من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف
الصفحة ١ من ٢
آدم الرُّومِي الأنطالي الْحَنَفِيّ الْأُسْتَاذ الشهير أحد خلفاء طَريقَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى جلال الدّين الرُّومِي الْمَعْرُوف بمنلا خداوند كار وَكَانَ شيخ زاويتهم الْمَعْرُوفَة بِمَدِينَة الغلطة وَليهَا فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ لَهُ الحظوة التَّامَّة عِنْد اركان دولة بني عُثْمَان سلاطين زَمَاننَا نَصرهم الله تَعَالَى لَا يزَال مَجْلِسه غاصاً بأعيانهم وَهُوَ من بَيت كَبِير بأنطالية على وزن أنطاكية بَلْدَة كَبِيرَة بأراضي قرمان على سَاحل الْبَحْر الرُّومِي وطاؤها فِي نطق الْعَوام تبدل ضاداً ويحذفون نونها فَيَقُولُونَ اضالية ولبيتهم فِيهَا أَمْلَاك وتعلقات جمة وَكَانَ مائلاً إِلَى الترفة والاحتشام الزَّائِد وَكَانَ إِذا ركب مَشى فِي ركابه مَا يُقَارب الْمِائَة رجل من حفدته ومريديه وَكَانَ للنَّاس عَلَيْهِ إقبال زَائِد وَمَعَ ذَلِك كَانَ ملازماً على الْعِبَادَة والوعظ وَكَانَ يحل المثنوي حلا جيدا وَكَانَ فِي أَوَائِل أمره مفرط السخا لَا تكَاد عطيته تنقص عَن مائَة دِينَار وَحكى بعض الأفاضل مِمَّن يعرفهُ أَنه كَانَ فِي عهد السُّلْطَان مُرَاد ظهر شخص يتقن ضرب الطنبور فشغف بِهِ السُّلْطَان وَطَلَبه لَيْلَة فَوجدَ عِنْد آدم هَذَا فَأتوا بِهِ فَقَالَ لَهُ كم كَانَت جائزتك فَقَالَ هَا هِيَ بيَدي وَكَانَت مائَة دِينَار وَكَانَ الْمَشَايِخ الغلطة فِي ذَلِك الْعَهْد مِيقَات فِي دَاخل حرم السلطنة فِي كل شهر لَيْلَة يُقِيمُونَ فِيهَا السماع بِحَضْرَة السُّلْطَان بِأَن ينقص معلومهم بمسمع من آدم وَقَالَ لجماعته قُولُوا لَهُ العطايا مهما كثرت لَا تبلغ عطيته فَكف عَن ذَلِك الْعَهْد كَفه عَن الإفراط وَاقْتصر على مَا هُوَ مُتَعَارَف عِنْد الدولة وسافر آخر أمره إِلَى الْقَاهِرَة من طَرِيق الْبَحْر بنية الْحَج فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف فَمَرض بِمصْر
مُدَّة وَتُوفِّي بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم بن حسن بن عَليّ بن عَليّ بن عَليّ بن عبد القدوس ابْن الْوَلِيّ الشهير مُحَمَّد بن هَارُون المترجم فِي طَبَقَات الشعراني وَهُوَ الَّذِي كَانَ يقوم لوالد سَيِّدي إِبْرَاهِيم الدسوقي إِذا مر عَلَيْهِ وَيَقُول فِي ظَهره ولي يبلغ صيته الْمغرب والمشرق وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ الإِمَام أَبُو الأمداد الملقب برهَان الدّين اللَّقَّانِيّ الْمَالِكِي أحد الْأَعْلَام الْمشَار إِلَيْهِم بسعة الِاطِّلَاع فِي علم الحَدِيث والدراية والتبحر فِي الْكَلَام وَكَانَ إِلَيْهِ الْمرجع فِي المشكلات والفتاوي فِي وقته بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ قوي النَّفس عَظِيم الهيبة تخضع لَهُ الدولة ويقبلون شَفَاعَته وَهُوَ مُنْقَطع عَن التَّرَدُّد إِلَى وَاحِد من النَّاس يصرف وقته فِي الدَّرْس والإفادة وَله نِسْبَة هُوَ وقبيلته إِلَى الشّرف لكنه لَا يظهره تواضعاً مِنْهُ وَكَانَ جَامعا بَين الشَّرِيعَة والحقيقة لَهُ كرامات خارقة ومزايا باهرة حكى الشهَاب البشبيشي قَالَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَن الشَّيْخ الْعَلامَة حجازي الْوَاعِظ وقف يَوْمًا على درسه فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة تذهبون أَو تجلسون فَقَالَ لَهُ اصبر سَاعَة ثمَّ قَالَ وَالله يَا إِبْرَاهِيم مَا وقفت على درسك إِلَّا وَقد رَأَيْت رَسُول الله
وَاقِفًا عَلَيْهِ وَهُوَ يسمعك حَتَّى ذهب
وَألف التآليف النافعة وَرغب النَّاس فِي استكتابها وقراءتها وأنفع تأليف لَهُ منظومته فِي علم العقائد الَّتِي سَمَّاهَا بجوهرة التَّوْحِيد أَنْشَأَهَا فِي لَيْلَة بِإِشَارَة شَيْخه فِي التربية والتصوف صَاحب المكاشفات وخوارق الْعَادَات الشَّيْخ الشرنوبي ثمَّ إِنَّه بعد فَرَاغه مِنْهَا عرضهَا على شَيْخه الْمَذْكُور فحمده ودعا لَهُ وَلمن يشْتَغل بهَا بمزيد النَّفْع وأوصاه شَيْخه الْمَذْكُور أَن لَا يعْتَذر لأحد عَن ذَنْب أَو عيب بلغه عَنهُ بل يعْتَرف لَهُ بِهِ وَيظْهر لَهُ التَّصْدِيق على سَبِيل التورية كالتزكية النَّفس فَمَا خَالفه بعد ذَلِك أبدا وَحكى أَنه كَانَ شرع فِي إقراء الْمَنْظُومَة الْمَذْكُورَة فَكتب مِنْهَا فِي يَوْم وَاحِد خَمْسمِائَة نُسْخَة والف عَلَيْهَا ثَلَاثَة شُرُوح والأوسط مِنْهَا لم يحرره فَلم يظْهر وَله توضيح الْأَلْفَاظ إِلَّا جرومية وَقَضَاء الوطر من نزهة النّظر فِي توضيح نخبة الْأَثر لِلْحَافِظِ ابْن حجر وإجمال الْوَسَائِل وبهجة المحافل بالتعريف برواة الشمايل ومنار أصُول الْفَتْوَى وقواعد الْإِفْتَاء بالأقوى وَعقد الجمان فِي مسَائِل الضَّمَان ونصيحة الإخوان باجتناب شرب الدُّخان وَقد عارضها معاصره الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد الأَجْهُورِيّ
الْمَالِكِي برسالة أولى وثانية أثبت فيهمَا القَوْل بِحل شربه مَا لم يضر وَله حَاشِيَة على مُخْتَصر خَلِيل وَكتاب تحفة درية على أبهلول بأسانيد جَوَامِع أَحَادِيث الرَّسُول هَذِه مؤلفاته الَّتِي كملت وَأما الَّتِي لم تكمل فَمِنْهَا تَعْلِيق الْفَوَائِد على شرح العقائد للسعد وَشرح تصريف الْعُزَّى للسعد أَيْضا سَمَّاهُ خُلَاصَة التَّعْرِيف بدقائق شرح التصريف وحاشية على جمع الْجَوَامِع سَمَّاهَا بالبدور اللوامع من خدور جمع الْجَوَامِع وَجمع جُزْءا فِي مشيخته سَمَّاهُ نثر المآثر فِيمَن أدْرك من الْقرن الْعَاشِر ذكر فِيهِ كثيرا من مشايخه من اجلهم عَلامَة الْإِسْلَام شمس الْملَّة وَالدّين مُحَمَّد الْبكْرِيّ الصديقي وَالشَّيْخ الإِمَام مُحَمَّد الرَّمْلِيّ شَارِح الْمِنْهَاج والعلامة أَحْمد بن قَاسم صَاحب الْآيَات الْبَينَات وَغَيرهم من الشافعيه وَشَيخ الْإِسْلَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَالشَّمْس مُحَمَّد التحريري وَالشَّيْخ عمر بن نجيم من الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ مُحَمَّد السنهوري وَالشَّيْخ طه وَالشَّيْخ أَحْمد المنياوي وَعبد الْكَرِيم البرموني مؤلف الْحَاشِيَة على مُخْتَصر خَلِيل وَغَيرهم من الْمَالِكِيَّة وَمن مشايخه فِي الطَّرِيق الشَّيْخ أَحْمد البُلْقِينِيّ الوزيري وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن الترجمان وَجَمَاعَة كَثِيرَة غَيرهم وَذكر أَنه لم يكثر عَن أحد مِنْهُم مثل مَا أَكثر عَن الإِمَام الْهمام أبي النجا سَالم السنهوري ويليه الشَّيْخ مُحَمَّد البهنسي لِأَنَّهُ كَانَ يخْتم فِي كل ثَلَاث سِنِين كتابا من أُمَّهَات الحَدِيث فِي رَجَب وَشَعْبَان ورمضان لَيْلًا وَنَهَارًا ويليه الشَّيْخ يحيى الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي إِمَام النَّاس فِي الحَدِيث تحريراً وإتقاناً شيخ رواق ابْن معمر بِجَامِع الْأَزْهَر هَكَذَا ذكر الشَّيْخ الإِمَام أَحْمد بن احْمَد العجمي الْمصْرِيّ الْآتِي ذكره فِي تَرْجَمَة اللَّقَّانِيّ من مشيخته لَكِن أَطَالَ فِي تعداد مشايخه أَكثر مِمَّا ذكرته وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُتَّفق على جلالته وعلو شَأْنه وَأخذ عَنهُ كثير من الأجلاء مِنْهُم وَلَده عبد السَّلَام وَالشَّمْس البابلي والْعَلَاء الشبراملسي ويوسف الفيشي وَيس الْحِمصِي وحسين النماوي وحسين الخفاجي وَأحمد العجمي وَمُحَمّد الْخَرشِيّ الْمَالِكِي وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة وَلم يكن أحد من عُلَمَاء عصره أَكثر تلامذه مِنْهُ وَكَانَ كثير الْفَوَائِد وينقل عَنهُ مِنْهَا أَشْيَاء كَثِيرَة مِنْهَا أَن من قَرَأَ على الْمَوْلُود وَيَد القارىء على رَأس الْمَوْلُود لَيْلَة وِلَادَته سُورَة الْقدر لم يزن فِي عمره أبدا وبخطه أَيْضا المنجيات على طَريقَة
يس تنجي من دُخان الْوَاقِعَةوَالْملك وَالْإِنْسَان نعم الشافعه
ثمَّ البروج لَهَا انْشِرَاح هَذِهسبع وَهن المنجيات النافعة
وعَلى طَريقَة أُخْرَى
جرز وَيس الَّتِي قد فصلتتنجي الموحد من دُخان الْوَاقِعَة
وَتَمام سبع المنجيات بحشرهاوَالْملك فاحفظها فَنعم الشافعه
والمنقذات السَّبع سُورَة كوثرمتتاليات ثمَّ سِتّ تَابعه
والمهلكات السَّبع قل مزملثمَّ البروج وطارع هِيَ قاطعه
ثمَّ الضُّحَى وَالشَّرْح مَعَ قدرلئيلاف لَا هَلَاك الْعَدو مسارعه
وَنقل فِي شَرحه على الْجَوْهَرَة قَالَ لَيْسَ للشدائد والغموم مِمَّا جربه المعتنون مثل التوسل بِهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَمِمَّا جرب فِي ذَلِك قصيدتي المقلبة بكشف الكروب بملاحات الحبيب والتوسل بالمحبوب الَّتِي أنشأتها بِإِشَارَة وَردت على لِسَان الخاطر الرحماني عِنْد نزُول بعض الملمات فَانْكَشَفَتْ بِإِذن خَالق الأَرْض وَالسَّمَوَات وَكَاشف الْمُهِمَّات لَا إِلَه غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره وَهِي
يَا أكْرم الْخلق قد ضَاقَتْ بِي السبلودق عظمي وَغَابَتْ عني الْحِيَل
وَلم أجد من عَزِيز أستجير بِهِسوى رَحِيم بِهِ تستشفع الرُّسُل
مشمر السَّاق يحمي من يلوذ بِهِيَوْم الْبلَاء إِذا مَا لم يكن بَلل
غوث المحاويج إِن مَحل ألم بهمكَهْف الضِّعَاف إِذا مَا عَمها الوجل
مُؤَمل البائس الْمَتْرُوك نصرتهمكرم حِين يَعْلُو سره الخجل
كنز الْفَقِير وَعز الْجُود من خضعتلَهُ الْمُلُوك وَمن تحيا بِهِ الْمحل
من لِلْيَتَامَى بِمَال يَوْم أزمتهموللأرامل ستر سابغ خضل
لَيْث الْكَتَائِب يَوْم الْحَرْب إِن حميتوطيسها واستحد الْبيض والأسل
من ترتجي فِي مقَام الهول نصرتهوَمن بِهِ تكشف الغماء والغلل
مُحَمَّد ابْن عبد الله ملجاؤنايَوْم التنادي إِذا مَا عمنَا الوهل
الفاتح الْخَاتم الميمون طَائِرهبَحر الْعَطاء وكنز نَفعه شَمل
الله أكبر جَاءَ النَّصْر وانكشفتعَنَّا الغموم وَولي الضّيق وَالْمحل
بعزمة من رَسُول الله صَادِقَةوهمة يمتطها الحازم البطل
أغث أغث سيد الكونين قد نزلتبِنَا الرزايا وَغَابَ الْخلّ والأخل
ولاح شيبي وَولي الْعُمر مُنْهَزِمًابعسكر الذَّنب لَا يلوى بِهِ عجل
كن للمعنى مغيثاً عِنْد وحدتهوَكن شَفِيعًا لَهُ إِن زلت النَّعْل
فجملة القَوْل أَنِّي مذنب وَجلوَأَنت غوث لمن ضَاقَتْ بِهِ السبل
صلى عَلَيْك إلهي دَائِما أبدامَا إِن تعاقبت الضحواء وَالْأَصْل
وآلك الغر والصحب الْكِرَام كَذَامُسلما وَالسَّلَام الطّيب الحفل
وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ رَاجع من الْحَج سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بِالْقربِ من عقبَة أَيْلَة بطرِيق الركب الْمصْرِيّ وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري الْمَالِكِي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ فيهمَا الْمُصْطَفى ابْن محب الدّين الدِّمَشْقِي يرثيهما شعر
مضى الْمقري أثر اللَّقَّانِيّ لاحقاًأمامان مَا للدهر بعدهمَا خلف
فبدر الدجى أجْرى على الخد دمعةفأثر ذَاك الدمع مَا فِيهِ من كلف
واللقاني بِفَتْح اللَّام ثمَّ قَاف وَألف وَنون نسبته إِلَى لقانة قَرْيَة من قرى مصر وأيلة بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت وَلَام وهاء وَهِي كَانَت مَدِينَة صَغِيرَة وَكَانَ بهَا زرع يسير وَهِي مَدِينَة الْيَهُود الَّذين جعل مِنْهُم القردة والخنازير وعَلى سَاحل بَحر القلزم وَهِي فِي زَمَاننَا برج وَبهَا وَال من مصر وَلَيْسَ بهَا مزدرع وَكَانَ لَهَا قلعة فِي الْبَحْر فأبطلت وَنقل الْوَالِي إِلَى البرج فِي السَّاحِل كَذَا فِي تَقْوِيم الْبَلَد إِن للْملك الْمُؤَيد اسماعيل صَاحب حماه
إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن إِسْمَاعِيل الدنابي الْعَوْفِيّ نسبته إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الأَصْل الْمصْرِيّ المولد والوفاة كَانَ من أَعْيَان الأفاضل لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفَرَائِض والحساب مَعَ التبحر فِي الْفِقْه وَغَيره من الْعُلُوم الدِّينِيَّة وَهُوَ حنبلي الْمَذْهَب نَشأ بِمصْر وَأخذ الْفِقْه عَن الْعَلامَة مَنْصُور البهوتي والْحَدِيث عَن جمع من شُيُوخ الْأَزْهَر وَأَجَازَهُ غَالب شُيُوخه وَألف مؤلفات مِنْهَا شرح على مُنْتَهى الارادات فِي فقه مذْهبه فِي مجلدات ومناسك الْحَج فِي مجلدين ورسائل كَثِيرَة فِي الْفَرَائِض والحساب وَكَانَ لطيف المذاكرة حسن المحاضرة قوي الفكرة وَاسع الْعقل وَكَانَ فِيهِ رياسة وحشمة موفورة ومروءة وَكَانَ من محَاسِن مصرفي كَمَال أدواته وعلومه مَعَ الْكَرم المفرط وَالْإِحْسَان إِلَى أهل الْعلم والمترددين إِلَيْهِ وَكَانَ حسن الْخلق والأخلاق وَكَانَ يرجع إِلَيْهِ فِي المشكلات الدُّنْيَوِيَّة لِكَثْرَة تدبره فِي الْأُمُور ومنازلته لَهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمَان وَكَانَت وِلَادَته بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي بهَا فَجْأَة ظهر يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر
من ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء وَدفن بتربة الطَّوِيل عِنْد وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى
إِبْرَاهِيم بن أبي الْيمن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن أَحْمد البتروني الأَصْل الْحلَبِي المولد الْحَنَفِيّ الْفَاضِل الأديب الْمَشْهُور صدر قطر حلب بعد أَبِيه اشْتغل فِي عنفوان عمره وسلك طَرِيق الْقَضَاء وَتَوَلَّى مناصب عديدة مِنْهَا حماة ثمَّ ترك وَعَكَفَ على دفاتره وتشييد مفاخره وتفرغ لَهُ أَبوهُ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ من مدارس وجهات وَبقيت فِي يَده سوى إفناء الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهَا وجهت إِلَى غَيره وَكَانَ حسن المحاضرة شَاعِرًا مطبوعاً وشعره كثير الْملح والنكت حسن الديباجة أنْشد لَهُ البديعي فِي ذكرى حبيب قَوْله فِي فتح الله بن النّحاس الشَّاعِر الْمَشْهُور الْآتِي ذكره وَكَانَ يمِيل إِلَيْهِ قَالَ وَكَانَ فتح الله مَعَ تفرده بالْحسنِ ولوعاً بالتجني وَسُوء الظَّن بَصيرًا بِأَسْبَاب العتب يبيت على سلم وَيَغْدُو على حَرْب كم من متيم فِي حبه رعى النَّجْم فرقا من الهجر لَو رعاه زهادة لَا دَرك لَيْلَة الْقدر بَخِيلًا بنزر الْكَلَام يضن حَتَّى برد السَّلَام شعر
مهلك العشاق مهلافِيك لي مِنْك انتقام
بشعيرات كمسكهن للمسك ختام
وَله فِيهِ أَيْضا من أَبْيَات
بيني وَبَيْنك مُدَّة فَإِذا انْقَضتْكنت الجدير بِأَن تعزى فِي الورى
رفقا بقلب أَنْت فِيهِ سَاكنإِن الْحَيَاة إِذا قضى لَا تشترى
فاردد على طرفِي الْمَنَام لَعَلَّهيلقى خيالاً مِنْك فِي سنة الْكرَى
واسأل عيُونا لَا تمل من البكاعَن حالتي بنبيك دمعي مَا جرى
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا وَقد عشق مليحاً اسْمه مُوسَى فتجنى عَلَيْهِ
كل فِرْعَوْن لَهُ مُوسَى وَذَافِي الْهوى موساك يوليك النكد
فَكَمَا أكمدت من يهواك بالصدمت صدا وذق طعم الكمد
وَمن شعره قَوْله من قصيدة فِي الْأَمِير مُحَمَّد بن سَيْفا مطْلعهَا
أربى على شجو الْحمام الغردوشداً فبرح بالحسان الحرد
شاد يشاد بِهِ السرُور لمعشرعمر ومجالس أنسهم بالصرخد
فِي مجْلِس قَامَ الصفاء بِهِ علىسَاق وشمر للمسرة عَن يَد
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
وَلَقَد شَكَوْت لَهُ الْهوى ليرق ليفنأى عَن المضنى بلقب جلمد
وَأبي سوى رقى فَقلت لَهُ اتئدإِنِّي رَفِيق للأمير مُحَمَّد
وَله غير ذَلِك من محَاسِن الشّعْر وعيونه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف عَن نَحْو أَربع وَسبعين سنة وَدفن بِجَانِب وَالِده بالصالحية والببتروني بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة ثمَّ رَاء وواو وَنون نِسْبَة إِلَى البترون بليدَة بِالْقربِ من طرابلس الشَّام خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء وَأول من دخل حلب من بَيت البتروني هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن جد إِبْرَاهِيم هَذَا دَخلهَا فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وتوطنها وَسَنذكر من هَذَا الْبَيْت عدَّة رجال أنجبت بهم الشَّهْبَاء
الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن يُوسُف بن حُسَيْن بن يُوسُف بن مُوسَى الحصكفي الأَصْل الْحلَبِي المولد العباسي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن المنلا وَسَيَأْتِي وَالِده أَحْمد شَارِح مُغنِي اللبيب وَأَخُوهُ مُحَمَّد فقد أفرد فِي ظلّ أَبِيه وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم وَتخرج عَلَيْهِ فِي الْأَدَب وَأخذ عَن الْبَدْر مَحْمُود البيلوني وَعَن الشَّيْخ عمر العرضي وَكتب إِلَيْهِ جدي القَاضِي محب الدّين بِالْإِجَازَةِ من دمشق فِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَحج بعد الْألف وَرجع إِلَى حلب وانعزل عَن النَّاس وَلزِمَ المطالعة وَالْكِتَابَة والتلاوة لِلْقُرْآنِ كثيرا وَكَانَ صافي السريرة لَا تعهد لَهُ زلَّة ونطم الدُّرَر وَالْغرر فِي فقه الْحَنَفِيَّة من بَحر الرجز وَدلّ على ملكته الراسخة فَإِن الْعَادة فِيمَا ينظم أَن يكون مُخْتَصرا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يغلب على طبعه الْأَدَب وَكَانَ لَهُ حسن محاضرة وَله شعر قَلِيل منقح مِنْهُ قَوْله
وَلما انطوت بِالْقربِ شقة بَيْننَاوَغَابَتْ وشَاة دُوننَا وعيون
بسطت لَهَا والوجد يعبث بالحشاشجون حَدِيث والْحَدِيث شجون
الحَدِيث شجون مثل من أَمْثَال الْعَرَب وَأَصله ذُو شجون أَي ذُو طرق وَالْوَاحد شجن بِسُكُون الْجِيم وَقد نظم أَبُو بكر الْقُهسْتَانِيّ هَذَا الْمثل ومثلاً آخر فِي بَيت وَاحِد وَأحسن مَا شَاءَ وَهُوَ قَوْله
تذكر نجداً والْحَدِيث شجونفجن اشتياقاً وَالْجُنُون فنون
وَلابْن المنلا من قصيدة قرظ بهَا شعرًا ليوسف بن عمرَان الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور
أطرسك هَذَا أم لجين مَذْهَبونظمك أم خمر لهمى مَذْهَب
وَتلك سطور أم عُقُود جَوَاهِروزهر سَمَاء أم هُوَ الرَّوْض مخصب
وَتلك معَان أم غوان تروقللعيون وباللحن المسامع تطرب
فيا حبذا هذي القوافي الَّتِي بِمنيعارضها ظفر الْمنية ينشب
لقد أحكمتها فكرة ألمعيةفكدت لَهَا من رقة النّظم أشْرب
فَمن غزل كم هز ذَا صبوة إِلَى التصابيفأضحى بالغزال يشبب
فيا بَحر فضل فائض بلآلىءلَهَا فكرك الْوَقَّاد مَا زَالَ يثقب
ظَنَنْت بأنى للخطوب مؤهلفأرسلته شعرًا لنظمي يخْطب
فعذراً فَإِن الْفِكر فِي مشتتوعقلي بأيدي حَادث الدَّهْر ينهب
فَقَوله فكدت لَهَا من رقة النّظم أشْرب حسن وَالْأَحْسَن أَن ينْسب الشّرْب إِلَى السّمع كَمَا قَالَ الآخر فِي وصف قصيدة تكَاد من عذوبة الْأَلْفَاظ تشربها مسامع الْحفاظ وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بعد الثَّلَاثِينَ وَألف بِقَلِيل والحصكفي بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْكَاف وَفِي آخرهَا الْفَاء هَذِه النِّسْبَة إِلَى حصن كيفا وَهِي من ديار بكر قَالَ فِي الْمُشْتَرك وحصن كيفا على دجلة بَين جَزِيرَة ابْن عمر وميا فارقين وَكَانَ الْقيَاس أَن ينسبوا إِلَيْهِ الحصنى وَقد نسبوا إِلَيْهِ أَيْضا كَذَلِك لَكِن إِذا نسبوا إِلَى اسْمَيْنِ أضيف أَحدهمَا إِلَى الآخر ركبُوا من مَجْمُوع الاسمين اسْما وَاحِدًا ونسبوا إِلَيْهِ كَمَا فعلوا هُنَا وَكَذَلِكَ نسبوا إِلَى رَأس عين رسعني وَالِي عبد الله وَعبد شمس وَعبد الدَّار عبدلي وعبشمي وعبدري وَكَذَلِكَ كل مَا هُوَ نَظِير هَذَا والعباسي نِسْبَة إِلَى الْعَبَّاس عَم النَّبِي
فقد ذكر أَن جده كَانَ مَنْسُوبا إِلَيْهِ واشتهر بَيتهمْ فِي حلب بِبَيْت المنلا لِأَن جد وَالِد ابراهيم هَذَا كَانَ يعرف بمنلا حاجي وَكَانَ قَاضِي قُضَاة تبريز وَله شرح على الْمُحَرر فِي فقه الشَّافِعِي للرافعي وحاشية على شرح العقائد للتفتازاني سَمَّاهَا تحفة الْفَوَائِد لشرح العقائد وحشى شرح الطوالع وَشرح الشاطبية وفصوص ابْن عَرَبِيّ وَكتب على الجغميني فِي الْهَيْئَة شَيْئا
الْمولى إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد الكواكبي الْحلَبِي قَاضِي مَكَّة من أجلاء الْعلمَاء قَرَأَ فِي مبادي عمره على الشَّيْخ الإِمَام عمر العرضي وعَلى وَالِده فِي مقذمات الْعُلُوم حَتَّى حصل ملكة ثمَّ توجه إِلَى دَار الْخلَافَة وسلك طرق الموَالِي وَقَرَأَ على بعض أفاضل الرّوم حَتَّى صَارَت لَهُ الملكة التَّامَّة ثمَّ من الله عَلَيْهِ فَتزَوج بابنة الْمولى عبد الْبَاقِي بن طورسون واستصحبه مَعَه لما ولى قَضَاء مصر إِلَيْهَا فَحصل لَهُ مَالا جزيلاً ثمَّ رَجَعَ فِي خدمته إِلَى قسطنطينية فَمَاتَ ابْن طورسون ثمَّ مَاتَت الزَّوْجَة وتصرم المَال وَقصر فِي النهوض فَأخذ بعد اللتيا وَالَّتِي مدرسة أيا صوفية ثمَّ لم يطْلب عزل
نَفسه عَن الْمدرسَة فَلَا يوافقونه حَتَّى تَركهَا شاغرة من غير أَخذ مَعْلُوم وَلَا إِلْقَاء درس أصلا وَكَانَ أَيَّام الِانْفِصَال الْكَبِير ورد حلب ووالداه حَيَّان فَنزل عِنْد وَالِده فشكت أمه إِلَيْهِ من أَبِيه مَا يصنع بهَا فَتَشَاجَرَ هُوَ وَأَبوهُ وتقضايا ورحل عَن دَار وَالِده وَصَارَ كل يسب الآخر فاسترضى العرضي الْمَذْكُور وَجَمَاعَة من الْعلمَاء الابْن ثمَّ أَخَذُوهُ إِلَى وَالِده فَقبل يَده وتباريا من الطَّرفَيْنِ وَآخر الْأَمر أعْطى قَضَاء مَكَّة فَسَار من مصر بحراً ثمَّ أَرَادَ أَن ينْقل ابْنه من سفينة صَغِيرَة إِلَى مركب مَخَافَة عَلَيْهِ وَحمله إِلَى الْمركب فَسقط إِلَى الْبَحْر وغرق وَتَنَاول بعض الْخدمَة الْوَلَد فنجا وَلَك حِين توجهه عِنْد جده فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ عمره نَحْو سبعين سنة وَبَنُو الكواكبي بحلب طَائِفَة كَبِيرَة سَيَأْتِي مِنْهُم فِي كتَابنَا هَذَا جمَاعَة وَكلهمْ عُلَمَاء وصوفية وَأول من اشْتهر مِنْهُم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمُتَوفَّى سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ذكره ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه قَالَ وَدفن بجوار الْجَامِع الْمَعْرُوف الْآن بِجَامِع الكواكبي بمحلة الجلوم بِمَدِينَة حلب وعمرت عَلَيْهِ قبَّة من مَال كافل حلب سيباي الجركسي وَكَانَت طَرِيقَته أردبيلية وَإِنَّمَا قيل لَهُ الكواكبي لِأَنَّهُ كَانَ فِي مبدأ أمره حدّاداً يعْمل المسامير الكواكبية ثمَّ فتح الله عَلَيْهِ وحصلت لَهُ الشُّهْرَة الزَّائِدَة
السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان بن سليم بن بايزيد ابْن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بلدرم بايزيد بن مُرَاد بن أورخان بن عُثْمَان بن أرطغرل ابْن سُلَيْمَان شاه السُّلْطَان الْأَعْظَم أحد مُلُوك آل عُثْمَان المطوق بِعقد مفاخرهم جيد الزَّمَان قد تقرر أَن أصل بَيتهمْ من التركمان النزالة الرحالة من طَائِفَة التاتار وَيَنْتَهِي نسبهم إِلَى يافث بن نوح وَهُوَ الجدّ السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ للسُّلْطَان إِبْرَاهِيم وَلما كَانَت أَسمَاؤُهُم أَعْجَمِيَّة أضربت عَن ذكرهَا لطولها واستعجامها وَرُبمَا يَقع فِيهَا التَّصْحِيف والتحريف إِن لم يضْبط شَيْء مِنْهَا وَلَا حَاجَة إِلَى الْإِحَاطَة فِيهَا بِلَا فَائِدَة فَإِنَّهَا مَذْكُورَة فِي التواريخ التركية وَأما ذكر مبدأ ظُهُورهمْ فَهُوَ شَائِع مَشْهُور وَقد تكفل بِهِ غير وَاحِد من المؤرخين فَلَا نطيل بِذكرِهِ وَنَرْجِع إِلَى مَا هُوَ الْغَرَض من تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم فَنَقُول تولى السلطنة بعد موت أَخِيه السُّلْطَان مُرَاد فِي تَاسِع شَوَّال سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَقيل فِي تَارِيخه على لِسَانه استعنت بِاللَّه وَكَانَ ملكا مُعظما حسن المنظر سمح الْكَفّ وَكَانَ زَمَانه أَنْضَرُ الْأَزْمَان وعصره أحسن العصور وأطاعته جَمِيع الممالك وسكنت بيمن دولته الْفِتَن واعتدل بِهِ الزَّمن وَفِيه يَقُول
الْأَمِير منجك بن مُحَمَّد المنجكي الدِّمَشْقِي قصيدته الَّتِي مدحه بهَا وَهِي من غرر القصائد ومطلعها
لَو كنت أطمع بالمنام توهماًلسألت طيفك أَن يزور تكرما
حاشا صدودك أَن تذم فَإِنَّهَاتحلو لديّ وَإِن أسيغت علقما
فاهجر فهجرك لي الْتِفَات مَوَدَّةأَلْقَاهُ مِنْك تحنناً وترحما
عذب فُؤَادِي بِالَّذِي تختارهلَو كنت منسياً تركت وَإِنَّمَا
لَو لم تكن بغبار طرفك أكحلتعين الغزالة صدّها وَجه الدما
وَمن جُمْلَتهَا وَهُوَ مَحل الشَّاهِد
ملك من الْإِيمَان جرّد صَارِمًابِالْحَقِّ حَتَّى الْكفْر أصبح مُسلما
لَو شَاهد المطرود سطوة بأسهفِي صلب آدم للسُّجُود تقدّما
الْعدْل أخرس كَانَ قبل زَمَانهأَذِنت لَهُ الْأَيَّام أَن يتكلما
لم تخط آساد الفلا فِي عَهدهبَين الشقائق خيفة أَن تتهما
عقد المثار على العداة سحائباًلَوْلَا الحيا لَقِي العدا مِنْهَا دَمًا
ودعت ظباه الطير حَتَّى أَنهقد كَاد يسْقط فرخه نسر السما
وَكَانَ صَاحب طالع سعيد مَا جهز جَيْشًا إِلَى نَاحيَة إِلَّا انتصر وَلَا قصد فتح بلد إِلَّا ظفر وَمن الفتوحات الَّتِي وَقعت فِي عَهده فتح قلعة ازاق وَكَانَ أهل دائرتها من الْكفَّار أظهرُوا الشقاق فَجهز إِلَيْهِم جَيْشًا فافتتحوها فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَمِنْهَا فتح خَانِية أحد الْبِلَاد الْمَشْهُورَة بِجَزِيرَة اقريطش بِفَتْح الْألف وَسُكُون الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت وَكسر الطَّاء الْمُهْملَة وَفِي آخرهَا شين مُعْجمَة وتعرف الْآن بِجَزِيرَة كريت وَكَانَت الْمُلُوك الفرنج المعروفين بالبندقية وَهَذِه الجزيرة من أعظم الجزائر وأكبرها تشْتَمل على بلادورساتيق كَثِيرَة وَذكر بعض من دَخلهَا أَن بهَا من الْقرى أَرْبعا وَعشْرين ألف قَرْيَة وَأَن دورها ثلثمِائة وَخَمْسُونَ ميلًا وَذكر فِي كتاب الْفرس أَن دورها مسيرَة خَمْسَة عشر يَوْمًا وَهِي ذَات رياض نَضرة وَبهَا أَنْوَاع الْفَوَاكِه وَالثِّمَار وخيراتها وافرة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهَا من أحاسن الجزائر وَكَانَ السُّلْطَان إِبْرَاهِيم أرسل إِلَيْهَا عساكره بالسفن الْكَثِيرَة وَقدم عَلَيْهِم حَاكم الْبَحْر يُوسُف باشا الْوَزير فَدخل الجزيرة وحاصر قلعة خَانِية وافتتحها وَكَانَ ذَلِك فِي عشري جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخمسين وَألف ثمَّ قدم بَعْدَمَا قدم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة قَتله السُّلْطَان لأمر نقمة عَلَيْهِ وَأمر مَكَانَهُ الْوَزير الْكَبِير حُسَيْن باشا الْمَعْرُوف بدالي
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع