من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٥)
الصفحة ٢ من ٢
فِي تَرْجَمَة ابْن جانبولاذ فِي حرف الْعين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالثَّانيَِة فِي سنة خمس وَعشْرين لرفع التَّكْلِيف عَن أهل دمشق بِسَبَب سفر الْعَجم الْوَاقِع فِي تِلْكَ السّنة وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أهالي حلب للأخذ عَنهُ وعظموه تَعْظِيمًا بليغاً وَرَأَيْت أَبَا الْوَفَاء العرضي يثني عَلَيْهِ فِي تَارِيخه كثيرا وَذكر علمه وورعه وَهُوَ فِي نفس الْأَمر أهل لكل وصف حسن وَكَانَ مرض مرّة عَاما كَامِلا وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه فِي عيد الْأَضْحَى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وانْتهى فِي عيد الْأَضْحَى من الْعَام الْقَابِل فعيده الْحسن البوريني وَأنْشد لنَفسِهِ قَوْله
شهَاب الْمَعَالِي وَبدر الدجىوَمن مِنْهُ كل الورى تستفيد
نذرت الصّيام ليَوْم الشفاوَكَيف يَصُوم الْفَتى يَوْم عيد
قَالَ النَّجْم الْغَزِّي فِي ذيله الْمُسَمّى بلطف السمر فِي أَعْيَان الْقرن الْحَادِي عشر أَخْبرنِي مرَارًا أَن مولده فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وتمرض بحمى الرّبع وَتُوفِّي فِي مستهل ذِي الْحجَّة سنة خمس وَعشْرين وَألف عَن أَربع وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ فِي تَارِيخ وَفَاته
يَا أَخا الْعلم خَاضَ بَحر الْفَتَاوَىوَغدا الدّين دامي الطّرف أرمد
مَاتَ غوث الْأَنَام من كَانَ يستسقىبِهِ الْغَيْث وَالْخَلَائِق تشهد
شَيخنَا العيثوي بل شيخ أهل الْعَصْرطرّ ادْع جَاهِلا فِيهِ فند
شَافِعِيّ الزَّمَان مَالك أَسبَابالْعُلُوم الَّتِي بهَا النَّاس ترشد
قل إلهي إِذا دَعَوْت وأرخارْحَمْ العيثوي عَبدك أَحْمد
والعيثاوي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ يَاء مُثَلّثَة وَألف مَقْصُورَة نِسْبَة إِلَى عيثاقرية من قرى الْبِقَاع العزيزي من ضواحي دمشق وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا عيثوي أَيْضا كَمَا اسْتَعْملهُ الْعمريّ وعيثالغة عامية وَكَانَ وَالِده يُونُس قدم مِنْهَا إِلَى دمشق وتوطنها ذكره البوريني
أَحْمد بن يُونُس وَزِير شرِيف مَكَّة السَّيِّد إِدْرِيس بن الْحسن كَانَ شَدِيد الْبَأْس ذَا قُوَّة وَعدد ومدد وطار صيته فِي الْآفَاق وَأكْثر الدخل وَأَقل الْإِنْفَاق وَكَانَ ذَا تَدْبِير لأحواله حَتَّى جَاوز الْحُدُود فَوَقع مَا قَضَاء الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنه لما استفحل أمره وَعظم صَارَت الْأُمُور كلهَا منوطة بِرَأْيهِ فتعدى طوره وَلم يقف عِنْد حَده فتوافق الشريف إِدْرِيس والشريف محسن على عَزله فَأرْسل الشريف إِدْرِيس وَكَانَ
إِذْ ذَاك بالمبعوث إِلَى الْقَائِم مقَامه بِمَكَّة السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب يَأْمُرهُ بِأخذ الْمهْر مِنْهُ وَهُوَ مهر الْعرُوض وَأرْسل الشريف محسن إِلَى الْقَائِد ياقوت بن سُلَيْمَان وَكَانَ وزيره بِأخذ مهره مِنْهُ فَفعل كل مَا أَمر بِهِ وَكَانَ الْأَخْذ الْمَذْكُور صَبِيحَة عَاشر رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وَألف فشاع فِي الْبَلَد عَزله وَأرْسل الشريف إِدْرِيس إِلَى الْقَائِد ريحَان بن سَالم حَاكم مَكَّة يَأْمُرهُ بالوصول إِلَيْهِ إِلَى الشرق فَقدم إِلَيْهِ فقلده منصب الوزارة فوصل إِلَى مَكَّة فِي الشَّهْر الْمَذْكُور فَلَمَّا كَانَ آخر الْعشْر الثَّانِي من رَمَضَان وصل الْخَبَر للسَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور بِأَن الْقَائِد أَحْمد يُرِيد الرّكُوب عَلَيْك وَقد اجْتمعت عِنْده الْعدَد والمدد وَوصل الْخَبَر إِلَى الْقَائِد أَحْمد بذلك أَيْضا فَركب كل مِنْهُمَا وألبس ووقف عِنْد بَاب دَاره ثمَّ انجلى الْأَمر وَظهر أَن مَا أخبر بِهِ كل مِنْهُمَا لَيْسَ لَهُ أصل وَأرْسل السَّيِّد مُحَمَّد إِلَى الشريف إِدْرِيس والشريف محسن يعرفهما بذلك وَلما كَانَ الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان ذهب الْقَائِد أَحْمد إِلَى الْمَبْعُوث وَأقَام هُنَاكَ فجَاء الْأَمر إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد بِأخذ أَمْوَاله من دَاره وكل ماهو لَهُ وَأَن يحْتَفظ على ذَلِك فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْعِيد فرق السِّلَاح على الْعَسْكَر آخر اللَّيْل وَنزل إِلَى الْمَسْجِد وَصلى صَلَاة الْعِيد فَقَط وبرز من الْمَسْجِد قبل الْخطْبَة وعزم بالجيش إِلَى بَيت الْقَائِد الْمَذْكُور فختم على أَمْوَاله وَأمر أَن ينزل الْبَعْض مِنْهَا إِلَى الْبَلَد وَاسْتمرّ إِلَى بعد صَلَاة الْعَصْر فَنزل هُوَ والجيش بعد أَن احتاط بِبَقِيَّة الْأَمْوَال وَقبض على جمَاعَة من المنسوبين إِلَيْهِ وحبسهم بعد أَن ختم على بُيُوتهم ثمَّ فكوا بعد وُصُول الشريف إِدْرِيس إِلَّا إِبْرَاهِيم بن أَمِين كَاتبه وَأعظم المقربين إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يزل مسجوناً إِلَى أَن قضى الله عَلَيْهِ وَأما الْقَائِد أَحْمد فَإِنَّهُ اسْتمرّ بالمبعوث فثارت بسبه فِي ثَانِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فتْنَة أدَّت إِلَى الادراع ولإلباس ثمَّ رَحل إِلَى كلاح فَأَقَامَ بهَا ثمَّ رَجَعَ مِنْهَا إِلَى جِهَة الشَّام فَلَمَّا أَن كَانَ فِي أثْنَاء الطَّرِيق رَجَعَ فوصل إِلَى الشريف إِدْرِيس وَهُوَ بالشرق فِي السّنة الْمَذْكُورَة فسجنه وكبله بالحديد ثمَّ إِنَّه قَتله فِي الْعَام الْمَذْكُور فِي مَحل يُقَال لَهُ وَادي النَّار وَدفن هُنَاكَ عَفا الله عَنهُ
أَحْمد الأحمدي الصعيدي من بَيت بني أَحْمد قَرْيَة من أَعمال الْمنية كَانَ مَاشِيا على طَرِيق الْقَوْم بِكَثْرَة الْعِبَادَة محباً للْفُقَرَاء وَالْعُلَمَاء صوفياً زاهداً عَمت إمداداته واشتهر صيته وَكَانَ يحجّ سنة وَيتْرك أُخْرَى مَعَ إدامته لخشونة عيشه وَكَانَ رُبمَا لبس الخيش وَكَانَ كثيرا مَا ينشد
أقنع بلقمه وشربة مَاء وَلبس الخيشوَقل لقلبك مُلُوك الأَرْض راحوا بإيش
وَكَانَ كثير الْفِكر وَالذكر وَالصَّلَاة على النَّبِي
وَأخْبر أَنه رأى النَّبِي
وَأَنه إِذا زَارَهُ سمع مِنْهُ رد السَّلَام عَلَيْهِ كَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف ذكر وَفَاته الْمَنَاوِيّ فِي طبقاته وَهُوَ عُمْدَة وَذكر الشلي أَن وَفَاته فِي رَجَب سنة عشر بعد الْألف وَلَا أَدْرِي عَمَّن نقل هَذَا وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد المغربي الْمَالِكِي شيخ الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق والمتكلم عَلَيْهِم بعد الْعَلَاء ابْن المرحل كَانَ فَاضلا دينا وَفِيه خير وَصَلَاح وكلمته نَافِذَة عِنْد الْحُكَّام وَله استقامة لَا يتَكَلَّم فِي أحد بِسوء ولي نظارة الْجَامِع الْأمَوِي فحمدت سيرته وَكَانَ ينتدب الْأَوْقَاف فيعمرها مَعَ التوفير فِي المصارف ووسع الطرقات إِلَى الْجَامِع فَوسعَ بَاب الْبَرِيد بِتَأْخِير تخوته إِلَى خلف ووسع سوق السِّلَاح وَكَانَت وَفَاته فِي إِحْدَى الجمادين سنة ثَمَان وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
خَان أَحْمد الكيلاني الشريف الْحُسَيْنِي سُلْطَان بِلَاد كيلان من بَيت السلطنة أَبَا عَن جد وَكَانَ مَعَ كَونه من الْمُلُوك أحد أَفْرَاد الْعَالم فِي الْعُلُوم الرياضية والحكمية حصل علم الْهَيْئَة والهندسة والفلك وَكَانَ يدرس القوشجي فِي الْهَيْئَة وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الموسيقى وَالشعر الْفَارِسِي وَإِذا نظم غزلاً ربطه فِي أصوات ونغمات وَكَانَ طهماسب شاه قد اعتقله فِي قلعة دهقهه فِي بِلَاد الْعَجم وَمكث بهَا معتقلاً سِنِين عديدة وَكَانَ ولد طهماسب شاه إِسْمَاعِيل مَحْبُوسًا عِنْده فَقَالَ لَهُ أطلقني الله من الْحَبْس وولاني أَمر النَّاس فَللَّه عَليّ أَن أطلقك وأوليك بلادك فاتفق أَن الله تَعَالَى أطلقهُ وَأَعْطَاهُ سلطنة العراقين وأذربيجان وشروان وشيراز وخراسان وهمدان وبلاد الْجبَال فَأخْرجهُ من دهقهة لَكِن وَضعه فِي قلعة اصطخر وَقَالَ لَهُ أُرِيد أرسلك إِلَى بلادك مَعَ مزِيد التَّعْظِيم فَلم تطل مُدَّة إِسْمَاعِيل وَمَات ثمَّ استخرجه الشاه أعمى أَخُو إِسْمَاعِيل الْمُسَمّى بخداي بنده مُحَمَّد عِنْدَمَا تولى السلطنة بِاتِّفَاق أُمَرَاء قزلباش وَكَانَت إِقَامَته فِي زمن سلطنة أَبِيه وأخيه الشاه إِسْمَاعِيل فِي شيراز فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ إِسْمَاعِيل لم يَجدوا فِي بَيت السلطنة ذكرا قَابلا للْملك سوى هَذَا فقالو اهو من بَيت السلطنة لَيْسَ إِلَّا فَنحْن نوليه ملك أَبِيه وَلَو كَانَ أعمى فَلَمَّا تولى السلطنة أرسل إِلَى خَان أَحْمد واستخرجه من اصطخر وولاه بِلَاد كيلان كَمَا كَانَ فَلم يزل بهَا إِلَى أَن أَخذ سُلْطَان الْإِسْلَام السُّلْطَان مُرَاد بن سليم غَالب عراق الْعَجم
وكل عراق الْعَرَب وأذربيجان وشروان وبلاد الكرج فَلَزِمَ إِن شاه عَبَّاس بن خداي بنده الضَّرِير الْمَذْكُور أرسل عسكراً وافراً فَأخذُوا كيلان من يَد خَان أَحْمد فهرب مَعَ جمَاعَة معدودين إِلَى جَانب السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد فَدخل عَلَيْهِ وامتدحه بقصيدة عَظِيمَة يحثه فِيهَا على أَخذ كيلان من يَد شاه عَبَّاس وَأهْدى لَهُ شمعداناً مرصعاً قيل إِنَّه خمن بِثَمَانِينَ ألف دِينَار وَلم يحصل على مُرَاده من الْعَسْكَر وَذهب إِلَى بَغْدَاد بِإِذن السُّلْطَان فَمَاتَ بهَا فِي سنة تسع بعد الْألف
الشَّيْخ أَحْمد الضوي الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِأبي لبد لِأَنَّهُ كَانَ يتعمم بعدة برد وَيَضَع على رَأسه عقدَة لبد ويجعلها وَاحِدَة فَوق وَاحِدَة المجذوب الْيَقظَان الهائم السَّكْرَان كَانَ مُقيما بقلمه بِقرب قليوب لَا يأوي غَالِبا إِلَّا للكيمان وَكَانَ بَينه وَبَين النُّور ابْن العظمة الْآتِي ذكره مَا يكون بَين الأقران حَتَّى أَنه لم يدْخل مصر مُدَّة حَيَاته مهابة لَهُ وَله كرامات وأحوال غزيرة مِنْهَا مَا حَكَاهُ الحمصاني أَنه دخل على والدته ذَات يَوْم فَقَالَ أعندك شَيْء آكله فَقَالَت لم يكن عِنْدِي إِلَّا جبن فَقَالَ بلَى عنْدك لبن ادخرتيه لزوجك وَكَانَت ادّخرته لَهُ كَمَا قَالَ وَلم تعلم بِهِ أحدا قَالَ الحمصاني وَكَانَ لَهُ اطلَاع على الخواطر مَا وقف إِنْسَان تجاهه إِلَّا كاشفه بِمَا عِنْده وَمِنْهَا أَنه وجد غزالة مَعَ رجل بسوق طنان فَقَالَ لَهُ بِعني هَذِه فَقَالَ أَعْطَيْت خمسين نصفا فَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا ثمنهَا فَوضع فِي يَده خَمْسَة أَنْصَاف فَأَعَادَهَا لَهُ وَقَالَ لَهُ أَقُول لَك أَعْطَيْت خمسين فَمَا يزَال يدفعهم لَهُ بعينهم وَفِي كل مرّة يزِيدُونَ وَيَقُول هم الثّمن إِلَى أَن صَارُوا خمسين وَله غير ذَلِك وَتُوفِّي فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع