من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٧)
الصفحة ١ من ٢
عَرَفَة مستشفا بِهِ فَلم يقبل رَجَاءَهُ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة النَّحْر أَمر بِهِ فخنق شَهِيدا وَكَانَ ذَلِك سَببا لوُقُوع مَا وَقع من قانصوه باشا فِي الشريف أَحْمد ثَانِيًا لما قدم أَمِيرا على الْيمن ثمَّ اسْتمرّ قانصوه مُتَوَجها لفتح الْيمن وصحبته العساكر وعدتها ثَلَاثُونَ ألفا وَضرب مخيمه أَسْفَل مَكَّة وَكَانَ بَين الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَبَين الشريف الْمَذْكُور ممالأة ومواطأة قبل نُزُوله لبندر جده مضمونها أَنِّي لَا أُرِيد الْملك لنَفْسي إِنَّمَا أُرِيد لَك أَو هُوَ بَيْننَا فخذل عني من اسْتَطَعْت من آل أبي نمى وثبطهم وَحل عزائمهم ووعده بذلك فَفعل مَا فعل وَحصل بِهِ على الشريف محسن مَا حصل وَللَّه الْأَمر فَلَمَّا نزل الشريف أَحْمد إِلَى جدة تقمصها لنَفسِهِ وَلم يَفِ الشريف مَسْعُود بِبَعْض تِلْكَ العهود بل أَرَادَ قَتله ففر إِلَى قانصوه والتجأ إِلَيْهِ فصادف قانصوه مَمْلُوء بالوجأ على الشريف أَحْمد فَلَمَّا أقبل قانصوه قَاصِدا لليمن لاقاه الشريف مَسْعُود من الينبع أَو الحورا وَجَاء مَعَه مختفياً وواجه فِي الْمَجِيء الأول الشريف أَحْمد قانصوه بالزاهر ورد عَلَيْهِ تَحِيَّة الْقدوم وعزم على محاربة قانصوه فازداد قانصوه عَلَيْهِ حنقاً على حنق وَشرع يستميل عَسْكَر الشريف فأطاعوه فَخَرجُوا من مَكَّة ثمَّ خيم قانصوه وَلما أَن قَضَت الْحجَّاج مناسكهم وذهبوا إِلَى بِلَادهمْ تخلف قانصوه بثقله أَسْفَل مَكَّة فَلَمَّا تحرّك السّفر قدم ثقله وَلم يبْق إِلَّا مخيمه وخيام الْعَسْكَر فَأَشَارَ قانصوه إِلَى شخص يتعاطى خدمته من أَبنَاء الطّواف يُسمى مُحَمَّد المياس أَنه يحسن للسَّيِّد أَحْمد الْوُصُول إِلَى قانصوه للوداع فَفعل وَذهب إِلَى الشريف أَحْمد وَحسن لَهُ ذَلِك يَوْم السبت رَابِع عشر صفر فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْأَحَد خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف ركب الشريف أَحْمد إِلَيْهِ وصحبته من الْأَشْرَاف بشير بن بشير بن أبي نمى وَمُحَمّد بن حسن بن صيقان وراجح بن أبي سعيد وَمن أعوانه وزيره مقبل الهجاني وَأحمد البشوتي مُتَوَلِّي بَيت المَال وفليفل فَلم يزَالُوا يدْخلُونَ فِي المخيم من بَاب إِلَى بَاب حَتَّى وصلوا إِلَيْهِ فتحادثا مَلِيًّا ثمَّ نصبا نطع الشطرنج فَلَمَّا كَانَت السَّاعَة الْخَامِسَة من اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة قبض على الْجَمِيع فَقتل الشريف أَحْمد فتحركت عساكره فأظهره لَهُم مقتولاً وَنشر الْعلم وتودى الْمُطِيع للسُّلْطَان يقف تَحْتَهُ وقفت العساكر تَحْتَهُ وخلع على الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَكَانَ للشريف أَحْمد زوجان من القنا الطَّوِيل جدا بُسْتَان مَذْهَب تَحْتَهُ أكرة من الْفضة مطلية يحمل كل وَاحِد رجل يمشي على قَدَمَيْهِ إِذا سَار فِي موكبه يسيران أَمَامه قَرِيبا مِنْهُ يصوبانهما ويصعد أَنَّهُمَا بحركة سريعة لَطِيفَة
التصويب والتصعيد على حد سَوَاء وَرُبمَا كَانَ فيهمَا أَجْرَاس قلت رَأَيْت بِخَط بعض الْفُضَلَاء أَن هَذَا يَفْعَله أَئِمَّة الْيمن وأكابر أمرائه إِلَى الْآن إِذا سَارُوا فِي المواكب انْتهى وَلَيْسَ أهل الْيمن أول من ابتدعه فقد كَانَ يَفْعَله الْخُلَفَاء العباسيون وَقد ذكر ذَلِك شعراؤهم فِي قصائدهم قَالَ القَاضِي تَاج الدّين الأرجاني من قصيدة يمدح بهَا المستظهر بِاللَّه الْخَلِيفَة العباسي
وألوية مِنْهُنَّ صقران أوفياعلى علمي رُمْحَيْنِ فاكتنفاكا
وَلَيْسَ سوى النسرين من أفقيهمالحبهما نيل العلى تبعاكا
وَكَانَ إِذا سَار بِاللَّيْلِ لَا يُوقد بَين يَدَيْهِ إِلَّا الشمع الموكبي بَدَلا عَن المشاعل وَكَانَ دُخُوله مَكَّة متملكالها وأجفل الشريف محسن وَبني عَمه عَنْهَا ضحى يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ فَكَانَ يتبجح وَيَقُول فتحت مَكَّة بِالسَّيْفِ كَمَا فتحهَا رَسُول الله
ودخلتها فِي الْيَوْم الَّذِي دَخلهَا فِيهِ رَسُول الله
قَالَ صاحبنا ومولانا الشَّيْخ عبد الْملك بن حُسَيْن العصامي حفظ الله تَعَالَى بِوُجُود زِينَة الْفضل أما قَوْله كَمَا فتحهَا الح فَالْمَشْهُور وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا لم تفتح عنْوَة وَإِنَّمَا فتحت صلحا وَمَا وَقع من خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ فَإِنَّهُ قَاتل بعض قتال مَعَ الْأَحَابِيش وَعبد أَن أهل مَكَّة فِي أَسْفَل مَكَّة وَقد نَهَاهُ
عَن الْقِتَال وَلكنه لما قوتل قَاتل وَهَذَا هُوَ شُبْهَة الْقَائِل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة وَأما قَوْله فَدَخلَهَا إِلَى آخِره فحطأ لِأَنَّهُ لم يدخلهَا ﵊ سَابِع عشرَة وَإِنَّمَا دَخلهَا ثامن عشرَة وهب أَنه
دَخلهَا كَذَلِك وَلَكِن أَيْن هَذَا الدُّخُول من ذَلِك فَإِن هَذَا حرأة وبغى على حرم الله وسكان حرمه وذرية نبيه إِذْ فِي ضمن هَذَا التَّشْبِيه تَشْبِيه من فِيهَا من الْمُسلمين الْآن بالمشركين أذ ذَاك وَقَالَ فِي ذَاك يُوسُف بن إِبْرَاهِيم المنهار
سنة السَّبع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْألفجَاءَت بِمَا ينفر بالطبع
دخل السَّبع مَكَّة اللهبالجند وَلَا شكّ أَنَّهَا سنة السَّبع
وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَاحِدَة وَأَرْبَعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَالله ﷾ أعلم
أَحْمد بن عُثْمَان بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْعزي بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الشَّاعِر البليغ ذكره الخفاجي فِي كِتَابيه وَقَالَ فِي وَصفه شَاب رَقِيق
الجلباب يقطر من إهابه مَاء اللطافة والشباب تأدب وبرع ووعى مَا جمع منعكفاً فِي زَوَايَا الخمول ملتقطا جَوَاهِر الْفَضَائِل من أَفْوَاه الفحول كَانَ فِي زمن الطّلب حدني يجني من خمائله كَمَا أجني حَتَّى اقتطفت يَد الْمنية زهرَة حَيَاته وشربت اللَّيَالِي بقايا لذاته فَرَجَعت غير راج لإرتجاعه وطلوع بدره من ثنيات وداعه ووالده من شُيُوخ الغربية وصدور أنديتها الندية ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله
لَا زَالَ هَذَا الْجمع جمع سَلامَةلَا نقص بعروه وَلَا تَغْيِير
وَالْجمع من أعدائكم فِي قلَّةونقيض تِلْكَ الْقلَّة التكثير
قلت وَقد ظَفرت لَهُ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
أَدَم يَا رب خلواتي بحبيلاقضي بالتواصل مِنْهُ ديني
وَلَا تجْعَل هُنَاكَ سوى لسانيسميراً بَين من أَهْوى وبيني
وَكَانَت وَفَاته فِي صفر سنة تسع بعد الْألف بعد وَالِده بأيام قَلَائِل
أَحْمد بن عُثْمَان بن أبي بكر الْكرْدِي السهراني الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالمجروحي نزيل دمشق ورد إِلَيْهَا فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَنزل عِنْده حَمْزَة الْكرْدِي أحد أَعْيَان الْجند بِالشَّام واقرأ أَوْلَاده مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى عمَارَة شمسي أَحْمد باشا وَأقَام بهَا يقرى بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية وَيكْتب الْكتب لنَفسِهِ وَأخذ عَن الشَّمْس الميداني وَحج فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وسافر إِلَى مصر فِي خدمَة قاضيها الْمولى شعْبَان بن ولي الدّين الْآتِي ذكره وَصَارَ فِي زَمَنه محاسب أوقافها ثمَّ أَتَى فِي خدمته إِلَى دمشق وَسَار إِلَى الرّوم سنة خمسين ولازم بعض الموَالِي وَأخذ الْمدرسَة اليونسية عَن القَاضِي أَحْمد الزريابي الْمَالِكِي وَعَاد فِي أواسط سنة إِحْدَى وَخمسين ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم مرّة ثَانِيَة سنة سِتِّينَ وَأخذ الْمدرسَة الفجماسية بالفراغ من الملا أَحْمد بن الملاحيدر الْكرْدِي السهراني الْعَلامَة الْمَشْهُور صَاحب التحقيقات الفائقة ومؤلف الْحَوَاشِي على إِثْبَات الْوَاجِب للْمولى الدواني والحاشية على شرح الْمولى الْمَذْكُور للعقائد وَكَانَ قدم دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة وانتفع بِهِ جمَاعَة وَكَانَ من التَّحْقِيق والتدقيق فِي الذرْوَة الْعليا وَقد ذكرته هُنَا واكتفيت عَن ذكره فِي تَرْجَمَة أفردها لَهُ لِأَن وَفَاته لم تبلغني عَن يَقِين وَالْمَقْصُود ذكر الرجل وتعريف حَاله وأغلب الِاحْتِمَال أَن وَفَاته مَا جَاوَزت عشر السّبْعين وَالله أعلم وَكَانَ لما فرغ لصَاحب التَّرْجَمَة عَن الْمدرسَة الْمَذْكُورَة سَافر إِلَى الرّوم وَبعد مُدَّة تَوَجَّهت الْمدرسَة عَن
صَاحب التَّرْجَمَة فسافر إِلَى الرّوم مرّة ثَالِثَة وقررها وَعَاد على أحسن حَال وَكَانَ لَهُ فضل حسن محاضرة واطلاع على التواريخ وَالْأَخْبَار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان أَو تسع بعد الْألف وَتُوفِّي بِدِمَشْق قبيل الْغُرُوب من لَيْلَة الْجُمُعَة آخر شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والسهراني بِضَم السِّين وَسُكُون الْهَاء وَبعدهَا رَاء وَألف وَنون نِسْبَة إِلَى بَلْدَة مَعْرُوفَة بِبِلَاد الأكراد وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد البسكري بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة الصُّوفِي رحْلَة الْهِنْد فِي زَمَانه ذكره الشلي وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء جميلا ثمَّ قَالَ أَخذ عَن وَالِده وَعَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ العيدروس وَغَيرهمَا وَكَانَ لطيف الذَّات كَامِل الصِّفَات وَكَانَ أَكثر همه الاستعداد ليَوْم الْمعَاد قَالَ فِي النُّور السافر وَكَانَ صاحبنا أَحْمد الْمَذْكُور من أهل الْعلم وَالصَّلَاح مُتبعا للْكتاب وَالسّنة سالكا على نهج السّلف الصَّالح متصفا بالعفاف قانعا بالكفاف وَلَا يرى فِي أَكثر الْأَوْقَات إِلَّا مَشْغُولًا بمطالعة أَو كِتَابَة مظْهرا للجمالة لَهُ جملَة مصنفات وَكَانَ كف بَصَره قبل وَفَاته بِقَلِيل وَلِلنَّاسِ فِيهِ مدائح فَمن ذَلِك مَا قَالَه أديب الزَّمَان الشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الزبير فِيهِ من قصيدة
أعنى بِهِ أَحْمد الْمُخْتَار سيرتهخلقا وخلقا سواهُ لَا يُسَاوِيه
شهَاب نجل عَليّ البسكري بَلَداالْمَالِكِي مذهبا من ذَا يضاهيه
قد خصّه بجميل الْفضل خالقهبسرطي معَان فِي معاليه
لَهُ بديع بَيَان فِي الْخطاب يرىوَغير لفظ وَقد جلت مَعَانِيه
أخباره قد أَتَت فِي الْحَال تخبر عَنأَبْيَات أفكاره الْمَخْصُوص من فِيهِ
حَدِيثه الْحسن العالي رِوَايَتهأعلت لسامعه شَأْنًا وَرَاوِيه
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع بعد الْألف بِمَدِينَة أَحْمد آباد وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن عبد القدوس بن مُحَمَّد أَبُو الْمَوَاهِب الْمَعْرُوف بالشناوي الْمصْرِيّ ثمَّ الْمدنِي الاستاذ الْكَامِل المكمل الباهر الطَّرِيقَة ترجمان لِسَان الْقدَم كَانَ آيَة الله الباهرة فِي جَمِيع المعارف وَقد أَعلَى الله تَعَالَى مِقْدَاره وَنشر ذكره وَله بالحرمين الشُّهْرَة الطنانة أَخذ بِمصْر عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والقطب مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ والنور الزيَادي وبالمدينة عَن السَّيِّد صبغة الله بن روح الله السندي
أَخذ عَنهُ طَرِيق الْقَوْم وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة وَبِه تخرج فِي عُلُوم الْحَقَائِق وَقَامَ مقَامه للنَّاس فِي التربية والتلقين والإلباس والتحكيم وَمن مشايخه أَيْضا السَّيِّد غضنفر بن جَعْفَر البُخَارِيّ ثمَّ الْمدنِي وَأخذ عَنهُ كَثِيرُونَ مِنْهُم السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ والصفي أَحْمد بن مُحَمَّد الدجاني الْمدنِي الْمَعْرُوف بالقاشي وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عمر الحبشي الغرابي وَغَيرهم من العارفين وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحي وَله خلفاء فِي كل أَرض رتبهم عالية مَعْلُومَة وَله التصانيف الَّتِي لم ينسج على منوالها مِنْهَا حَاشِيَة على كتاب الْجَوَاهِر للغوث الْهِنْدِيّ والسطعات الأحمدية فِي رَوَائِح مدائح الذَّات المحمدية والتأصيل وَالتَّفْصِيل وَكتاب الإقليد الفريد فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد وسعة الْأَخْلَاق وفواتح الصَّلَوَات الأحمدية فِي لوائح مدائح الذَّات المحمدية ورسالة فِي الْوحدَة الوجودية وَتمكن حَاله واشتهر مقاله وَكَانَ يَقُول فِيمَا حَكَاهُ الْعَلامَة أَحْمد البشبيشي لَو كَانَ الشعراني حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَكَانَ يَقُول لَا يدْخل النَّار من رَآنِي يَوْم الْقِيَامَة وَمثل هَذَا الإِمَام لَا يتَكَلَّم إِلَّا عَن أذن إلهي وَالسَّلَام على أهل التَّسْلِيم وَمن فَوَائده وَفِي أسانيدنا الأولى كَثْرَة الرِّجَال بِخِلَاف أَسَانِيد الْمُحدثين فَالْمُرَاد فِيهَا قلَّة الرِّجَال لسُهُولَة النَّقْد وَالْمرَاد هُنَا كَثْرَة الرِّجَال لتقوى المدد وتعظيم السَّنَد فَإِن للمتقدم على الْمُتَأَخر زِيَادَة وَله عَلَيْهِ إمداد وإفادة وَله الشّعْر البليغ فَمن ذَلِك قَوْله فِي تخميس قصيدة السودي الْمَشْهُورَة
كَيفَ تبدو الْعين بالأثروَهِي تأبى الْغَيْر كالحصر
صَحَّ فِيهَا قَول مُعْتَبرلَيْسَ عِنْد الْخلق من خبر
(عَنْك يَا أغلوطة الْفِكر ...)
صَارَت الأنباء عَنْك عمىوشهود الْكَشْف فِيك وَمَا
وَعَلِيم الْقَوْم مصطلماحارت الْأَلْبَاب فِيك وَمَا
(ميزت وردا من الصَّدْر ...)
وحدة عزت مهيمنةجمعت للضد مرتبَة
وجلت للعين تعميةحيرة عَمت فَأَي فَتى
(رام عرفانا وَلم يحر ...)
فجلالا هوته طللافبدانا سوته مثلا
وعَلى إِطْلَاقه أزلاعميت أنباء ذَاك على
(كلهم فِي الْبَدْر والحضر ...)
قصدُوا جمعا بِهِ صدعوافراقوا فِي الْجمع فانقطعوا
وهم عَنهُ بِهِ منعُوافانثنوا وَالله مَا وَقَعُوا
(لَا على عين وَلَا أثر ...)
قمحيط كَيفَ يَحْجُبهُفَأَبت عَنْهُم مذاهبه
وضيا الأمكان واجبهبل عَظِيم الْقَوْم مطلبه
(شدَّة التحيير والحصر ...)
إِن دون الْحق لَيْسَ نبافسوى الْقَوْم مِنْهُ هبا
وجمال الْوَجْه مَا حجباكَيفَ حَار وافيك وأعجبا
(يَا سنا سَمْعِي وَيَا بَصرِي ...)
حكمه مَاء بمنعقدوَقيام الْفَرد فِي عدد
قُمْت فيهم غير مُتحدأَنْت لَا تخفى على أحد
(غير أعشى الْفِكر وَالنَّظَر ...)
أَو على رسم لَهُ شبهأَو على وسم بِهِ وَله
أَو على من فرقه عَمهأَو على شخص بِهِ كمه
(لم يُشَاهد صُورَة الْقَمَر ...)
فعلى تَحْقِيق رتبتهمأَنْت فِي إِطْلَاق نسبتهم
وعَلى تعْيين وجهتهمأَنْت فيهم ظَاهر وبهم
(وَلَهُم لَوْلَا بقا الْأَثر ...)
فهم مِنْهُم بهم عدموَلَهُم فِي علمه قدم
وهم من وَجهه أُمَملَو تلاشت عَنْهُم ظلم
(وامحوا عَن عَالم الصُّور ...)
فهم خلق يبسط وطاوهم حق بكشف غطا
فَلَو أنهلوا هدى وسطاشاهدوا معناك منبسطا
(سائرا فِي سَائِر الْقطر ...)
وَرَأَوا لله مَا حكمُواوبعين الله مَا علمُوا
وبوجه الْحق قد عصمواوَرَأَوا أَن الْحجاب هم
(عَن شُهُود المنظر التضر ...)
وَله أَشْيَاء فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَكَانَت وِلَادَته فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة بمحلة روح عَن غربية مصر وَتُوفِّي فِي ثامن الْحجَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد بِالْقربِ من ضريح شَيْخه السَّيِّد صبغة الله رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن قَاسم أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالزقاق بزاي وقافين الْمَالِكِي الْفَقِيه الْحَافِظ عَالم بِلَاد الْمغرب وَرَئِيس جهابذتها فِي عصره وَكَانَ عَالما فَقِيها متكلماً نَاظرا عَظِيم الهيبة جليل الْقدر عالي الهمة أَخذ عَن أَبِيه وَغَيره وبرع وَقيد وَضبط وَألف وَمن تآليفه شرح منظومة أَبِيه فِي الْقَوَاعِد وَبَعض الرسَالَة والمدونة ومختصر خَلِيل ورحل وَحج وتفقه بِهِ كثير من أهل فاس ولازمه ابْن أَخِيه عبد الْوَهَّاب الزقاق وانتفع بِهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف ذكر هَذَا الشلي فِي تَارِيخه
السَّيِّد أَحْمد بن عَليّ بن عَلَاء الدّين السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بالصفوري الحسني الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي كَانَت لَهُ معرفَة تَامَّة بالفقه والعربية وَالشعر وأنواع الْأَدَب وَكَانَ حسن الْخلق جيد الْفَهم لَهُ همة عالية وطبيعة مطيعة قَرَأَ بِدِمَشْق على عبد الْحق الْحِجَازِي وَالْحسن البوريني والشرف الدِّمَشْقِي وَسمع الحَدِيث من الشَّمْس الميداني النَّجْم الْغَزِّي وَكَانَ معيداً لدرسيهما فِي صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر بِجَامِع دمشق وسافر إِلَى حلب فِي سنة سِتّ عشرَة وَألف وَجرى لَهُ مَعَ أدبائها مطارحات وقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ فِي بعض مجاميعه ودرس بدار الحَدِيث الأشرفية وَتَوَلَّى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الْبَاب بِدِمَشْق وَكَانَ حسن النزاهة فِي قَضَائِهِ مَشْهُور السمعة وَله شعر مستعذب عَلَيْهِ طلاوة وَفِيه رقة وعذوبة فَمن ذَلِك قَوْله
أيا رب قد مكنت فِي الْقلب حبهوحكمته فِي الصب بالْقَوْل وَالْفِعْل
وألهمته الْأَعْرَاض عني وَلم تدعلقلبي صبرا عَنهُ فِي الهجر والوصل
فألهمه إحساناً إِلَيّ فَلَيْسَ ليسوى لطفك الْمَعْهُود إِن لم يكن من لي
وَإِلَّا فسو الْحبّ بيني وَبَينهفَإنَّك يَا مولَايَ تُوصَف بِالْعَدْلِ
هَذَا أسلوب لطيف يعرفهُ من لَهُ خبْرَة بقريض الشّعْر وَهُوَ نقل الْكَلَام من أسلوب إِلَى آخر تطرفاً كاستعماله الْغَزل مَا عهد اسْتِعْمَاله فِي الدُّعَاء كَقَوْل ابْن الْوَكِيل
يَا رب جفني قد جفاه هجوعهوالوجد يَعْصِي مهجتي وَتُطِيعهُ
يَا رب قلبِي قد تصدع بالنوىفَإلَى مَتى هَذَا البعاد يروعه
يَا رب بدر الْحَيّ غَابَ عَن الْحمىفَمَتَى أرَاهُ فِي القباب طلوعه
يَا رب فِي الأظعان سَار فُؤَادهيَا ليته لَو كَانَ سَار جَمِيعه
يَا رب لَا أدع البكا فِي حبهممن بعدهمْ جهد الْمقل دُمُوعه
يَا رب عذب فِي الْهوى من سَاءَنِيبمقالة أحلى الْهوى ممنوعه
يَا رب هَذَا بَيته وبعادهفَمَتَى يكون إيابه ورجوعه
وَمثله اسْتِعْمَال الْغَزل على طَرِيق الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة كَقَوْل الظريف
أعز الله أنصار الْعُيُونوخلد ملك هاتيك الجفون
وأسبغ ظلّ ذَاك الشّعْر مِنْهُعلى قدبه هيف الغصون
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله مضمناً
إِن جِئْت حَيّ أَمِيري صف لي شجنيوَطول سقمي وَمَا ألْقى فَإِن سمعا
فاشرح لَهُ حَال صب مغرم دنفقد قطع الْبعد عَنهُ قلبه قطعا
لَا يسْتَقرّ بِهِ فِي منزل جَسَدوطرفه بعده وَالله مَا هجعا
وَاذْكُر لَهُ إِن حبي زَاد فِيهِ وَهليخْشَى تغير مَا فِي الطَّبْع قد طبعا
وأنشده عهدا مضى فِي الرقمتين لناوالبدر شاهدنا لما إِلَيْهِ سعى
عساه تعطفه تِلْكَ العهود وَكمخل إِلَى الْعَهْد والميثاق قد رجعا
واسرع بلطف وَقل مستعطفاً ملكابَيْتا إِلَى ذكره حَال المشوق دَعَا
يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَاقد حدثوك فاراء كمن سمع
هَذَا الْبَيْت مِمَّا كثر تضمنه قَدِيما وحديثاً وَلَا أَدْرِي لمن هُوَ وَفِيه عكس التَّشْبِيه إِذْ لَيْسَ المُرَاد جعل السَّامع أَو فِي دَرَجَة من الرَّائِي وَقَوله مضمنا أَيْضا
يَا من بِهِ بَدْء الْجمال وَمن غَدالِلْحسنِ دون ذَوي الْكَمَال ختاما
قد تمّ حسنك بالعذار فَمن رأىبَدْرًا يكون لَهُ الْكُسُوف تَمامًا
وَهَذَا الْبَيْت للأستاذ أبي الْفرج بن هِنْد وَقَبله
خلع العذار على جمالك خلعةخلعت قُلُوب العاشقين غراما
وللباخرزي فِيمَا يُقَارِبه وَهُوَ قَوْله
وَجه حكى الْوَصْل طيبا زانه صدغكَأَنَّهُ الهجر فَوق الْوَصْل علقه
وَقد رَأَيْت أَعَاجِيب الزَّمَان وَمَارَأَيْت وصلا يكون الهجر رونقه
وللصفوري فِي الإعتذار قَوْله
أيا من فَضله والجود سارامسير النسيرين بِلَا معَارض
وعدتك سَيِّدي والوعد دينوَلَكِن مَا سلمت من الْعَوَارِض
قلت الْعَوَارِض مظْلمَة سلطانية تُؤْخَذ من الْبيُوت فِي الشَّام فِي كل سنة وَيُقَال أَنَّهَا من محدثات الْملك الظَّاهِر بيبرس وَبِهَذَا تمت لَهُ التورية وَمِمَّا يُعجبنِي فِي التَّعَرُّض لَهَا قَول الأكرمي الْمُقدم ذكره
لحى الله أَيَّام الْعَوَارِض أَنَّهَاهموم لرؤياها نشيب الْعَوَارِض
يضيق لَهَا صَدْرِي وَإِنِّي لشاعرخليع وبيتي مَا عَلَيْهِ عوارض
وَقَالَ ملمحا بحكمة تروى عَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهِي لَيْسَ بِحَكِيم من لَا يعاشر بِالْمَعْرُوفِ من لَا يجد بدا من معاشرته حَتَّى يَجْعَل الله لَهُ فرجا ومخرجا
إِذا أَنْت لم تقدر على ترك عشرَةلذِي شَوْكَة فانصح وعاشره بِالصّدقِ
وَلَا تضجرن من ضيق مَا قد لَقيتهعَسى فرج يَأْتِيك من خَالق الْخلق
وَله
إِذا أَنْت لم تقرب يناجيك خاطريوَإِن تدن مني فالجوارح أعين
لِأَنَّك مطلوبي على كل حَالَةوَأَنَّك مختاري فرؤياك أحسن
وَفِي مَعْنَاهُ قَول القَاضِي إِسْمَاعِيل الْحِجَازِي الْآتِي ذكره
إِذا ألحت لي ناجتك كل جوارحيوَإِن غبت عَن عَيْني أناجيك بِالْقَلْبِ
فَأَنت من قلبِي حُضُور أَو غيبَةوَأَنت ضيا عَيْني فِي حَالَة الْقرب
وَمن شعره قَوْله يمدح الْوَادي التحتاني أحد متنزهات دمشق
وَالله مَا رَأَتْ العينان مثلك يَاوَادي دمشق وَلم تسمع بِهِ أذن
لانت كالجنة الفردوس إِذْ هَبَطتفِيك الْجَوَارِي وَالْولد أَن قد سكنوا
وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسن السَّيِّد أَحْمد فِي الشّعْر كَثِيرَة فنكتفي مِنْهَا بِهَذَا الْقدر وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي خَامِس شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ الحريري العسالي الشَّافِعِي شيخ الخلوتية بِالشَّام الْبركَة الْوَلِيّ العابد الزَّاهِد نزيل دمشق وَأحد الْأَفْرَاد الْمُتَّفق على صَلَاحه وزهده وورعه وَكَانَ لَهُ فِي طَرِيق الْقَوْم كَلِمَات من النمط العالي وشاع أمره وطار صيته وَكَانَ وَالِده كردِي الأَصْل قدم من بَلْدَة حَرِير وَنزل بقرية عَسَّال من ضواحي دمشق فولد لَهُ بهَا أَحْمد
هَذَا فَدخل فِي صباه دمشق وَأخذ بهَا عَن بعض الصُّوفِيَّة ثمَّ ارتحل إِلَى حلب وَأخذ بهَا عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الدرغراني من قَرْيَة دير غرَّة تَابع حلب وسافر إِلَى عينتاب وَاجْتمعَ بالشيخ شاه ولي الخلوتي وَعنهُ أَخذ طَرِيق الخلوتية وَرجع إِلَى دمشق وَسكن بصالحيتها مُدَّة مديدة وَكَانَت نواب الشَّام وقضاتها وأعيانها يسعون إِلَيْهِ ويلتمسون دعواته ويتبركون بِهِ وَرُبمَا أَخذ بَعضهم الطَّرِيق عَنهُ وَقد أَخذ عَنهُ من أهالي دمشق وَغَيرهَا خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَكَانَت عَلَامَات الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ وَهُوَ فِي كل حَال مرضِي السمت وَحدث بعض الثِّقَات من أهل دمشق أَنه سَافر إِلَى مصر فِي حَيَاة العسالي فَاجْتمع بِبَعْض الخبيرين بفن الزايرجا فَسَأَلَهُ عَن قطب ذَلِك الْوَقْت فاستخرج أبياتاً باسم العسالي صَاحب التَّرْجَمَة وسكنه وشكله وقريته وَمَا زَالَ فِي إقبال من النَّاس وشهرة تَامَّة حَتَّى عمر لَهُ محافظ الشَّام أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بالكجك عِمَارَته بِالْقربِ من مَسْجِد الْقدَم وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَنَقله إِلَيْهَا فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف فازداد اشتهاره وشاع خَبره وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَبَايَعَهُ من مَشَايِخ دمشق الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَيُّوب وَالسَّيِّد مُحَمَّد العباسي شَيخنَا وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ تجاه قبَّة الْحَاج عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا وَدفن بالعمارة الْمَذْكُورَة والعسالي بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا سين مُهْملَة وَألف وَلَام نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى الْجُبَّة من نواحي دمشق والقطب مَعْرُوف وَقد ورد فِيهِ بعض الْآثَار وَنقل النَّجْم الغيطي عَن شَيْخه القَاضِي زَكَرِيَّا أَن القطب مَوْجُود فِي كل زمَان كلما مَاتَ قطب أَقَامَ الله مَكَانَهُ آخر وَهَذَا أَمر مَعْلُوم مَشْهُور وَالْمُنكر لذَلِك محروم من بركَة الأقطاب معترف بِأَن منَّة الله تَعَالَى لم تواجهه وليته إِذْ فَاتَهُ الْوُصُول إِلَيْهَا لَا يفوتهُ الْإِيمَان بهَا انْتهى وَأما الْوَصْف بالغوث المشتهر بَين الصُّوفِيَّة فَلم يثبت لَكِن أخرج الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق عبيد الله بن مُحَمَّد الْقَيْسِي قَالَ سَمِعت الْكِنَانِي يَقُول النُّقَبَاء ثلثمِائة والنجباء سَبْعُونَ والأبدال أَرْبَعُونَ والأخيار سَبْعَة والعمد أَرْبَعَة والغوث وَاحِد فمسكن النُّقَبَاء الْمغرب ومسكن النجباء مصر ومسكن الأبدال الشَّام والأخيار سائحون فِي الأَرْض والعمد فِي زَوَايَا الأَرْض ومسكن الْغَوْث مَكَّة فَإِذا عرضت الْحَاجة من أَمر الْعَامَّة ابتهل بهَا النُّقَبَاء ثمَّ النجباء ثمَّ الأبدال ثمَّ الأخيار ثمَّ الْعمد فَإِن أجِيبُوا وَإِلَّا ابتهل الْغَوْث فَلَا تتمّ مسئلته
حى تجاب دَعوته والخلوتية معروفون ونسبوا إِلَى الْخلْوَة لِأَنَّهَا من لَوَازِم طريقتهم قَالَ الْأُسْتَاذ أَيُّوب فِي رسَالَته الاسمائية وليدخل الْخلْوَة السّريَّة وَهُوَ التفريد بِاللَّه ذكرا فِي وجوده والغيبة بِهِ عَمَّا سواهُ فَإِن تيَسّر مَعَ ذَلِك خلْوَة الشَّخْص عَن الْخلق بِأَن يجلس فِي مَكَان طَاهِر وَالْأَفْضَل أَن يكون مَسْجِد جمَاعَة وَأَن يَنْوِي الِاعْتِكَاف الصَّوْم الشَّرْعِيّ وَالْأولَى أَن يتجرد عَن كَثْرَة الْأكل وَالشرب إِذا أفطر وَإِذا ترك الشّرْب فَإِن ذَلِك أولى فَإِن الْعَطش فِي الطَّرِيق أَمر عَظِيم بل هُوَ مسرع الْفَتْح إِذا ساعد التَّوْفِيق والعناية وَيشْرب شَيْئا من المَاء والدبس أَو الْعَسَل وَيكون ذكره فِي الْخلْوَة لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن عجز عَن ذكرهَا فِي الظَّاهِر فَيرجع إِلَى اسْمه فِي الْبَاطِن فيذكره وَلَا ينَام فِي اللَّيْل قَلِيلا وَلَا كثيرا بل بعد صَلَاة الأشراق لتنجلي لَهُ وقائعه وَإِن كَانُوا جمَاعَة فَكَذَلِك إِلَّا أَنهم يذكرُونَ الله جَمِيعًا بِقُوَّة عزم وَإِن وجد حاد ينشد لَهُم من كَلَام السادالصوفية فَلَا بَأْس ليروحهم فَإِن المجاهدة لَهَا كرب على النُّفُوس وَالْخلْوَة بِالْجِمَاعِ لَا تتجاوز الثَّلَاثَة أَيَّام وخلوة الْوَاحِد مَا شَاءَ من ثَلَاثَة وَسَبْعَة وَخَمْسَة عشر وَثَلَاثِينَ شهرا كَامِلا وَسبعين وعاماً ثمَّ الْعُمر كُله وَهُوَ الْخلْوَة الْمُطلقَة بالسر الْمُطلق قَالَ بَعضهم لَا يتَخَلَّص الْإِنْسَان من أَحْكَام النَّفس إِلَّا إِذا توالت مجاهدته وَتَتَابَعَتْ حولا كَامِلا فَلَا تعود أوصافها إِلَيْهِ وَإِن عَادَتْ لَا تستولي على الْإِنْسَان بل تَزُول بِأَدْنَى توجه بعد ذَلِك وَأما عندنَا فَإِن فعل ذَلِك فَلَا يَأْمَن بل يجمع بَين المجاهدة وَالْأَدب فِي عدم الركون إِلَى النَّفس السَّادة الخلوتية اخْتَارُوا فِي السلوك اثْنَي عشر اسْما تذكر بالترتيب شَيْئا بعد شء على حسب الْوَارِد فَلَا يذكر الثَّانِي حَتَّى ترد موارده على الأول وَيَقَع الْإِذْن بِذكر الثَّانِي فيذكر مَعَ قُوَّة الِاجْتِهَاد وثبات الجأش وعلو الهمة وَالثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى الثَّانِي عشر وَذكرهَا لَهُ ثَلَاثَة شُرُوط الأول كِتْمَانه عَن سَائِر النَّاس الثَّانِي الطَّهَارَة فِي الْحس بالضوء أَو الْغسْل وَالْمعْنَى بالأخلاق الْحَسَنَة النافية للأخلاق السَّيئَة الثَّالِث المداومة عَلَيْهَا فِي كل حَال وَعدم المبالاة بالخلق فِي الإقبال والإدبار وَإِلَيْهِ فَهِيَ الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَذكر اسْم ربه﴾ فضلى وَإِن أَرَادَ السالك أَن يسْرع إِلَيْهِ الْخَيْر فليلزم الذّكر وليخلص فِيهِ إخلاصاً يحقر السرى فِي عينه كَأَنَّهُ بَاقٍ على عدميته الْأَصْلِيَّة وَهُوَ كَذَلِك فَلَا وجود لشَيْء مَعَ الْحق جلّ وَعلا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع