من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٠)
الصفحة ١ من ٢
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن فِي قُبُور الصَّالِحين
السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُرَاد السُّلْطَان الْأَعْظَم والخاقان الأفخم أعظم مُلُوك آل عُثْمَان وأحلمهم وَأكْرمهمْ كَانَ سُلْطَانا عَظِيم الْقدر جميل الذّكر محباً للْعُلَمَاء وَآل الْبَيْت متمسكاً بِالسنةِ النَّبَوِيَّة حسن الِاعْتِقَاد معاشراً لأرباب الْفَضَائِل سمح الْكَفّ جواد الاتزال إحساناته للْفُقَرَاء واصلة وعطاياه لأرباب الِاسْتِحْقَاق مترادفة وَكَانَ مائلاً إِلَى الْأَدَب والمحاضرات وَله شعر بالتركية ومخلصه على قَاعِدَة شعراء الرّوم بختى وَمِمَّا يرْوى لَهُ من الشّعْر العري قَوْله وأجاد
ظَبْي يصول وَلَا اتِّصَال إِلَيْهِجرح الْفُؤَاد بصارمي لحظيه
مَا قَامَ معتدلاً وهز قوامهإِلَّا تهتكت الستور عَلَيْهِ
يسْقِي المدامة من سلافة رِيقهويخصنا بالغنج من جفنيه
عَيناهُ نرجسنا وآس عذرهريحاننا ولورد من خديه
يَا شعر فِي بَصرِي وَلَا فِي خَدّهإِنِّي أغار من النسيم عَلَيْهِ
عجبي لسلطان يعز بعدلهويجور سُلْطَان الغرام عَلَيْهِ
لَوْلَا اخاف الله ثمَّ جحيمهلعبدته وسجدت بَين يَدَيْهِ
قلت والبستان الأخيران من جملَة قصيدة لِابْنِ رزيك الشيعي ومطلع قصيدته قَوْله
ومهفهف ثمل القوام سرت إِلَىأعطافه النشوات من عَيْنَيْهِ
وَلما توفّي وَالِده كَانَ الْوَزير لَهُ إِذْ ذَاك قَاسم باشا فأخفى الْوَزير موت السُّلْطَان وَدخل إِلَى دَاخل بَيت السلطنة وَذكر للسُّلْطَان أَحْمد الْمَذْكُور كلَاما يَقْتَضِي أَن يلبس السوَاد ويحضر فِي الْجمع وَيجْلس على الْكُرْسِيّ وَإِذا أحضر أَعْيَان الْعلمَاء وَأَصْحَاب المناصب وأركان الدولة من أكَابِر الوزراء والأمراء وقبلوا يَده وَبَايَعُوهُ على السلطنة على قانونهم فَيَقُول لَهُم كل وَاحِد مِنْكُم يمشي على طَرِيقه ويصله كَمَال الشَّفَقَة وَنِهَايَة المرحمة فَلَمَّا صدر ذَلِك خرج الْوَزير وَأرْسل وَرَاء الْأَعْيَان والوزراء فَحَضَرُوا وَأخذ كل وَاحِد مِنْهُم مَجْلِسه فَبعد هنيئة رَأَوْا شَابًّا حسن الْوَجْه رَقِيق الْجِسْم تعلوه هَيْبَة عَظِيمَة ووقار جسيم فجَاء حَتَّى جلس على كرْسِي السلطنة وَعَلِيهِ ثِيَاب سود ومئزر من الصُّوف على رَأسه على عَادَة آل عُثْمَان فِيمَا يلبسُونَ عِنْد موت وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا جلس علمُوا أَنه لسلطان وتحققوا موت وَالِده فَقَامُوا وقبلوا يَده وَحَدَّثَهُمْ بِمَا عهد إِلَيْهِ بِهِ الْوَزير وانقضى الْمجْلس على ذَلِك وشرعوا بعد ذَلِك فِي تجهيز السُّلْطَان مُحَمَّد وَدَفنه وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْأَحَد سَابِع عشر شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَكَانَ عمر السُّلْطَان أَحْمد يَوْمئِذٍ أَرْبَعَة عشر سنة وَوَافَقَ تَارِيخ جُلُوسه مخلصه بخْتِي وَقيل فِي تَارِيخه أَيْضا هُوَ خير السلاطين ووفقت وَأَنا بالروم على مَجْمُوع بِخَط بعض الأفاضل لَا يحضرني اسْمه أنشأ فِيهِ تواريخ آل عُثْمَان شعرًا ويستخرج التَّارِيخ بطرِيق التعمية وَلم يعلق فِي خاطري إِلَّا تَارِيخ جُلُوس السُّلْطَان أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ
سلطاننا أَحْمد عزت ولَايَتهتاريخها فِي اسْمه للنَّاس إِن حسبوا
أعداد مضروبه اضْرِب فِي الْأُصُول وَفِيثَانِيه رابعه يحصل لَك الأرب
وَلما التحم أمره ابْتَدَأَ بإرسال وزيره عَليّ باشا الْوَزير الْأَعْظَم إِلَى جِهَة المجر بالعساكر فَمَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه فعين مَكَانَهُ مُحَمَّد باشا الَّذِي كَانَ سرداراً فِي روم ايلي ثمَّ بعد ذَلِك سعى فِي الصُّلْح مُرَاد باشا بَين السُّلْطَان والمجر على مُدَّة عشْرين سنة وَدخل إِلَى الديار الرومية يُرْسل الْكفَّار وَمَعَهُمْ الْهَدَايَا والتحف فَقبل السُّلْطَان أَحْمد ذَلِك ثمَّ سعى فِي قطع دابر الْبُغَاة الخارجين على السلطنة فِي أَيَّام وَالِده وَقد كَانَ جرى على أَيَّامه مِنْهُم مَا لم يجر على أحد من أهل بَيته مِمَّن تقدمه وَلَا تَأَخره حَتَّى أَنهم ملكوا غَالب النوحي والبلدان وقويت شوكتهم وَكبر شَأْنهمْ مِنْهُم حُسَيْن باشا الَّذِي كَانَ حَاكما فِي بِلَاد الْحَبَشَة ولخروجه أَسبَاب يطول الْكتاب بذكرها فأفسد وجبى الْأَمْوَال من الْبِلَاد وأحرق بعض النواحي من بِلَاد قرمان ونواحي أناطولي وَقتل وسبى وَأسر بعض الْقُضَاة وَاسْتمرّ فِي غلوائه حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة الرها وَبهَا العَاصِي الَّذِي أسس بِنَاء السكانية وَهُوَ عبد الْحَلِيم اليازجي فَلَمَّا وصل الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة التقى صلان صائلان وَاجْتمعَ ثعبانان منثعبان وأبرز كل مِنْهُمَا للْآخر حكما يشْهد بِأَن آل عُثْمَان قد أَمرُوهُ بقتل الآخر وَقد اتفقَا على الْمُخَالفَة لآل عُثْمَان دفْعَة وَاحِدَة وَنزلا فِي قلعة الرها وتحالفا أَن لَا يتخالفا فَلَمَّا شاع توافقهما عين السُّلْطَان لقتالهما الْوَزير مُحَمَّد باشا ابْن سِنَان باشا وَضم إِلَيْهِ عَسَاكِر الرّوم وَالشَّام وحلب وَغَيرهمَا فَرجع الْأَمر لتسليم عبد الْحَلِيم لحسين باشا وَأرْسل يطْلب رهنا من الْعَسْكَر السلطاني على أَن يدْفع لَهُم حُسَيْن باشا ويتركوه هُوَ فِي القلعة حَاكما فأرسلوا لَهُ من عَسْكَر دمشق كنعان لجركسي وَهُوَ من أَعْيَان عَسْكَر دمشق وَبكر دواتدار حَاكم دمشق خسرو باشا الْخَادِم وَجَمَاعَة فأذعن لإعطاء حُسَيْن باشا وَسلمهُ وَلما أخذت العساكر السُّلْطَانِيَّة حُسَيْن باشا مَالَتْ إِلَى ترك اليازجي فِي قلعة الرها لِأَن الْعَهْد هَكَذَا صدر مِنْهُ فَغَضب لذَلِك السردار مُحَمَّد باشا وَعرض ذَلِك للسُّلْطَان أَحْمد وَكَاد أَن يقتل بِسَبَبِهِ حَاكم دمشق خسرو باشا الْمَذْكُور لَوْلَا أَن تداركته المعونة وَاسْتمرّ عبد الْحَلِيم عَاصِيا حَتَّى قدم عَلَيْهِ الْوَزير حُسَيْن باشا ابْن الْوَزير مُحَمَّد باشا مَعَ العساكر السُّلْطَانِيَّة بأسرها فَالْتَقوا بِجمع الْبُغَاة وَكَبِيرهمْ عبد الْحَلِيم وَأَخُوهُ حسن فِي مَكَان يُقَال لَهُ الْبُسْتَان من نواحي مرعش فَاقْتَتلُوا هُنَاكَ وَكسر عَسْكَر الْبُغَاة وَقتل مِنْهُم مَا يزِيد على أَرْبَعَة آلَاف رجل ثمَّ إِن عبد الْحَلِيم مَاتَ فِي قَصَبَة سامسون وَاجْتمعَ الْبُغَاة على أَخِيه حسن وَكَانَ أَشْجَع من أَخِيه فوصل إِلَى الْوَزير الْمَذْكُور وَطَلَبه للمقابلة
فَخرج إِلَيْهِ بِمن مَعَه من العساكر فَمَا ثبتوا قُدَّام الْبُغَاة لَحْظَة حَتَّى كسروا وهرب حسن باشا إِلَى قلعة توقات وَمَا رفعوا إِلَّا بالحبال وهجم الْعَدو وعَلى الْمَدِينَة بأسرها وَصَارَت عَسَاكِر السُّلْطَان فِي أسر الْبُغَاة مَا عدا حسن باشا مَعَ بعض الْخَواص فَإِنَّهُ اعتقل فِي القلعة وأغلقت أَبْوَاب القلعة والعدو يحفها إِلَى أَن وَقع موت حسن باشا على يَد بعض خدمه كَمَا سَنذكرُهُ فِي تَرْجَمته فَرَحل حسن الْخَارِجِي عَن توقات وتقرب من جَانب قَرَأَ حِصَار ثمَّ إِن جمَاعَة قربوه إِلَى خاطر السُّلْطَان أَحْمد وَقَالُوا لَهُ أَن يقنع بِمنْصب فِي بِلَاد الرّوم فَأَعْطوهُ مَدِينَة طمشوار وَهِي فِي أقْصَى مدن الْإِسْلَام وَمِنْهَا بداية ولَايَة الْكفْر فدام فِيهَا مُدَّة طَوِيلَة وَحسن حَاله وَقلت أحقاده وخدم خدمَة حَسَنَة إِلَى أَن قدر الله عَلَيْهِ الْمُخَالفَة بَينه وَبَين أهل ولَايَته فأخرجوه مِنْهَا فَذهب إِلَى مَدِينَة بلغراد فَوَضعه حاكمها فِي القلعة مكرما فِي الظَّاهِر مَحْبُوسًا فِي الْبَاطِن وَعرض أمره إِلَى السُّلْطَان فَأرْسل أَمر إِلَى حَاكم بلغراد بقتْله فَقطع رَأسه وَخرج بعد ذَلِك على السلطنة ابْن جانبو لاذحاكم كاس وعزاز وَوصل إِلَى أَن جرد العساكر وَقَاتل عَسْكَر السُّلْطَان على حماة وَكَانَ رَئِيس العساكر الْأَمِير يُوسُف بن سَيْفا التركماني حَاكم بِلَاد طرابلس الشَّام وانكسر عَسْكَر ابْن سَيْفا وَمن مَعَه وَآل أَمر ابْن جانبولاذ إِلَى الطغيان الزَّائِد وَجَاء إِلَى دمشق ونهبها وَسَيَأْتِي تَفْصِيل مَا وَقع وَفعل بِدِمَشْق فِي تَرْجَمته ثمَّ رَحل إِلَى حلب وَمكث بهَا وَكَانَت جماعته تزيد يَوْمًا فيوما واشتهر أمره وقوى جاشه إِلَى أَن ورد الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا إِلَى قسطنطينية من محاربة كفار المجر وتشاور الوزراء مَعَه فِي شَأْن ابْن جانبولاذ فَكَانَ شوراه أَن يذهب إِلَيْهِ وَهُوَ بحلب وَأَن يسْعَى فِي إِزَالَته وقهره فَفعل ذَلِك وَورد إِلَى حلب وانتزعها من أعوان ابْن جانبولاذ إِلَى أَن آل الْأَمر إِلَى دُخُوله إِلَى قسطنطينية وَاجْتمعَ مَعَ السُّلْطَان وَحكى لَهُ قصَّته فَقبل عذره وَأَعْطَاهُ حُكُومَة طمشوار وَلم يزل على حكومتها إِلَى أَن عرض لَهُ أَمر أوجب قِتَاله لرعايا تِلْكَ الْبِلَاد وانحصر فِي بعض القلاع فَعرض أمره إِلَى السُّلْطَان فبرز الْأَمر بقتْله فَفَتَلَ وَأرْسل رَأسه إِلَى بَاب السُّلْطَان وَكَانَ كلما قتل وَاحِدًا من الْبُغَاة وضع رَأسه فِي مَكَان تقبل فِي الوزراء ليعتبروا بِهِ وَكَانَ أجل من قَتله السُّلْطَان مِنْهُم نصوح باشا الْوَزير الْأَعْظَم وَكَانَ سَبَب قَتله أَن جمَاعَة جاؤا إِلَى السُّلْطَان بمكاتيب ادعوا أَنه كتبهَا الْجِهَة الْعَجم فِيهَا التحريض على عدم الصُّلْح والتلويح بمساعدتهم فحين قَرَأَ السُّلْطَان المكاتيب أرسل خلف
بعض الوزراء وَأمر بِفعل وَلِيمَة لجَماعَة نصوح باشا إِذْ ذَاك متمرضاً فجَاء أَتْبَاعه بأجمعهم إِلَى الْوَلِيمَة فحين خلا مَحَله من أَتْبَاعه أرسل السُّلْطَان جمَاعَة لقَتله فَاسْتَأْذنُوا فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم بعض جماعته لَا يُمكن الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالُوا لَا بُد من ذَلِك فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده أحد وأظهروا الْأَمر السلطاني بقتْله فَقَالَ لَهُم أمهلوني لأصلي رَكْعَتَيْنِ فأمهلوه فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ لما فرغ خنقوه على سجادة الصَّلَاة ثمَّ ذَهَبُوا إِلَى السُّلْطَان وَأَخْبرُوهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِهِ فجاؤا بِهِ فَأمر بعوده وَدَفنه وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين ثمَّ ولي مَكَانَهُ مُحَمَّد باشا زوج ابْنة السُّلْطَان وجهزه بالعساكر إِلَى بِلَاد الْعَجم وَوَقع المصاف بَينه وَبَين عَسَاكِر الْعَجم وَكَانَت الْهَزِيمَة على الْعَجم وَلما رَأَتْ الْأَعَاجِم ذَلِك أرْسلُوا استمالوا أَتْبَاعه فَحصل التواني وَوَقع الاختلال وَقتل من عَسْكَر السُّلْطَان جَانب كَبِير وَعَاد بِلَا فَائِدَة فَغَضب السُّلْطَان وَأَرَادَ قَتله كَمَا فعل بِمن قبله ثمَّ عَفا عَنهُ بِوَاسِطَة أم الْوَزير بِشَرْط جُلُوسه فِي اسكدار وَكَانَ السلسطان أَحْمد مُدَّة حَيَاته لَا يفتر عَن عمَارَة الْمَسَاجِد وَفعل الْخيرَات وَمن جملَة آثاره الجميلة أَنه كسا الْبَيْت الشريف وَكَذَلِكَ فعل بالحجرة النَّبَوِيَّة وكسا أضرحة جَمِيع سكان البقيع وسكان المعلاة وَكَانَ أَرَادَ أَن يَجْعَل حِجَارَة الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ملبسة وَاحِدًا بِالذَّهَب وواحداً بِالْفِضَّةِ فَمَنعه الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين الْمُفْتِي وَقَالَ هَذَا يزِيل حُرْمَة الْبَيْت وَلَو أَرَادَ الله ﷾ لجعله قِطْعَة من الْيَاقُوت فَكف عَن ذَلِك وَجعل ثَلَاث مناطق من الْفضة المحلاة بِالذَّهَب أَيْضا دَاخل الْكَعْبَة الشَّرِيفَة صونا لَهَا من الْهدم وَأول من حلاها فِي الْجَاهِلِيَّة عبد الْمطلب بن هَاشم جد النَّبِي
وَفِي الْإِسْلَام الْوَلِيد بن عبد الْملك وَقيل أَبوهُ وَقيل ابْن الزبير وحلاها من العباسيين الْأمين والمتوكل والمعتضد وحلتها أم المقتدر العباسي وَالْملك الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن وَمن مُلُوك آل عُثْمَان صَاحب التَّرْجَمَة وَمن آثاره أَيْضا تَجْدِيد مولد السيدة فَاطِمَة وتبييضه وَمِنْهَا عمَارَة مَسْجِد الْبيعَة وَهُوَ بِالْقربِ من عقبَة مني على يسَار الصاعد بَينه وَبَين عقبَة منى مِقْدَار غلوة سهم وَوهم من قَالَ أَنه من منى وَمِنْهَا عمَارَة الْعين وَأصْلح مآثر كَثِيرَة يمكة وَأَنْشَأَ وَقفا من قرى مصر على خدام الْحَرَمَيْنِ لأجل أَن يصرف علوفة الخدم السّنة تَمامًا لِأَن فِي الْقَدِيم مَا كَانَ يصرف لَهُم الْأَعْلَى حكم النّصْف وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وَألف أرسل للحضرة الشَّرِيفَة
فصين من الألماس قيمتهمَا ثَمَانُون ألف دِينَار فوضعها فَوق الْكَوْكَب الدُّرِّي وَهَذَا الْكَوْكَب تجاه الْوَجْه الشريف فِي الْجِدَار وَهُوَ مِسْمَار من الْفضة مموه بِالذَّهَب فِي رخامة حَمْرَاء من استقبله كَانَ مُسْتَقْبل الْوَجْه الشريف كَذَا قَالَ ابْن حجر فِي الْجَوْهَر المنظم وَأنْشد بَعضهم
الْكَوْكَب الدُّرِّي من شَأْنهيخفى مَعَ الْوَجْه السراج الْمُنِير
فكثروا الْجَوْهَر أَو قللُوافالجوهر الْفَرد عديم النظير
وَبعث أَيْضا للحجرة بشبابيك من الْفضة المحلاة بِالذَّهَب وَأمر أَن يُرْسل إِلَيْهِ بالشبابيك الْقَدِيمَة ليجعلها فِي مدفنه الَّذِي أنشأه بقسطنطينية لأجل التَّبَرُّك فَمَنعه الْمُفْتِي وَاعْتَرضهُ فِي نقل الشبابيك فَقَالَ نَحن نرسلها من الْبَحْر فَإِن كَانَ النَّبِي
يقبلهَا فَهِيَ تصل سَالِمَة من غير غرق وَإِلَّا فتغرق فِي الطَّرِيق فأرسلها من الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فوصلت سَالِمَة ثمَّ أرسلها من مصر إِلَى الْمَدِينَة المنورة فوصلت سَالِمَة أَيْضا وَكَذَلِكَ أَمر أَن يفعل بالشبابيك الْقَدِيمَة حِين ترسل إِلَيْهِ فوصلت إِلَى قسطنطينية من غير أدنى مشقة فَجَعلهَا فِي مدفنه كَمَا أَرَادَ وجدد عمَارَة العلمين اللَّذين هما حدا لحرم من جِهَة عَرَفَة فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف على يَد الباشا حسن المعمار وَأول من وضع انصاب الْحرم خوف اندراسه الْخَلِيل إِبْرَاهِيم على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام بِدلَالَة جِبْرِيل ﵇ وَهِي فِي جَمِيع جوانبه خلا جِهَة جدة وجهة الْجِعِرَّانَة فَإِنَّهُ لَيْسَ فيهمَا انصاب ثمَّ نصبها إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ ثمَّ قصى بن كلاب وَقيل ابْن عدنان بن أد أول من وضع انصاب الْحرم حِين خَافَ أَن يندرس ونصبتها قُرَيْش بعد أَن نزعوها وَالنَّبِيّ
بِمَكَّة قبل هجرته وَأمر النَّبِي
عَام الْفَتْح تَمِيم بن أَسد فجددها ثمَّ إِن عمر بن الْخطاب ﵁ بعث أَرْبَعَة نفر لتجديدها وهم مَخْزُوم بن نَوْفَل وَسَعِيد بن يَرْبُوع وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى وأزهر بن عبد عَوْف ثمَّ عُثْمَان ثمَّ مُعَاوِيَة ثمَّ عبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ الْمهْدي العباسي ثمَّ أَمر الراضي العباسي بعمارة العلمين الكبيرين اللَّذين هما حدا لحرم من جِهَة التَّنْعِيم فِي سنة خمس وَعشْرين وثلثمائة ثمَّ أَمر المظفر صَاحب أربل بعمارة العلمين الَّذين هما حدا لحرم من جِهَة عَرَفَة فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا وَبعث إِلَى بَيت الْمُقَدّس من فضَّة مطلية بِالذَّهَب لتوضع على الْقدَم
الشريف بالصخرة وَهِي إِلَى الْآن مَوْجُودَة وَفِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَألف أرسل لِأَحْمَد باشا محافظ مصر بِأَن يُرْسل مِقْدَارًا من الخزينة لأجل عمَارَة الْحرم النَّبَوِيّ على حكم الْحرم الْمَكِّيّ فامتثل وَأرْسل وَمَات السُّلْطَان أَحْمد قبل الشُّرُوع فِي ذَلِك وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْمُعْطِي بن أبي الْفَتْح بن أَحْمد الإسحاقي فِي كِتَابه لطائف الْأَخْبَار الأول فِيمَن تصرف فِي مصر من أَرْبَاب الدول عِنْد ذكر السُّلْطَان أَحْمد وَمن جملَة محاسنه أَنه حصل فِي بِنَاء الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ميلان فِي بعض أحجارها فَأرْسل عمدا من فولاذ مطلية بِالذَّهَب ومموهة بِالذَّهَب فطوقت بهَا الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من الْجِهَات الْأَرْبَع وحفظت الْأَحْجَار من السُّقُوط وَأرْسل ميزابا من الْفضة مموها بِالذَّهَب وَوضع مَوضِع الْمِيزَاب الْعَتِيق وتسلم أَمِير الْحَاج الْمِيزَاب الْعَتِيق وأرسله إِلَى السُّلْطَان وَوضع فِي الخزانة العامرة تبركا وَعمل سَحَابَة بطرِيق الْحَاج الْمصْرِيّ يحمل بهَا المَاء للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ووقف عَلَيْهَا أوقافا وَهِي مستمرة إِلَى الْآن وَبهَا النَّفْع الْعَام ورتب من ريع وَفقه لفقراء الْحَرَمَيْنِ وأرباب وظائفهما زِيَادَة فِي معلومهم فِي كل سنة اثْنَي عشر كيسا تحمل إِلَيْهِم صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي ضَبطه جَامع هَذِه الأرقام بطرِيق التَّقْرِيب ورقمه حسب مَا وصل إِلَيْهِ علمه من أَفْوَاه المباشرين وَالْكتاب أَن الَّذِي يُجهز فِي كل عَام إِلَى فُقَرَاء الاحرمين ومجاوزيهما من صدقَات آل عُثْمَان وَخدمَتهمْ وَمِمَّنْ سَيَأْتِي ذكره فِي اديار الْمصْرِيّ مَا هُوَ من المَال النَّقْد الْمُسَمّى بالصرة مائَة كيس وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ كيسا بَيَان ذَلِك مَا هُوَ من أوقاف الدشيشة الْكُبْرَى أَرْبَعَة وَسِتُّونَ كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان مُرَاد سَبْعَة عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان مُحَمَّد اثْنَا عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان أَحْمد اثْنَا عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف الخاصكية عشرَة أكياس وَمَا هُوَ من وقف الْحَرَمَيْنِ عشرَة أكياس وَمَا هُوَ من وقف الْأَشْرَاف اثْنَا عشر ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف الخدام ثَمَانُون ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف رستم باشا اثْنَا عشر ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف اسكندر باشا عشرَة آلَاف نصف وَمَا هُوَ من وقف سِنَان باشا عشرُون ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف عَليّ باشا اثْنَان وَثَلَاثُونَ ألف نصف وَمَا هُوَ من الْحبّ فِي كل عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ وَألف ادرب وَثَمَانمِائَة أردب وَذَلِكَ خَارج عَن صدقَات الْبِلَاد الرومية والشامية والحلبية وغالب الممالك الإسلامية قلت وَذَلِكَ شَيْء لَا يحصره ضبط وَلَا يحبط بِهِ وصف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن محَاسِن هَذِه الدولة
العثمانية كَثِيرَة وخيراتهم غزيرة من آثاره الَّتِي بقسطنطينية الْجَامِع الَّذِي لم يعْمل مثله فِي إنشائه وَأَحْكَام بنائِهِ ودقة صنائعه إِلَى غير ذَلِك وَله سِتّ منارات حَسَنَة الْوَضع إِلَى الْغَايَة وداخله مزين بأنواع الْقَنَادِيل من البلور والقاشاني والسدف وَغير ذَلِك وَفِيه كل أعجوبة لَا نَظِير لَهَا وَلما تمّ وَضعه هادته مُلُوك الأقاليم بالتحف من قناديل الذَّهَب وَغَيرهَا لتَعلق فِيهِ وَبَلغت مصارف نَفَقَته نَحْو نَفَقَة عمَارَة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق فَإِنَّهُ يُقَال أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك الْخَلِيفَة الْأمَوِي أنْفق عَلَيْهِ أَرْبَعمِائَة صندوق من الذَّهَب فِي كل صندوق أحد عشر ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَفِي خَارجه الْمَكَان الْمَعْرُوف بآت ميداني وَهُوَ ميدان وَاسع وَبِه رصد من نُحَاس على شكل أَفْعَى قيل أَنه كَانَ رصدا للحيات لَكِن الْآن بَطل عمله فَإِن السُّلْطَان مُرَاد ولد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ كسر مِنْهُ قِطْعَة فَبَطل عمله لذَلِك ويروى أَنه بعد تَمام بنائِهِ واستحكامه كَانَ بَقِي فِي أحد جوانبه إعوجاج بِسَبَب بَيت صَغِير كَانَ لعجوز وَقد أرغبت بِالْمَالِ الْكثير لتبيعه فَأَبت فاتفق أَنَّهَا مَاتَت عَن غير وَارِث وَآل الْبَيْت إِلَى بَيت المَال فأضيف إِلَى الْجَامِع وتناسب بذلك وَضعه وَمِمَّا قيل فِيهِ من التواريخ تَارِيخ الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ قَاضِي الْعَسْكَر وَهُوَ قَوْله
ذَا جَامع مؤسسعلى تقى الرب المتين
بناه سُلْطَان الورىبعد لَهُ الجزل الرزين
سمى أَحْمد الْهدىظلّ إِلَه الْعَالمين
حاولت تَارِيخا لَهُمن نَص قُرْآن مُبين
فجَاء فِيهِ قَوْلهلنعم دَار الْمُتَّقِينَ
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هَذَا السُّلْطَان أعظم سلاطين آل عُثْمَان قدرا وَكَانَت وِلَادَته فِي سَابِع عشر شهر رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقيل فِي تَارِيخه حفظه الله وابتدأه الْمَرَض فِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بقرحة فِي ظَهره وَأخْبر عَنهُ مصطفى آغا ضَابِط الْحرم أَنه قبل مَوته بِيَوْم وَكَانَ قبل الْعَصْر صَار يَقُول وَعَلَيْكُم السَّلَام إِلَى أَن قَالَ ذَلِك أَربع مَرَّات قَالَ مصطفى آغا تسلمون على من فَقَالَ حضر لي فِي هَذَا الْوَقْت سيدنَا أَبُو بكر الصّديق وَسَيِّدنَا عمر وَسَيِّدنَا عُثْمَان وَسَيِّدنَا عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقَالُوا لي أَنَّك تَجْتَمِع بسُلْطَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة سيدنَا مُحَمَّد
فِي غَد مثل هَذَا الْوَقْت فَكَانَ كَمَا قَالَ فَمَاتَ فِي ثَانِي يَوْم وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء
ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَقد بلغ من الْعُمر ثَمَانِي وَعشْرين سنة وَدفن بجامعة الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى وَخلف من الْأَوْلَاد أَرْبَعَة وهم السُّلْطَان عُثْمَان وَالسُّلْطَان مُحَمَّد توفّي شَهِيدا فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَالسُّلْطَان مُرَاد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم وثلاثتهم ولوا الْخلَافَة وَقد ذكرتهم فِي محالهم وَأما وزراؤه فسبعة وهم ياوز عَليّ باشا وَمُحَمّد باشا البوسنري ودرويش باشا وَمُرَاد باشا ونصوح باشا وَمُحَمّد باشا وخليل باشا رَحِمهم الله تَعَالَى
السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى المتطبب الْحَنَفِيّ سبيويه زَمَانه وَإِمَام سَائِر فنون الْأَدَب فِي أَوَانه كَانَ فَقِيها محققا آلت الْفَتْوَى فِي مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة إِلَيْهِ وأمده الله تَعَالَى بِالْحِفْظِ فَكَانَ بحرا زاخرا فِي جَمِيع الْفُنُون وخصوصا علم النَّحْو ومتعلقاته مَعَ التَّحْقِيق الوافي والتدقيق الوافر أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَعنهُ أَخُوهُ عبد الله بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن أبي الْقَاسِم الأهدل وَأَخُوهُ سُلَيْمَان وَكثير وَعلا صيته واشتهر أمره وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَعشْرين وَألف بزبيد وَبهَا دفن بتربة بَاب سِهَام ورثاه الْفَقِيه الْفَاضِل المفنن أَبُو بكر بن عَليّ مهير أحد تلامذته بمرثية مِنْهَا قَوْله
إِمَام لَهُ فِي الْعلم بَاعَ وساعدوكف يكف الْخطب أَنى تغلبا
مِنْهَا
أما كَانَ فَردا فِي الْعُلُوم وملجأإِذا مَا عرى خطب من الدَّهْر قلبا
أما كَانَ فِي الْعلم الإِمَام الَّذِي لَهُنرى فرض عين أَن يعدو يحسبا
فَمن لدروس الْعلم بُد شتاتهايذلل مِنْهَا فهمه مَا تصعبا
وَمن لخبايا النَّحْو كم قد تسترتفابدي لنا مِنْهَا ضميرا محجبا
وَمن للفتاوي فِي الْعُلُوم بأسرهايفيدك إيجازا وَإِن شَاءَ أطنبا
خَطِيبًا ترى قسا لَدَيْهِ كباقلفصيح إِذا مَا قَالَ أطرى وأطربا
لقد بزمنا الدَّهْر وَجه بِلَادنَاوَفرق مِنْهَا الْحسن تفريقه سبا
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد القادري الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي من ذُرِّيَّة القطب الْكَبِير الجيلاني المقيمين بحماه وهم رؤساؤها الْمشَار إِلَيْهِم تولى خلَافَة السَّادة القادرية بعد أَخِيه الشَّيْخ عبد الله وحظى بِكَثْرَة الْأَمْوَال والعقارات والبيوت الْحَسَنَة المطلة على نهر العَاصِي حَتَّى قبل لما مر السُّلْطَان سليم فاتح الأقطار الشامية والمصرية والحجازية أعجبه مكانهم فَقَالَ عَنهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَلم يدنس عرضه بتعاطي
أَمْوَال المصادرات وَالدُّخُول فِي الْمَظَالِم كَمَا يَفْعَله كثير من مَشَايِخ حماه وَلَا يُكَلف أهل محلته المساعدة على قرى الضيوف كَمَا هُوَ من عَادَتهم وَكَانَ يقرى الضيوف مِمَّا حضر من غير تكلّف وَأما أَخُوهُ الشَّيْخ عبد الله فَإِنَّهُ كَانَ بحرا يتلاطم بالأمواج من السخاء حَتَّى أَن رجلا من حماه كَانَ لَيْلَة فِي الْحرم الشريف فَلَمَّا خلا المطاف نَادَى الْمَذْكُور الْأُسْتَاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد الْبكْرِيّ وَقَالَ تعال حَتَّى نختبي نَحن وَأَنت فَفعل ذَلِك وَوضع الشال عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْقَائِل من دَاخل الشال الشَّيْخ عبد الله من الأبدال وَمَا نَالَ تِلْكَ الْمرتبَة إِلَّا بالسخاء وسلامة الصَّدْر وعلامته أَن لَا يعِيش لَهُ ولد وَقد حظى بِالْكَلِمَةِ النافذة وإقبال الوزراء والأمراء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَكَانُوا يَأْخُذُونَ طَريقَة سَيِّدي عبد الْقَادِر الجيلاني وَكَانَ لَا يخرج لزيارة حَاكم وَلَا لغيره أصلا وَكَانَ كثير الصَّدقَات والهدايا إِلَى الْحُكَّام بعث ثَلَاثَة آلَاف من القروش صَدَقَة للجامع الْأَزْهَر وَبنى جَامع المعرة وجامع أرِيحَا وَمَسْجِد فِي بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ إِذا سَافر إِلَى بلد لَا يحب أَن يدخلهَا بالشهرة وَالْجَمَاعَات والأعلام كَمَا هُوَ عَادَة الْمَشَايِخ وَمن عَجِيب أمره أَن لَهُ حجرَة كَبِيرَة أَخذهَا الْأَمِير ابْن الأعوج فِي غيبته ووضعها فِي حمام لَهُ بناه وَبَقِي اخراجها صعبا فَلَمَّا رَجَعَ من الْحَج استقبله ابْن الأعوج فاسمعه مَا يكره وَقَالَ لَا بُد أَن تعيد الْحُجْرَة إِلَى مَكَانهَا فَلَا زَالَ ابْن الأعوج يسترضيه حَتَّى جعل لَهُ ثمن الْحُجْرَة مائَة وَخمسين قرشا فَقَالَ لَهُ لَا تتعب لَو أَعْطَيْت بثقلها ألماسا لَا أرْضى إِلَّا بِإِعَادَة حُجْرَتي إِلَى موضعهَا فوضعها موضعهَا وَمن عَجِيب أمره أَن مفتي أرِيحَا كَانَ يُحِبهُ ويعظمه وَلما قدم الشَّيْخ أَحْمد إِلَى حلب أَخذ يضيفه حَتَّى بَالغ فِي التَّعْظِيم لَهُ فَأعْطَاهُ الْكسْوَة القادرية ثمَّ بعد مُدَّة أَرَادَ الشَّيْخ مُحَمَّد مفتي أرِيحَا أَن يظْهر تَعْظِيمًا للشَّيْخ أَحْمد فَأخذ هَدِيَّة عَظِيمَة فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ غضب الشيح ورد إِلَيْهِ الْهَدِيَّة فَحصل لَهُ خجل ثمَّ نزل على ابْن عَم صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ لَهُ مرْحَبًا وَلَكِن اجْلِسْ عندنَا اللَّيْلَة وصباحا توجهوا مَعَ السَّلامَة فَإِنِّي أَخَاف أَن يسمع الشَّيْخ فيغضب علينا وَفِي الْيَوْم الثَّانِي بعث جمَاعَة بالخفية يتوسلون بالشيخ لَعَلَّه يَأْذَن بِالْإِقَامَةِ فَلم يَأْذَن حَتَّى رَجَعَ إِلَى وَطنه وَقصد الشَّيْخ تَعْرِيف المريد صدق التلمذة وَمن عَجِيب أمره أَن الْوَزير الْأَعْظَم نصوح باشا لما قدم من آمد إِلَى حلب وَكَانَ الشَّيْخ فتح الله يَقُول لَهُ الشَّيْخ قل للوزير ينظر لي منزلا حسنا قَرِيبا مِنْهُ فَغَضب الشَّيْخ فتح الله وَقَالَ مَا أَنا متفرغ لهَذَا الْأَمر وَلَا الْوَزير الْأَعْظَم وَلَكِن الشَّيْخ ينزل
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع