من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (١٨)
الصفحة ١ من ٢
ثمَّ الْتفت إِلَى الْحَاضِرين من أهل الطَّرِيق وَقَالَ لَهُم إِن طريقكم يحملهُ هَذَا وَهُوَ صَاحبه وَأَشَارَ إِلَيّ فتعجبت وَلم يتَقَدَّم لي مَعَه بيعَة وَلَا جمعية ثمَّ قَالَ اجْلِسْ فَجَلَست فبايعني على طَرِيقه وَقَالَ تذْهب فِي هَذَا الْيَوْم إِلَى مقَام بَرزَة فَقلت مرْحَبًا فجيء بدابتين إِحْدَاهمَا لَهُ وَالْأُخْرَى لي وَبَقِيَّة النَّاس يَمْشُونَ وكلمني بِبَعْض مَا رَأَيْت آنِفا فِي واقعتي وَرَأَيْت بعض من رَأَيْت فِي الْوَاقِعَة مَعَه فَعرفت أَنه الْوَارِث المحمدي فازدادت محبتي لَهُ واعتقادي فِيهِ ثمَّ إِنَّا جِئْنَا فَقَالَ مَكَانا لَا يصلح للطريق فاختر لنا مَكَانا فجئتنا للمدرسة الضيائية تجاه الْجَامِع المظفري من الشرق وَكَانَ لنا بهَا مُدَّة لَا تقوم بهَا مُدَّة ثمَّ رَأَيْت كَأَن سَبْعَة نفر شكل بريد السُّلْطَان جاؤا إِلَى الضيائية وسألوا عني
فَقلت وماذا تُرِيدُونَ مِنْهُ قَالُوا هُوَ مَطْلُوب الْملك فَقلت أَنا هُوَ وَهل أليق لذَلِك فَقَالُوا نَحن رسل لَا نَدْرِي فانزعجت واستيقظت وقصيت على الشَّيْخ واقعتي فَقَالَ بكرَة النَّهَار أفسرها لَك ثمَّ أَنا نزلنَا إِلَى الْمَدِينَة على طَرِيق الْبَسَاتِين فَقَالَ لي الشَّيْخ كبر عمامتك وَكنت إِذْ ذَاك أتعمم بعمامة صَغِيرَة فَقلت يَكْفِي هَذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ لي أَنْت مَطْلُوب لإمامة مَسْجِد الْقصب وَالْجَمَاعَة الَّذين رَأَيْتهمْ البارحة حجر بن عدي وَأَصْحَابه المدفونون هُنَاكَ فتعجبت أَيْضا لعدم استعدادي فَبعد مُدَّة صرت إِمَامًا باخيار جماعته فأقمت أَنا وَالشَّيْخ بِهِ ثَمَان عشرَة سنة فَرَأَيْت كَأَنِّي نَائِم على بَاب خَان السُّلْطَان على الْمَسْجِد الصَّغِير هُنَاكَ وَإِذا بِبرد السُّلْطَان وقفُوا عَليّ وَقَالُوا هَذَا هُوَ فَقلت مَا تُرِيدُونَ مني فَقَالُوا هَذِه أَحْكَام السُّلْطَان لتَكون نَائِب الشَّام فَقلت أَنا من فُقَرَاء الْبَلَد وضعفائهم لَا أعرف سياسة فزجروني وَقَالُوا تأدب فَنحْن فِي الْكَلَام وَإِذا بِعَجُوزٍ وَمَعَهَا عرض حَال فَقَالَت خُذ عرض حَالي فزجرتها وَقلت لَهُم اضربوها فضربوها فَذَهَبت عني فَاسْتَيْقَظت وقصيت ذَلِك على الشَّيْخ فَقَالَ سترى عيَانًا وَلما مَرضت أَنا وَالشَّيْخ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وصلنا إِلَى الْعَدَم فَرَأَيْت فِي واقعتي كَأَن رجَالًا داخلون إِلَى جِهَة بيتنا يحمل كل وَاحِد مِنْهُم صينية فِيهَا ياسمين ومنجرة وقمقم فَقلت مَا هَذَا قَالَ عرسك على صَافِيَة بنت الشَّيْخ أَيُّوب فَقلت لَا أَدْرِي أَن لَهُ بِنْتا اسْمهَا صَافِيَة قَالُوا هَذِه الْبِنْت الْعَذْرَاء الْبكر المخدرة ثمَّ دخلُوا دَارنَا وضعُوا اكان مَعَهم وَخَرجُوا وصافحوني كلهم يَقُولُونَ لي مبارك فَاسْتَيْقَظت وبكيت لعلمي أَن هَذَا موت الشَّيْخ وَكَانَت لَيْلَة عيد الْأَضْحَى فَفِي وَقت الضُّحَى جَاءَنِي زمرة من الإخوان يَبْكُونَ وَقَالُوا فِي هَذَا الْيَوْم جلس الشَّيْخ بَين اثْنَيْنِ وَقَالَ إخْوَانِي ليعلم الْحَاضِر مِنْكُم الْغَائِب أَن خَليفَة الْخُلَفَاء بعدِي الشَّيْخ أَحْمد بن سَالم وَمَا ذَلِك مني وَإِنَّمَا نزلت خِلَافَته من السَّمَاء بِحُضُور رجال الطَّرِيق جَمِيعًا لِسَان صدق وَبعد أَيَّام تعافى الشَّيْخ قَلِيلا فَقَالَ احْمِلُونِي إِلَى جَامع منجك على دَابَّة فجَاء إِلَى الْجَامِع وَسَأَلَ كَيفَ حَال الشَّيْخ أَحْمد فَقَالُوا هُوَ على حَاله فَقَالَ احْمِلُونِي لَا عوده فَحَمَلُوهُ يتهادى بَين اثْنَيْنِ فَجَلَسَ عِنْد رَأْسِي وَلم أقدر أَن أَجْلِس لَهُ فَقَالَ لي قُم لَا بَأْس عَلَيْك ثمَّ قَالَ أرْسلت أخْبرك مَعَ إخوانك ابالخلافة وَقد جِئْت إِلَيْك بنفسي أَنْت خليفتي بعدِي فَعَلَيْك بِالطَّرِيقِ وَإِن أَبيت أوقفك عَلَيْهِ بَين يَدي الله تَعَالَى أتلفت عَلَيْك إِحْدَى وَعشْرين
سنة من أجل هَذَا فَبَكَيْت وَبكى وَكَانَ أخواننا جَمِيعًا حاضرين ثمَّ قَالَ لي مَا رَأَيْت فَأَرَدْت أَن أكتمه واقعتي فزجرني وَقَالَ قل الصدْق فَقلت الْوَاقِعَة الْمَذْكُورَة فَقَالَ أَي وَالله هِيَ صَافِيَة وَهِي الْبكر المخدرة الَّتِي لَا تلِيق إِلَّا بك وَقد زَوجتك إِيَّاهَا جعلهَا الله مباركة وَقَرَأَ لي الْفَاتِحَة وَانْصَرف من عِنْدِي فَمَا مكث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ رَحمَه تَعَالَى هَذَا مَا قَالَه فِي تَرْجَمَة نَفسه قلت وَبعد وَفَاة شَيْخه صَار خَليفَة من بعده وَبَايَعَهُ خلق كثير واشتهر أمره وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من خِيَار النَّاس وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ السندوبي الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الشَّيْخ الإِمَام كَانَ من أَعْيَان المدرسين بالأزهر وَمن أكَابِر الأفاضل ذَا عِبَارَات فصيحة وشيم مليحة أَخذ عَن الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ والنور الشبراملسي وسلطان المزاحي وَمُحَمّد البابلي والشهاب القليوبي وَكثير وَأَجَازَهُ شُيُوخه وتصدر للإقراء فِي ضروب من الْفُنُون وَله مؤلفات مِنْهَا شرح على ألفية ابْن مَالك وَشرح قصيدة الْمقري الَّتِي مطْلعهَا قَوْله
سُبْحَانَ من قسم الحظوظفَلَا عتاب وَلَا ملامة
فِي نَحْو عشرَة كراريس وَشرح القصيدة الشيبانية وَشرح العنقود للموصلي فِي النَّحْو وَله منظومة فِي الْحَال وَأُخْرَى فِي مصطلح الحَدِيث وَله أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله ملغزا فِي نَاصِر
صَبرنَا فَلَمَّا أَن رأى الصَّبْر بأسناتَأَخّر عَنَّا وَهُوَ مُنْقَطع الْقلب
وَقَوله
أَلا يَا طَالب الدُّنْيَا تنبهفَلَيْسَ بهَا لمخلوق مقَام
ودنيانا بأهليها كركبيسَار بهم وَأَكْثَرهم نيام
وَقَوله
إِذا مَا رمت من جاؤا بافكفهاك عدادهم فِيمَا يصحح
تولى كبره ابْن أبي سلولوَحمْنَة ثمَّ حسان ومظح
وَقَوله
إِذا عدت الْمَرِيض فَلَا تطولوقلل فِي الْكَلَام لَدَى العياده
وَلَا تذكر لَهُ فِيهَا مَرِيضاوَلَا خَبرا فَذَلِك خير عَاده
وَحج مَرَّات وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ اتّفق لي مَعَه أَنِّي زرت مَعَه المعلاة تربة مَكَّة فتذاكرنا انسها وَعدم الوحشة فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَابِر غَيرهَا من الْبِلَاد وَمن فِيهَا من الْأَوْلِيَاء مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة فَذكرت لَهُ مَا نَقله الْمرْجَانِي فِي تَارِيخ الْمَدِينَة عَن وَالِده سَمِعت أَبَا عبد الله الدلاصي يَقُول سَمِعت
الشَّيْخ أَبَا عبد الله الديسي يَقُول كشف لي عَن أهل المعلاة فَقلت لَهُم أتجدون نفعا بِمَا يهدى إِلَيْكُم من قِرَاءَة وَنَحْوهَا فَقَالُوا لسنا مُحْتَاجين إِلَى ذَلِك فَقلت لَهُم مامنكم أحد وَاقِف الْحَال فَقَالُوا مَا يقف حَال أحد فِي هَذَا الْمَكَان فأعجب بِهِ وَقَالَ أَرْجُو الله أَن يميتني بِمَكَّة وَأَن أدفن بالمعلاة فَلم يقدر لَهُ ذَلِك وَتُوفِّي بِمصْر وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة جمادي الأولى سنة سبع وَتِسْعين وَألف وعمره ثَمَان وَسِتُّونَ سنة
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر الحمامي العلواني الخلوتي الشَّافِعِي نزيل حلب الشَّيْخ الْبركَة تأدب على يَد أستاذه أبي الْوَفَاء العلواني قَرَأَ عَلَيْهِ فِي مُقَدمَات الْعُلُوم ولازمه فِي حُضُور مجَالِس شكوى الخاطر ثمَّ سلك على يَد ابْن أَخِيه الشَّيْخ مُحَمَّد فَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ علوان رجل وَاحِد هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء بن الشَّيْخ علوان ثمَّ خرج من بلدته حماة لحدة مزاجه وضيق أخلاقه وَذَلِكَ بعد موت مشايخه فورد حلب وَنزل بمحلة المشارقة وَكَانَ حِينَئِذٍ يكْتَسب بالحياكة ثمَّ مل مِنْهَا وَجلسَ بِمَسْجِد الشَّيْخ شَمْعُون بمحلة سويقة حَاتِم قرب الْجَامِع الْكَبِير فَكَانَ يقرىء المبتدئين فِي الألفية النحوية وَشرح الْقطر وَنَحْو ذَلِك ويقرى فِي الْمِنْهَاج الفرعي وَكَانَ يقنع بسد الرمق يلبس الثِّيَاب الخشنة كالعباءة والقميص من الخام مَعَ قدرته على لبس أحسن من ذَلِك ثمَّ تردد إِلَى دروس الشَّيْخ أبي الْجُود فَسمع التَّفْسِير وَمَا يقْرَأ على الشَّيْخ أبي الْجُود وَكَانَ يتفقده ثمَّ أَخذ يشكو الخواطر على طَرِيق العلوانية وَكَيْفِيَّة شكوى الخواطر أَنه يَوْم الْجُمُعَة صَبِيحَة النَّهَار يقْرَأ أوراد العلوانية وَيسْتَمر بِذكر الله تَعَالَى حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس على قدر قامتين وَيجْلس السامعون بَعضهم إِلَى ظهر بعض ثمَّ يطْرق الشَّيْخ رَأسه وَيَقُول أسْتَغْفر الله فَكل وَاحِد يَقُول كَذَلِك بمفرده ثمَّ يشكو بعض جماعات مِنْهُم مَا لَاحَ فِي ضَمِيره هَذَا يَقُول مثلا أجد نَفسِي تميل إِلَى الْأَطْعِمَة الطّيبَة وعجزت عَن دَفعهَا وَهَذَا يَقُول أشغلني عَن عبَادَة الله أُمُور الْعِيَال وَهَذَا يَقُول مَا معنى قَول ابْن الفارض روحي فدَاك عرفت أم لم تعرف وَهَذَا يَقُول مَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾ وَبعد الْفَرَاغ أَنا السؤالات يشْرَح لَهُم الخواطر وَاحِدًا بعد وَاحِد ويستطرد قَول العرضي الصَّغِير حَضرته مرّة فاستطرد إِلَى أَن حكى أَنه لما كَانَ فِي خدمَة شَيْخه أَبُو الْفَاء وجده فِي اللَّيْل نَائِما فِي الزاوية فِي الإيوان أَيَّام الْبرد فأيقظه وَقَالَ لَهُ يَا أَحْمد أوصيك لَا تتخذلك بُيُوتًا سوى الْمَسَاجِد لِئَلَّا تحاسب عَلَيْهَا فِي الْقِيَامَة وَذكر أَن شَيْخه أعطَاهُ مِفْتَاح خزانَة الزَّيْت ليُعْطى
مِنْهَا لِلْمَسْجِدِ مَا يحْتَاج فَكَانَ يُسمى الله تَعَالَى وَيُعْطى وَاسْتمرّ مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى حمل الْحَسَد رجلا قَالَ الشَّيْخ أَن أَحْمد لَا يقدر على حفظ الزبت فسلمه الشَّيْخ الْمِفْتَاح وعزل الشَّيْخ أَحْمد فَمَا مضى نَحْو أُسْبُوع وَإِذ بِالرجلِ قَالَ فرغ الزَّيْت فَقَالَ الشَّيْخ سُبْحَانَ الله كَانَت الْبركَة فِي يَد أَحْمد وَلَو اسْتمرّ الْمِفْتَاح عِنْده كَانَ الزَّيْت يُقيم سنوات وَله مؤلفات مَقْبُولَة مِنْهَا تروية الْأَرْوَاح وأعذب المشارب فِي السلوك والمناقب الْمَتْن لَهُ منظوم وَالشَّرْح لَهُ المنظوم وَله منثور ومطلع المنظوم قَوْله
إِلَيْك بك اللَّهُمَّ وجهت وَجْهيوفيك إِذا مَا هَمت ألفيت همتي
لقد سدت الْأَبْوَاب عني وَقصرتفأسألك التَّفْرِيج من كل شدَّة
لَك الْحَمد إِذْ أظهرت فِي الْكَوْن سادةتحلى بهم وَالله جيد الملاحة
بهم كل جود فِي الْوُجُود وَمَا لمنأحبهم غير الهنا والمسرة
لَك الْحَمد إِن أشغلت قلبِي بذكرهموشرفت مَا أمْلى بِوَصْف الْمحبَّة
فهم نور عَيْني وَالْجمال يحفهموهم روح جسمي والحياة بجملة
لَك الْحَمد فارحمني إِذا مَا ذكرتهمبِوَصْف جميل واصلح الله نيتي
وَقد ذكر فِي الشَّرْح شَيْخه أَبَا الْوَفَاء وَأَطْنَبَ فِي مناقبه وَذكر فِيهِ الشَّيْخ عمر العرضي وَأطَال فِي مدحه وَكَانَ سَأَلَ العرضي الْمَذْكُور أَن الْمُقَرّر أَن النَّبِي أَعم من الرَّسُول مَعَ أَن الله تَعَالَى علق الْإِرْسَال على كل شئ فَقَالَ وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى دلّت بصريحها أَنه مَا من شَيْء إِلَى وَقد أرسل الله إِلَيْهِ أجَاب بِأَن الرَّسُول الْمَعْرُوف إِنْسَان أُوحِي إِلَيْهِ بشرع وَأمر بتبليغه ذَاك بِحَسب عرف أهل الشَّرْع والإرسال المُرَاد فِي الْآيَة الْإِرْسَال اللّغَوِيّ قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح﴾ وَنَحْو ذَلِك وَلم يعرف لَذَّة الْجِمَاع أصلا وَلما ورد شاه ولي الخلوتي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى صَاحبه الشَّيْخ أَحْمد وتلمذته وَأخذ عَنهُ الْبيعَة حَتَّى تعجب النَّاس من حسن أَخْلَاق الشَّيْخ أَحْمد وَلبس الشَّيْخ أَحْمد جَمِيع مريديه تَاج الخلوتية وَشرع بقيم الذّكر على أسلوب الخلوتية فَكثر أَتْبَاعه وقصده النَّاس من جَمِيع أقطار حلب إِلَّا أَن المشددين فِي الزّهْد مَا أعجبهم هَذِه الْحَالة لكَون الطَّرِيقَة العلوية مَحْض سنة محمدية وَاتخذ لَهُ كرسيا يجلس عَلَيْهِ يَوْم شكوى الخواطر فَكَانَ يقْرَأ بعض آيَات قرآنية ويفسرها للنَّاس وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا والنذورات وأسرعت الْحُكَّام وأرباب الدولة إِلَى زيارته وَلما أدْركْت الشاه ولي الْوَفَاة بحلب اجْتمعت عَلَيْهِ أهالي بَاب
النيرب وَقَالُوا لَهُ يَا مَوْلَانَا ترك الشَّيْخ أَحْمد طَرِيقَته وَطَرِيقَة آبَائِهِ وتلمذكم وَهُوَ عَالم فَاضل فَلَا يَلِيق بالخلافة غَيره فَقَالَ لَهُم لَا الْخَلِيفَة عَلَيْكُم بعدى قايا حلبى وكرروا هَذَا الْأَمر مرَارًا وَهُوَ يَقُول لَهُم كَذَلِك ثمَّ انحل الشَّيْخ أَحْمد عَن تِلْكَ الْحَالة وأدركه الْمَوْت فَقَالَ أشهد الله ني أَمُوت على طَريقَة الشَّيْخ علوان وَكَانَ رُبمَا اقْتصر فِي الْيَوْم على أكل رغيف وكات وَفَاته فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف وَدفن بِجَانِب الشَّيْخ شاه ولي ملاصقاً لمقام الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام
السَّيِّد أَحْمد بن عمر بن عبد الله بن علوي بن عبد الله العيدروس ذكره الشلي وَقَالَ فِي حَقه صَاحب الْعُلُوم اللدنية والمعارف القدسية والأسرار العرفانية ولد تبريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن جمَاعَة بهَا ثمَّ رَحل إِلَى وَالِده ببندر عدن ولازمه وَتخرج بِهِ وَأخذ عَن غَيره من الْعلمَاء وَكَانَ جَامعا للأخلاق المحمودة مأوى للغريب ومنقذ اللهفان وبرع فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وعلوم التصوف وَكَانَ حاوياً لأسباب الدقائق الفرعية والأصلية جَامعا لمفردات الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة والعقلية وَقَامَ بمنصبهم بعد وَالِده أتم قيام وانتفع بِهِ النَّاس وَكَانَ ذَا خلق رَضِي وسمت مرضِي وانتفع بِهِ خلق وَمن كراماته أَنه لما قربت وفاه وَلم يكن بِهِ مرض وَإِنَّمَا كَانَ مَعَه انقباض من الْخلق كعادته طلب المَاء فَتَوَضَّأ وَصلى مَا شَاءَ الله ثمَّ طلب خواصه فَتكلم مَعَه بِكَلَام فِيهِ إشارات فِي ضمنهَا بشارات مِنْهَا مَا عرف وَمِنْهَا مَا لم يعرف ثمَّ الْتفت إِلَى أَوْلَاده الْكِبَار وعرفهم بأمورهم وَأمر أهل بَيتهمْ أوصاهم وَنصب ابْنه الْكَبِير شَيخا عَلَيْهِم وَأمر الْجَمِيع باتباعه وأصاه بهم وَأعْطى بعض خُدَّامه دَرَاهِم يَشْتَرِي حجرين عَلامَة لقبر فظنوا أَنه يُرِيدهُمَا لقبر أَخِيه عَليّ بن عمر لكَونه إِذْ ذَاك مَرِيضا ثمَّ أَمر الْجَمَاعَة بِالْخرُوجِ ثمَّ سَمِعُوهُ يَقُول الله الله فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فوجدوه قد خرجت روحه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَكَانَ عمره بضعاً وَخمسين سنة وقبر فِي قبَّة الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الله العيدروس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر الْمَعْرُوف بالقارىء نِسْبَة لقارة بَين حسية والنبك مَشْهُورَة بالبرد الشَّديد نزيل حلب الشَّيْخ الصَّالح المتجرد المتقلب فِي أفانين الشطح ذكره الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي معادنه وَقَالَ بعد أَن أثنى عَلَيْهِ نَشأ فَقِيرا وسلك طَرِيق المشيخة والدروشة فَطَافَ الْبِلَاد وزار مرقد الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه وجد الشَّيْخ حبيب الله الْبَصْرِيّ فِي بَغْدَاد وَطلب مِنْهُ عهد الْقَوْم على طَريقَة القادرية
فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ أجد عَلَيْك سِيمَا غَيْرِي وَأَظنهُ سِيمَا المجذوب أَبُو بكر الْحلَبِي قَالَ ثمَّ لما جِئْت إِلَى الشَّيْخ أبي بكر قَالَ لي فِي الْوَقْت والساعة جذبناك بالحبال وَالرِّجَال فَإِن الشَّيْخ يؤنث الْمُذكر ولازم خدمَة الشَّيْخ زَمنا وَكَانَ مَا عِنْده أعظم من صَاحب التَّرْجَمَة فَتَوَلّى الْخلَافَة بعد جماعات مُتعَدِّدَة وأيدي الأقدار تبددهم وَقد كَانَ الزوار لمرقده الشريف لَا يُحْصى عَددهمْ وَالصَّدقَات تتوارد عَلَيْهِم وهم لَا يعلمُونَ مقدارها وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يشتروا مَاء ونار يطبخون فِيهِ لغَلَبَة الجذب عَلَيْهِم وَكلهمْ محلقون اللحى يلبسُونَ المرقعات ويفترشون جُلُود الْغنم ويأكلون الحشش والكلس وَبَعض المجاذيب مِنْهُم يشرب الْخمر والعرق وَلَا يصلونَ وَلَا يَصُومُونَ وتتوارد عَلَيْهِم مجاذيب الْبِلَاد على هيئات مُخْتَلفَة وَصَاحب التَّرْجَمَة مَعَهم لَا يقدر أَن يخلفهم فِي صُورَة الظَّاهِر فِي شَيْء حَتَّى ضجروا يَوْمًا من الْأَيَّام فلاموا أنفسهم على أَحْوَالهم وَقَالُوا مرادنا شيخ يصلح نظامنا فنصبوا الْمَذْكُور فَاشْترى لَهُم بسطاً وصحوناً وَبَعض حوائج التكية ثمَّ زارهم كافل حلب أَحْمد باشا ابْن مطاف فَلَامَهُمْ على ترك الصَّلَاة وَهَذِه الْأَحْوَال ثمَّ أجْرى لَهُم إِسْمَاعِيل نَائِب القلعة المَاء من قناة حلب ولازموا الصَّلَوَات الْخمس بالأوراد والعبادات حَتَّى أشرقت قُلُوبهم وأضاءت وُجُوههم وَكَثُرت الصَّدقَات الدارة عَلَيْهِم فعمر لَهُم حسن باشا ابْن عَليّ باشا ميدان الْفُقَرَاء بالقبة الْكَبِيرَة تحتهَا العواميد الْعَظِيمَة وَعمر حَمْزَة الْكرْدِي الدِّمَشْقِي القاعة ذَات الْبركَة من المَاء وَلم يُتمهَا بل وصلت إِلَى السَّرَاوِيل فأتمها أَحْمد باشا اكمكحي زَاده الْوَزير والوزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا كرّ الْقبَّة الَّتِي على مرقد الشَّيْخ وعَلى أغا ضَابِط الْعَسْكَر عمر عمارات وَالْحَاصِل فقد أنشأ فِيهَا صَاحب التَّرْجَمَة بتدبيره وَحسن رَأْيه أَشْيَاء عَظِيمَة من حدائق لَطِيفَة ومطابخ للطعام وَصَارَ هَذَا المزار لَا يُوجد لَهُ نَظِير بِالنّظرِ إِلَى مزارات الْأَوْلِيَاء وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة ذَا سُكُون ومصاحبة لَطِيفَة وسخاء مفرط لوجىء لَهُ بالألوف لفرح بإنفاقها يَوْمًا وَاحِدًا وعماراته كلهَا صدرت مِنْهُ بصدر وَاسع وكرم زَائِد ة تحمل تَامّ للفعلة والمعلمين وَقد لامه شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد لما مر على حلب على كَونه يحلق لحيته مَعَ كَون ذَلِك بِدعَة قَالَ هَكَذَا وجدنَا أستاذنا قَالَ أستاذكم كَانَ مجذوباً وَأَنْتُم عقلاء فَقَالَ إِن شَاءَ الله نطلق سَبِيل اللِّحْيَة وَلما سَافر الْمولى أسعد اسْتمرّ على حلق اللِّحْيَة حَتَّى قدم على الله وَكَانَ لَهُ معرفَة بِكَلَام الْقَوْم ومذاكرة فِي بعض لطائف من الواضحات وَمن محاسنه أَنه سمع من أغلب
النَّاس أَن الْوَزير نصوح باشا يُرِيد قَتله وَهدم أبنيته فَلم يبال بذلك حَتَّى خرج الْوَزير الْمَذْكُور يَوْمًا وَمَعَهُ الفعلة بالفوس والمجارف وَأهل حلب يظنون أَنه يهدم ذَلِك الْموضع فَاجْتمع النَّاس عِنْد مرقد الشَّيْخ أبي بكر لأجل الفرجة والفقراء الَّذين عِنْده هربوا وَهُوَ قَاعد ثَابت وَفِي خلال ذَلِك ظهر أَنه يهدم الْأَبْنِيَة الَّتِي على سور الْمَدِينَة ثمَّ جَاءَهُ الباشا زَائِرًا فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة قَالُوا لي عَنْك أَنَّك غَضْبَان علينا فَقلت للنَّاس الباشا يقدر علينا فِي ثَلَاثَة أُمُور أما الْقَتْل فَأَنا لنا مُدَّة نتمنى الشَّهَادَة ودرجتها وَأما النَّفْي من حلب فلنا مُدَّة نطلب السياحة وَأما الْحَبْس فلنا مُدَّة نطلب الرياضة أتقدر على أَكثر من ذَلِك قَالَ لَا ثمَّ قَالَ لَهُ طب نفسا وقرّ عينا مَا لنا بركَة إِلَّا أَنْت الْيَوْم أخرجت الفعلة لهدم الدّور الَّتِي على سور الْمَدِينَة وَلَيْسَ لي نِيَّة على ضرركم أصلا وَاسْتمرّ نَحْو خمسين سنة فِي الْخلَافَة لَا ينازعه مُنَازع فِي رَاحَة وافرة وصدقات متواترة تَأتيه من النَّاس وَالْكَبِير وَالصَّغِير يقبلُونَ يَده وَهُوَ ملازم على الأوراد ويبذل الْقرى للواردين وكل من يرد عَلَيْهِ سقَاهُ القهوة وَمن يسْتَحق الضِّيَافَة أَضَافَهُ بصدر وَاسع وَخلق كريم لَكِن كَانُوا فِي كل يَوْم وَقت الضحوة الصَّغِيرَة يديرون الكاس يَأْكُلُونَهُ وَيَشْرَبُونَ القهوة عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول الدَّهْر مل من طول عمر ثَلَاثَة أحدهم أَنا وَالثَّانِي أَبُو الْجُود مفتي حلب وَالثَّالِث شاه عَبَّاس قَالَ بَعضهم وَالرَّابِع يُوسُف باشا ابْن سَيْفا وَهَذَا الْكَلَام مَحْمُول على طول عمر هَذِه الثَّلَاثَة وَكَثْرَة وقائعهم وأحوالهم بِحَيْثُ مل النَّاس من ذكر أُمُورهم حَتَّى سَار الإملال إِلَى الدَّهْر وَلَكِن كَانَ أَبُو الْجُود فِيهِ نفع لعباد الله تَعَالَى ثمَّ اشْترى كتبا فِيهَا المقبول الَّذِي لَهُ ثمن فوقفها على الْمَكَان وَاشْترى أَرَاضِي ووقفها على الْأَمَاكِن وَاشْترى بستاناً وَوَقفه أَيْضا على الدراويش وَكتب بذلك وقفية وَجعل لَهَا مُتَوَلِّيًا وَلما مرض أوصى بالخلافة من بعده للدرويش أَحْمد الكلشني وَأَعْطَاهُ خَتمه وأحضر الْكَشَّاف عِنْده وَكتب لَهُ بذلك حجَّة وَلما مَاتَ أظهر الشَّيْخ مصطفى القصيري ورقة بِخَط الشَّيْخ أَحْمد أَنه اتخذ الدرويش مصطفى الْخَلِيفَة من بعده وَاشْتَدَّ الْخِصَام وَبَقِي هَذَا يتَوَلَّى الْخلَافَة مُدَّة ثمَّ يذهب الآخر وَيَأْتِي بِأَمْر سلطاني ليَكُون الْخَلِيفَة ويعزل الآخر وهلم جراً واختل أَمر ذَلِك الْمَكَان غَايَة الاختلال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ أديب الشَّهْبَاء السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب الْآتِي ذكره يرثيه
مَا الْكَوْن سوى صحيفَة الأكدارخطت لِذَوي الْعُقُول والأفكار
كم موعظة تَضَمَّنت أسطرهاإِن أَنْت جهلهتها فَأَيْنَ الْقَارِي
وَفِي لفظ الْقَارِي إِيهَام التورية كَمَا لَا يخفى وَالله ﷾ أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن السقاف الْفَقِيه الشَّافِعِي اليمني البيتي نِسْبَة إِلَى بَيت مسلمة قَرْيَة قرب مَدِينَة تريم أحد الْعلمَاء الْأَعْلَام ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن والجزرية والأجرومية وَالْأَرْبَعِينَ النووية والملحة والقطر والإرشاد وَغير ذَلِك وعرضها على مشايخه واشتغل على خَاله القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه ولازمه فِي دروسه حَتَّى تخرج بِهِ وَأكْثر انتفاعه بِهِ وَأخذ عَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بَافضل وَالشَّيْخ القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَالشَّيْخ زين الدّين بن حُسَيْن بَافضل وَأحكم على الْفُرُوع والتصوف والعربية وشارك فِي غَيرهَا وَألبسهُ الْخِرْقَة جمَاعَة من العارفين وبرع فِي طَرِيق الْقَوْم وَأكْثر الْأَخْذ والتردد على عُلَمَاء عصره وَأذن لَهُ غير وَاحِد من مشايخه بالإفتاء والتدريس وَكَانَ يحضر درسه جم غفير واشتهر بِالْفَتْح لكل من قَرَأَ عَلَيْهِ وقصدته الطّلبَة من كل مَكَان لما يحصل فِي درسه من الْبَحْث والإيضاح وَكَانَ لَهُ فِي تَعْلِيم المبتدئين تدريج حسن وَأكْثر اعتنائه بالإرشاد وشروحه قَالَ الشلي وَهُوَ أول شيخ أَخذ عَنهُ فِي عنفوان عمري أخذت عَنهُ الحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف والنحو ولازمته مُدَّة مديدة وقرأت عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة وَكَانَت أخلاقه رضية وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ بذاذة حَاله وَعدم الاحتفال بِنَفسِهِ وَقد روى أَبُو دَاوُد ابذاذة من الْإِيمَان وَورد فِي خبر آخر من ترك اللبَاس تواضعاً لله وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ دَعَاهُ الله يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الأشهاد يخيره من أَي حلل الْجنَّة شَاءَ يلبسهَا وَلَا يُنَافِي هَذَا خبر أَن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده وَخبر أَن الله جميل يحب الْجَمِيل وَفِي رِوَايَة يحب النَّظَافَة لِأَن الأول مَحْمُول على آثر ذَلِك للتواضع لَا غير وَالثَّانِي على من قصد بِهِ إِظْهَار نعْمَة الله عَلَيْهِ قَالَ وَلم يزل على تِلْكَ الْأَحْوَال إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمسين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنان بشار
الْمولى أَحْمد بن عوض العينتابي الأَصْل الْحلَبِي قَاضِي قُضَاة الشَّام ومصر وَغَيرهَا كَانَ من أهل الْفضل والكمال وَفِيه تواضع وَله أَخْلَاق حَسَنَة ولد بحلب وَكَانَ أَبوهُ صَالحا تقياً نَشأ فِي حجره وَقَرَأَ فِي مبادىء عمره ثمَّ مُسَافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة
طَوِيلَة ولازم بعض الموَالِي فسلك طَرِيق الموَالِي فدرس وَقدم فِي غُضُون ذَلِك إِلَى حلب صُحْبَة قاضيها عبد الرَّحِيم بن إسكندر فولاه قسْمَة حلب وَقدم إِلَى دمشق مَرَّات عديدة ثمَّ خدم بعض قُضَاة الْعَسْكَر فِي خدمَة التَّذْكِرَة وَصَارَت لَهُ محنة كَاد أَن يقتل بِسَبَبِهَا وَذَلِكَ أَنه نسب إِلَيْهِ أَنه قلد السُّلْطَان فِي خطه فَكتب السُّلْطَان خطا شريفاً بقتْله ثمَّ لم تزل أَعْيَان الدولة يشفعون لَهُ حَتَّى سكت عَنهُ واختفى مُدَّة حَتَّى تنوسيت قصَّته ثمَّ اخذ فِي إصْلَاح أَحْوَاله فَتَوَلّى قَضَاء آمد فسلك فِيهَا أحسن سلوك وَكَاد يلْتَحق بِالْقَاضِي شُرَيْح ثمَّ ولي قَضَاء الْقُدس ثمَّ قَضَاء أَيُّوب ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ فِيهِ بعض الأدباء مؤرخاً تَوليته
لقد ولي الشَّام الشَّرِيفَة حَاكمبِخَير لنا قد عدت وَالْعود أَحْمد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع