من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٠)
الصفحة ٢ من ٢
أَبُو الْقَاسِم بن الزبير المصباحي المغربي القصري الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم التقى كَانَ جليل الْقدر محافظا على رسوم الشَّرِيعَة مَعَ تغفل فِي دُنْيَاهُ لَا يُنكر من أَحْوَاله شَيْء وَله منازلات ومكاشفات أَخذ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عِيسَى المصباحي من أكَابِر أَصْحَاب القيرواني وَعَن وَلَده أبي مُحَمَّد عِيسَى بن الْحسن وَعَن أبي عبد الله الطَّالِب وَارِث القيرواني وَعنهُ عَالم الْمغرب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاسي وَكَثِيرًا مَا كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ بِالْقصرِ قبل رحلته إِلَى فاس وَكَانَت وَفَاته فِي مستهل الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف
أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد المغربي السُّوسِي الْمَالِكِي نزيل دمشق ومفتي الْمَالِكِيَّة بهَا كَانَ إِمَامًا بزاوية المغاربة خَارج بَاب الشاغور وَمحل مرقد ولي الله الشَّيْخ مَسْعُود يُقَال أَن الدُّعَاء عِنْد قَبره مستجاب كَانَ يُصَلِّي بهَا الْأَوْقَات الْخَمْسَة وَكَانَ حَافِظًا لقِرَاءَة السَّبع وَالْعشر وَشرح الشاطبية والنشر شرحا لطيفا وَكَانَ لَهُ مكتب يعلم فِيهِ الْأَطْفَال وَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا فتح عَلَيْهِ لشدَّة مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْفَتْح وَكَانَ وحيد عصره فِي الْفتيا بعد مشايخه الْعِظَام بِدِمَشْق كَأبي الْفَتْح الْمَالِكِي وَغَيره وَكَانَ شهما غيورا على الدّين تهابه الْقُضَاة والحكام وغالب أهل دمشق يرجعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمُشَاورَة للأمور وَحدث بالجامع الْأمَوِي فحضره خلق كثير وَأخذ عَلَيْهِ جمَاعَة وانتفعوا بِهِ مِنْهُم الشَّيْخ عَليّ المكتبي وَولده مُحَمَّد الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان أَو تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من ضريح سيدنَا بِلَال الحبشي ﵁
أَبُو اللطف بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن أبي اللطف الحصكفي الأَصْل الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي وَالِد الْعَلامَة السَّيِّد عبد الرَّحِيم مفتي الْحَنَفِيَّة الْآن بالقدس الشريف كَانَ فَقِيها حسن المطارحة وَفِيه لطف طبع ومروءة وَولي إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة وتدريس الْمدرسَة الصالحية وَكَانَ ينظم الشّعْر ووقفت لَهُ على تَارِيخ صنعه لكتابة نُسْخَة من ديوَان الرضى فأثبته لَهُ وَهُوَ قَوْله
خطّ ذَا الدِّيوَان عبد عَاجزبِأبي اللطف تسمى ورضى
لمن الدِّيوَان أَن تسْأَل وَمَاعَام حر رناه أرج للرضى
وجدد الْأَمِير مصطفى بن بَاقِي بيك فِي جَامع جدة لَا لَا مصطفى باشا بقرية جينين خلْوَة فَقَالَ فِيهَا مؤرخا
بِجَامِع جينين تجدّد خلْوَةبهَا جلوة للواردين ذَوي الصَّفَا
بناها ابْن بنت الْبَحْر بَاقِي فأرخواأساس على التَّقْوَى بِنَاء لمصطفى
وَلما وجهت فَتْوَى الشَّافِعِيَّة عِنْد للسَّيِّد مجمد الْأَشْعَرِيّ سَافر إِلَى الرّوم لتقريرها فَمَاتَ باسكدار وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ عَاشر شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بِالْقربِ من تكية الشَّيْخ مَحْمُود الأسكداري
أَبُو الْمَوَاهِب مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن الْأُسْتَاذ أبي الْحسن وَتَقَدَّمت بَقِيَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه أبي
السرُور وَسَيَأْتِي من بَيتهمْ جمَاعَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَبُو الْمَوَاهِب هَذَا ولد فِي حَيَاة أَبِيه وَنَشَأ فِي عزة وافيه ونعمة ضافية وَكَانَ فِي بداية أمره مائلا إِلَى الخلاعة وَكَانَت مجالسه مشحونة بأنواع الطَّرب من المسمعين وصنوف الملاهي وَكَانَ لما مَاتَ وَالِده جرى بَينه وَبَين اخوته منافسات وَأُمُور تسكب عِنْدهَا العبرات حَتَّى اسْتَقر الْأَمر لزين العابدين إِلَى أَن وَقع قبله وَكَانَ أَبُو السرُور مَاتَ قبله فَسَمت الرُّتْبَة إِلَى أبي الْمَوَاهِب وَهُوَ كَمَا قَالَ الشهَاب الخفاجي فِي وَصفه مسك الختام وفذلكة أُولَئِكَ الْأَعْلَام فَظهر بمظهر أسلافه من الْفَضَائِل والمعارف وتصدر للتدريس وإملاء التَّفْسِير وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ عَليّ صَاحب السِّيرَة مَوَدَّة أكيدة وباسمه ألف السِّيرَة وَوَصفه بِذِي البداهة المطاوعة والفضائل البارعة والفواضل الْكَثِيرَة النافعة من إِذا سُئِلَ عَن أَي معضلة أشكلت على ذَوي الْمعرفَة وَالْوُقُوف لَا نرَاهُ يتَوَقَّف وَلَا يخرج عَن صَوَاب الصَّوَاب وَلَا يتعسف وَلَا أخبر فِي كثير من الْأَوْقَات عَن شَيْء من المغيبات وَكَاد أَن يتَخَلَّف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة الْمَشْرُوطَة لَا علم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة تلقاها عَن وَالِد زَوجته الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ شَارِح الْمِنْهَاج وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله ديوَان يشْتَمل على دقائق ورقائق فَمِنْهُ قَوْله من أَبْيَات
قطعت قلبِي فِي الْهوى أفلاذامن سيف جفنك فاتك فولاذا
رفقا بصب فِي الغرام مولهبجمالكي يَا منيتي قد لاذا
عجبا لقلبك لَا يرق كصخرةوالجسم لينًا لَا يُطيق اللاذا
وَمِنْه قَوْله من أَبْيَات
نَفسِي الْفِدَاء لورد خُذ عندمىقانيه يروي فِي الصبابة من دمي
يَا ربربا حَاز الْجمال بأسرهيَا من بِهِ زَاد الغرام تألمي
إِنِّي لأرضى كل مَا ترْضى بِهِيَا روح جثماني علمت وَإِن لم
وَمِنْه من أَبْيَات
ناعس الجفن مَا إِلَيْهِ وُصُولبجفون بهَا عَليّ يصول
أسمر الْقد أببض الْوَجْه ظَبْيذُو جمال والطرف مِنْهُ كحيل
غُصْن بَان يمِيل تيهاً وعجباًفعساه مَعَ الْهَوَاء يمِيل
وَمِنْه قَوْله فِي التبغ ومضمنا
هَات اسْقِنِي التبغ إِن تبغي الصَّفَا سحرًاحَتَّى أخدر مِنْهُ وهوا غشاء
واستحل أنوار شمع من يَدي رشأقد زانه قامة بالْحسنِ هيفاء
بدر غَدا كَوْكَب الإسعاد فِي يَدهطَوْعًا لَهُ فَهُوَ ماضي الْأَمر نهاء
سَاق لنا قلبه قَاس وَكَيف دنامن لين عطفيه والأضداد أَعدَاء
لَعَلَّ نَار أسى بالبعد قد وقدتيَوْمًا يكون لَهَا بِالْقربِ إطفاء
فاملأ كؤس رحيق كالحريق فقدأغتنك إِذْ وصفت ياللطف صهباء
ودع ملام طَبِيب عابها سفهاوداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء
وَكتب إِلَى الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن المرشدي مفتي مَكَّة المشرفة فِي صدر كتاب
أروم الصَّفَا والقرب من جيرة الْمَسْعَىوَأَجْعَل أجفاني لَا قدامهم مسعى
فَنَار الغضى فِي مهجتي وأضالعيهِيَ المنحنى وَالْعين أرْسلت الدمعا
أَلا يَا حمام الأيك هيجت لوعتيإِلَى جَانب الجرعا وَمن حل بالجرعا
بلَى وعَلى أفق السَّمَاء محلهَاأحن إِلَيْهَا وَالَّذِي أخرج المرعى
وفيهَا إِمَام عَالم عَامل علىتقى نقى أتقن الأَصْل والفرعا
ذخيرة أهل الْعلم كنز أولى التقىلَهُ يَا إِلَه الْخلق فِي نعْمَة فارعا
فَمَا هُوَ إِلَّا مرشد وَابْن مرشدبِهِ رَبنَا للنَّاس قد أوجد النفعا
فيا عَابِد الرَّحْمَن يَا خير سيدبإتقانه وَالله قد أحكم الشرعا
يراعك علم النَّحْو أصبح متقنافَلَا عجب أَن يعْمل الْخَفْض والرفعا
وَوَاللَّه شوقي زَائِد ومضاعفوحبي لكم بَين الورى لم يزل طبعا
بَقِيتُمْ مَعَ النجل الْكَرِيم بغبطةوَلَا بَرحت كل الْوُفُود لكم تسْعَى
ويحفظ رب الْعَالمين كريمكملكم رَبنَا الرَّحْمَن من فَضله يرْعَى
بجاه رَسُول الله أفضل مُرْسلترى الْأسد فِي الغابات من خَوفه صرعى
عَلَيْهِ صَلَاة الله ثمَّ سَلَامهوَأَصْحَابه والآل أجمعهم جمعا
وَبعدهَا نثر مِنْهُ الْإِخْلَاص فِيمَا بَيْننَا فاتحه الْكتاب وإختصاص أشهر النَّاس من فلق الصُّبْح الظَّاهِر لأولي الْأَلْبَاب فوالعصر إِنَّك مفرده وسعده ومضده وسيده تبت يدا أعداك فهم الْكَافِرُونَ للنعم وويل لكل فِي موقف الحشرة من التغابن عِنْد زلَّة الْقدَم تبَارك الَّذِي جعلك الْإِنْسَان الْكَامِل وَأظْهر لَك الْبناء الَّذِي خليت بِهِ من عُمُوم الْعَامِل وخصوص أَبنَاء طه وَيس فِي صُدُور المحافل واختارك للطالبين مرشدا وَأَنت الْمُسْتَعَان المستغاث فِي حَالَة الندا أهديك تحيات إعرابها مَبْنِيّ على الضَّم وَالْجمع وتسليمات تحرّك سواكن الأشواق وَتطلق هوامع الدمع كَيفَ لَا
وَأَنت الْمولى الَّذِي لم يتَّخذ الْقلب عَن عطفك بَدَلا وَأصْبح تأسيس تَأْكِيد الْحبّ الصَّادِق عنْدك يجتلي أبقال الله راقياً فِي معارج مدارج الْمجد ومناهج مباهج السعد ومروضاً روض الْأَبَد بوابل فَضله وجامعاً فِي البلاغة كل شكل إِلَى شكله مَعَ عمر مديد يطاول الْأَدَب ومنح تستغرق الأمد فِي عزة تقاصر عَنْهَا مقاصير الْعلمَاء ومجد تطامن لَهُ رُؤْس العظماء وَعلم نسيق القنا مشحوذ القواضب وَفهم تحيط بِهِ فَوق فرق السهى معاقد الْمجد ومقاعد الْمَرَاتِب حَيْثُ تخفق بنود الْعُلُوم وتقذف أنوار الفهوم ويتضح الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم وينفخ إسْرَافيل اللَّوْح الالهي فِي أصوار الْأَسْرَار أَرْوَاح الإلهام وَيَتْلُو جِبْرِيل التَّنْزِيل على الْأَعْلَام فِي ذَلِك الْمقَام آيَات الْأَعْلَام فيأيها الْبَحْر الَّذِي ملك زِمَام البلاغة وانقادت بِيَدِهِ أزمة البراعة المشحون بالمعقول وَالْمَنْقُول والمفتي الَّذِي فَتَاوَاهُ جَامِعَة للفروع وَالْأُصُول والفصيح الَّذِي سد على ذَوي الفصاحة الطّرق وَجَاء بِالنَّجْمِ مصفداً من الْأُفق والفرد الَّذِي لم تَبْرَح شمايل أخلاقه العاطرة تتأرج وعقائل أَوْصَافه الفاخرة تتبرج وصل إِلَى كتابكُمْ المرقوم ودر خطابكم المنظوم الَّذِي هُوَ نور النبراس ومدارك الْحَواس وَلَذَّة السّمع ومقلة الدمع أَو نفحة الند أَو صبا نجد أَو نسيم السحر أَو بُلُوغ الوطر أَو عُقُود الْآل أَو السحر الْحَلَال جمع لمنشيه فنون الْأَوَائِل والأواخر حلى الأجياد بقلائد العقيان والجواهر وَأورد لَهُ الخفاجي قَوْله فِي مليح اسْمه عبد النَّبِي
عبد النَّبِي قاتليبِعَيْنِه وحاجبه
وَاعجَبا لعَبْدِهِيقتل نجل صَاحبه
قَالَ الخفاجي قَوْله بِعَيْنِه وحاجبه هَذَا من اسْتِعْمَال الْمُحدثين فيوهم أَن الْعين فِيهِ بِمَعْنى الْجَارِحَة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى الذَّات يُقَال فِي التوكيد جَاءَنِي فلَان نَفسه وعينه وبنفسه وبعينه فيراد بِعَيْنِه ذَاته وَمن الأول قَول الْبَدْر الدماميني
بدا وَقد كَانَ اختفىوَخَافَ من مراقبه
فَقلت هَذَا قاتليبِعَيْنِه وحاجبه
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة السبت سَابِع عشر شَوَّال سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن صَبِيحَة الْأَحَد بتربة آبَائِهِ بالقرافة وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه من سَابِع عشر شعْبَان بِمَرَض الصرع رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو الْوَفَاء بن عمر بن عبد الْوَهَّاب ابْن إِبْرَاهِيم بن مَحْمُود بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
ابْن الْحُسَيْن الشَّافِعِي الْحلَبِي العرضي مفتي الشَّافِعِيَّة بحلب وَابْن مفتيها وَأحد أَعْيَان الْعلمَاء فِي الْمعرفَة والاتقان وَالْحِفْظ والضبط وَكَانَ إِمَامًا عَالما خيرا متواضعاً حسن السمت لطيف تأدية الْكَلَام واعظاً إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي التفهم وجودة الأسلوب روى الْعُلُوم النقلية والعقلية عَن وَالِده وَلزِمَ الْعَلامَة أَبَا الْجُود البتروني وَغَيره من الشُّيُوخ واستجاز كثيرا وتصدر للإقراء مُدَّة حَيَاته فِي دَار الْقُرْآن الحبشية المنسوبة إِلَى أبي العشائر المطل شباكها على الْجَامِع الْكَبِير بحلب وَله شعر حسن ونثر بارع واعتنى بِجمع تَارِيخ سَمَّاهُ معادن الذَّهَب فِي الْأَعْيَان المشرفة بهم حلب رَأَيْت مِنْهُ قِطْعَة ونقلت مِنْهَا بعض تراجم لزمني ذكرهَا وَله رسائل كَثِيرَة وتآليف مِنْهَا كتاب طَرِيق الْهدى فِي التصوف وَشرح على ألفية ابْن مَالك وحاشية على شرح الْمِفْتَاح للسَّيِّد وحاشية عَليّ الْبَيْضَاوِيّ وحاشية على شرح الْمِنْهَاج للمحلي وَشرح البديعيات وَشرح سُورَة الضُّحَى على لِسَان الْقَوْم وَله لامية تضاهي لامية الْعَجم ومطلعها قَوْله
جلالة الْفضل تَنْفِي زلَّة الرجلوذلة الْجَهْل توهي صولة البطل
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع