من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٢)
الصفحة ١ من ٢
الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْفَتْح الملقب شهَاب الدّين الْحكمِي الْمقري نزيل مَكَّة الشَّيْخ الإِمَام رفيع الشَّأْن كَانَ من كبراء الْعلمَاء إِذا مهابة وجلالة وَكَانَ من أَرْبَاب الْأَحْوَال ذكر مبدأ أمره فِي رِسَالَة لَهُ سَمَّاهَا نسيمات الأسحار فِي ذكر بعض أَوْلِيَاء الله الأخيار وَذكر مشايخه الَّذين تلقى عَنْهُم بِأَرْض الْيمن ومنتهى سَنَده إِلَى الْحكمِي والبحلي أَصْحَاب عواجة وعواجة بَلْدَة مَعْرُوفَة بِأَرْض الْيمن بلد الْحكمِي والبجلي فَأَما مشايخه فهم سَبْعَة الصّديق بن مُحَمَّد الشهير بالبلاط وَالشَّيْخ أَحْمد بن المقبول الْأَسدي الْمَشْهُور بِأبي الْفَضَائِل وَالشَّيْخ عُثْمَان بن السهل الْمَشْهُور بالأقرع تلميذ الشَّيْخ الْكَبِير الرباني المربى الصُّوفِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي الشَّيْخ شيخين بن أبي الْفَتْح الْحكمِي وَالشَّيْخ الْأمين بن أبي الْقَاسِم شَافِع وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر الحلوي وَالشَّيْخ مُحَمَّد يَعْقُوب النمازي وَذكر مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِم من الْكتب وَهِي كَثِيرَة وَله شيخ ثامن وَهُوَ الْعَالم الرباني الشَّيْخ الْكَبِير عبد الْقَادِر بن أَحْمد الْحكمِي الْمَشْهُور بِأبي الرسائل أَخذ عَنهُ الطَّرِيق وتلقن عَنهُ ورده من الْقُرْآن بِإِشَارَة مِنْهُ قَالَ وَقَالَ لي يَا أَحْمد اقْرَأ من الْقُرْآن كل يَوْم سبع الْقُرْآن بِتَقْدِيم السِّين على الْبَاء وَقَالَ لي يَا أَحْمد لَا تتْرك هَذَا السَّبع من الْقُرْآن كل يَوْم إِلَّا لعذر يُبِيح ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وتلقى عَنهُ ورده فِي تَهَجُّده بِالْقُرْآنِ فِي جَوف اللَّيْل بِإِشَارَة مِنْهُ قَالَ وَقَالَ لي يَا أَحْمد تهجد فِي جَوف اللَّيْل بِقدر جُزْء من الْقُرْآن وَلَا تتْرك التَّهَجُّد فِي الْقُرْآن فِي جَوف
اللَّيْل إِلَّا لعذر وَقَالَ أَنا ملازم لذَلِك وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي علم التصوف كتاب الرسَالَة للشَّيْخ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَأذن لَهُ أَن يَرْوِيهَا عَنهُ بروايته لَهَا عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْفَتْح الْحكمِي وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن وَالِده أبي الْفَتْح بن الصّديق وَهُوَ عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر الْحكمِي وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن شَيْخه وجده الْكَبِير عمر بن عمر الْحكمِي ولقبه زخم الدَّاريْنِ وَهُوَ عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي صَاحب عواجة وَهَذَا مُنْتَهى سَنَد الشهَاب صَاحب التَّرْجَمَة لرِوَايَة الرسَالَة ويروي الْعُلُوم من طَرِيق الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني نزيل مَكَّة وَهِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والأصلان والنحو وَالصرْف والقراآت عَن الْمَشَايِخ السَّبْعَة الْمُقدم ذكرهم بسندهم إِلَى أَحْمد بن مُوسَى العجيل وَالشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ وهما يرويان عَن الْحكمِي والبجلي أَصْحَاب عواجة وَقَالَ وَقد جمعني الْحَضَر على هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الْخَمْسَة يغظة وهم الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي وَالشَّيْخ أَحْمد بن مُوسَى العجيل وَالشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن حُسَيْن البجلى أصجاب عواجة وَقَالَ لي تقدم واقرأ على شيخك وَجدك الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي فَقَالَ لي الشَّيْخ هَلُمَّ إِلَيّ فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لي اقْرَأ فَإِذا الْكتاب الَّذِي فِي يَدي كتاب الرسَالَة لأبي الْقَاسِم الْقشيرِي فَقَرَأت عَلَيْهِ الْكتاب الْمَذْكُور فِي مجْلِس وَاحِد من أَوله إِلَى آخِره هَذَا مَا ذكره فِي رسَالَته قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته أَخذ عَنهُ كَثِيرُونَ مِنْهُم شَيخنَا على بن الْجمال الْأنْصَارِيّ الْمَكِّيّ وَشَيخنَا عبد الله ابْن سعيد باقشير وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الضنائن المخدرين أهل الدَّلال المحبوبين وَكَانَ يمِيل بالطبع إِلَى السماع وينخلع إِذا سمع عَن بشريته المحكومة للطباع وَيظْهر مِنْهُ حالات رضية لمن لَهُ بالحواس السليمة أَدْرَاك وروى أَنه رَحل من مَكَّة لزيارة الحضرة المحمدية
فِي الرَّابِع عشر من رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَقدم الْمَدِينَة فَمَرض فِي الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب الْمَذْكُور وَدفن فِي يَوْمه ببقيع الْغَرْقَد وَهُوَ فِي سنّ الْخمسين
الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْوَفَاء بن مُفْلِح الْحَنْبَلِيّ الدِّمَشْقِي الإِمَام الْكَبِير الْفَقِيه الْمُحدث الْوَرع الزَّاهِد الْحجَّة الثبت الْخَيْر كَانَ أحد الْعلمَاء بِالشَّام الملازمين على تَعْلِيم الْعلم والفتيا وَكَانَ لَهُ المتانة الْكَامِلَة فِي الْفِقْه والعربية والفرائض والحساب والتاريخ
وَلأَهل دمشق فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ مَحَله وَأَهله وَكَانَ متجنباً غَالب النَّاس وَله مداومة على تِلَاوَة الْقُرْآن وَالْعِبَادَة أَخذ عَن الأجلاء من مَشَايِخ عصره مِنْهُم جدنا الْعَلامَة إِسْمَاعِيل النابلسي الشَّافِعِي وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَقِيه الْكَبِير مُوسَى بن أَحْمد بن أَحْمد الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بالحجازي صَاحب الاقناع وَأخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد ابْن طولون الصَّالِحِي وبرع فِي أَنْوَاع الْعُلُوم ودرس بعدة مدارس مِنْهَا دَار الحَدِيث بصالحية دمشق بِالْقربِ من الْمدرسَة الأتابكية وَكَانَ لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الْأمَوِي وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء الْحَنَابِلَة بمحكمة الْبَاب لما مَاتَ القَاضِي مُحَمَّد سبط الرجيحي الْحَنْبَلِيّ فِي زمن قَاضِي القضة الْمولى مصطفى بن حُسَيْن بن الْمولى سِنَان صَاحب حَاشِيَة التَّفْسِير فَامْتنعَ وَبَالغ القَاضِي وَمن كَانَ عِنْده من كبار الْعلمَاء فِي طلبه فَلم ينخدع وَاعْتذر بثقل السّمع وَأَنه لَا يسمع مَا يَقُوله المتداعيان بسهولة وَذَلِكَ يَقْتَضِي صعوبة فصل الْأَحْكَام وَلم يزل يتلطف بِالْقَاضِي حَتَّى عَفا عَنهُ وَكَانَت فَاتَهُ فِي ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَبَنُو مُفْلِح من الْبيُوت الْمَعْرُوفَة بِالْعلمِ والرياسة بِالشَّام وردوا فِي الأَصْل من قَرْيَة راميم من وَادي الشّعير تَابع نابلس ونزلوا صالحية دمشق وتفرعوا بطوناً فَأَحْمَد هَذَا من نسل نظام الدّين وَأما ابْن عَمه القَاضِي مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالأكمل الْآتِي ذكره فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَهُوَ من نسل إِبْرَاهِيم وهما أَخَوان
الأديب أَحْمد بن أَحْمد المكني بِأبي العنايات ابْن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الْكَرِيم النابلسي الأَصْل الْمَكِّيّ المولد نزيل دمشق الشَّاعِر الْمَشْهُور بالعناياتي أحد بلغاء عصره جمع شعره بَين جودة السبك وَحسن الْمَعْنى وَعَلِيهِ طلاوة رائقة وبهجة فائقة وديوان شعر مَشْهُور وَكَانَ يدْخل فِي جَمِيع طرق الشّعْر من بديع وهجو وعزل ونسيب وَله فِي فنون النّظم السِّت الَّتِي ابتدعها الْمُتَأَخّرُونَ الباع الطَّوِيل وَكَانَ أَبوهُ رَحل من نابلس وقطن مَكَّة مُدَّة وَتزَوج بهَا فولد لَهُ أَحْمد هَذَا بهَا وَكَانَ أسمر اللَّوْن وينطق بنطق أهل مَكَّة ونبابه وَطنه أَيَّام شبابه فَفَارَقَ الْمقَام وقوض الْخيام وتقاذفت بِهِ ديار الغربة وَكَانَ ينْتَقل ويجول فِي كل ديار لَكِن كَانَت سياحته مَقْصُورَة على الْبِلَاد الشامية وَدخل دمشق آخرا فِي سنة سِتّ أَو سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَألقى بهَا عَصا ترحاله فسكن مرّة فِي جَامع هِشَام بن عبد الْملك فِي جِهَة سوق جقمق ثمَّ ارتحل إِلَى الْمدرسَة الباذرائية وَاسْتمرّ بهَا مجاوراً فِي حجرَة من حجراتها
إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ يتعمم بالصوف الَّذِي يُقَال لَهُ المئزر وَوصف البديعي هَيئته فَقَالَ رث الشَّمَائِل وسخ الأثواب كَأَنَّمَا بكرت عَلَيْهِ مُغيرَة الْأَعْرَاب خلق الجلابيب والأردان كَأَنَّمَا اتخذ عمَامَته منديل الخوان فزيه غَرِيب وطليسان ابْن حَرْب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ قشيب وَكَانَ متقللاص فِي الْمطعم واللباس منقبضاً فِي الْغَالِب عَن المخالطة وَلم يتَزَوَّج فِي عمره وَكَانَ يكْتب الْخط الْحسن الْمَنْسُوب وينظم من الشّعْر مَا يزري بزهر الخمائل وَكَانَ فِي الْغَالِب يقْضِي أوقاته فِي بيُوت القهوة وَرُبمَا كَانَ يبيت هُنَاكَ وَكَانَ قَلِيل التكسب بالشعر وَإِذا مدح أحدا يُرْسل مدحه إِلَى بعض توابعه ويرجو بِالْإِشَارَةِ بعض جدواه وَقد وصف بعض حَاله فِي قصيدة لَهُ حَيْثُ قَالَ
إِذا لم أعز فَمن ذَا يعزوفقري وقنعي كنز وحزر
لبست من الْيَأْس فِي النَّاس ثوباعَلَيْهِ من الْعقل وَالْفضل طرز
وَلست أرى الذل إِلَّا إِذاكَانَ فِي الْحبّ والذل فِي الْحبّ عز
ومثلي حر عباه غناهُإِذا استعبد النَّاس خَز وبز
وَوصف خطه وحظه فَقَالَ
زَاد خطي وَقل حظي فَمن لينقل نقط من فَوق خاء لطاء
وبشعري الغالي ترخص سعريوبطب الْفُنُون مت بدائي
وَهَذَا مَسْبُوق إِلَيْهِ فِي قَول بَعضهم
لَا تحسبوا أَن حسن الْخط يسعدنيوَلَا سماحة كف الحاتم للطائي
وَإِنَّمَا أَنا مُحْتَاج لوَاحِدَةلنقل نقطة حرف الْخَاء للطاء
وَذكر الْحسن البوريني فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ مَعَ ظُهُوره بِصُورَة الْفقر يتهم بِمَال كثير ظَهرت لَهُ بعض آثَار حَيْثُ أحب بعض أَحْدَاث دمشق وَشك عَلَيْهِ بمبلغ يقرب من مائَة دِينَار ذَهَبا وَكَانَ القَاضِي حِينَئِذٍ المرحوم الْعَلامَة محب الدّين الْحَمَوِيّ فَلَمَّا وقف العناياتي بَين يَدَيْهِ وَأقر الْحَدث بِالْحَقِّ لَدَيْهِ طلب حَبسه وَاقْتضى مِنْهُ ديناره وفلسه فَقَالَ لَهُ القَاضِي يَا شيخ أَحْمد تحبسه عنْدك فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا أَنا فِي حبس حبه وَهُوَ فِي حبس مَالِي فَحِينَئِذٍ لَا لَهُ وَلَا لي قلت وَكَانَ لجدي الْمَذْكُور مَعَه مداعبات ألطف من نسمات الرياض وأخفى سحرًا من الحدق المراض وألطف مَا سمعته مِنْهَا أَنه كَانَ يهوى غُلَاما اسْمه أصلان وَكَانَ الْغُلَام يحترف فِي دكان بِبَعْض أسواق دمشق وَكَانَ العناياتي يَأْتِي إِلَى دكان أَمَامه وَيجْلس لأجل مشاهدته فَمر بِهِ الْجد يَوْمًا وَهُوَ
جَالس فَسَأَلَهُ عَن سَبَب جُلُوسه فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لَهُ أصل فَقَالَ بل أصلان وأخبار العناياتي كَثِيرَة ونوادره شهيرة وَمِمَّا يستجاد من شعره قَوْله
لَو كنت شَاهده وَقد غسق الدجىودموعه فِي خَدّه تتحدر
لرثيت يَا مولَايَ للْعَبد الَّذِيشوقاً إِلَيْك فُؤَاده يتفطر
وزار الْحسن البوريني مرّة فِي الْمدرسَة الناصرية الجوانية وَكَانَ مجاوراً بهَا للْقِرَاءَة على مدرسها أستاذه الْعِمَادِيّ الْحَنَفِيّ فَلم يجده فَكتب لَهُ على بَابهَا معاتباً
يزِيد لكم جفاكم من وداديوذنبي عنْدكُمْ تِلْكَ الزياده
لكم مني مقَال أبي فراسولي مِنْكُم مقَال أبي عباده
أَرَادَ بقول أبي فراس
أَسَاءَ فزادته الاساءة حظوةحبيب على مَا كَانَ فِيهِ حبيب
وَبقول أبي عبَادَة
إِذا محاسني اللَّاتِي أدل بهَاصَارَت ذنوباً فَقل لي كَيفَ أعْتَذر
وزاره أُخْرَى فَوَجَدَهُ نَائِما فَكتب على بَاب الْحُجْرَة قَوْله
جَاءَ محب إِلَيْك بعد سنهرآك محتجباً عَنهُ بسنه
يَا حسنا جَاءَهُ الْمُحب فَمَاأبصره سوء حَظه حسنه
ثمَّ زَارَهُ أُخْرَى فَلم يجده فَكتب أَيْضا على الْجِدَار قَوْله
قد كَاد من فَرح يطير إِلَيْك فِيمثنى ثَلَاثًا مذاليك تشوقا
فَأَعَادَهُ حاشاك فقدك خائباًلاذقت طعم رُجُوعه صفر اللقا
وَكتب إِلَى بعض من يهواه وَقد اتّفق أَنه زَاد فِي جفاه وَأسْندَ إِلَيْهِ أقاويل لم تصدر مِنْهُ وَإِنَّمَا جعلهَا سَببا للتقاطع عَنهُ قَوْله
إِن الْمُحب عناؤه لَا يبرحفِي الْقرب والأبعاد فَهُوَ مبرح
الْقلب بالشوق الشَّديد مجرحوالطرف بالدمع المديد مقرح
وَإِلَى مَتى هَذَا الهوان من الْهوىوَالله إِن الْمَوْت مِنْهُ أروح
قد كَانَ جرح الصد مِنْك نكايةفَأتى فِرَاق بِالَّذِي هُوَ اجرح
مَا أَنْت إِلَّا الرّوح إِن حجبت فَمَاللجسم غير الرّوح شَيْء يصلح
فيا مولَايَ من أَيْن قيض لنا هَذَا الْحجاب وأتانا من الْبعد بِعَذَاب لم يكن فِي حِسَاب فولله أَنِّي مُنْذُ سَمِعت هَذِه الْأَخْبَار لم يقر لقلبي قَرَار وَلَا وجدت هدى وَلَا هُدُوا
على هَذِه النَّار بل أَخَذَنِي التبلد وَلم أجد ذرة من التجلد وصرت كالذاهل الحيران الغارق فِي بحار الأشجان لَا أعرف مَا أَقُول وَلَا ينْصَرف فكري إِلَى مَعْقُول وَلَا مَنْقُول وَمَا ذكرت السَّبَب إِلَّا تحدر دمعي على الخد وانسكب وَعلمت أَن الشَّرّ كُله من عشرَة غير الْجِنْس مكتسب سِيمَا هَذَا الْجِنْس الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مروه وَلَا أخوة تمنع أنفسهم من النَّقْص وَلَا فتوة وَأَنت وَالله غلطان فِي تقريب بَعضهم وَأوجب حبك لَهُم ومنعك مطلوبهم مَكْرُوه بغضهم وَأَنت تعلم صانك الله من الأغيار ووقاك كيد الْفجار الأشرار أَن الْحر الْكَرِيم لَا يقوى أَن يسمع فِي عرضه كَلَام من يسوى وَمن لَا يسوى وَمَا وَحقّ من يعلم السِّرّ والنجوى بذلت لَك هَذِه النَّصِيحَة إِلَّا لتعلم أَن محبتي سليمَة صَحِيحَة وصفاء ودي لَا يتكدر وجوهر عشقي على مدى الْأَيَّام لَا يتَغَيَّر لَكِن يَا روحي السارية مسرى الدَّم فِي الأعضا وشفاء الْقُلُوب المرضى الَّتِي لَا تُرِيدُ غَيره طَبِيبا وَلَا ترْضى أَنْت تعلم أَن مَاء الْجمال تكدره نواظر الفواسق وصونه بِصُورَة الْجلَال مَحْمُود عِنْد ذَوي الْحَقَائِق فَإِن ترك مَالا يصلح أصلح والاقبال على من تنْتَفع بعقله أصوب وأرجح لِأَن من وَقع عَلَيْهِ نظر المفلح أَفْلح فاتعظ بِهَذِهِ الْوَاقِعَة عَلَيْك وَلَا تركن بإحسانه إِلَيْك لكنني أَقُول مقَال الْمُحب المغرم الَّذِي يتظلم من أَن لَا يظلم
رويدك إِن الْهوى معركيعْدم فِيهِ الْأجر والمغنم
فَإِنَّمَا تأويلنا أَنهيحل للْمُضْطَر مَا يحرم
من ذَا الَّذِي أفتى عُيُون المهابِأَن مَا تتْلف لَا تغرم
يستعذبوا ظلمي من اجلهمأسْتَغْفر الله لمن يظلم
وَقُلْنَا فِي مثل هَذَا الْحَال سَابِقًا وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى كَمَا ترَاهُ لائقاً
وَأَنا الَّذِي لَا ذَنْب لي وللذتيبِالْعَفو عني قلت إِنِّي مذنب
إِن لم يكن ذَنْب فحلمك وَاجِبأَو كَانَ لي ذَنْب فحلمك أوجب
وَلَقَد صبرت على الشدائد كلهَاإِلَّا بعادك عَنهُ صبري يعزب
فَارْجِع وعد عود الْكِرَام لعادةعودتها فَالْأَصْل أصل طيب
وَلَو أَنِّي بثثتك عشر مَا عِنْدِي من الأشواق لفنيت الأقلام والمحابر والأوراق وَلكنهَا نفثة مصدور أصبح مَهْجُورًا وَكَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطوراً وَأهْدى إِلَى مليح وردتين وَهُوَ مُقيم بصالحية دمشق عِنْد بعض خلانه للتنزه وَكتب مَعَهُمَا قَوْله
متعت طرفِي من سنا وَجههووجنتيه بجنى الجنتين
فاقتطف الطّرف وُرُود الحياإِذْ عز فِي ذَلِك قطف الْيَدَيْنِ
وجئته أهْدى لَهُ من يَديعَن ناظري عَن خَدّه وردتين
واحتجب الْخَال فعوضتهنقط زباد عوض الشامتين
وَقلت للقلب الشجي قرطهذَا ملك يحكم فِي الْخَافِقين
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي عشرى القعدى أَو حادي عشريه سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ الْمُقدم ذكره فِي تَارِيخ مَوته
مَاتَ العناياتي شمس الخجىوَالْمَوْت طبعا بالعناياتي
قَالَ لِسَان الْحَال من بعدهتَارِيخه مَاتَ العناياتي
وَرَآهُ بعض فضلاء دمشق فِي مَنَامه بعد وَفَاته فَقَالَ لَهُ قل لي مَا فعل الله بك فأنشده بَيْتَيْنِ وأفاق الرجل وَهُوَ حافظهما وهما قَوْله
كلوني للرحيم وخلفونيطريحاً أرتجي عَفْو الْكَرِيم
لِأَنِّي عَاجز عبد حقيروَإِن الله ذُو فضل عَظِيم
قلت وَوَقع مثل هَذَا كثيرا ويعجبني لَهُ فِي بَابه مَا نَقله ابْن خلكان قَالَ رَأَيْت فِي بعض المجاميع قَالَ الْوَزير أَبُو الْقَاسِم بن المغربي رَأَيْت الْخَطِيب بن نباتة فِي الْمَنَام بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ وَقع لي رقْعَة بالأحمر
قد كَانَ أَمن لَك من قبل ذَاوَالْيَوْم أضحى لَك أمنان
والصفح لَا يحسن عَن محسنوَإِنَّمَا يحسن عَن جاني
والعناياتي نِسْبَة إِلَى أَبِيه أبي العنايات هَكَذَا ذكره البوريني رحمهمَا الله تَعَالَى
أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد أقيت ابْن عمر بن عَليّ بن يحيى بن كذالة بن مكي بن نيق بن لف بن يحيى بن تشت بن تنفر بن حيراي بن النجر بن نصر بن أبي بكر بن عمر الصنهاجي الماسي السوداني يعرف بَابا صَاحب كتاب الديباج قد ترْجم نَفسه فِي آخِره فَقَالَ مولدِي كَمَا وجدته بِخَط وَالِدي لَيْلَة الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة ختام عَام ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ونشأت فِي طلب الْعلم فَحفِظت بعض الْأُمَّهَات وقرأت النَّحْو على عمي أبي بكر الشَّيْخ الصَّالح وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والعربية وَالْبَيَان والتصوف وَغَيرهَا على شَيخنَا الْعَلامَة مُحَمَّد يفيع ولازمته سِنِين وقرأت عَلَيْهِ جَمِيع مَا تقدم عني فِي ترجمتي وَأخذت عَن وَالِدي الحَدِيث سَمَاعا والمنطق وقرأت الرسَالَة ومقامات الحريري تفقهاً على غَيرهم
واشتهرت بَين الطّلبَة بالمهارة على كلال ومهل فِي الطّلب وألفت عدَّة كتب تزيد على أَرْبَعِينَ تأليفا كشرحي على مُخْتَصر خَلِيل من أول الزَّكَاة إِلَى أثْنَاء النِّكَاح ممزوجا محررا وحواشي على مَوَاضِع مِنْهُ والحاشية الْمُسَمَّاة منن الرب الْجَلِيل فِي مهمات تَحْرِير خَلِيل يكون فِي سفرين وفوائد النِّكَاح على مُخْتَصر كتاب الوشاح للسيوطي وَغَيرهَا قَالَ الثِّقَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الأديب المراكشي فِي فهرسته فِي ترجمتي كَانَ أخونا أَحْمد بَابا من أهل الْعلم والفهم والإدراك التَّام الْحسن حسن التصنيف كَامِل الْحَظ من الْعُلُوم فقها وحديثا وعربية وأصلين وتاريخا مليح الاهتداء لمقاصد النَّاس مثابرا على التَّقْيِيد والمطالعة مطبوعا على التَّأْلِيف ألف تآليف مفيدة جَامِعَة فِيهَا أبحاث عقليات ونقليات وَهِي كَثِيرَة كوضعه على مُخْتَصر خَلِيل من الزَّكَاة إِلَى أثْنَاء النِّكَاح فِي سفرين وتنبيه الْوَاقِف على تَحْرِير نِيَّة الْحَالِف فِي كراس وَتَعْلِيق على أَوَائِل الألفية سَمَّاهُ النكت الوفية بشرح الألفية وَآخر سَمَّاهُ النكت الزكية لم يكملا ونيل الأمل فِي تَفْضِيل النِّيَّة على الْعَمَل وَغَايَة الإجادة فِي مُسَاوَاة الْفَاعِل للمبتدأ فِي شَرط الإفادة فِي كراسين وَآخر سَمَّاهُ النكت المستجادة فِي مساواتهما فِي شَرط الإفادة والتحديث والتأنيس فِي الِاحْتِجَاج بِابْن إِدْرِيس يُرِيد بألفاظه على الْعَرَبيَّة فِي وَرَقَات وجلب النِّعْمَة وَدفع النقمَة بمجانبة الظلمَة أولى الظلمَة فِي كراسين وَشرح الصُّغْرَى للسنوسي فِي أَرْبَعَة كراريس ومختصر تَرْجَمَة السنوسي فِي ثَلَاثَة كراريس ونيل الابتهاج بالذيل على الديباج وَالْمطلب والمأرب فِي أعظم أَسمَاء الرب تَعَالَى فِي كراسة وترتيب جَامع اليعاد للونشريشي كتب مِنْهُ كراريس وَله أسئلة فِي المشكلات ثمَّ امتحن فِي طَائِفَة من أهل بَيته بثقافهم فِي بلدهم فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف عَليّ مَحْمُود بن زرقون لما استولى بِلَادهمْ وَجَاء بهم أُسَارَى فِي الْقُيُود فوصلوا مراكش أول رَمَضَان من الْعَام واستقروا مَعَ عِيَالهمْ فِي حكم الثقاف إِلَى أَن أحجم أَمر المحنة فسرحوا يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين لرمضان سنة أَربع بعد الْألف فَفَرِحت قُلُوب الْمُؤمنِينَ بذلك جعلهَا الله لَهُم كَفَّارَة لذنوبهم ثمَّ ذكر مقروآته على صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ وَكَانَ من أوعية الْعلم صان الله مهجته انْتهى قَالَ المترجم وَلم ألق بالمغرب أثبت مِنْهُ وَلَا أوثق وَلَا أصدق وَلَا أعرف بطرِيق الْعلم مِنْهُ وَلما خرجنَا من المحنة طلبوني للإقراء فَجَلَست بعد الإباءة بِجَامِع الشرفاء بمراكش من أنوه جَامعهَا أقرى كتبا ثمَّ قَالَ وازدحم الْحلق على واعيان طلبتها ولازموني
بالإقراء على قضاتها كقاضي الْجَمَاعَة بفاس الْعَلامَة أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم الغساني وَهُوَ كَبِير ينيف على سِتِّينَ وَكَذَا قَاضِي مكناس الرحلة مؤلف صَاحب أبي الْعَبَّاس بن القَاضِي المكناسي لَهُ رحْلَة للشرق لَقِي فِيهَا النَّاس وَهُوَ أسن منى ومفتي مراكش الرجراجي وَغَيرهم وأفتيت بهَا لفظا وكتبا بِحَيْثُ لَا تتَوَجَّه الْفَتْوَى فِيهَا غَالِبا إِلَّا إِلَى وعينت إِلَى مرَارًا فابتهلت إِلَى الله تَعَالَى أَن يصرفهَا عني واشتهر اسْمِي فِي الْبِلَاد من سوس الْأَقْصَى إِلَى بجاية والجزائر وَغَيرهمَا وَقد قَالَ لي بعض طلبته لما قدم علينا مراكش لَا نسْمع فِي بِلَادنَا إِلَّا بإسمك فَقَط انْتهى هَذَا مَعَ قلَّة التَّحْصِيل وَعدم الْمعرفَة وَإِنَّمَا ذَلِك كُله مصداق قَوْله
أَن الله لَا ينْزع الْعلم الحَدِيث وَقد ناهزت الْآن خمسين سنة بتاريخ يَوْم الجعة مستهل صفر عَام اثنى عشر بعد الْألف انْتهى كَلَامه قلت وَمن لطائفه مَا نَقله عَنهُ بعض الشُّيُوخ إِذا حضر صالب الْعلم مجْلِس الدَّرْس غدْوَة وَلم يفْطر نَادِي مُنَاد من قَعْر جَوْفه الصَّلَاة على الْمَيِّت الْحَاضِر وَكَانَت وَفَاته فِي سَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن شيخ أَحْمد موَالِي الرّوم الْمَعْرُوف بشيخ زَاده قَاضِي قُضَاة الشَّام ذكره النحم فِي ذيله وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولي قَضَاء الشَّام من دَار الحَدِيث السليمانية فَدَخلَهَا فِي أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَكَانَ عَلامَة فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَله المام تَامّ بعلوم البلاغة فَاضلا فِي الْفِقْه وَكَانَ يُبَاشر الْأَحْكَام بِنَفسِهِ ويتحرى الْحق فِيهَا متصلبا فِي الْحق يتَرَدَّد إِلَيْهِ الْخُصُوم وَإِلَى نوابه المره بعد الْمرة فَلَا يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا حَتَّى تَنْتَهِي الدَّعْوَى فَيَأْخُذ مِنْهُم بِرِفْق وَكَانَ مقتصدا فِي أَحْوَاله وَيَقُول الإقتصاد خير من الْجور على النَّاس وَكَانَ لَهُ إِنْكَار على مَا يرَاهُ من الْمَنَاكِير حَتَّى أَمر بِإِزَالَة عشة اليمانية غربي الْجَامِع الْأمَوِي بَعْدَمَا كَانَ وَضعهَا أحد رُؤَسَاء الْجند بالدق والمسمار وَقَالَ التحجير فِي الْمَسْجِد لَا يجوز وَلم يسْتَطع أحد إِلَّا التَّسْلِيم لأَمره لموافقته الشَّرْع وأعيدت بعد عَزله بسنوات وَكَانَ متقيدا بأوقاف الْجَوَامِع والمساجد بِدِمَشْق مشددا على متوليها وينكر على النَّاس سكناهم فِي الْمدَارِس وَكَانَ يحضر بالجامع الْأمَوِي للْجَمَاعَة فِي أَكثر الْأَوْقَات وَيَطوف كل يَوْم بعد صَلَاة الصُّبْح بالجامع وَينظر فِيمَا فِيهِ وحواليه وَكَانَ يواجه أَحْمد باشا الْحَافِظ نَائِب الشَّام بالإنكار عَلَيْهِ والنصيحة وَكَانَ الْحَافِظ بكرمه ويجله إِلَى أَن وصل خبر عَزله عَن قَضَاء الشَّام
وإعطائه قَضَاء مَكَّة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس جُمَادَى الْآخِرَه سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَكَانَت تَوليته بهَا نَحْو عشرَة أشهر انْتهى قَالَ البوريني وَوصل خبر عَزله إِلَى دمشق بعد خُرُوجه مِنْهَا وَكَانَ عَازِمًا على الْحَج فاستأجروا لَهُ ساعيا وَأَرْسلُوا لَهُ الْأَمر السلطاني بتوليته قَضَاء مَكَّة ورحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وزار الْمعَاهد الَّتِي هُنَاكَ وَأقَام قَلِيلا ثمَّ توجه إِلَى مصر يُرِيد أَن يعبر مِنْهَا إِلَى السويس وَمِنْه إِلَى مَكَّة المشرفة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق مَعَ الْحَاج فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وسافر إِلَى الرّوم وتقاعد عَن الْقَضَاء بتدريس دَار الحَدِيث سنوات حَتَّى وَجه إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّاء عِنْدَمَا صَار مفتيا قَضَاء أدرنة فوليها سِتَّة أشهر واستعفى مِنْهَا فانفصل مِنْهَا باختباره فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ ورد الْخَبَر بِمَوْتِهِ إِلَى دمشق سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن أَحْمد الْمصْرِيّ الملقب شهَاب الدواخلي الْفَقِيه الشَّافِعِي الْوَرع الزَّاهِد الناسك إِمَام الْفُقَهَاء والمحدثين فِي عصره كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا صَدرا ورعامها بالإيخاف فِي الله لومة لائم ملازما لإقراء الْعلم غير مشتغل بِشَيْء غَيره صارفا أوقاته فِي الطَّاعَة ملازما للْجَمَاعَة وَكَانَ عَظِيم الهيبة كثير الفكرة ترَاهُ دَائِما مطرقا من خشيَة الله تَعَالَى ومراقبته حَتَّى قَالَ بعض الشُّيُوخ فِي شَأْنه مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء أخوف لله تَعَالَى مِنْهُ سالكا طَريقَة السّلف الصَّالح من التقشف فِي الْأكل وَالشرب والملبس لَا يرى متكلما إِلَّا فِي مجْلِس علم أَو جَوَاب عَن سُؤال أَخذ عَن النُّور الزيَادي وَمَنْصُور الطبلاوي وَسَالم الشبشيري وَالشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي وَالشَّيْخ يس الْمحلي الْمَالِكِي والبرهان اللَّقَّانِيّ قَالَ العجمي فِي مشيخته سَمِعت عَن تقاسيم شرح الْمنْهَج مَعَ حَاشِيَة الزيَادي وَشرح الْمِنْهَاج للشمس الرَّمْلِيّ والشهاب ابْن حجر الهيثمي وسيرة ابْن سيد النَّاس وحاشيتها نور النبراس وَكَثِيرًا من الشِّفَاء وشروحه للدلجي وَالسَّيِّد الصفوي والشمني والتلمساني والمواهب اللدنية وَكَثِيرًا من الْجَامِع الصَّغِير مَعَ شروحه للعلقمي والمناوي وَكَثِيرًا وَمن صَحِيح مُسلم مَعَ شروحه للنووي والأبي والسيوطي وتلوت عَلَيْهِ الْقُرْآن مدارسة مرَارًا لَا أحصيها وأجازني بِجَمِيعِ مَا ذكر وَبِمَا سَمعه من اللَّقَّانِيّ من الْمَوَاهِب وَتَذْكِرَة الْقُرْطُبِيّ والشمايل لِلتِّرْمِذِي وسيرة ابْن هِشَام وَالْأَرْبَعِينَ النووية وَكتب لي ذَلِك بِخَطِّهِ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر رَمَضَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ عَنهُ جهابذ الْعلمَاء مِنْهُم مَنْصُور الطوخي وَأحمد الْبَنَّا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع