من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٠)
الصفحة ٢ من ٢
أَرض الله وَاسِعَة وَلَا بَأْس أَن ينزل فِي تكية الشَّيْخ أبي بكر فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى الشَّيْخ قَالَ وتربة الشَّيْخ عبد الْقَادِر مَا أنزل إِلَّا فِي نفس خيمة الْوَزير نكاية فِي الشَّيْخ فتح الله ثمَّ ركب بغلته وَدخل على الْوَزير فَاسْتَقْبلهُ بالتبجيل وَقَالَ لَهُ أَيْن نزلتم فَقَالَ الْمنزل عنْدكُمْ فنصب لَهُ خيمة عَظِيمَة بجانبه ووكل بِهِ أعظم جماعته أوقفهُ فِي خدمته ثمَّ كتب الشَّيْخ دفتراً عَظِيما فِيهِ هَدَايَا للوزير يبلغ ثمنهَا ألفا وَخَمْسمِائة قِرْش فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فتح الله مَا أبقيتم لكم شَيْئا فَقَالَ أَنا فِي غنية لله الْحَمد ومرادي مُجَرّد محبَّة الْوَزير قيل قَالَ المنكرون لَو أعطيتموها للْفُقَرَاء فَقَالَ أَنا مَا أهادي الْحُكَّام إِلَّا لأجل الْفُقَرَاء ومصالحهم وَمن عَجِيب أمره أَنه كَانَ بَينه وَبَين أَمِير حماه ابْن الأعوج شَحْنَاء بِسَبَب ظلم ابْن الأعوج فَقدم وَزِير تولى مصر وخدمه ابْن الأعوج وَلم يحسن للوزير زِيَارَة الشَّيْخ أَحْمد فَقَالَ الشَّيْخ أَحْمد لبَعض جماعته اذْهَبْ إِلَى كتخذ الْوَزير وَقل لَهُ عِنْدِي بعض صدقت لأهل الْجَامِع الْأَزْهَر مرادي يُكَلف خاطره ويحضر عِنْدِي حَتَّى أعْطِيه إِيَّاهَا فَحَضَرَ الكتخدا فَفِي الْحَال أعطَاهُ نَحْو ثلثمِائة قِرْش وَأمره أَن يتَصَدَّق بهَا على أهل جَامع الْأَزْهَر وَأَعْطَاهُ لنَفسِهِ مَا ينوف عَن مائَة وَخمسين قرشا ثمَّ لما قَامَ من عِنْده قَالَ لَهُ عِنْدِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف قِرْش كَانَ مرادي أسلمها للباشا يُعْطِيهَا صَدَقَة لأهل الْأَزْهَر لَكِن مَا زارنا كَانَ عَادَة الوزراء أَن يزورونا وَلَكِن نصبر حَتَّى يمر علينا وَزِير مثله نُعْطِيه إِيَّاهَا فَاجْتمع الكتخدا بالباشا وَقَالَ لَهُ هَذَا قطب الْعَالم فَفِي الْحَال جَاءَ إِلَيْهِ الباشا زَائِرًا وَقبل يَدَيْهِ وَفِي صحبته ابْن الأعوج أَمِير حماه فَقَالَ الباشا ابْن الأعوج قريبنا يكون نظرك عَلَيْهِ فَقَالَ لَكِن عجزت عَن نصيحته عَن ظلم الْعباد فَلم يسمع مني فَكَانَت هَذِه نكاية مِنْهُ لِابْنِ الأعوج حَيْثُ لم يحسن لَهُ زيارته وَأعْطى الْوَزير الدَّرَاهِم لأهل الْأَزْهَر وخدمه بِهَدَايَا تَسَاوِي خَمْسمِائَة قِرْش فَلَمَّا ذهب الْوَزير قَالَ لجماعته جِئْت بالوزير على رغم أنف ابْن الأعوج وَجعلت قِيمَته عِنْده كَالْكَلْبِ وَالْحَاصِل أَنه كَانَ تقياً صَالحا مهاباً حصلت لَهُ الرياسة الْعُظْمَى وَمَا غضب على أحد وَكَانَت أَحْوَاله باهرة تقصده الوزراء والأمراء ويقبلون يَده وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاثِينَ بعد الْألف وَقد جَاوز التسعين وَدفن بزاويته بحماه رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد المغربي الأَصْل الْمَعْرُوف بالحمودي الطرابلسي الْمَالِكِي واشتهر بالصل كَانَ من فضلاء زَمَانه وَهُوَ مَعْدُود من الأدباء منخرط فِي سلكهم
قدم أَبوهُ إِلَى دمشق فِي عشر السّبْعين وَتِسْعمِائَة وتديرها وَولد بهَا أَحْمد هَذَا فَنَشَأَ وتفقه بِالْعَلَاءِ بن المرحل البعلي الْمَالِكِي وَالشَّمْس مُحَمَّد بن أَحْمد الأندلسي خَليفَة الحكم بِدِمَشْق وَحج فَأخذ بِمَكَّة عَن الشَّيْخ خَالِد التّونسِيّ وبالقاهرة عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وبالمدينة عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْبري الْمَالِكِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد زوز التّونسِيّ وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة بِدِمَشْق على الشَّيْخ أَحْمد الوفائي المفلحي وَالشَّيْخ تَاج الدّين الْقطَّان وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد الدَّاودِيّ وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن كسباي وَالشَّيْخ مَحْمُود البيلوني وتأدب بالشيخ عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ وَفِي مَكَّة بالشيخ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي وَفِي المخا بالسيد حَاتِم فِي عدن بالسيد أَحْمد العيدروس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَأقَام بهَا بَين ذهَاب إِلَى الْيمن وعود إِلَيْهَا وَكَانَ يرد الْمَدِينَة فِي كل سنة ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف واشتغل بمعاناة الْأَدَب وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره مستعذب وَمِنْه قَوْله من قصيدة كتب بهَا إِلَى عبد الْكَرِيم الطاراني جَوَابا عَن أَبْيَات كتبهَا لَهُ يستدعيه بهَا ومطلع قصيدة الصل قَوْله
على م أدرت يَا ذخر الموَالِيفَتى فِي الْحبّ من بعض الموَالِي
تذكر لَيْلَة مرت وَطَابَتْوَقد يُغْنِيك حَالي عَن سُؤَالِي
بأقداح وأفراح وَأنسيَا صِحَاب وأعيان موَالِي
ودارت بَيْننَا كاسات لفظغَدَتْ أشهى من المَاء الزلَال
وَكم ذكر جميل فِي وقارجرى منا لَدَى صحب أعالي
وروحاً فِي حيازيم الْأَمَانِيوعينا للأحبا والأهالي
نطارحهم بِأَلْفَاظ عَذَابتنير الزهر فِي أفق الْمَعَالِي
عجبت لَهَا وَقد خلبت فُؤَادِيمَعَانِيهَا كَمَا السحر الْحَلَال
لَدَى صحب تساقوا كاس حبفأكسبهم ثَنَاء كالغوالي
فبعضهم لَهُ جد وجدوَكلهمْ ذووا مجد أنال
فَلَا تبعد عَن الأعطاف واعطفوقابل بالتحمل ذَا الدَّلال
وصل من غاله فرط اشتياقوَلَا تقطع مَوَدَّة ذِي كَمَال
وَكَانَت وِلَادَته فِي لَيْلَة السبت رَابِع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي قَوْله من أرجوزة
ومولدي لَيْلَة سبت زَاهِررَابِع عشر من ربيع الآخر
وَذَاكَ فِي عَام ثَلَاث وَثَمَانِينَوَتِسْعمِائَة وَقد رمى
بِي الدَّهْر بعد أَن كَبرت بالعرىوعشت دهراً فِي ذزى أم الْقرى
وَتُوفِّي فِي حلب فِي سَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف والحمودي نِسْبَة إِلَى قيلة من عرب الْمغرب مَنَازِلهمْ الْجَبَل الْأَخْضَر والصل مَعْرُوف وَكَانَ لَا يُنكر تلقيبه بِهِ قَالَ الطاراني وَكنت أُشير بنزله فيأبى وَالله أعلم
الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن المنقار الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْوَفَاة الأديب الشَّاعِر الذكي البارع كَانَ مَشْهُورا بالذكاء والفطنة وَالْفضل لَازم الْعَلامَة الملا اسد الدّين بن معِين الدّين التبريزي نزيل دمشق وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا وبرع فِي الْفُنُون وتميز على أقرانه وطار صيته وَصَارَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الفطنة وَألف قبل أَن يبلغ الْعشْرين من سنه رِسَالَة مَقْبُولَة فِي مبَاحث الِاسْتِعَارَة وَبَيَان أقسامها وَتَحْقِيق الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وعرضها على عُلَمَاء عصره فقبلوها ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية ونظم الشّعْر الرَّائِق المعجب وَمن جيد شعره القصيدة الَّتِي كتب بهَا إِلَى الْحسن البوريني جَوَابا عَن قصيدة أرسلها إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْله
أَتَى ينثني كاللدن قده اسمىغزال بِفعل الجفن يُلْهِيك عَن أسما
فريد جمال جَامع اللطف جؤذرأَمِير كَمَال أهيف أحور ألمي
إِذا مَا بدا أوماس تيها وَإِن رناترى الْبَدْر مِنْهُ والمثقف والسهما
لَهُ مقلة سيافة غمدها الحشاونبالة قلبِي لَا سهمها مرمى
تجسم من لطف وظرف أما ترىتغيره لما تخبلته وهما
وَمِنْهَا
يَمِينا بميمات الباسم أننيعَن الْحبّ لَا ألوي بلومهم العزما
وَلَا أَبْتَغِي من قيد حبيه مخلصاسوى حسن فعلا وقولا كَذَا إسما
وَكَانَ سَافر إِلَى قسطنطينية لوفاة وَالِده مُحَمَّد بهَا وَكَانَ من قُضَاة العقبات فَتوجه أَحْمد إِلَيْهَا ليتناول مَا خَلفه وَالِده من المَال فاشتهر صيته بَين عُلَمَاء الرّوم حَتَّى أَن الْمُفْتِي الْأَعْظَم زَكَرِيَّا بن بيرام الْآتِي ذكره جعله ملازما فِيهِ على قَاعِدَة عُلَمَاء تِلْكَ الديار ثمَّ أَدَّاهُ لطف الطَّبْع والإمتزاج مَعَ ظرفاء تِلْكَ الْبَلدة إِلَى إستعمال بعض المكيفات فَغلبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاء فاختلط عقله وَصَارَ يخلط فِي كَلَامه فوضعوه فِي دَار الشِّفَاء
ثمَّ لزم إرسالة إِلَى بِلَاده وَكَانَ بقسطنطينية أذ ذَاك بعض أَعْيَان دمشق فصحبه مَعَه موثقًا وَقدم بِهِ إِلَى دمشق ثمَّ تزايد عَلَيْهِ الْجُنُون حَتَّى حبس فِي بَيت لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا فِي بعض الْأَوْقَات وَعَلِيهِ حارس مُوكل وَكَانَت حَالَته تزيد وتنقص بِحَسب فُصُول الْعَام قَالَ البوريني فِي تَرْجَمته وَلَقَد دخلت عَلَيْهِ مُسلما وَله من الدَّهْر متظلما فرأيته فِي سلسلة طَوِيلَة الذيل فأسبلت دموعي كالسيل حزنا عَلَيْهِ وشوقا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يراسلني بقصائده ويتحفني بفرائده وَكنت أُجِيبهُ عَن رسائله وأحقق جَمِيع دلائله فَقَالَ لي وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال متمثلا على سَبِيل الإرتجال مُشِيرا إِلَى سلسلته الَّتِي منعته الْمسير وصيرته فِي صُورَة الْأَسير
إِذا رَأَيْت عارضاً مسلسلافِي وجنة كجنة يَا عاذلي
فَاعْلَم يَقِينا اننا من أمةتقاد للجنة بالسلاسل
قلت البيتان للوداعي وأصلهما الحَدِيث عجب رَبك من أَقوام يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل قيل هم الأسرى يقادون إِلَى الْإِسْلَام مكرهين فَيكون ذَلِك سَبَب دُخُولهمْ الْجنَّة لَيْسَ أَن ثمَّة سلسلة وَيدخل فِيهِ كل من حمل على عمل من أَعمال الْخَيْر وَلَا يخفى لطف موقع الْبَيْت لما فِيهِ من دَعْوَى اأنه من أسرى الْمحبَّة وَقد بَقِي على ذَلِك الْحَال نَحْو ثَلَاثِينَ سنة إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَبَيت المنقار بحلب ودمشق بَيت علم ورياسة خرج مِنْهُم نجباء وجدهم الْأَعْلَى مُحَمَّد بن مبارك بن عبد الله الحسامي كَانَ أَمِيرا جَلِيلًا صَار أحد مقدمي الألوف بِالشَّام سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة وَولي كَفَالَة حماة فِي أَيَّام السُّلْطَان فرج بن برقوق وَجعله مرّة رَئِيس عسكره وَكَانَ أَولا يعرف بِابْن المهمندار وَهُوَ صَاحب الْوَقْف الْعَظِيم الْبَاقِي فِي يَد ذُريَّته بِدِمَشْق وحلب وَمِنْهُم الْفَقِير مؤلف هَذَا التَّارِيخ فَإِن حدتي وَالِدَة وَالِدي مِنْهُم وَهَذَا هُوَ الَّذِي لقب بالمنقار لِأَنَّهُ كَانَ لمطبخه طباخة مُسِنَّة وَكَانَ يُنكر عَلَيْهَا حسن الطَّبْخ مغضبا فَقَالَت لَهُ يَوْمًا إِلَى مَتى ترفع منقارك على تُرِيدُ بذلك رفع أَنفه عَلَيْهَا عِنْد غَضَبه فلقبه أعداؤه بالمنقار رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الصَّفَدِي الْمَعْرُوف بالخالدي الْفَقِيه الأديب الْحَنَفِيّ كَانَ إِمَامًا بارعا فَقِيها مطلعا وَكَانَ حسن المطارحة كثير الْفُنُون ولد بصفد وَبهَا نَشأ ثمَّ ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ البهنسي الْعقيلِيّ الشَّافِعِي الْمصْرِيّ وَأَجَازَهُ بالبخاري فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَعَن
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع