تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْهمزَة وَالْألف (١٤)

الصفحة ١ من ٢

وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فرأيته يقْرَأ قصيدة قافية لِابْنِ هاني الأندلسي ومطلعها قَوْله

قمن فِي مأتم على العشاقوجعلن الْحداد فِي الأحداق
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «قمن في مأتم على العشاق»

فَلَمَّا أتم قرَاءَتهَا اقترح عَليّ نظم قصيدة على وَزنهَا ورويها فنظمت هَذِه القصيدة ومطلعها قولي أمتدحه بهَا وَهِي

إِنَّمَا الدمع آيَة العشاقواحمرار الدُّمُوع حلى المآقي
لَا عدمت الْهوى وَإِن كَانَ يقْضِيبتلاف المتيم المشتاق
إِن عَيْشًا يمْضِي بِغَيْر تصابمَا لخلق يختاره من خلاق
وَمن الضيم أَن يبيت الْمَعْنىخَالِي لقلب من جوى واحتراق
لَا أرى صحوة لمخمور عشقأسكرته سلافة الأحداق
دوختني نَوَائِب الْحبّ لَكِنعَرفتنِي محَاسِن الْأَخْلَاق
أَيهَا الْقلب غير حرك هَذَاإِن صدا الحسان غير مطاق
وتنائي الديار يكبر عَنهُفِي فؤاد المضني تنائي الرفاق
يذهب الدَّهْر بَيْننَا لَا يواليبَين لحظ المنى وطيف العناق
من لقلبي الْمُذَاب إِن لج وجديوحنيني وَمن لدمعي المراق
فضلوعي رهن الأسى وفؤادينهب أَيدي الأشجان والأشواق
يَا سقِِي مألفا لنا بحمى الشَّامهزيم من الحيا المغداق
طالما بت فِي حماه وعيشيمَعَ آرامه شهي المذاق
نتروى من الصبوح ونفتضنسيم الشُّمُول فِي الاغتباق
ومحي بالشمس بدر فيسقىأنجم الشّرْب فِي سَمَاء الرواق
شادن موثق عهود التجنيوَأرَاهُ ضَعِيف عقد النطاق
يتثنى كَأَنَّمَا رَاح يخطوفَوق أحناء قلبِي الخفاق

فَلَمَّا انْتَهَيْت فِي الإنشاد إِلَى هَذَا الْبَيْت قَالَ هَذَا شعر معجب وَهَذِه القافية سيدة قوافيه فَقلت لَهُ صَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ فَفطن بالمراد وَقَالَ قد لَاحَ لي فِي الإحناء الانتقاد فلقت إِن رأى الْأُسْتَاذ أبدلتها بِلَفْظَة أفلاذ فَإِنَّهَا أقرب إِلَى الْقلب مِنْهَا وشفاف العشاق لَا يبعد عَنْهَا فأظهر بِمَا قلته ابتهاجه واهتز اهتزاز مرنح بصفو الزجاجة وَمِنْهَا

بَات عِنْدِي ألذ من قبْلَة الغيدوشهى من الشفاه الرقَاق
نجتني اللَّهْو يافعاً من غصونللأماني كالورد فِي الأطباق
بِحَدِيث كالزهر كلله الطلفضاهى قلائد الْأَعْنَاق
وسلاف تسرى من الرّوح مسرىمكرمات الشريف فِي الْآفَاق
سيد تستفيد مِنْهُ الْمَعَالِيلبنيها طرائق الأعراق
ذُو بنان تجْرِي بِخَمْسَة أَنهَارفتجري عوائد الأرزاق
وندى كالغمام لَيْسَ لَهُ برقسوى بشر وَجهه الْبراق
أشبه المرهف الْمحلى سوى أَنحلاه مَكَارِم الْأَخْلَاق
أَن تجاري الْكِرَام فِي حومة الْجُودرَأَيْنَاهُ أسبق السباق
من سراه ودادهم فرض عينمَا تحلى بحبهم ذُو نفاق
وبآثارهم تسامى بَنو إِسْمَاعِيلفخراً على بني إِسْحَاق
كلهم جَاءَت السِّيَادَة تنقادإِلَيْهِ بأوجب اسْتِحْقَاق
سبقوا الْعَالمين نَحْو الْمَعَالِيحَيْثُ حلوا والسبق حلي الْعتاق
وَأَقَامُوا فِي الله أَرْكَان دين الْحقبالبيض والدروع الوثاق
مَا عَسى يبلغ المديح علاهملَو تناهى فِي الْحصْر والإغراق
آل بَيت هم مَعْدن الْجُود والحلموَخير الْأَنَام بالِاتِّفَاقِ
إِن قلبِي لَهُم مُقيم على الْمِيثَاقمن قبل سَاعَة الْمِيثَاق
وانتسابي مِنْهُم لِأَحْمَد يقْضِيأنني عَبده بِغَيْر شقَاق
قيدتني نعماه بل أطلقتنيفَأَنا شَاكر على الْإِطْلَاق
وَمَتى رحت للهوان أَسِيرًافك أسرِي مِنْهُ وَحل وثاقي
وكفاني إِذا الْحَوَادِث أعطشنمسيلاً بسيبه الدفاق
قد كساني ثوب الْغنى وَأرَاهُعوضا لي عَن حلَّة الإملاق
فلأكسوه من نَسِيج ثنائيحللاً لَا تهمّ بالأخلاق
بقواف فِي جودة السبك تحكيجَوْهَر الْحلِيّ فِي عُقُود التراقي
كل معنى كالسحر يستره اللَّفْظوَحسن الأزهار بالأوراق
يَا أعز الورى حمى لَا يسامىوقف الدَّهْر فِيهِ ذَا إطراق
لَا عدمنا لقياك والعمر مناحَسبه من هُوَ النّيل التلاق
إِنَّمَا أَنْت بدر أفق الْمَعَالِيفابق فِي الدَّهْر زَائِد الْإِشْرَاق

وَاتفقَ لي فِي خدمته يَوْم من أَيَّام الْجنان قد غفلت عَنهُ عُيُون الْحدثَان فِي ظلّ رَبِّي هَب فِيهِ صبا فطال ريا وطاب ريا وَالْوَقْت منتسب إِلَى خلقه فِي اعتداله والزهر منتم فِي الْعرف لنشر خلاله فنظمت أبياتاً فِي وصف ذَلِك الْيَوْم وأنشدته إِيَّاهَا بِمحضر من الْقَوْم وَهِي

لله بُسْتَان حللناه ضحىوَالْوَرق تملى شجوها تغريدا
حاكت بِهِ أَيدي الْجنُوب وجودتفِي النسج حَتَّى ألبسته برودا
وتمايلت فِيهِ الغصون كخرّدتبدى لنا الْورْد الجني خدودا
والطل مطلول على حَافَّاتهيَحْكِي لدينا لؤلؤاً منضودا
أهْدى شذاه معنبراً فَكَأَنَّمَافِي كل عود مِنْهُ يحرق عودا
أَو أنّ خالطه سناء مملكطابت خلائقه فَكَانَ مجيدا
مَا إِن تصفحنا خلال كَمَالهإِلَّا رأنيا أحمداً مَحْمُودًا
هُوَ صَاحب النّسَب الرفيع مَحَلهقد طَابَ آبَاء زكتْ وجدودا
فالبحتري كَأَنَّمَا عَنهُ عَنىفِي بَيت شعر كَانَ فِيهِ مجيدا
نسب كأنّ عَلَيْهِ من شمس الضُّحَىنورا وَمن فلق الصَّباح عمودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
قد سَاد للرتب الجليلة سامياًأقرانه حَتَّى استبدّ فريدا
لَو أنّ منزلَة الغننى كمنا لَهُشرفاً إِذا جَازَ السماك صعُودًا
لَا زَالَ يبْقى فِي الْمَعَالِي لاقياًعَيْشًا على مر الزَّمَان رغيدا

وَلم يزل مُقيما بالروم وَالْأَحْوَال تنْتَقل بِهِ إِلَى أَن حصل لمَكَّة مَا حصل من الِاخْتِلَاف بَين الْأَشْرَاف فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَأرْسل إِلَى الشريف أَحْمد يَطْلُبهُ فَلَمَّا أَتَاهُ وَدخل قَامَ إِلَيْهِ وقابله فِي غَايَة الإجلال وَوضع كَفه بكفه وَصَافحهُ من قيام قَائِلا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأوّل خطاب من السُّلْطَان قَالَ لَهُ يَا شرِيف أَحْمد الْحجاز خراب أريدك تصلحه فامتثل ذَلِك فَعِنْدَ ذَلِك ألبسهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ جلس السُّلْطَان وَأمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ وَأعَاد عَلَيْهِ مَا قَالَه أولاّ مرَّتَيْنِ وَهُوَ يجِيبه بالامتثال وَالْقَبُول فَحِينَئِذٍ قَالَ السُّلْطَان إِذا آن أَوَان الشَّيْء أبرزه الله تَعَالَى وَأمر الْوَزير وَالْكتاب أَن يكتبوا لَهُ ملتمسه فَخرج الشريف وَقدم لَهُ مركوب من خيل السُّلْطَان ورحل على خيل الْبَرِيد إِلَى دمشق وَقد خرج مِنْهَا فَدخلت عَلَيْهِ مهنئاً لَهُ بالشرافة وأنشدته هَذِه الأبيات

الْحق عَاد إِلَى مَحَلهوَالشَّيْء مرجعه لأصله
يَا طالما وعد الزَّمَان بِهِوأعيانا بمطله
حَتَّى تحقق أَنهفِي النَّاس مفتقر لمثله
وَالسيف عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِيعرف فضل نصله
والدهر ينفر تَارَةوَيعود معتذراً لأَهله
لَا ريب قد سرّ الورىبفعاله الْحسنى وعدله
فَالْكل شَاكر صنعهولسانهم وصاف فَضله

وَأقَام بِدِمَشْق ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ خرج قَاصِدا الْحَاج حَتَّى لحقه بالعلا وَدخل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وتلقاه عسكرها وَلبس الخلعة السُّلْطَانِيَّة تجاه الْحُجْرَة الشَّرِيفَة كَمَا لبسهَا ثمَّة أَبوهُ ثمَّ دخل مَكَّة سَابِع ذِي الْحجَّة ختام سنة خمس وَتِسْعين وَألف من جِهَة أَسْفَلهَا ووراءه الْمحمل الْمصْرِيّ وَجَمِيع عَسْكَر مصر وَالشَّام وَجدّة وَركب بَين يَدَيْهِ قَاضِي مَكَّة وَأحمد باشا حَاكم جدة وَكَانَ موكباً عَظِيما فحج بِالنَّاسِ على أحسن حَال وَحصل لأهل مَكَّة بقدومه غَايَة السرُور وَاسْتمرّ شريفاً إِلَى أَن توفّي وَكَانَت

وَفَاته فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة تسع وَتِسْعين وَألف وَولي بعده الشريف سعيد بن أَخِيه الشريف سعد ثمَّ عزل وَولي بعده الشريف أَحْمد بن غَالب

الْمولى أَحْمد بن المنلا زين الدّين العجمي النخعواني الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد والوفاة قَاضِي الْقُضَاة الملقب بالمنطقي الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر الناثر أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر كَانَ فَاضلا سامياً هضبات الْأَدَب متفنناً بليغاً فِي إنشائه عذب الْمنطق سريع الْفَهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ روحاً كُله من فرقه إِلَى قدمه وَكَانَ ينظم وينثر فِي الألسن الثَّلَاثَة وَهُوَ فِيمَا عدا الْعَرَبِيّ نَسِيج وَحده ومفرد وقته وشعره فِيمَا بَين أهل الرّوم أغْلى قيمَة من الدّرّ وَذكر لي بعض الثِّقَات مِنْهُم أَن الأديب شَاعِر الرّوم فِي وقته سُلَيْمَان البوسنوي المنعوت بمذاقي وَهُوَ مِمَّن أَدْرَكته بالروم وسأذكره فِي كتابي هَذَا كَانَ يَقُول فِي شعر المنطقي أَن كل غزل من شعره يعادل ديواناً من شعر غَيره وَكنت وَأَنا بالروم جمعت من أشعاره حِصَّة وافرة فَأَرَدْت ذكر شَيْء مِنْهَا هَاهُنَا ثمَّ مَنَعَنِي من ذَلِك أَن أهل بِلَادنَا لَيْسَ لَهُم اعتناء بِهَذَا النَّوْع وغالب النساخ عندنَا لَا يعْرفُونَ التركية فكثيراً مَا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فَيَقَع التخبيط وَالْحَاجة لَيست بماسة لذَلِك جدا نعم هِيَ ماسة لدفع مَا يَقع بَين أدباء الْعَرَب من السُّؤَال عَن قوافي أشعار الرّوم بِسَبَب اتحادها فِي الصُّورَة وَلَو كثرت وَيَقُولُونَ إِن هَذَا يطاء تبعا للعربية فَهَذَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلم أر من تعرض لَهُ إِلَّا الْعِمَاد الْكَاتِب فِي خريدته فَإِنَّهُ قَالَ وللعجم قلت وَالروم تبع لَهُم مَذْهَب فِي الشّعْر مُخَالف لأسلوب الْعَرَب وَهُوَ أَنهم يجْعَلُونَ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة رديفاً يرددونه فِي كل بَيت مِثَال ذَلِك مَا نظمه الشَّاعِر

سل الصِّبَا هَل ورد الْورْديَا من عَلَيْهِ حسد الْورْد

ثمَّ قَالَ فالدال هِيَ الروي عِنْدهم والورد هُوَ الرديف مثل هَاء الضَّمِير فِي أسودها وأغيدها قَالَ وتذكرت هُنَا رباعيات لي وَهِي

اسْمَع مَا قَالَ عندليب الْورْدفالبلبل فِي الرَّوْض خطيب الْورْد
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، من قصيدة «أحاط بورد وجنته الجني»
الشّرْب على الْورْد نصيب الْورْدمَا يحسن أَن يضيع طيب الْورْد

وَأَيْضًا

كم حضر الراح وَغَابَ الْورْدحَتَّى عدم الراح فناب الْورْد
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، من قصيدة «أحاط بورد وجنته الجني»
لما عبق الراح وطاب الْورْدقُلْنَا جمد الراح وذاب الْورْد
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، من قصيدة «أحاط بورد وجنته الجني»

وَهَذَا كَلَام وَقع فِي الْبَين وَلَكِن مَا خلا من فَائِدَة فلنعد إِلَى تَتِمَّة تَرْجَمَة المنطقي

فَنَقُول وَأما شعره الْعَرَبِيّ فقليل وَقد أورد لَهُ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة قطعتين استحسنت إِحْدَاهمَا فأوردتها وَهِي هَذِه

سقت الرياض دموع عَيْني الْجَارِيَةفبدت تراجعها عُيُون باكيه
وسرت لأغصان الْوُرُود فَأَصْبَحتأكمامها مِنْهَا قلوباً داميه
دمعي تبدل بالشرار وَكَيف لَاوجحيم قلبِي فِيهِ نَار حاميه
مَاذَا عَليّ من الْجَحِيم وَلم تزلنَار الْمحبَّة فِي وجودي بَاقِيَة
يَا سادة لما بدا سلطانهمملك الْقُلُوب من الْأَنَام كَمَا هيه
تلوي غصون قد ودهم أَيدي الصِّبَاوَقُلُوبهمْ مثل الْحِجَارَة قاسيه
لم يبْق لي ثمن يُقَاوم وصلكمإِلَّا الْمحبَّة والمحبة غَالِيَة
الْجِسْم ذاب من الجفا وَالْقلب رهنعنْدكُمْ وَالروح مني عَارِية
منوا على بنظرة فوحقهاقسما بِمن يحيى النُّفُوس الفانية
لَو مر بِي مَيتا نسيم دِيَاركُمْسرت الْحَيَاة إِلَى عِظَامِي البالية

وَذكر مبدأ أمره أَنه ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ وبرع واشتهر وَأشهر من أَخذ عَنهُ الشّرف الدِّمَشْقِي وبرز بروزا غَرِيبا فَجَلَسَ لإلقاء الدُّرُوس وَهُوَ حدث السن جَدِيد العذار فَاجْتمع فِي حَلقَة درسة جمَاعَة من الأكراد والأعاجم ونبل قدره وَعلا صيته وَولى تدريس الْمدرسَة السليمية بصالحية دمشق وَكَانَت بيد الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن عماد الدّين الْعِمَادِيّ وَبعد مُدَّة أُعِيدَت إِلَى الْعِمَادِيّ فسافر المنطقي إِلَى حلب وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَاجْتمعَ ثمَّة بالوزير مُحَمَّد باشا السردار الْمعِين من جَانب السُّلْطَان أَحْمد إِلَى مقاتله شاه الْعَجم عَبَّاس خَان فحظى عِنْده بإقبال كثير وَقرر لَهُ الْمدرسَة وَعَاد إِلَى دمشق بمهابة عَظِيمَة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر ثَانِيًا إِلَى حلب صُحْبَة مَحْمُود الرُّومِي الدفتري بِدِمَشْق فَاجْتمع بقاضيها الأديب المنشئ الْمَشْهُور عبد الْكَرِيم ابْن سِنَان فَأحْسن إِلَيْهِ كل الْإِحْسَان وَلما عزل من قَضَاء حلب صُحْبَة إِلَى الرّوم وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف فَدخل إِلَى دَار السلطنة وَأقَام بهَا فَرغب كثر من كبرائها فِي معاشرته لحسن محاضرته وأدبه وحظي عِنْدهم ولازم ودرس بعد مُدَّة بعدة مدارس وَجمع مَالا كثيرا وجاها عريضا وترقى فِي الشُّهْرَة حَتَّى وصل خبر للسُّلْطَان مُرَاد فاتخذه نديم مَجْلِسه وَكَانَ يجْتَمع هُوَ ونفعي الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الندماء فِي الْمجْلس السلطاني وَيجْرِي بَينهمَا مكالمات ومخاطبات

تَأْخُذ الْعُقُول وَكَانَ كل مِنْهُمَا شَدِيد الْحَط على الآخر فِي غيبته وَمن أبلغ مَا وَقع بَينهمَا أَن السُّلْطَان أَمر صَاحب التَّرْجَمَة أَن يهجو نفعي فهجاه بقصيدة أفحش فِيهَا فَلَمَّا سَمعهَا نفعي استشاط غيظا وَجزم على مكيدته وَعرض فِي الْمجْلس السلطاني بِأَن المنطقي يحسن محاكاة كل جيل من النَّاس وَأَن أحسن مَا رَآهُ مِنْهُ محاكاة الفرنج فِي الملبس والمكاامة فَنَادَى السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة وَذكر لَهُ مَا قَالَه نفعي عَنهُ فَحلف الْأَيْمَان الأكيدة أَنه لم يصدر مِنْهُ مثل ذَلِك قطّ وَمَا زَالَ يتخضع ويبكي حَتَّى خلص نَفسه من هَذِه الورطة الَّتِي كَانَ أدنى عَاقبَتهَا الْقَتْل وَلما تحرّك الْجند على السُّلْطَان وَقتلُوا الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْحَافِظ انْقَطع صَاحب التَّرْجَمَة عَن صُحْبَة السُّلْطَان خوفًا من الْجند وَلزِمَ زَاوِيَة الْعُزْلَة وَظهر السُّلْطَان بعد ذَلِك على الْجند وَقتل مِنْهُم من قتل وَفرق شملهم فَظهر المنطقي إِلَى الْوُجُود إِلَّا أَنه ضرب بالحجاب بَينه وَبَين صُحْبَة السُّلْطَان كَغَيْرِهِ من الندماء وَلكنه بَقِي على التَّرَدُّد إِلَى مجَالِس الصُّدُور كالمفتي الْأَعْظَم الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّاء وَغَيره وَكَانَ كثير الْحَط على من يعاديه مغالياً فِي إِظْهَار زيف أَبنَاء عصره خُصُوصا أهالي بلدته دمشق وَذكر وَالِدي فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ يَوْمًا فِي مجْلِس الْمُفْتِي الْمَذْكُور فوصلت إِلَيْهِ قصيدة أرسلها إِلَيْهِ أديب دمشق أَحْمد بن شاهين ومطلعها

لَا يسلني عَن الزَّمَان سؤولإنّ عتبي على الزَّمَان يطول

فَنَاوَلَهُ الْمُفْتِي قرطاسها وَأمره بِقِرَاءَتِهَا فابتدر يقْرؤهَا ويحاكي ناظمها فِي حركاته وإنشاده الشّعْر وَكَانَ على طَريقَة أبي عبَادَة البحتري فِي إنشاده الشّعْر يتشدّق ويهز رَأسه ومنكبيه وَيُشِير بكمه وَيقف عِنْد كل بَيت وَيَقُول أَحْسَنت أَو أَجدت أَو مَا شاكلها إِلَى أَن أتم قرَاءَتهَا على هَذَا الأسلوب فَبلغ ابْن شاهين مَا فعله فَجهز قصيدة ثَانِيَة إِلَى الْمُفْتِي الْمَذْكُور ومطلعها قَوْله

غب لثم الأعتاب بعد الدُّعَاءبشفاه لم تنو غير الشِّفَاء

وَذكر فِيهَا فصلا يعرض بالمنطقي وَهُوَ فِي بَابه مستعذب جدّاً وَذَلِكَ قَوْله فِيهَا

وأناس من الشآم نعتهمشامنا فِي جَوَانِب الغبراء
تَركتهم لَا يألفون خَلِيلًامن جَمِيع الورى لفقد الْوَفَاء
خَرجُوا يطْلبُونَ فضل ثواءليتهم قد رَضوا بِفضل الثراء
ألفوا الْكسْب من وُجُوه البرايامَا دروا قدر مكسب الْآبَاء
برح الْعَجز فيهم فتراهميَبْتَغُونَ الْغَدَاء وَقت الْعشَاء
قد أراقوا مَاء الحيا والمحياثمَّ حدوا فِي الْكَذِب والافتراء
رُبمَا هجنوا لديك ثنائيرُبمَا حسنوا لديك ازدرائي
رُبمَا حاولوا حِكَايَة صوتيفأخلوا بِحسن ذَاك الْأَدَاء
لَيْسَ عِنْدِي وَأَنت ذخري مِنْهُمغير مَا بالجوزا من العُوّاءِ
أَنا يَا سَيِّدي سُهَيْل عَلَيْهِموطلوعي يضرّ نسل الزناء

هَذَا الْبَيْت مَأْخُوذ من قَول المتنبي

وتنكر مَوْتهمْ وَأَنا سُهَيْلطلعت بِمَوْت أَوْلَاد الزناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

وَالْعرب تزْعم أَن سهيلاً إِذا طلع وَقع الوباء فِي الأَرْض وَكثر الْمَوْت يَقُول فَأَنا سُهَيْل على أَوْلَاد الزناء خَاصَّة أَي أَنهم يموتون حدا لي وَبَعض النَّاس يَقُول إِن ولد الزِّنَا اسْم لدويبة ترصف إِذا طارت بِاللَّيْلِ وَإِنَّهَا تَمُوت إِذا طلع سُهَيْل وَلَا أَدْرِي صِحَّته وَالله تَعَالَى أعلم وَلم يزل المنطقي على حَالَته الْمَذْكُورَة حَتَّى صَار قَاضِي قُضَاة حلب وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الشَّام فوردها وَكَانَ سيره بهَا حسنا ومدحه شعراء ذَلِك الْعَصْر بالقصائد الطنانة وأجود مَا مدح بِهِ قصيدة الْأَمِير المنجكي الَّتِي مطْلعهَا قَوْله

ورد الرّبيع فَقُمْ لحث الكاسودع الْمقَام بِأَرْبَع أدراس

يَقُول مِنْهَا فِي مديحه

قَاض تودّ لَو انها فرشت لَهُعِنْد الْقدوم كواكب الأغلاس
بيدَيْهِ حل المعضلات وكشفهاوجلاية الجلى وَرفع الباس
وَله سِهَام عَدَالَة لَو فوّقتتركت متون الْجور كالأقواس
لما سهرت على مدائحه الَّتِيجعلت عداي من الردى حرّاسي
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «وفد الربيع فقم لحث الكاس»
ودّ الْهلَال لَو استقام وَأَنهأَمْسَى لديّ مكانة النبراس
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «وفد الربيع فقم لحث الكاس»

ووجهت حُكُومَة الشَّام فِي أَيَّام قَضَائِهِ إِلَى مصاحب السُّلْطَان مُرَاد الْوَزير مصطفى باشا السلاحدار فَأرْسل من قبله لضبطها رجلا يُقَال لَهُ عُثْمَان الجفتلري وَهُوَ الَّذِي صَار حَاكما مُسْتقِلّا بِالشَّام فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف ووقف الْوَقْف الَّذِي لَهُ على أَجزَاء تقْرَأ فِي الْجَامِع الْأمَوِي بعد صَلَاة الظّهْر فِي المعزية الصَّغِيرَة الْوُسْطَى قبالة محراب الْحَنَابِلَة فاتفق أَنه وَقع بَينه وَبَين صَاحب التَّرْجَمَة لمَنعه إِيَّاه عَن بعض الْمَظَالِم فَعرض فِيهِ بِمَا لَا يَلِيق عرضه وَأسْندَ إِلَيْهِ أموراً مِنْهَا هدم قبَّة المزار الْمَنْسُوب

لسيدي عبد الرَّحْمَن حفيد سيدنَا أبي بكر الصّديق ﵁ بمقبرة الفراديس وَكَانَ هَدمه بِسَبَب أَنه كَانَ يصير فِيهِ بعض مناكر من الْفُسَّاق وَمِنْهَا أَنه ورد أَمر فتح قلعة روان حِين أخذت من يَد شاه الْعَجم عَبَّاس شاه وَاتفقَ يَوْمئِذٍ وجود القَاضِي فِي الصالحية فَأرْسل إِلَيْهِ الْخَبَر فتباطى فِي النُّزُول وَحُضُور الدِّيوَان وَمِنْهَا أَنه رُبمَا أطلق لِسَانه فِي أَرْكَان الدولة وَمِنْهُم الْوَزير الْمَذْكُور فَبعد مُدَّة قَليلَة من إرْسَال الْعرض ورد خبر عَزله عَن قَضَاء الشَّام ثمَّ ورد أَمر شرِيف بقتْله فَأخذ إِلَى قلعة دمشق وخنق بهَا وَاتفقَ يَوْم وُصُول خبر قَتله دُخُول الْمولى عبد الله بن عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان قَاضِي مصر إِلَى الشَّام وَجرى ذكر المنطقي مَجْلِسه وَمَا وَقع لَهُ من الخنق فَقَالَ متمثلاً إِن الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق وَكَأَنَّهُ أحَال ذَلِك على سَبَبِيَّة إِطْلَاق لِسَانه فِي حق بعض الصُّدُور وَقيل فِي تَارِيخ قَتله قل مسْقط الرَّأْس دمشق وَحكى أَنه لما ولي قَضَاء الشَّام ذهب إِلَى الْمُفْتِي الَّذِي ولاه الْمولى يحيى الْمَذْكُور آنِفا بالتشكر مِنْهُ ففاءله بالتبريك بِأَن قَالَ لَهُ أول شام وَآخر شام وَكَانَ ذَلِك جرى على لِسَانه بالهام فَوَقع مَا قَالَه وَهَذِه اللَّفْظَة يستعملها أهل الرّوم من قبيل الْمثل وَلم أَقف على أَصْلهَا وَإِن كَانَ معنى شقها الثَّانِي صَحِيحا بِاعْتِبَار أَن الشَّام أَرض الْمَحْشَر والمنشر وَأما بِاعْتِبَار شقها الأول فَمَا أَدْرِي وَجه الأولية وَالله تَعَالَى أعلم وَبِالْجُمْلَةِ فقد عَاشَ المنطقي حميدا وَمَات شَهِيدا فرحم الله تَعَالَى فضائله ومعارفه وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَمَات صَبِيحَة الْجُمُعَة ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وضبطت أَمْوَاله لجِهَة بَيت المَال وَصلى عَلَيْهِ بعد أَدَاء صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من قبر أبي شامة والنخجواني بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْخَاء المنقوطة وَضم الْجِيم ثمَّ وَاو بعْدهَا ألف وَنون بَلْدَة بالعجم مَعْرُوفَة

الشَّيْخ أَحْمد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أحد السَّادة البكرية شيخ وقته بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ لَهُ الْأَدَب الباهر وَالْعلم الزاخر تصدر بعد موت عَمه أبي الْمَوَاهِب وَعقد مجْلِس التَّفْسِير فِي بَيته بالأزبكية وَجمع فِيهِ عُلَمَاء الْعَصْر وأذعنوا لَهُ وَظَهَرت لَهُ أَحْوَال باهرة وَحج مرَارًا ورزق فِي الْقبُول التَّام فِي جَمِيع حالاته وَكَانَ صَاحب أَخْلَاق حَسَنَة وَفِيه سخاء وتلطف وقصده الشُّعَرَاء من كل نَاحيَة ومدحوه وَمِنْهُم من فتح الله بن النّحاس الْحلَبِي فَإِنَّهُ مدحه بقصائد وأجودها قصيدته البائية الَّتِي مطْلعهَا

عطف الْغُصْن الرطيبوتلافانا الحبيب

وَهِي مَشْهُورَة فَلَا نطيل بذكرها سوى مَا قَالَه مِنْهَا فِي مدحه وَذَلِكَ قَوْله

أَحْمد الْبكْرِيّ فِيمنبرها الْيَوْم خطيب
للشاعر ابن النحاس الحلبي، اقرأ القصيدة
ابْن زين العابدينالسَّيِّد الْبر الوهوب
للشاعر ابن النحاس الحلبي، اقرأ القصيدة
ابْن من يصدع بِالْحَقِّويقفو وينيب
ابْن من كَانَ بِهِ الْغَوْثمَعَ الْغَيْث يصوب
شَاهد الحضرة واختصوناجته الْغُرُوب
واستمرّ الْفَيْض للأستاذوَالْفَتْح قريب
بلبل الْحق لِسَان الْغَيْبهطال سكوب
صفع الدَّهْر بكفمَا لَهَا الدَّهْر قتوب
قامع الكرب وَقد حلمن الْقلب الكروب
ضَاحِك الْوَجْه وَهل فِيطلعة القطب قطوب
للشاعر ابن النحاس الحلبي، اقرأ القصيدة

وَقد تَرْجمهُ صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فِي مَجْمُوعه فَقَالَ فِي حَقه شهَاب الْأَئِمَّة وفاضل هَذِه الْأمة وملث غمام الْفضل وَكَاشف الْغُمَّة شرح الله تَعَالَى صَدره للعلوم شرحاً وَبنى لَهُ من رفيع الذّكر فِي الدَّاريْنِ صرحا إِلَى زهد أسس بُنْيَانه على التَّقْوَى وَصَلَاح آهل بِهِ ربعه فَمَا أقوى وآداب تحمر خدود الْفضل من آنافها خجلا وشيم أوضح بهَا غوامض مَكَارِم الْأَخْلَاق وجلا وفلاح يشرق من محياه وَطيب أعراق يفوح من نشر رياه ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ واشتغل بفنون الْعُلُوم وكرع من مشارع الفهوم وَقَرَأَ على عَمه الْأُسْتَاذ أبي الْمَوَاهِب وَأَبِيهِ وَغَيرهمَا من مَشَايِخ عصره وتصدّر للإقراء بالجامع الْأَزْهَر فأشرق فِيهِ نوره وأزهر وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِي عُلُوم الطَّرِيق ومزيد الإتقان مَعَ كرم يخجل المزن لَهَا طل وشيم يتحلى بهَا جيد الزَّمَان العاطل وجاه عريض وتمكين وَمَكَان عِنْد النَّاس مكين يستلمون أَرْكَانه كَمَا تستلم أَرْكَان الْبَيْت الْعَتِيق ويتنسمون أخلاقه كَمَا يتنسم الْمسك الفتيق والنور يسطع من أسارير جَبهته والعز يطلع فِي آفَاق طلعته وَمن مؤلفاته كتاب جعله على أسلوب لوعة الشاكي ودمعه الباكي سَمَّاهُ رَوْضَة المشتاق وبهجة العشاق وَله شعر يدل على علو مَحَله وإبلاغه هدى القَوْل إِلَى مَحَله فَمِنْهُ قَوْله

أحنّ إِذا جنّ الظلام تشوّقاًإِلَى زمن بِالْقربِ زَاد تألّقا
وأقطع ليلِي ساهراً متفكراًلَعَلَّ زمَان الْأنس يسعف باللقا

قلت وَله ديوَان شعر أَكثر مَا فِيهِ ألغاز وَكَانَ لَهُ فِيهَا بَاعَ طَوِيل فَمن ذَلِك قَوْله

غزالة فِي بردهَا رافلهتقتنص الْأسد من القافله
فِي حرم الْأَمْن وَقد خلتهاقَائِمَة بِالْفَرْضِ والنافله
قلت لَهَا رقي فَقَالَت لمنكَأَنَّهَا عَن مطلبي غافله
ثمَّ انْثَنَتْ تلغز لي باسمهالغزاً بِهِ أقكارنا كافله
مَا اسْم خماسي وَتَصْحِيفهشبه بدور لم تكن آفله
فِي سنة الْمُخْتَار خير الورىبَيَانه وَهِي لَهُ شامله
فِي سنة نبه متسيقظاًوَإِن تشا فِي سنة كَامِله

وَمن قَوْله أَيْضا

وَحقّ حمرَة خدٍّتثير بِالْقَلْبِ جمره
تطفي لجمرة ثغربَيْضَاء فِي الكاس حمره
تجلى لخمرة فضلتزيد بالشرب خمره

وَمن نثر لَهُ جَوَاب لغز فِي الْحَوْرَاء كتب بِهِ للوارثي الْمصْرِيّ الْآتِي ذكره قَرِيبا أَجدت أَيهَا الجهبذ الْهمام وحليب بجواهر زواهر الدُّرَر أجياد الْكِرَام واستجليت على منصة فكرتك حور الْجنان واستخليت بهَا فِي مقاصير الحسان فافتر ثغر حسنها للقياك وروت لَك رِوَايَة بشر عَن الضَّحَّاك فصابح الله صباحة وَجهك بوجهها الْحسن وَلَا زَالَت تخدمك الْمعَانِي بأنضر فنن وَله ملغزاً فِي أَشهب مَا علم مُفْرد مركب وضع لحيوان يركب إِن رفعت رَأس زمامه دلّ على اسْم جمع نارى فِي الْتِزَامه إِن أتيت بِرَأْسِهِ إِلَى قدامه فاستعذ بِاللَّه من سهامه مَعَ أَنه على حَقِيقَة الِانْفِرَاد إِمَام تزيد فِيهِ اعْتِقَاد وتفتدي بأَمْره وَنَهْيه وعدله وَقد شهد الْعلمَاء بفضله خُصُوصا أهل مذهبكم الشريف وَلَا يحْتَاج إِلَى تَعْرِيف وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وأرخ مَوته عبد الْبر الفيومي بقوله بجنة الفردوس أَحْمد يُقيم

أَحْمد بن سراج الدّين الملقب شهَاب الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الشَّيْخ الرئيس الطَّبِيب الْفَاضِل أَخذ الْعُلُوم عَن الشَّيْخ الإِمَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَالْإِمَام الفهامة مُحَمَّد بن محيي الدّين بن نَاصِر الدّين التحريري وَولده الرئيس الشهير

سري الدّين وَبِه انْتفع فِي الطِّبّ وَتَوَلَّى قَدِيما تدريس الْحَنَفِيَّة بِالْمَدْرَسَةِ البرقوقية وَمَات عَن مشيخة الطِّبّ بدار الشِّفَاء المنصوري ورياسة الْأَطِبَّاء قَالَ الشَّيْخ مَدين وَكَانَت وِلَادَته كَمَا أخبرنَا بِهِ فِي خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن خَارج بَاب النَّصْر وَلم يعقب إِلَّا بِنْتا وتولت مَكَانَهُ مشيخة الطِّبّ

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع