تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٥)

الصفحة ١ من ٢

حِين دخل الْمَدِينَة فَكَانَ كلما مر على دَار من دور الْأَنْصَار يَدعُونَهُ إِلَى الْمقَام عِنْدهم يَا رَسُول الله

هَلُمَّ إِلَى الْقُوَّة والمنعة فَيَقُول خلوا سَبِيلهَا يَعْنِي النَّاقة أَنَّهَا مأمورة وَلم يَزُجّ من زمامها وَلم يحولها وَهِي تنظر يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى إِذا أَتَت دَار مَالك بن النجار بَركت على بَاب الْمَسْجِد وَهُوَ يَوْمئِذٍ لسهل وَسُهيْل ابْني رَافع بن عَمْرو وهما يتيمان فِي حجر معَاذ بن عفراء وَيُقَال أسعد بن زُرَارَة وَهُوَ الْمُرَجح ثمَّ ثارت وَهُوَ

عَلَيْهَا حَتَّى بَركت على بَاب أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ثمَّ ثارت مِنْهُ وبركت فِي مبركها الأول وَأَلْقَتْ جِرَانهَا بِالْأَرْضِ يَعْنِي بَاطِن عُنُقهَا أَو مقدمها من المذبح ورزمت يَعْنِي صوتت من غير أَن تفتح فاها فَنزل عَنْهَا رَسُول الله

وَقَالَ هَذَا الْمنزل إِن شَاءَ الله وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب رَحْله وَأدْخلهُ بَيته وَمَعَهُ زيد بن حَارِثَة وَكَانَت دَار بني النجار أَوسط دور الْأَنْصَار وأفضلها وهم أخوال عبد الْمطلب جده ﵊ كَذَا فِي الْمَوَاهِب اللدنية للقسطلاني عود إِلَى تَمام سيرة ابْن هِشَام وَابْن سيد النَّاس وَخير الْأَنَام الني هِيَ أزكى من الرَّوْض الْأنف يفتر عَن زهر الكمام ثمَّ انثالت إِلَيْهِ من أَبنَاء الشَّهْبَاء عُيُون أعيانها من وُجُوه علمائها واشرافها الَّذين هم إِنْسَان حدقة انسابها انثيال الدّرّ إِلَى الْوَاسِطَة من عقد النَّحْر واحتفت بِهِ احتفاف النُّجُوم بالبدر فَمن دَعَاهُ نَادِيه فلباه حظي بإقبال وَجهه وطلعة محياه فرأيناه يحاضرنا بأخبار الشريف الرضي من وَجه مذْهبه فِي البلاغة وضي وَطَرِيقه وَهُوَ أَخُو المرتضى مرضى ويلهج كثيرا بأخباره ويحفظ أغلب أشعاره فمدحته بقصيدة مطْلعهَا

لله أكناف بخيفطابت وطاب بهَا وُقُوفِي

إِلَى أَن قلت فِي التَّخَلُّص إِلَى المديح

وَإِذا طلبت عريفهمولأنت بالفطن العريف
فَهُوَ الشريف ابْن الشريفابْن الشريف ابْن الشريف

فقابل لَدَى إنشادها طَربا وَأظْهر إعجابا بهَا وعجبا قَائِلا لَا فض الله فَاك وَكثر من أمثالك فَقلت اسْتَجَابَ الله دعَاك كَمَا اسْتَجَابَ من جدك رَسُول الله

حِين أنْشدهُ النَّابِغَة الْجَعْدِي

بلغنَا السما مجدا وجودا وسودداوَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فَقَالَ لَهُ

إِلَى أَيْن يَا ابْن أبي ليلى قَالَ إِلَى الْجنَّة يَا رَسُول فَقَالَ أجل ثمَّ قَالَ

وَلَا خير فِي حكم إِذا لم يكن لَهُحَكِيم إِذا مَا أورد الْأَمر أصْدرَا

فَقَالَ

لَا فض الله فَاك فَبلغ عمره مائَة سنة وَلم يتَغَيَّر لَهُ سنّ بل كَانَ أحسن النَّاس ثغرا ثمَّ قصد الشريف الْمَزْبُور دَار السلطنة فلقي سُلْطَان الْوَقْت إِذْ ذَاك مُرَاد الْغَازِي ومدحه بقصيدته الَّتِي مطْلعهَا قَوْله

أَلا هبي فقد بكر النداماوَمَج المرج من ظلم الندى مَا

مِنْهَا

فيا ملك الْمُلُوك وَلَا أحاشيوَلَا عذرا أسوق وَلَا احتشاما
أنفت بأنني أَلْقَاك مِنْهُمبِمَنْزِلَة الرِّجَال من الْأَيَامَى
إِلَى جدواك كلفنا المطايادواما لَا نفارقها دواما
صلينَا من سموم القيظ نَاراتكون ببردك الناشي سَلاما
وخضنا الْبَحْر من ثلج إِلَى أَنحسبناه على البيدا الكماما
نَؤُم رحابك الفيح اشتياقاونأمل مِنْك آمالا جِسَامًا
وَمن قصد الْكَرِيم غَدا أَمِيراعلى مَا فِي يَدَيْهِ وَلنْ يضاماا
وحاشا بحرك الْفَيَّاض أَنانرد بغلة عَنهُ هياما
وَقد وافاك عبد مستهيجندى كفيك والشيم الضخاما
وَحسن الظَّن يقطع لي بِأَنِّيأنال وَإِن سما مِنْك المراما
وَلَا بدع إِذا وافاك عاففَعَاد يَقُود ذَا الْجب لهاما
فقد نزل ابْن ذِي يزن طريداعَليّ كسْرَى فأنزله شماما
أَتَى فَردا فآب يجر جَيْشًاكسا الآكام خيلا والرغاما
بِهِ استبقى جميل الذّكر دهراوَأَنت أجل من كسْرَى مقَاما

(وَسيف لَو سمادوني فَإِنِّي عصامي وأسموه عظاما)

بفاطمة وابنيها وطهوحيدرة الَّذِي أشفى السقاما
عَلَيْهِم رَحْمَة تهدي سَلامايكون لنشرها مسكا ختاما
وَفِي أملي بِأَن يجْزِيك عنيبِي عَفوه ويطفي الأواما
فَخذ بيَدي وسنمنى محلابقربي مِنْك فِيهِ لن أسامى
وهب لي منصبي لتنال أجريوشكري مَا بقيت بهَا لزاما
فقد لعبت بِبَيْت الله حَقًازعانف يسْتَحلُّونَ الحراما
أغثه فَلَيْسَ مسئول غَدَاةالْمعَاد سواك إِن بعثت قيَاما
وَفك أَسِير أسر لَيْسَ يرضىبِأَن يغشى وَإِن خَفِي الملاما
فَقل سل تعط أَعْطَاك الَّذِي لميخف نقصا وَلم يخْش انتقاما
مدى الْأَيَّام تخْفض ذَا اعوجاجوترفع من أطاعك واستقاما
وَدم فِي دَار عمرك والأعاديتمنى فِي مضاجعها الحماما

قَوْله فقد نزل الأبيات يلمح إِلَى قصَّة سيف ذِي يزن لما تغلبت الْحَبَشَة على ملك الْيمن فَنزل بكسرى مستنجدا فأمده بِجَيْش انقشعت بِهِ غمامتهم فَعَاد سيف قرير الْعين إِلَى ملكه وَسكن غمدان قصره وَرجع إِلَى صولته وفتكه فانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب بالتهنئة من كل فج عميق وَكَانَ من جُمْلَتهمْ عبد الْمطلب جدا النَّبِي

وَهُوَ إِذْ ذَاك معرف قُرَيْش العريق وَالنَّبِيّ

رَضِيع فِي المهاد محفوف بعيون الْعِنَايَة والاسعاد فَأخْبرهُ سيف أَنه سينجم أمره ويطلع بدره فِي قصَّة يطول شرحها مستوفاة فِي كتب السّير فَجعل صَاحب التَّرْجَمَة نَفسه كسيف وسلطان الْوَقْت ككسرى وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَجْعَل سُلْطَان الْوَقْت كقيصر لكَونه ملك الرّوم إِلَّا أَنه تحاشى عَن ذَلِك لكَون قَيْصر لما قَصده سيف لم ينجده وَلم يجبهُ إِلَى مُرَاده بل اعتذر إِلَيْهِ بانا نَحن والحبشة اخوان لكوننا جَمِيعًا أهل كتاب فَرجع من عِنْده خائبا قَالَ العرضي وَكَانَت رفادة الْبَيْت وسقاية الْحَاج الْمعبر عَنْهَا الْآن بسلطنة الْحَرَمَيْنِ مفوضا أمرهَا إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا أَنه فاضت فِي زمن تَوليته فتن ادت إِلَى خلعه وتولية ابْن عَمه الشريف زيد بن محسن بن حُسَيْن فسكن بيمن تَوليته نابض الْفِتْنَة وأخمد بِنور طلعته نَار المحنة وَكَذَا النُّور يخمد النيرَان فَلم يقر لصَاحب التَّرْجَمَة قَرَار دون أَن ينشر على رَأسه لواؤها وَالْعلم فَركب ابله وَجعل اللَّيْل جمله يفلي شعر الفلاة بِمشْط كل حافر ومنسم فَوجه تِلْقَاء مَدين دَار السلطنة العادلة رجاه ضَارِبًا بعصا تسياره أَحْجَار عرصاتها لينجز لَهُ مَا يترقبه ويتمناه من انعطاف السلطنة إِلَيْهِ ثَانِيًا فَلِذَا استماح سُلْطَان الْوَقْت بقوله وَقد أضحى لعنان همته ثَانِيًا ثمَّ ذكر قِطْعَة من قصيدته الْمُتَقَدّمَة قلت قد وقفت لَهُ على أشعار كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا فِي النفحة الَّتِي ذيلت بهَا على الريحانة حِصَّة وافرة وقصيدته السينية الَّتِي مطْلعهَا قَوْله

حث قبل الصَّباح نجب كؤوسيفَهِيَ تسرى مسرى الفذافي فِي النُّفُوس

سائرة مَشْهُورَة فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا هُنَا وَكَانَ نظمها فِي طرسوس الْبَلدة الْمَعْرُوفَة

قرب طرابلس الشَّام فَإِنَّهُ كَانَ مر عَلَيْهَا قادما من نَاحيَة مصر على طَرِيق السَّاحِل وَبعد مَا عَاد من الرّوم مَاتَ فِي الطَّرِيق وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

الْأَمِير أَحْمد بن مطاف أَمِير الْأُمَرَاء بحلب ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته لم يزل يتدرج إِلَى المناصب حَتَّى تولى كَفَالَة حلب وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام وَقع الْحَرِيق فِي سوق العطارين وَذهب للنَّاس أَمْوَال كَثِيرَة مَعَ أَن هَذَا الْأَمر لم يعْهَد فِي حلب قيل سَببه أَن بَعضهم نسي فِي الشقف بعض نَار وَقيل أَن جمَاعَة الكافل فعلوا ذَلِك عمدا حَتَّى يغرموا النَّاس الْأَمْوَال وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَالَّذِي قَالَه بعض أَرْبَاب الْعُقُول الْحَسَنَة أَن هَذَا الْأَمر وَقع من غفل رجل عَن النَّار وَظهر فِي زَمَنه من الْعَرَب فَسَاد كثير من قطع الطَّرِيق وَأخذ أَمْوَال النَّاس حَتَّى ركب ابْنه درويش بك بعساكر حلب نَحْو ألف فَارس وَكَانَ أَمِير الْعَرَب عرار خَال دندن فَاقْتَتلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَر حلب فَكَانَ عرار يتبعهُم وَحده وَيقتل مِنْهُم ويفرّ وَمن تَحْتَهُ فرسه الَّتِي لَا تسابق وَعَلِيهِ الدرْع الَّذِي لَا تعلم فِيهِ السِّهَام وَلَا السيوف قيل وَلَا المكاحل وَاسْتمرّ يتبعهُم إِلَى قرب حلب وَكَانَ عرار فِي الشجَاعَة والفروسية لَا يُطَاق وعاش درويش بعد وَالِده مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ من أكَابِر أَعْيَان المتفرقة وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد نصوح باشا وسعى على قتل السَّيِّد حُسَيْن نقيب الْأَشْرَاف بتحسين أَخِيه السَّيِّد لطفي قَائِلا لَهُ إِن أخي يفعل كَذَا وَيفْعل كَذَا وَسَيَأْتِي خبر قتل السَّيِّد حُسَيْن ثمَّ لما وَقعت الْفِتْنَة بَينه وَبَين حُسَيْن باشا ابْن جانبولاذ وَكَانَ يتهم درويش بك فِي أَنه هُوَ الَّذِي حسن لنصوح باشا كل هَذِه الْأُمُور فَلَمَّا ملك حُسَيْن باشا حلب وَصَارَ كافلها حبس درويش بك فِي القلعة وخنقه لَيْلًا وعلقه على بَاب الْحَبْس وَقَالَ إِن درويش بك هُوَ الَّذِي قتل نَفسه تجَاوز الله عَن الْجَمِيع وَكَانَ قَتله فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَأَبوهُ صَاحب التَّرْجَمَة مَاتَ قبله وَهُوَ باني الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بِهِ بحلب وَقد شَرط لمدرسها فِي الْيَوْم عشر قطع فضية فِي قَول عشْرين عثمانياً صَحِيحا وَاتخذ لَهُ ثَلَاثِينَ جُزْءا من كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ ختم كَامِل وَبنى لَهُ مدفناً وَله خَان وَبَعض دكاكين وَقفهَا على هَذِه الْخيرَات وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمحلة الجلوم رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ أَحْمد السطيحة بن المقبول بن عبد الْغفار بن أبي بكر بن المقبول تعيش

الصَّائِم رَمَضَان فِي المهد ابْن أبي بكر صَاحب الْخَال الْأَكْبَر بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن أبي الْأَوْلِيَاء سُلْطَان العارفين بِاللَّه أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ صَاحب اللِّحْيَة الَّذِي قَالَ فِي شَأْنه الْوَلِيّ الْكَبِير أَبُو الْغَيْث بن جميل حِين زَارَهُ وتعاطى خدمته بِنَفسِهِ وَقد سَأَلَ تلامذته عَنهُ وَعَن سَبَب تعاضيه خدمته بِنَفسِهِ دون غَيره من أَتْبَاعه أَنه مَا على الله الْآن أكْرم مِنْهُ وَأَن لَهُ لِوَاء يعرف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وأكون أَنا وَأَنْتُم تَحت لوائه الإِمَام الْعقيلِيّ أحد أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الْكِبَار الَّذين اشتهروا فِي سَائِر الأقطار فعمت بركاته وعظمت حالاته مولده اللِّحْيَة وَبهَا نَشأ وأقعد وَهُوَ صَغِير وَأخذ عَن أكَابِر الشُّيُوخ وَعنهُ أَخذ كثير من العارفين مِنْهُم الْخَتْم الإلهي أَحْمد بن مُحَمَّد القشاشي وَالْوَلِيّ الشهير مَقْبُول المحجب الزَّيْلَعِيّ وَغَيرهمَا وَمن كراماته أَن بعض السَّادة جَاءَهُ وَهُوَ مقْعد وَكَانَ يتَعَلَّم الْقُرْآن وَهُوَ صَغِير جدا فَقَالَ لَهُ فِي أُذُنه لما رأى الْأَطْفَال قَامُوا يتمشون ويلعبون بعد انفضاضهم من الْقِرَاءَة نقيمك يَا سطيحة تمشي مَعَهم فَقَالَ لَهُ مجيباً إِن أقمتنا أقعدناك فصاح وَخرج هَارِبا وَمِنْهَا أَنه قبل مَوته بأيام كَانَ يَقُول لزوجته إِذا مت فَلَا تصيحوا وَلَا تنوحوا عَليّ فَإِنِّي مُتَوَجّه من مَكَان إِلَى آخر وَهِي تَقول لَهُ وَكَانَت هِيَ أَيْضا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مَا يُمكن نخالف عَادَة أهل بلدنا فَإِذا لم نَفْعل ذَلِك يعيبوننا وَيَقُولُونَ إِنَّك عندنَا ممتهن فَقَالَ لَهَا إِن كُنْتُم تَفْعَلُونَ ذَلِك تفتشون عَليّ مَا تجدوني فَلَمَّا مَاتَ ناحوا عَلَيْهِ وَبكوا فَلَمَّا جهزوه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَسْجِد للصَّلَاة عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هم ينتظرون إِمَام الْمَسْجِد ليُصَلِّي عَلَيْهِ جَاءَ بعض النَّاس ومسه ليتبرك بِبدنِهِ فَلَمَّا وضع يَده على السَّاتِر الَّذِي يضعونه فَوق التابوت على الْمَيِّت لم يجده فِي التابوت فَأخْبر النَّاس فضحوا وتحيروا وصاروا يفتشون عَلَيْهِ ويظنون أَنه سقط حَتَّى جَاءَ بعض أكَابِر السَّادة بني الزَّيْلَعِيّ فَأَمرهمْ أَن يقرؤا سُورَة يس أَرْبَعِينَ مرّة فَلَمَّا أتموها وجدوه مَكَانَهُ وَكَانَت وَفَاته نصف لَيْلَة الْأَحَد ثامن شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف باللحية وَدفن بِقرب تربة جده الْفَقِيه أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى

الْمولى أَحْمد بن نور الله البولوي نزيل قسطنطينية الْمَعْرُوف بذكي قَاضِي الْقُدس الشريف أحد من لَقيته من فضلاء اروم وأدبائها البارعين وَهُوَ أمثلهم فِي معرفَة فنون الْأَدَب واللغة وأرواهم للشعر الْعَرَبِيّ وأحفظهم للوقائع وَالْأَخْبَار وَكَانَ مَعَ ذَلِك متقناً للفقه والفرائض والصول كثير الْإِحَاطَة بمسائلها وَقد جمع إِلَى

تَحْقِيق الْعَجم فصاحة الْعَرَب وَكَانَ أستاذي عَلامَة الرّوم الْمولى شيخ مُحَمَّد بن لطف الله الْمَعْرُوف بعزتي يعظمه وَيعرف قدره ويقدمه وَهُوَ أحد أَتْبَاعه وملازميه وَصَحبه إِلَى دمشق ومصر أَيَّام قَضَائِهِ فيهمَا وولاه فيهمَا الْقِسْمَة وَكنت وَأَنا بالروم لَزِمته للأخذ عَنهُ والتلقي مِنْهُ فَقَرَأت عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَأخذت عَنهُ الْفَرَائِض وَالْعرُوض ورسالة الرّبع وَهُوَ أَخذ عَن خَاله الْعَلامَة الْكَبِير الْمولى أَحْمد وَعَن غَيره ونفع الطّلبَة فِي ابْتِدَاء أمره مُدَّة فِي إقراء الْعُلُوم ثمَّ إِنَّه مَال إِلَى سلوك طَرِيق الموَالِي فدرس بعدة مدارس بقسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بوفاء برتبة السلميانية وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَقدم إِلَى دمشق وَأَنا بهَا فاجتمعت بِهِ ثمَّ سَار إِلَى الْقُدس وسلك فِي قَضَائِهِ بهَا مسلكاً معتدلاً ثمَّ عزل وَقدم إِلَى دمشق فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَتِسْعين وَمرض بهَا مُدَّة أَيَّام ثمَّ توجه إِلَى الرّوم وَهُوَ مَرِيض فَمَاتَ فِي الطَّرِيق بِمَدِينَة أركلة أَوَاخِر صفر سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رَجَب خطيب دمشق وَابْن خطيبها الْمَعْرُوف بالبهنسي الْحَنَفِيّ أحد الْعلمَاء الرؤساء النبلاء كَانَ عَالما وجيهاً كثير التَّخْصِيص والتنغم وافر الْعِزَّة وَالْحُرْمَة مَحْفُوظًا فِي الدُّنْيَا موقراً عِنْد الْخَاصَّة والعامة قَرَأَ فِي أول أمره على وَالِده وَأخذ عَنهُ النَّحْو وَأخذ النَّحْو والمعاني عَن الشَّيْخ الشَّمْس ابْن المنقار وَالْحسن البوريني وَالْفِقْه عَن أَبِيه وَغَيره وتصدر للإقراء وانتفع بِهِ جمَاعَة وسافر مَعَ أَبِيه إِلَى الرّوم ولازم من قَاضِي الْعَسْكَر الْمولى مُحَمَّد بن بُسْتَان وانفصل عَن بعض مدارس الْأَرْبَعين وناب فِي خطابة الْجَامِع الْأمَوِي عَن وَالِده ثمَّ أعطيها بعد موت أَبِيه وَأفْتى بِدِمَشْق نِيَابَة عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي الْحَنَفِيَّة لما حج فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَذَا لما مَاتَ الْمُفْتِي الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَخمسين إِلَى أَن وجهت للعلامة مُحَمَّد بن قباد الْمَعْرُوف بالسكوتي الْآتِي ذكره وَتوجه إِلَى الْقُدس وَإِلَى الْحَج فِي سنة خمس وَأَرْبَعين ودرس بالعادلية الصُّغْرَى والعذراوية وَفرغ عَن العذراوية آخرا إِلَى زوج ابْنَته عبد اللَّطِيف بن عَليّ الكريدي وَكَانَت وِلَادَته فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي منتصف جُمَادَى الآخر ة سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من بِلَال الحبشي رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن حسن بن نَاصِر الْحَمَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْمُؤَذّن الْفَقِيه الشَّافِعِي القادري الطَّرِيقَة خطيب جَامع السُّلْطَان بِمَدِينَة حماه وَكَانَ عَالما محققاً مطلعاً واعظاً مُعْتَقدًا رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَغَيره من عُلَمَاء الْأَزْهَر وتفوق وبرع وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وَأخذ بهَا عَن الْحسن البوريني وَغَيره وتصدّر للإفادة بحماة فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة وذاع ذكره ثمَّة بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف بحماة وَقد جَاوز السِّتين هَكَذَا أَخْبرنِي وَلَده الشَّيْخ الصَّالح مُحَمَّد فِي منزلي بِدِمَشْق

الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن يُوسُف بن أبي بكر بن أَحْمد بن أبي بكر بن يُوسُف بن أَحْمد الْحَنْبَلِيّ الكرمي نِسْبَة لطور كرم من قرى نابلس ثمَّ الْقُدس كَانَ من الْعلمَاء العاملين والأولياء الزاهدين ولد بِبَيْت الْمُقَدّس فِي سنة ألف وَقَرَأَ الْقُرْآن بطور كرم وَأخذ الطَّرِيق عَن الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد العلمي ورحل إِلَى الْقَاهِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَأخذ بهَا الْفِقْه وَغَيره عَن عَمه مرعي الْحَنْبَلِيّ وَعَن مَنْصُور البهوتي ويوسف الفتوحي الحنبليين وَأخذ النَّحْو عَن مُحَمَّد النَّحْوِيّ والفرائض والحساب عَن عبد الْمُنعم الشرنوبي والْحَدِيث عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَعلي الأَجْهُورِيّ وَكثير وَكَانَ ملازماً لِلْعِبَادَةِ بمكانه الْمَعْرُوف بِجَامِع الْأَزْهَر مشتغلاً بالعلوم الدِّينِيَّة لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد من أَرْبَاب الدُّنْيَا قانعاً باليسير من الرزق متقيداً بِصَلَاة الْجَمَاعَة فِي الصَّفّ الأول فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة قَلِيل الْكَلَام حسن السِّيرَة جَامعا لصفات الْخَيْر لَيْسَ فِيهِ شَيْء يشينه فِي دينه ودنياه حكى عَن وَلَده الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الله أَنه رأى الْحق ﷾ فِي النّوم ثَلَاث مَرَّات أَولهَا رأى الْمَلَائِكَة قد أَخَذُوهُ إِلَى النَّار فَإِذا بمناد من الْحق سُبْحَانَهُ لَيْسَ من أَهلهَا اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة فَقَامَ من نَومه فَرَأى نَفسه فِي الْجَامِع الْأَزْهَر وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشر صفر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين بِقرب تربة عَمه مرعي رحمهمَا الله تَعَالَى

السَّيِّد أَحْمد بن يحيى بن عمر الْحَمَوِيّ الْمَعْرُوف بالعسكري الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بحماة الْعَالم الْعلم الفصيح الْعبارَة الْكَامِل الأدوات قَرَأَ على أَبِيه وعَلى الشَّيْخ سرى الدّين بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ الشراباتي وَكَانَ فَقِيها فرضياً حسابياً أديباً لبيباً ودرس بعد أَبِيه بِالْمَدْرَسَةِ العصرونية بحماة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث عشر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَسَيَأْتِي أَبوهُ السَّيِّد يحيى إِن شَاءَ الله تَعَالَى

الْمولى أَحْمد بن يُوسُف الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمَعْرُوف بالمعيد الْمجمع على فَضله وديانته وتبحره فِي الْعُلُوم ورزق من الْحَظ والإقبال فِي أُمُوره مَا لم يكن لأحد من أهل عصره ولد بقرية قازطاغى وَقدم قسطنطينية واشتغل بالعلوم حَتَّى مهر فِيهَا ثمَّ صَار من طلبة الْمولى مُحَمَّد فهمي الْمَعْرُوف بِابْن الحنائي وَصَارَ معيد درسه فِي مدرسة عَليّ باشا الجديدة وشهرته بالمعيد لذَلِك ثمَّ لَازم مِنْهُ بعد انْفِصَاله عَن الْمدرسَة الْمَذْكُورَة واختص بالعلامة الْمُحَقق الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ صَاحب الْحَاشِيَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ الْآتِي ذكره وَكَانَ كثير التقشف مداوماً على الْعِبَادَة وعلماء الرّوم ينظرُونَ إِلَيْهِ نظر التوقير ويتوسمون فِيهِ الصّلاح والفلاح ثمَّ درس بعد ذَلِك على قاعدتهم حَتَّى وصل إِلَى إِحْدَى مدارس السُّلْطَان سُلَيْمَان وَولي مِنْهَا قَضَاء دمشق نَهَار الْأَرْبَعَاء حادي عشر شهر رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَت سيرته فِي حكوماته مرضية جدا وَولد لَهُ فِي دمشق ولد سَمَّاهُ يحيى الشَّامي وَذَلِكَ فِي سَابِع ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل فِي تَارِيخه قدوم يحيى عَلَيْك عيد وعزل فِي ثَالِث يَوْم من وِلَادَته وَتُوفِّي ابْنه الْمَذْكُور ثَانِي يَوْم عَزله ثمَّ سَار إِلَى قسطنطينية وَبعد مُدَّة صَار قَاضِيا بِمصْر فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وعزل عَنْهَا وَولي بعد ذَلِك قَضَاء أدرنة وقسطنطينية وَقَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي فِي عشرى ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَوَقع بَينه وَبَين الْعَلامَة يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام السُّلْطَان امتحان بِسَبَب أَنه تخطاه فِي مجْلِس أحد الصُّدُور وَجلسَ فَوْقه وتباحثا فِي بعض مسَائِل من عُلُوم مُتَفَرِّقَة سأذكرها فِي تَرْجَمَة الْفَتْح إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِنَّهَا كثيرا مَا تطب وَيسْأل عَنْهَا وَذَاكَ محلهَا فَإِن الفتحى هُوَ السَّائِل وَله على لأجوبة إشكالات دقيقة المسلك وبسببها ظهر الفتي عَلَيْهِ فِي الْبَحْث فَأعْطى رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلي لِيَتَقَدَّم فِي الْجُلُوس على المعيد وَاسْتمرّ المعيد قَاضِي الْعَسْكَر باناطولي إِلَى أَن سَافر السُّلْطَان مُرَاد إِلَى بَغْدَاد وسافر هُوَ بخدمته حَتَّى وصلوا إِلَى ازنكميد فأهان رجلا من جمَاعَة الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا فَغَضب السُّلْطَان عَلَيْهِ لذَلِك وعزله وَوجه إِلَيْهِ فضاء بلغراد مَعَ فتواها فَتوجه إِلَيْهَا وَكَانَ بعض المنجمين بشره بالفتوى فظنها هِيَ وَلم يعلم أَن الْفَتْوَى الْعُظْمَى مدخرة لَهُ ثمَّ أذن لَهُ بِالْعودِ من بلغراد وَأعْطى ثَانِيًا قَضَاء الْعَسْكَر باناطولي وَنقل مِنْهَا بعد مُدَّة إِلَى قَضَاء عَسْكَر روم ايلي فَأَقَامَ بهَا مُدَّة طَوِيلَة وعزل ثمَّ أعْطى منصب الْفَتْوَى فِي نَهَار الاربعاء خَامِس

عشري ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَألف وأرخ تَوليته قَاضِي الْقُضَاة الشهَاب أَحْمد الخفاجي الْمُقدم ذكره بقوله

إِنِّي لأشكر دَهْرنَامذ زَاد فِي الْحسنى وَأحمد
إِذْ صير الْفَتْوَى إِلَىأتقى أهالي الْعَصْر أَحْمد
أرخته فِي نَصرهلشريعة الْمُخْتَار أَحْمد
أمعيد شرع مُحَمَّدبِكَمَالِهِ وَالْعود أَحْمد

وَبنى مدرسة بقسطنطينية تجاه دَاره بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح وَمَات وَهُوَ مفت فِي خَامِس شهر ربيع الأول سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بمدرسته الْمَذْكُورَة وَخلف مَالا جزيلاً وَلم يعقب إِلَّا بأنثى وقازطاغى بقاف ثمَّ ألف وزاي ثمَّ طاء وَألف وغين مُعْجمَة ثمَّ يَاء قَصَبَة مَعْرُوفَة قرب مَدِينَة بروسة سميت باسم جبل قريب مِنْهَا فَقَوْلهم قازطاغى أَي جبل الأوزفان القاز الأوز وطاغ الْجَبَل عَادَتهم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وازنكميد بِكَسْر الْهمزَة وَالزَّاي وَسُكُون النُّون وَكسر الْكَاف وَالْمِيم ثمَّ دَال والعامة تَقول ازميد بَلْدَة ببروسة وَالله تَعَالَى أعلم

الشَّيْخ أَحْمد بن يُونُس بن أَحْمد بن أبي بكر الملقب شهَاب الدّين العيثاوي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي أحد شُيُوخ الْعلمَاء الأجلاء بِالشَّام المتصدين للإفتاء والتدريس ونفع النَّاس وَكَانَ عَالما ورعاً جليل الْقدر نبيه الذّكر جيد الملكة سليم الطَّبْع وَكَانَ ألطف الْأَشْيَاخ عبارَة وأجودهم تقريراً وَله من التآليف متن على طَرِيق الْإِرْشَاد فِي فقه الشَّافِعِي سَمَّاهُ الحبب وَشَرحه شرحاً لطيفاً سَمَّاهُ بالخبب فِي الْتِقَاط الحبب وَله غير ذَلِك من تحريرات رسائل وَأفْتى مُدَّة طَوِيلَة وانتفع بِهِ كثير من الْمُتَأَخِّرين الْفُضَلَاء وَعنهُ أخذُوا وَعمر حَتَّى لم يبْق من أقرانه فِي دمشق وحلب ومصر والحجاز أحد وَكَانَ لَهُ فِي الْولَايَة شَأْن عَال وأخبار عَجِيبَة قَرَأت فِي ثَبت الشَّيْخ مُحَمَّد المكبتي مِمَّا أرويه وأنقله عَن السَّادة الأخيار أَن عجاناً عجن عجينه بِالنَّهَارِ ثمَّ خبزه وأتى الْجَامِع فَتَوَضَّأ وَصلى الظّهْر واضطجع يُرِيد صَلَاة الْعَصْر فاسترسل بِهِ النّوم إِلَى وَقت السحر وَإِذا بِرَجُل شعل الْقَنَادِيل الَّتِي فَوق محراب الْمَالِكِيَّة وَعمد إِلَى الْبَاب الَّذِي يجْرِي فِيهِ مَاء الْحَنَفِيَّة ففتحه حَتَّى دخلت مِنْهُ رجال نَحْو الْأَرْبَعين فَلَمَّا رَآهُمْ العجان ظن أَن الصَّلَاة للمغرب أَو الْعشَاء فجَاء الْقَوْم وَاصْطَفُّوا منتظرين لإمامهم فَإِذا صَلَاة الْعشَاء قد أُقِيمَت للعيثاوي فَتقدم وَصلى إِمَامًا ثمَّ إِن الْقَوْم جاؤا

إِلَيْهِ يَلْتَمِسُونَ مِنْهُ الْبركَة وَجَاء العجان على إثرهم فخاطبه وَأمره بِالْكِتْمَانِ مُدَّة الْحَيَاة ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ الْقُرْآن على الشهَاب أَحْمد بن النبيه ثمَّ قَرَأَ الْفِقْه والنحو على الشَّيْخ البارع تَاج الدّين ثمَّ لزم وَالِده الْفَقِيه الْكَبِير يُونُس ثمَّ أمره وَالِده بملازمة فَقِيه الْعَصْر أقضى الْقُضَاة نور الدّين عَليّ النَّسَفِيّ الْمصْرِيّ نزيل دمشق فلازمه سِنِين حَتَّى تبحر فِي الْفِقْه وَحضر بأَمْره أَيْضا دروس الْعَلَاء بن عماد الدّين وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن طولون وَغَيره وَقَرَأَ فِي القراءآت على أستاذ الْقُرَّاء الشهَاب الطَّيِّبِيّ وَصَحب فِي طَرِيق الْقَوْم ومذاكرة الْعُلُوم الشهَاب أَحْمد بن الْبَدْر الْغَزِّي واصطحب فِي الطَّرِيق أَيْضا الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الصَّالِحِي وَأَجَازَهُ الْبَدْر الْغَزِّي بالفتوى بعد وَفَاة الطَّيِّبِيّ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحسن البوريني وَالشَّيْخ مُحَمَّد الجوخي والشرف الدِّمَشْقِي والنجم الْغَزِّي وَغَيرهم وَكَانَ أفقه أهل زَمَانه وَعَلِيهِ الْمعول فِي الْفَتْوَى وَمن بَينهم وَاخْتلف هُوَ والعلامة إِسْمَاعِيل النابلسي الشَّافِعِي فِي بِنَاء المنارة الْبَيْضَاء الَّتِي بنيت على كَنِيسَة النَّصَارَى دَاخل دمشق بمحلة الخراب فَأفْتى النابلسي بِعَدَمِ بنائها حذرا من أَن يكون إشهار الْأَذَان بهَا سَببا لسب النَّصَارَى لدين الْإِسْلَام وَنظر إِلَى الْآيَة ﴿وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله﴾ الْآيَة وَأفْتى العيثاوي بِجَوَاز بنائها وَكَانَ الْبَانِي لَهَا عَلَاء الدّين بن الحجيج التَّاجِر الْكَبِير وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة مصطفى بن بُسْتَان مائلاً إِلَى مَا أفتى بِهِ العيثاوي ونائب الشَّام حسن باشا بن مُحَمَّد باشا مائلاً إِلَى مَا أفتى بِهِ النابلسي ثمَّ بنيت بِأَمْر القَاضِي بعد أَن بذل النَّصَارَى للوزير مَالا جماً وَألف العيثاوي فِي بنائها رِسَالَة لَطِيفَة وَكَانَ ذَلِك قبل التسعين والتسعمائة وَتَوَلَّى من الْوَظَائِف إِمَامَة الْجَامِع الْأمَوِي وخطابة الْجَامِع الْجَدِيد الْمَعْرُوف بالجامع الْمُعَلق خَارج بَاب الفراديس وَنصف خطابة التوريزية خَارج دمشق بمحلة قبر عَاتِكَة ودرس بالعمرية والعزيزية ثمَّ الظَّاهِرِيَّة ثمَّ الشامية البرانية وَوعظ بالجامع الْأمَوِي وجامع السُّلْطَان سُلَيْمَان وسافر إِلَى الْحصن وَإِلَى طرابلس الشَّام مرَّتَيْنِ لصلة أرحامه وَكَانَ لَهُ ثمَّ خؤلة وسافر إِلَى حلب مرَّتَيْنِ أَيْضا كِلَاهُمَا فِي مصلحَة أهالي دمشق الأولى سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف هُوَ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وَآخَرُونَ بشكاية إِلَى الْوَزير مُرَاد باشا بِمَا وَقع بِدِمَشْق ونواحيها من عَليّ بن جانبولاذ وفخر الدّين بن معن وأحزابهما وعتوّهما فِي بِلَاد دمشق والقصة مَشْهُورَة وَسَتَأْتِي

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع