زَوجته من فراشها فتحقق أَن ذَلِك من فعل الْجِنّ فَذهب إِلَى الشَّيْخ وَأخْبرهُ الْخَبَر فَكتب لَهُ قرطاساً وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى تونس العتيقة وأقم ثمَّة حَتَّى إِذا مضى ثلث اللَّيْل يمر بك جند فأعط هَذَا القرطاس لملكهم تنَلْ مطلوبك فَمضى إِلَى الْمَكَان الْمَذْكُور وَقعد ينظر فَلَمَّا صَار نصف اللَّيْل ظهر لَهُ قوم روحانيون فَسَأَلَ عَن ملكهم فَقيل لَهُ هَا هُوَ ذَا فَنَاوَلَهُ القرطاس فَنظر الْملك فِيهِ ثمَّ قَالَ سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر بإحضار الْمَرْأَة وَسلمهَا لزَوجهَا وَأمره بِأَن يبلغ سَلَامه إِلَى الشَّيْخ وَحكى ابْن نَوْعي قَالَ أَخْبرنِي الْأَمِير عَليّ الْمَعْرُوف ببك زَاده أَنه لما كَانَ أَبوهُ مُتَوَلِّيًا تونس وعزل فِي مُدَّة قَليلَة وابتلى بفقر وفاقة لَا يعبر عَنْهَا بمقال قَالَ وتكدر حَالنَا لأَجله فاتفق أَن جَاءَ الْعِيد وَلَيْسَ مَعَه مَا يُنْفِقهُ وَإِذا بِأحد خدام الشَّيْخ جَاءَ إِلَى أبي بهدية من الشَّيْخ وَهِي مائَة تفاحة وَاعْتذر عَن قلتهَا كل الِاعْتِذَار قَالَ فَأخذ أبي تفاحة وشقها نِصْفَيْنِ فَخرج من وَسطهَا دِينَار فشق الْجَمِيع وَأخرج مَا فِيهَا فَكَانَ مائَة دِينَار فأنفقها وَتوسع بهَا وَله من هَذَا الْقَبِيل كرامات شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفقت الْكَلِمَة على علو شَأْنه وسمو قدره وَفِيه يَقُول شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا وَقد ورد أحد خلفائه إِلَى الرّوم وَطلب تقريظ إجَازَة أجَازه بهَا الشَّيْخ قدس الله سره
أَبُو الْغَيْث غيث المستغيثين كلهمبهمته نَالَ الورى فك أسرهم
فهمته العلياء غيث بِهِ ارتوىرياض أَمَان اللائذين بأسرهم
وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن فِي زاويته الْمَعْرُوفَة بِهِ وعمره مَا جَاوز الْخمسين بِكَثِير
أَبُو الْفرج بن عبد الرَّحِيم السَّيِّد الشريف الْحُسَيْنِي الْمَعْرُوف بالسمهودي الْمدنِي الْفَاضِل الأديب الْكَامِل كَانَ من فضلاء وقته ونبلاء عصره واشتغل وَحصل وَصَارَ أحد الخطباء والمدرسين بِالْحرم النَّبَوِيّ ونبل وتفوق وَكَانَ بَينه وَبَين شَيخنَا الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الخياري الْمدنِي صُحْبَة أكيدة ومحبة قديمَة وَذكره فيرحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِالشَّام شَهِيدا فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير ورثاه شَيخنَا الْمَذْكُور بقصيدة طَوِيلَة استحسنت مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار فأوردته وَذَلِكَ
أأخي أجب إِنِّي لفقدك والهمَعَ أنني للقادحات حمول
فقدتك نفس طَال مَا سيرتهاوَبكى لفقدك صَاحب وخليل
وبكاك مِنْبَر جدك السَّامِي الذريولفقدك الْمِحْرَاب مِنْهُ عويل
يحْكى حنين الْجذع لما فَاتَهُقرب النَّبِي وساءه التبديل
أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد الْمَكِّيّ الشَّاعِر ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة وَقَالَ فِيهِ هُوَ وَإِن لقب بالعقاد لكنه حَلَال مشكلات القريض بذهنه الْوَقَّاد سَار مسير الشَّمْس من الْمشرق إِلَى الْمغرب منتجعا سُلْطَانه الْمَنْصُور بِشعرِهِ المطرب فوفد على حَضرته السامية وَورد مناهل كرمه الطامية فصدح بِشعرِهِ شاديا فِي نَادِيه ونال بِهِ مَغَانِم من أياديه وَقد وتفت على خَبره العبقري من كتاب نفح الطّيب للشَّيْخ أَحْمد الْمقري إِذْ قَالَ عِنْد ذكر موشحات أهل الْعَصْر مِنْهَا قَول أحد الوافدين من أهل مَكَّة على عتبَة السُّلْطَان مَوْلَانَا الْمَنْصُور هُوَ رجل يُقَال لَهُ أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد وَهَذَا هُوَ الموشح الَّذِي ذكره مادحا بِهِ الْمَنْصُور
لَيْت شعري هَل أروي ذَا الظمامن لمى ذَاك الثغير الألعس
وَترى عَيْنَايَ ربات الْحمىباهيات بقد ودميس
فَلَقَد طَال بعادي والهوىملك الْقلب غراما وَأسر
هَذ من ركن اصْطِبَارِي والقوىمبدلا أجفان عَيْني بالسهر
حِين عز الْوَصْل من وَادي طوىهملت أدمع عَيْني كالمطر
فعساكم أَن تجودوا كرمابلقاكم فِي سَواد الحندس
عله يسفى كليما مغرمامن جراحات الْعُيُون النعس
كلما جن ظلام الغسقواعتراني من جفاكم قلقي
هزني الشوق إِلَيْكُم شغفاوتذكرت جيادا والصفا
وَتَنَاهَتْ لوعني من حرقثمَّ أغرى الوجد بِي والتلفا
فانعموا إِلَيّ ثمَّ جودوا لي بِمَايُطْفِئ الْيَوْم لهيب الْقُدس
إِنَّنِي أرْضى رضاكم مغنمالبقا نَفسِي ومحيا نَفسِي
كنت قبل الْيَوْم فِي زهو وتيهمَعَ أحبابي بسلع أَلعَب
وَمَعِي ظَبْي بِإِحْدَى وجنتيهمشرق الشَّمْس وَأُخْرَى الْمغرب
فَرَمَانِي بسهام من يَدَيْهِقاسي الْقلب فقلبي مُتْعب
لست أَرْجُو للقاهم سلماغير مدحي للْإِمَام إِلَّا رَأس
أَحْمد الْمَحْمُود حَقًا من سماالشريف ابْن الشريف الأكيس
وَلم يُورد لَهُ غير ذَلِك وَقد نسج هَذَا الموشح على منوال موشح الْوَزير أبي عبد الله بن الْخَطِيب شَاعِر الأندلس الَّذِي أَوله
جادك الْغَيْث إِذا الْغَيْث همايَا زمَان الْوَصْل بالأندلس
وَهُوَ عَارض بِهِ موشحة ابْن سهل الَّتِي مطْلعهَا
هَل درى ظَبْي الْحمى أَن قد حمىقلب صب حلّه عَن مكنس
وَحكى الْمقري فِي كِتَابه الْمَذْكُور أَنه اجْتمع بالحضرة المنصورية أَبُو الْفضل العقاد الْمَكِّيّ الْمَذْكُور والشريف الْمدنِي وَهُوَ رجل وَافد من أهل المدنية انْتَمَى إِلَى الشّرف وَالشَّيْخ الإِمَام إِمَام الدّين الخليلي الْوَافِد على حَضرته من بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ إِمَام الدّين هَذَا للمنصور يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال شدّ أَهلهَا إِلَيْك الرّحال هَذَا مكي وَذَاكَ مدى وَأَنا مقدسي انْتهى وَكَانَت وَفَاة أبي الْفضل فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ بِالظَّنِّ المقارب لما اسْتُفِيدَ من أَحْوَاله وَالله أعلم رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي الْقَاسِم بن عمر بن عَليّ الأهدل الْوَلِيّ الْمَشْهُور شهر على أَلْسِنَة الْعَالم بقائد الوحوش لِأَن الله تَعَالَى سخرها لَهُ كَرَامَة يسلطها على من أَذَاهُ أَو قطعه عَادَة التزمها بطرِيق النّذر وَنَحْوه وشهرة حَالَة واعتقاده بَين الْعَالم تغني عَن وَصفه وتفصيل سيرته وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الْعشْر بَقينَ من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف فِي المحط من أَعمال رمع وذفن بهَا قبيل طُلُوع الْفجْر قَالَ وَلَده السَّيِّد أَبُو بكر وَلَقَد شاهدنا مِنْهُ فِي حَال احتضاره وغسله مَا يدل على حسن حَاله وفضله واطلعنا لَهُ عقب وَفَاته على مَنَاقِب كَثِيرَة تشهد بِأَنَّهُ كَانَ ذَا ولَايَة كَبِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع