من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف
الصفحة ٢ من ٢
حُسَيْن وجهز مَعَه عدَّة من وزرائه وأمرائه إِلَى فتح الجزيرة بِتَمَامِهَا فوصل إِلَيْهَا ونازل قلعة رتمو واستعان عَلَيْهَا باللغم حَتَّى أهلك خلقا كثيرا من الفرنج بِسَبَب ذَلِك وَفتحهَا وَاسْتولى على جَمِيع قرى الجزيرة وَلم يبْق مِنْهَا مِمَّا خرج عَن ملك آل عُثْمَان فِي تِلْكَ الجزيرة إِلَّا قلعة قندية وَطَالَ أمرهَا مُدَّة مديدة حَتَّى فتحت فِي زمن سُلْطَان زَمَاننَا السُّلْطَان مُحَمَّد كَمَا سنذكر تَفْصِيل فتحهَا فِي تَرْجَمَة الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور كَانَ مَيْمُون النقيبة مَنْصُور الكتيبة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَعشْرين وَألف وخلع عَن الْملك فِي نَهَار الْخَمِيس سادس عشر رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثَمَان سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَذكر سَبَب خلعه يحْتَاج إِلَى تَفْصِيل مُمل أعرضنا عَنهُ لشهرته ومحصله أَنه كَانَ ارْتكب بعض أُمُور تتَعَلَّق بهوى النَّفس وَأطَال فِي تعاطيها حَتَّى مِلَّته أَرْكَان دولته ثمَّ اجْتَمعُوا وخلعوه من السلطنة وسلطنوا مَكَانَهُ وَلَده السُّلْطَان مُحَمَّد وَفِي ثَالِث يَوْم من خلعه قَتَلُوهُ وَدفن فِي مدفن عَمه الصَّالح السُّلْطَان مصطفى إِلَى جَانِبه بِجَامِع أياصوفيا وَمِمَّا اتّفق لَهُ وَلم يتَّفق لغيره من السلاطين فِيمَا أعلم أَنه رأى سلطنة أَبِيه وَعَمه وأخويه وَولده وَوجدت فِي بعض المجاميع الْقَدِيمَة فَائِدَة غَرِيبَة يُنَاسب إيرادها هُنَا محصلها أَنه استقرى من ولي السلطنة وَكَانَ اسْمه إِبْرَاهِيم فوجدوا لم يتم لأَحَدهم أمرهَا إِلَّا قتل وَقَالَ الرَّاغِب فِي محاضراته قَالَ أَبُو عَليّ النطاح كَانَ الْمهْدي يحب ابْنه إِبْرَاهِيم فَقَالَت لَهُ شكْلَة أم إِبْرَاهِيم أَلا ترَاهُ يَلِي الْخلَافَة فَقَالَ لَا وَلَا يَليهَا من اسْمه إِبْرَاهِيم إِن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل أول نَبِي عذب بالنَّار وَإِن إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﵇ لم يَعش وبويع إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَلم يتم لَهُ الْأَمر وَأحكم إِبْرَاهِيم الإِمَام أَمر الْملك فَقتل وَتمّ لغيره وَطلب الْخلَافَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْحُسَيْن فَمَا تمت لَهُ على جلالته وَكَثْرَة جَيْشه وَقد بَايع المتَوَكل لِابْنِهِ إِبْرَاهِيم الْمُؤَيد فَلم يتم لَهُ وَقتل وَمَا ذكر من اللغم هُوَ شَيْء غَرِيب يَنْبَغِي التعرّض للْكَلَام عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مستحدث وَهُوَ فِي الأَصْل من عمل الفرنج اصطنعوه فِي محاصرة بعض الْحُصُون فِي أَوَائِل الْقرن التَّاسِع على عهد السُّلْطَان سليم الْأَكْبَر واشتهر عِنْد مُلُوك الرّوم حَتَّى فاقوا فِيهِ على الفرنج وَكَيْفِيَّة عمله على مَا تلقيته من الأفواه ثمَّ وجدته فِي بعض المجاميع بِخَط بعض الأدباء أَنه إِذا حوصرت قلعة أَو حصن وتعسر تملكه لصعوبته يسوقون أَمَامه تَلا عَظِيما من التُّرَاب ثمَّ يحفرون من تَحت ذَلِك التُّرَاب سرداباً عَظِيما إِلَى أَن يصلوا إِلَى الأساس ثمَّ يجوّفون قَعْر
الأساس مِقْدَار مَا يُرِيدُونَ بِحَيْثُ أَنهم لم يخرجُوا من تَحت الْجِدَار أبدا فَإِن خَرجُوا بَطل جَمِيع الْعَمَل وينقلون التُّرَاب من السرداب إِلَى خَارج خفيه ليخلو مَا تَحْتَهُ ثمَّ يملؤونه بالنفط والبارود طولا وعرضاً ويضعون فَتِيلَة ثخينة من الْقطن مِقْدَار شبرين فيحرقون أطرافها بالنَّار فِي الْخَارِج ويضعون فَتِيلَة أُخْرَى على قدرهَا ثمَّ يَأْخُذُونَ بالساعة مِقْدَار زمَان احتراقها ليعلموا فِي أَي وَقت تصل نَار الفتيلة إِلَى البارود تَحت الأَرْض ثمَّ إِن الْعَسْكَر يَأْخُذُونَ الأهبة للهجوم ويسدّون بَاب اللغم سدّاً محكماً خوفًا من رُجُوع البارود إِلَى خلف وَعند احتراق البارود يَنْقَلِب مَا فَوْقه من جِدَار أَو سور أَو غير ذَلِك فيهجم الْعَسْكَر دفْعَة وَاحِدَة ويملكون القلعة بِهَذِهِ الْحِيلَة وَهَذَا مَا انْتهى إليّ من خَبره على هَذَا التَّفْصِيل وَالله أعلم
الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الرَّمْلِيّ الْفَقِيه الحنيفي الْمَعْرُوف بالتشبيلي كَانَ أحد الْفُقَهَاء الأخيار عَالما بالفرائض حق الْعلم وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي فنون الْأَدَب وَغَيرهَا وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لين العريكة وَفِيه تواضع وانعطاف ولد بالرملة وَنَشَأ بهَا ورحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن الإِمَام رَئِيس الْحَنَفِيَّة فِي وقته أَحْمد بن أَمِين الدّين ابْن عبد العال والعلامة عبد الله البحراوي الْحَنَفِيّ وَرجع إِلَى بَلَده وَأقَام بهَا يدرّس ويفيد إِلَى أَن مَاتَ وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وانتفع بِهِ الشَّيْخ محيي الدّين بن شيخ الْإِسْلَام خير الدّين الرَّمْلِيّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ مفتي الشَّافِعِيَّة بالقدس وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته بالرملة فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن تيمورخان بن حَمْزَة بن مُحَمَّد الرُّومِي الْحَنَفِيّ نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بالقزاز الْأُسْتَاذ الْكَبِير شيخ الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بالبيرامية كَانَ صَاحب شَأْن عَال وكلمات فِي التصوف مستعذبة وَألف رسائل فِي عُلُوم الْقَوْم مِنْهَا رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا محرقة الْقُلُوب فِي الشوق لعلام الغيوب وَغَيرهَا وَأَصله من بوسنة ولد بهَا وَنَشَأ متعبداً متزهداً ثمَّ طَاف الْبِلَاد وَلَقي الْأَوْلِيَاء الْكِبَار وجدّ واجتهد وَصَارَ لَهُ فِي كل بلد اسْم يعرف بِهِ فاسمه فِي ديار الرّوم عليّ وَفِي مَكَّة حسن وَفِي الْمَدِينَة مُحَمَّد وَفِي مصر إِبْرَاهِيم وَأخذ الطَّرِيقَة البيرامية الكيلانية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الرُّومِي عَن السَّيِّد جَعْفَر عَن أَمِير سكين عَن السُّلْطَان بيرام وَأقَام بالحرمين مُدَّة ثمَّ استقرّ بِمصْر فَأَقَامَ بِجَامِع الزَّاهِد مُدَّة ثمَّ بِجَامِع قوصون ثمَّ بالبرقوقية ثمَّ قطن بقلعة الْجَبَل فسكن بمسكن قرب سَارِيَة وَجلسَ بحانوت بالقلعة يعْقد فِيهَا الْحَرِير وَكَانَ لَهُ أَحْوَال عَجِيبَة ووقائع
غَرِيبَة وحبب إِلَيْهِ الانجماع والانفراد وَكَانَ فِي أَكثر أوقاته يأوي إِلَى الْمَقَابِر بِظَاهِر القلعة وَبَاب الْوَزير والقرافتين وَإِذا غلب عَلَيْهِ الْحَال جال كالأسد المتوحش وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي
وَعلي المرتضى بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول يَا عَليّ اكْتُبْ السَّلامَة وَالصِّحَّة فِي الْعُزْلَة وكرّر ذَلِك فَمن حبب إِلَيْهِ ذَلِك وَكَانَ يخبر أَنه ولد لَهُ ولد فَلَمَّا أذن الْمُؤَذّن بالعشاء نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهُوَ فِي المهد وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَعشْرين بعد الْألف وَدفن عِنْد أَوْلَاده بتربة بَاب الْوَزير تجاه النظامية هَكَذَا ذكره الإِمَام عبد الرؤف الْمَنَاوِيّ فِي طبقاته الْكَوَاكِب الدرية فِي تراجم السَّادة الصُّوفِيَّة وَمَا حررته هُنَا مِنْهَا مَعَ بعض تَلْخِيص وتغيير والقرافة بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء المخففة وَبعد الْألف فَاء فهاء قرافتان الْكُبْرَى مِنْهُمَا ظَاهر ومصر وَالصُّغْرَى ظَاهر الْقَاهِرَة وَبهَا قبر الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وَبَنُو قرافة فَخذ من المعافر بن يعفر نزلُوا بِهَذَيْنِ المكانين فنسبا إِلَيْهِم ولهاتين ثَالِثَة وَهِي محلّة بالإسكندرية مُسَمَّاة بالقبيلة قَالَه ياقوت رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمُشْتَرك
الْمولى إِبْرَاهِيم بن حسام الدّين الكرمياني المتخلص بِسَيِّد شريفي ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيل الشقائق وَوَصفه بالتركية فَوق الْوَصْف وَكَانَ على مَا يفهم مِنْهُ فِي غَايَة من الْفضل والكمال مَشْهُورا بفنون شَتَّى معدوداً من أَفْرَاد الْعلمَاء قَالَ وَقد ولد فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن وَالِده ثمَّ قدم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فاتصل بِخِدْمَة الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان معلم السُّلْطَان ولازم مِنْهُ على عَادَة عُلَمَاء الرّوم وَهَذِه الْمُلَازمَة مُلَازمَة عرفية اعتبارية وَهِي الْمدْخل عِنْدهم لطريق التدريس وَالْقَضَاء ثمَّ درس بمدارس الرّوم إِلَى أَن وصل إِلَى مدرسة مُحَمَّد باشا الْمَعْرُوفَة بالفتحية وَتُوفِّي وَهُوَ مدرس بهَا وَله تآليف مِنْهَا تَكْمِلَة تَغْيِير الْمِفْتَاح الَّذِي أَلفه ابْن الْكَمَال ونظم الْفِقْه الْأَكْبَر وَالشَّافِعِيَّة وشرحهما وَله من طرف والدته سيادة وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف بعلة الاسْتِسْقَاء وَدفن بحوطة مَسْجِد شريفة خاتون بِالْقربِ من جَامع مُحَمَّد آغا دَاخل سور قسطنيطينية
الْأَمِير إِبْرَاهِيم بن حسن بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي الطالوي الارتقي الْأَمِير الْجَلِيل فَرد وقته فِي الْكَرم والعهد الثَّابِت وَوصل فِي الشجَاعَة إِلَى رُتْبَة يقصر عَنْهَا أَبنَاء زَمَانه وَفِيه يَقُول قَرِيبه أَبُو الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي فِي قصيدته الرائية الَّتِي أرسلها من الرّوم يذكر فِيهَا أَعْيَان الشَّام
مِنْهُم جناب الطالويسليل ارتق ذِي السرير
فِي السّلم كالغيث المطيروَالْحَرب كالليث الهصور
محيى مَكَارِم حَاتِمبَين الْأَنَام بِلَا نَكِير
ولد بِدِمَشْق بدارهم الْمَعْرُوفَة بهم بمحلة التَّعْدِيل وَنَشَأ فِي تربية أَبِيه ثمَّ أَنه خدم أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بشمسي نَائِب الشَّام وَهُوَ الَّذِي بنى التكية بِالْقربِ من سور الأروام وَلما عزل عَن نِيَابَة الشَّام صَحبه إِلَى دَار السلطنة وَاسْتمرّ فِي خدمته كلما ولي ولَايَة كَانَ مَعَه ثمَّ صَار أحد الْحجاب بِالْبَابِ العالي فِي زمن السُّلْطَان سُلَيْمَان وَأعْطى قرى وأقطاعاً كَثِيرَة وسافر الْأَسْفَار السُّلْطَانِيَّة وترامت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى دمشق فِي أَيَّام منازلة جَزِيرَة قبرس فِي عهد السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان وَجمع ذخائر العساكر من بِلَاد الشَّام وَأَخذهَا فِي المراكب من جَانب طرابلس إِلَى قبرس وَكَانَ رَأس العساكر إِذْ ذَاك الْوَزير مصطفى باشا صَاحب الخان الْكَبِير وَالْحمام الَّذِي فِي سوق السروجية بِدِمَشْق وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن تولى السُّلْطَان مُرَاد بن سليم السلطنة فصير الْأَمِير إِبْرَاهِيم رَأس العساكر بِدِمَشْق وسافر بهم إِلَى فتح ديار الْعَجم مَرَّات عديدة وَكَانَ فِي ذَلِك مَحْمُود السِّيرَة وَبعد ذَلِك تولى الْإِمَارَة فِي مَدِينَة نابلس سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ بهَا حَاكما نَحْو سنتَيْن وانفصل عَنْهَا ثمَّ أُعِيدَت إِلَيْهِ وَفِي هَذِه الْمرة عينه أَمِير الْأُمَرَاء بِالشَّام مُحَمَّد باشا ابْن الْوَزير الْأَعْظَم سِنَان باشا لاستقبال ركب الْحَاج على عَادَتهم فحرس الركب من تَبُوك إِلَى دمشق حراسة عَظِيمَة ثمَّ عزل عَن حُكُومَة نابلس وَطَرحه الدَّهْر فِي زَاوِيَة الخمول حَتَّى أنفد غَالب مَا كَانَ يملك وَتَفَرَّقَتْ عَنهُ حفدته وسافر إِلَى طرف السلطنة فِي سنة سبع بعد الْألف وَاسْتمرّ زَمَانا طَويلا ملازماً وَعَاد وَلم يحصل على طائل وَلما قدم الْوَزير السَّيِّد مُحَمَّد باشا الْأَصْفَهَانِي الأَصْل نَائِبا إِلَى الشَّام عرض حَاله عَلَيْهِ فرق لَهُ وَعين لَهُ من الْتِزَام السمسارية فِي كل سنة أَرْبَعمِائَة دِينَار على سَبِيل التقاعد وَأقَام على تِلْكَ الْحَالة متقنعاً بالكفاف إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف والارتقي بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوْقهَا وَبعدهَا قَاف نِسْبَة إِلَى أرتق بن أكسب جد الْمُلُوك الأرتقية وَله فِي تَارِيخ ابْن خلكان تَرْجَمَة مختصرة مفيدة وَنسبَة بني طالو إِلَيْهِ مستفيضة الْأَلْسِنَة
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع