تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٦)

الصفحة ١ من ٢

الشَّيْخ أَحْمد الْمَدْعُو حَمده المجذوب الصاحي كَانَ كشفه لَا يكَاد يتَخَلَّف وَكَثِيرًا مَا يخبرنا بالشَّيْء قبل وُقُوعه قَالَ الْمَنَاوِيّ قَالَ الْوَلَد يَعْنِي وَلَده زين العابدين الْآتِي ذكره مَا تلبست بِحَال إِلَّا كاشفني بِهِ وَهُوَ مُقيم عِنْد نسَاء بِبَاب الْفتُوح يخدمهن وبعضهن بغيات وَمَا مَاتَ أحد مِنْهُنَّ إِلَّا عَن تَوْبَة وَرُبمَا صَار بَعضهنَّ من أهل المقامات وَيذْهب كل يَوْم من بَاب الْفتُوح إِلَى بَاب زويلة يجمع لَهُنَّ دَرَاهِم من أَرْبَاب الحوانيت قَالَ وَقَالَ لي الحمصاني لَقيته مرّة وَإِذا بولدك قادم فَقَالَ لَهُ أَصبَحت فِينَا صيرفياً وَمن لم تستجوده فَلَيْسَ عبقرياً طَاعَتك علينا حكم الْفَرْض لَا نصدر إِلَّا عَن رَأْيك فِي الطول وَالْعرض وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَدفن فِي الرَّوْضَة خَارج بَاب النَّصْر

الشَّيْخ أَحْمد الأحمدي الْمصْرِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى المرشد الْمَعْرُوف بالسيحي ذكره أَحْمد العجمي فِي مشيخته قَالَ فِي تَرْجَمته تَلا الْقُرْآن على مُحَقّق عصره الشَّيْخ أَحْمد بن شيخ الشُّيُوخ عبد الْحق النباطي وَلَزِمَه وَأخذ عَنهُ وَأخذ عَن عُلَمَاء عصره الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَ فِي عداد طبقَة الْمَشَايِخ الْكِبَار بل أكبر مِنْهُم حَالا ومقالاً وَكَانُوا كلهم يعظمونه ويوقرونه ويتبركون بِهِ ثمَّ ارتحل من مصر بِإِشَارَة بعض أَرْبَاب الْأَحْوَال فَطَافَ الْبِلَاد الْبَعِيدَة على قدم التَّجْرِيد المجاهدة والتوكل وَدخل بَغْدَاد والكوفة وَالْبَصْرَة وَمَا وَرَاء تِلْكَ النواحي ثمَّ عَاد إِلَى مصر فابتنى مَسْجِدا بجوار مشْهد الشُّهَدَاء بالمنوفية وَأقَام فِيهِ لإقراء النَّاس الْقُرْآن فَانْتَفع بِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَكَانَ يَجِيء إِلَى مصر فِي كل عَام مرّة يجلس أَحْيَانًا بِجَامِع الْأَزْهَر وَأَحْيَانا بمدرسة السيوفية وَالنَّاس يزدحمون عَلَيْهِ ثمَّ يعود إِلَى مَسْجده هَذَا دأبه مُدَّة حَيَاته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمسجده وضريحه يزار رَحمَه الله تَعَالَى

أَحْمد المغربي القيرواني الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِصَاحِب السَّعَادَة أحد أَعَاجِيب الزَّمَان ونوادره كَانَ فِي مبدأ أمره خرج من بِلَاده وَهُوَ متقن لمعارف وأفانين كَثِيرَة فِيهِ فضل وأدب فوصل إِلَى الرّوم وَاخْتَلَطَ بأدبائها وَلم يزل مُقيما بهَا حَتَّى صَار مُسْتَوْفيا بِبِلَاد الْيمن ورحل إِلَيْهَا فصادف بهَا حاكمها حيدر باشا فانخرط فِي سلك ندمائه وَلم يزل عِنْده فِي مكانة سامية حَتَّى وقف على جملَة من هزلياته فنفر عَنهُ وَعرض فِيهِ إِلَى جَانب السُّلْطَان فعزل وسافر إِلَى الرّوم فولي الْحُكُومَة بِمَدِينَة مرعش وَبَعْدَمَا صرف عَنْهَا حط بِهِ الدَّهْر إِلَى أَن بَقِي مُنْفَردا لَا يملك من حطام الدُّنْيَا إِلَّا مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب وَورد دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة أَخْبرنِي من كَانَ لَهُ وقُوف على حَاله أَنه كَانَ فَاسد الرَّأْي كثير الأزراء بِنَفسِهِ وَمن عَجِيب أطواره أَنه كَانَ يلبس ثوبا من الليف الْبُرُلُّسِيّ سوى أكمامه فَكَانَ يصنعها من الْكَتَّان الرفيع الفاخر وَكَانَ لَهُ ناسومتان إِحْدَاهمَا عتيقة يلبسهَا فِي أغلب أوقاته وَأُخْرَى جَيِّدَة يصطحبها دَاخل الْكيس مُعَلّق فِي خرامة إِذا أَرَادَ الدُّخُول على أحد من الْأَعْيَان لبسهَا وَوضع العتيقة مَكَانهَا فِي الْكيس إِلَى أَن يخرج فيعيدها وَكَانَ لَهُ مَعَ أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري صُحْبَة أكيدة فَلَمَّا قدم الْمقري دمشق كَانَ لَا يُفَارِقهُ وبسببه اتَّحد مَعَ عُلَمَاء دمشق مِنْهُم أَحْمد الشاهيني وَلما رَحل الْمقري من دمشق أَقَامَ هُوَ بهَا فَتغير

لَهَا برص بِإِحْدَى إسكتيهاكعنفقة الفرزدق حِين شَابًّا

غير أَن الفرزدق نظام وَهَذَا من جملَة الْعَوام بل الْهَوَام أَو جحظة الْبَرْمَكِي الَّذِي يَقُول فِيهِ ابْن الرُّومِي

نبئت جحظة يستعير جحوظهمن فيل شطرنج وَمن سرطان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «نبئت جحظة يستعير جحوظه»
وارحمتا لمنادميه تحملواألم الْعُيُون للذة الآذان

خلا أَن منادم هَذَا يجمع بَين الألمين بَين ألم الْأذن وألم الْعين أَو هُوَ أَبُو زيد الَّذِي قَالَ فِيهِ الصاحب

انْظُر إِلَى وَجه أبي زيدأوحش من حبس وَمن قيد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «انظر إلى وجه أبي زيد»
وحوشه ترتع فِي ثَوْبهوظهره يركب للصَّيْد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «انظر إلى وجه أبي زيد»

بيد أَن أَبَا زيد أثبت لَهُ الصاحب صفة الصَّيْد وَهُوَ لَا يكون إِلَّا لوزير أَو لأمير ابْن أَمِير وَهَذَا الفاتك المتناسك كَأَنَّهُ حجام أَو حائك أَو هُوَ عَيَّاش الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو تَمام

أيا من أعرض الْعَالم طرّاً عَنهُ من بغضهوَيَا من بعضه يشْهد بالبغض على بعضه
وَيَا أثقل خلق الله من ماش على أرضهوَيَا أقذر مَخْلُوق تناهى الْخلق فِي رفضه
وَمن عاف مليك الْمَوْتواستقذر من قَبضه

وَأقسم بِاللَّه أَن قدر عَيَّاش مَا بَين الأوباش بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا القلاش فِي المعاش كنسبة أبي تَمام لبَعض أراذل الْعَوام وَلَيْسَ فِي نفس الْأَمر إِلَّا زيد الَّذِي وَصفه عَمْرو فَقَالَ يَا صَاحب الشقاوة ومنبع الغباوة كم تدّعى الْحَلَاوَة وَقَالَ مَا هَذِه العلاوة والطرف ذُو غشاوة وحظك الْعَدَاوَة وَقَالَ فِيهِ

يَا من بِهِ وبشكلهلِذَوي البصائر تبصره
أَخْلَاق ثَوْبك عِبْرَةللعاقلين وتذكره
قومت مَا فِيهِ أَتَىبقمامة فِي مجزرة
فِي كل مغر زابرهقاذورة أَو مطهره
مَا أَنْت إِلَّا دمثةمَكْرُوهَة مستقذره

وَقَالَ فِيهِ

يَا بَحر جهل قد زخربالحمق دهراً فافتخر
هلا تنسمت الَّذِيفِي الثَّوْب من فضل الْحجر
مَا للكيف رَوَائِحفاحت بفيك من البخر

وَقَالَ فِيهِ

يَا ذَا الَّذِي قد جَاءَنَاوالشكل مِنْهُ مزدرى
مَا إِن رَأَيْتُك مُقبلاإِلَّا تمنيت الْعَمى

أصبح فِي الشَّام كَأَنَّهُ فِي الْعَرَبيَّة ابْن هِشَام يتَكَلَّم بِغَيْر احتشام فَتَارَة يَدعِي أَنه أفضل أهل الْمشرق وَأَحْيَانا أَنه أفضل أهل الْمغرب وآونة أَنه أكمل فضلاء مصر ورادفة أَنه أجل أُمَرَاء الْعَصْر وَهُوَ خَارج من الْفَرِيقَيْنِ ودارج عَن الطَّرِيقَيْنِ

لَا إِلَى هَؤُلَاءِ إِن طلبوهوجدوه وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ

وَرُبمَا يلهو بلحيته الوسواس الخناس فيزكي نَفسه وَيَقُول أَنا أتقى النَّاس وَرُبمَا لج بِهِ الْغرُور حَتَّى فضل نَفسه على الْجُمْهُور وَإِذا تحكم بِهِ الطغيان صرح وَقَالَ من فلَان وَفُلَان وَحين يقرب بِزَعْمِهِ من نفس الْأَمر جعل نَفسه ثَانِيًا لوَاحِد الدَّهْر وَلَيْسَ حَظه من هَذِه الدَّعْوَى إِلَّا الْبلوى والشكوى وَلَا فَائِدَة وَلَا جدوى بل حَظه مِنْهَا الْجِدَال والمرا وَمن جهلت نَفسه قدره رأى غَيره فِيهِ مَا لَا يرى يزْعم أَنهم لقبوه صَاحب السَّعَادَة وَلَا أَدْرِي مَا السَّعَادَة الَّتِي ينتمي إِلَيْهَا والرياسة الَّتِي يلوب ويتهالك عَلَيْهَا إِن كَانَت أخروية فَذَلِك الْأَمر لَا يعرف كَيفَ يكون وَإِن كَانَت دنيوية فالرجل لَا محَالة مَجْنُون مفتون إِذْ لَيْسَ فِيهِ أثر من آثارها وَلَا ذرة من غبارها فالويل لَهُ من هَذِه الدَّعْوَى الكاذبة والتنابز بِالْأَلْقَابِ المخطئة الْغَيْر صائبة اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك عقلا يعقلنا عَن مثل تِلْكَ الحماقات ورشداً يمنعنا عَن تِلْكَ الدَّعَاوَى الباطلات العاطلات

والدعاوى مَا لم يقيموا عَلَيْهَابَيِّنَات أبناؤها أدعياء

فَلَمَّا وصلت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة أَخْبَار هَذِه الْمُقدمَة لم يزل يتطلبها حَتَّى وقف عَلَيْهَا وتحامق على حمقه وحنق وَذهب بهَا إِلَى الشَّيْخ الْمقري وَبكى وشكى من مؤلفها فَأرْسل مؤلفها يعرف الشَّيْخ سَبَب تأليفها وإنشائها وتصنيفها فَكتب إِلَيْهِ يَقُول وَلَقَد أجل سَيِّدي عَمَّا سيعرض على عالي جنابه وأنزه من ذَلِك شرِيف سَمعه وخطابه من هَذَا الوسواس المنافر والهذيان الوافي المتنافر والسخرية الَّتِي يحرس سمع الأديب عَنْهَا ويكلا والأعجوبة الَّتِي خَبَرهَا يسلى الحزين ويضحك الثكلى والمدح الَّذِي يلوح الْقدح على صفحاته والهزل الَّذِي يَأْخُذ الْجد بمخنق لهاته وَالشعر الَّذِي ينفث السحر بَين كَلِمَاته وفقراته والداعي إِلَى ائتلاف قوافيه وتضييع الْعُمر فِيهِ أَن هَذَا الرجل الملقب نَفسه بالضد وَهُوَ حَلِيف الشقاوة وَمن طَرِيق الْجد قد نصب حبائل الخداع فِي استجلاب مَا عندنَا من نفائس الْمَتَاع وَلم يفرق بَين

عرُوض التُّجَّار وعروض الْأَشْعَار فجاءنا بوريقة فِيهَا خطوط أخلاط لَا يُدْرِكهَا وَلَا يفهمها بقراط مشوّشة المبنى مُخْتَلفَة الْمَعْنى يدعى أَنَّهَا تدخل فِي سلك النّظم لَا تساغ مَعَ الكظم وَلَا يعْمل فِيهَا الهضم إِنَّمَا هِيَ لقْمَة ذَات عظم لَا يُؤثر فِيهَا القضم فَمَا رَأَيْت قدرا أَكثر مِنْهَا عظما وَلَا آكلاً أَكثر مني كظماً كَمَا لم أر ناظماً أقبح مِنْهُ نظماً ثمَّ إِنَّه أَخذ يتقاضى الْجَواب وَلَا يمنعهُ الْحجاب وَلَا يعوقه البواب وَلَا يروعه الْبَاب فيقف بَين يَدي كَأَن لَهُ دينا عَليّ فيضغطني ضغطة الْغَرِيم اللَّئِيم للْمَدِين الْكَرِيم حَتَّى أردْت أَن أَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقلت أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ أَمْسَكت اليراع وَأَنا ممتلىء بالصداع ونظمت هَذِه الأبيات والنشوة على شرف الْفَوات وَمَا أنشأت هَذَا القريض حَتَّى انحط طبعي للحضيض ثمَّ لم يبرح من بَاب الدَّار حَتَّى أَمْسَكت بيَدي الطومار فَكتبت وشرخ البديهة عَازِب وَنجم القريحة غارب وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ كلهَا هجواً وَلما كَانَ بعض هجائها نجوى وَهَا هِيَ كَمَا يرَاهُ السَّيِّد مِنْهَا الرَّدِيء والجيد فَقلت مرتجلاً بديهة من غير توقف وَلَا تدبر

من رام يحوي فِي العلى مُرَادهفليصحبن صَاحب السعاده
مهذب الرَّأْي الَّذِي دُنْيَاهُ فِييَدَيْهِ لَا فِي قلبه معاده
ذُو همة لَو جِيءَ بالعنقاء قديَقُول هذى عندنَا جراده
مقتصد عدوّه الأسراف فِيأُمُوره وخلقه الزهاده
وَرُبمَا يرفل فِي ديباجهطوراً وطوراً لابساً نجاده
وَلَو أَتَاهُ قس يَوْمًا حجَّةوَلَو غَدا مستنصراً إياده
أَو حَاتِم وافاه رَاح خجلاوَلَو بطى قد نوى استنجاده
يَقُول قس أَيْن لي فضل فَتىأحرز خصل الْفضل مَعَ زياده
وحاتم يَقُول إِنِّي عَاجزعَن شأو مولى غَالب أضداده
عَن الإِمَام المقرىء شَيخنَارويت كلما رويت عَاده
والمقري عِنْد أَصْحَاب النهىخُزَيْمَة فِي موطن الشَّهَادَة
يحفظه الله الَّذِي أفادنيإِفَادَة تغني عَن الْإِعَادَة
قد كثر الله معاليه كَمَاقد كثر الله بهَا حساده
لله مَا أسعد أوقاتي بِهِوطبعه الْمَوْصُوف بالإجاده
هُوَ الْقَرِيب للقريب جَامعفِي زمن مشتت أَفْرَاده
قاءه وَطول بَاعَ فِي العلىوزي فقر فِي الْغنى استفاده
طوّل فِي كل الْمعَانِي بَاعهمن اعْتدى مقصراً نجاده
أَحْمد ذَاك الْكَامِل السَّامِي الَّذِيقد لقبوه صَاحب السعاده
المغربي القيرواني الَّذِيأشْرب قلب شرقنا وداده
هِيَ الْخِصَال كلهَا غَرِيبَةجود وحزم ومعالي الساده
من الذكاء قلبه مشتعلأورى لَهُ الْفضل بِهِ زناده
فبذله كفضله وجودهمن طبعه وقوته العباده
يحْتَمل الْكل عَن الْخلّ الَّذِيأَضَافَهُ وَيكرهُ استبعاده
مقتنع بِكُل مَا يَأْتِي بِهِمحسن للباذل اقتصاده
لَا يَأْكُل الطَّعَام إِلَّا مرّةبحكمة من طبعه مفاده
وَكلما ذكرت من أخلاقهمُبين من رشده سداده
وَبَعض مَا أوردت من صِفَاتههُوَ الَّذِي مشرد رقاده
لَك الصَّفَا لَك الهنا لَك المنالَك الرِّضَا مَعَ مُنْتَهى الإراده
إِن جئتنا فِي يَوْم سعد زَائِرًايَا من يرى الْخلّ بِهِ أعياده
يَا لهف نَفسِي كَيفَ أبغي مدحهلفاضل لست أرى أنداده
أفيده مد حَاله وَهُوَ الَّذِيبِذَاتِهِ اسْتغنى عَن الإفاده
أتحفني مِنْهُ بِشعر شَاعِرمَا مثله حَاز أَبُو عباده
من لي بِشعر حرت فِي نشيدهحِين سَمِعت فِي الملا إنشاده
حسب ابْن شاهين بِأَن قد جِئْتهبمدحه كَأَنَّهَا قلاده
من لُؤْلُؤ وجوهر منضديزين مِنْهَا نظمها أجياده
فَإِن يجبك سَيِّدي بِمثل مَاأهديته فَمن علاك صَاده
وَإِن يكن صَاد النُّجُوم مهدياًإِلَيْك فَهُوَ عِنْده مَا اعتاده
فَلَا بَرحت سَيِّدي مرتقياًمراقي الْعِزّ والسياده
فِي مدّة لَا فنيت بِعَارِضوعمره مُحَصل مُرَاده

وَكَانَت وَفَاة صَاحب السَّعَادَة فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف بالمحلة الْكُبْرَى

أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بِالْحَافِظِ أحد وزراء الدولة العثمانية الكبراء وَكَانَ فَاضلا

كَامِلا عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَيعرف عُلُوم الْأَدَب وَالْعرُوض وَكَانَ متيقظاً مُدبرا حاذقاً خدم فِي مبادي أمره بدار السلطنة وَلم يزل يترقى فِي المناصب حَتَّى ولي كَفَالَة دمشق ودخلها يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وساس الْأُمُور فِي بداية أمره على النهج القويم إِلَّا أَنه لما طَالَتْ مدَّته تجبر وظلم النَّاس ظلما بلغ الْغَايَة وملأ من الرعب قُلُوب أهل دمشق وَلما مَاتَ الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن سعد الدّين تنَازع فِي المشيخة أَخُوهُ سعد الدّين وَابْن أَخِيه كَمَال الدّين وكل مِنْهُمَا ذُو أَمْوَال كَثِيرَة وعقارات غزيرة فَأخذ من كل وَاحِد مِنْهُمَا أَمْوَالًا لَا تحصى ثمَّ بَعْدَمَا استصفى مِنْهُم الْأَمْوَال أَخذ بستاناً عَظِيما يُسَاوِي خَمْسَة آلَاف دِينَار من الشَّيْخ سعد الدّين حَتَّى حَاز على المشيخة وَقطع آمال الشَّيْخ كَمَال الدّين وَكتب الشَّيْخ سعد الدّين حجَّة بِالْبيعِ لَهُ وَقبض الثّمن مِنْهُ وَقد كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة ذَا شهامة وَمَعْرِفَة تَامَّة بأحوال الحروب وتغريم الْأَمْوَال فصادر جماعات فِي دمشق وَأخذ مِنْهُم أَمْوَالًا بِغَيْر حق وَكَانَ أَرْبَاب الدولة من مقربي السلطنة يبعدونه دَائِما عَن السُّلْطَان لعلمهم أَنه إِذا قربوه سحر السُّلْطَان بسعة عقله وَتَمام فَضله وَكَثْرَة حيله وَقُوَّة مكره وَمن الْعجب أَن مدرسة انْحَلَّت فِي دمشق فَأمر القَاضِي أَن تُعْطى للشَّيْخ زين الدّين الأشعافي وَكَانَ أَرَادَ أَن يستوطن دمشق وَكَانَ عَالما وَسَتَأْتِي تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب تآليف فِي علم الْعرُوض والحافظ طلبَهَا لأجل إِمَام لَهُ وَكَانَ صَالحا وَكَانَ يعرف بعض أَشْيَاء من الْعِبَادَات على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَقيل لِلْحَافِظِ أَن الشَّيْخ زين الدّين ثَانِي الْخَلِيل فِي علم الْعرُوض فَسَأَلَهُ الْحَافِظ عَن تقطيع بَيت فقدّر الله أَنه عجز وَصَارَ لَهُ كَمَا صَار للحريري ثمَّ إِن الْحَافِظ وَجه الْمدرسَة لإمامه ثمَّ إِن السُّلْطَان اتَّخذهُ سرداراً على قتال الْأَمِير فَخر الدّين بن معن وَأمر كافل حلب وكافل ديار بكر وكافل طرابلس وأمراء الأكراد وَنَحْو النّصْف من السباهية وعساكر دمشق وعساكر حلب الْجَمِيع يكونُونَ تبعا لَهُ فَتوجه بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ ألفا وحاصر ابْن معن تِسْعَة أشهر فَلم يقدر أَن يَأْخُذ قلعة من القلاع ثمَّ بعده أخرج رجلا من جماعته وَقَالَ لمن فِي القلاع أَنا مَالِي عنْدكُمْ غَرَض الْوَزير الْأَعْظَم لَهُ غَرَض فَقولُوا للأمير فَخر الدّين أَن ينزل إِلَى خيامنا وَعَلِيهِ أَمَان الله ونأخذ مِنْهُ دَرَاهِم للسُّلْطَان وللوزير ونقرره فِي أماكنه فَقَالُوا الْأَمِير ذهب فِي المراكب إِلَى بِلَاد الفرنج فَلَمَّا تحقق ذَلِك رَضِي بنزول أم فَخر الدّين فَقَالَت نَحن مَا ضَبطنَا بَلَدا بِغَيْر إِذن السُّلْطَان وَلَا انْكَسَرَ عندنَا مَال

فَعِنْدَ ذَلِك أَعْطَتْ للسُّلْطَان مائَة ألف قِرْش وللوزير خمسين ألفا وللحافظ مثلهَا وانفصل الْأَمر على ذَلِك ثمَّ تولى كَفَالَة آمد فَقدر وَالله ﷿ أَن كفلاء بَغْدَاد تجاوزوا فِي الظُّلم وَتَوَلَّى يُوسُف باشا بَغْدَاد وَكَانَ وزيراً شهماً فظلم وَكَانَ بكر أحد أجناد بَغْدَاد استطال على الْعَسْكَر لِكَثْرَة أَتْبَاعه وأمواله فَوَقع بَينه وَبَين الْوَزير الْمَذْكُور وَأَرَادَ الْوَزير قَتله فحاصر بكر بمعونة أَكثر عَسَاكِر بَغْدَاد قلعة بَغْدَاد وفيهَا الْوَزير فَكَانَ ينظر من أسوارها فَضربت مكحلة من جَانب عَسْكَر بكر فأصابت الْوَزير فَقتلته وَاسْتولى بكر على بَغْدَاد وَجعل نَفسه بيد حاكمها وَبعث الْأَمْوَال وَالْعرُوض والمحاضر إِلَى دَار السلطنة ليتولى على بَغْدَاد فَمَا أُجِيب إِلَى ذَلِك ثمَّ فِي خلال ذَلِك كتب الْحَافِظ أبياتاً بالتركية تَتَضَمَّن الْخطاب للسُّلْطَان أَحْمد أَنه مَا بَقِي عنْدكُمْ عَسْكَر وَلَا رجال وَلَا أَمْوَال حَتَّى تعينُوا سرداراً على بَغْدَاد وَكَانَ مُرَاده التَّوَصُّل إِلَى الوزارة الْعُظْمَى وَكَانَ عِنْده مَمْلُوك جميل اسْمه دلاور فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان قصيدة تركية يَقُول لَهُ فِيهَا مَا بَقِي عنْدك دلاور بمعان مُتعَدِّدَة ثمَّ بعد ذَلِك جعله السُّلْطَان سرداراً على بَغْدَاد وَأمر عدَّة أُمَرَاء أَن يَكُونُوا تبعا لَهُ وَجَمِيع الأكراد لَكِن مَا جعله وزيراً أعظم فَلَمَّا سمع ذَلِك بكر كتب لشاه عَبَّاس مَكْتُوبًا يَقُول لَهُ أسلمك بَغْدَاد بِشَرْط أَن تكون الْخطْبَة وَالسِّكَّة بِاسْمِك فَقَط فَرضِي الشاه بذلك فَقيل لَهُ أَنْت سني وَهَذَا شيعي كَيفَ تحكم الشِّيعَة فِي السّنيَّة فَقَالَ أَنا أكذب على الشاه إِذا رَجَعَ الْحَافِظ لَا أطمع بني عُثْمَان وَلَا الشاه فجَاء الْحَافِظ وحاصر بَغْدَاد وَقدر الله تَعَالَى أَن بَغْدَاد كَانَت فِي غَايَة الْقَحْط فَتحمل بكر المضض وَاسْتمرّ الْحَافِظ على المحاصرة حَتَّى سمع بِقرب الشاه مِنْهُ وَبَقِي بَينه وَبَين الشاه أَرْبَعَة أَيَّام فَكتب الْحَافِظ أَمر الْبكر أَنِّي جعلتك حَاكم بَغْدَاد ثمَّ تحول الْحَافِظ لعلمه بِكَثْرَة عَسَاكِر الشاه وَعدم استطاعته وتحول الْحَافِظ إِلَى ديار بكر وحاصر الشاه بَغْدَاد فضاقت الْمَعيشَة بعساكر بَغْدَاد ووصلوا إِلَى أَنهم كَانُوا يَأْكُلُون الْآدَمِيّين وَكَانَ بكر جعل على كل بَاب بِبَغْدَاد رجلا من أكَابِر أَقَاربه وَسلم القلعة لِابْنِهِ مُحَمَّد عَليّ فَلَمَّا رأى مُحَمَّد على أَن الْأُمُور صائرة إِلَى الْهَلَاك سمح بِهَلَاك وَالِده لنجاة نَفسه فَبعث للشاه ورقة التَّسْلِيم وَأدْخل لَيْلًا للقلعة عَسَاكِر الشاه وَلما كَانَ وَقت الصَّباح إِذا بطبول الشاه تضرب فِي القلعة فَانْقَطَعت قُلُوب أهل السّنة من الْخَوْف وامتلأت قُلُوب الشِّيعَة من الْفَرح وَالسُّرُور فَدخل الشاه صباحاً وَقتل بكر شَرّ قتلة وَوضع أَخا بكر

عمر فِي السَّفِينَة وَألقى فِيهَا النفط والقطران وَالنَّار وأحضر المنلا عَليّ وَكَانَ سنياً حنفياً شَيخا كَبِيرا فَأحْضرهُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الْعَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ يَا شاه أَنا عِشْت هَذَا الْعُمر مَا بَقِي لي غَرَض فِي الْحَيَاة لعنة الله على من يلعن أَصْحَاب رَسُول الله

فَأخذ الشاه السَّيْف بِيَدِهِ وضربه ضربا متوالياً حَتَّى قتل شَهِيدا سعيداً ثمَّ نَادَى بقاضي بَغْدَاد الَّذِي ولاه السُّلْطَان مُرَاد وَطلب مِنْهُ أَن يسْعَى بَينه وَبَين السُّلْطَان مُرَاد فِي أَن يولي ابْن الشاه بَغْدَاد وَتَكون السِّكَّة وَالْخطْبَة باسم السُّلْطَان مُرَاد وَيُرْسل ابْنه فِي كل سنة خمسين ألف قِرْش فوعده القَاضِي بِالْخَيرِ فَقَالَ لَهُ خواصه إِن القَاضِي يَضرك عِنْد السُّلْطَان وَيحسن لَهُ أَخذ بَغْدَاد قَالَ صَدقْتُمْ وَقَتله ثمَّ قتل السَّيِّد مُحَمَّد نَائِب المحكمة والخطيب الْعَظِيم فِي بَغْدَاد وَكَانَت امْرَأَة فسخت نِكَاحهَا عَن زَوجهَا بسب تعذر النَّفَقَة كَمَا هُوَ مَذْهَب السَّادة الشَّافِعِيَّة وَعند الشِّيعَة لَا يجوز الْفَسْخ وَكَانَ السَّيِّد مُحَمَّد فِي الْمِنْبَر يُبَالغ فِي الدُّعَاء على الشاه وَفِي لَعنه فَقَالَ لَهُ أسمعنا تِلْكَ الْخطْبَة البليغة فَقَالَ لَهُ لَا وَلَكِنِّي أسمعك مولد النَّبِي

فَقَالَ لَهُ كَيفَ تزوج امْرَأَة زَوجهَا حَيّ قَالَ فسخ عَنْهَا على قَاعِدَة مَذْهَب الشَّافِعِي فلعن الشَّافِعِي وَلعن بَقِيَّة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَضرب السَّيِّد مُحَمَّد بكلاب أخرجه من لِسَانه وصلبه وَحكى الشَّيْخ عُثْمَان الْخياط الْبَغْدَادِيّ أَنه رفس بِرجلِهِ صندوق الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَألقى عمَامَته عَن الصندوق وَسمر بَابه وَاتخذ تكيته اصطبلاً للخيل وَالْجمال وَفعل بِقَبْر الإِمَام أبي حنيفَة أَكثر من ذَلِك فَقَالَ لَهُ السَّيِّد دارج وَكَانَ نقيب الْأَشْرَاف بِبَغْدَاد الشَّيْخ عبد الْقَادِر شرِيف فَلم تهينه فَقَالَ لَهُ جمَاعَة من أَتبَاع الشاه لَيْسَ بشريف وَقَالَ لَهُ رجل نزل بِبَاب الأزج اجْعَل للشَّيْخ إهانة عَظِيمَة يهْلك بهَا أهل السّنة وَهِي أَن أَسد جَمِيع المراحيض فِي بَاب الأزج وَأسد بَاب مَزَار الشَّيْخ عبد الْقَادِر وأفتح من الْقبَّة طَاقَة على قبر الشَّيْخ فَجَمِيع من كَانَ مُرَاده أَن يَبُول ويتغوط تنزل فضلاته على قبر الشَّيْخ فَقَالَ خوب خوب وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وَأخذ فِي سد الْأَبْوَاب من الْغَد فَقبل الْمغرب أَخذ خادمه يفتش على عرق ايكر فَقيل لَهُ لماذا قَالَ أَصَابَهُ قولنج ثمَّ مَاتَ سَرِيعا فَعلم الشاه أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر صَاحب أَحْوَال وأهان جَمِيع أهل السّنة وَحكى أَن البغداديين الشِّيعَة كَانُوا إِذا وقفُوا يقرؤن الْفَاتِحَة عِنْد قبر الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَو قبر أبي حنيفَة يَقُولُونَ يَا عَار يَا عَار يَا أنجس من الفار إِن كَانَ الله حَرمك من الْجنَّة لَا يحرمك من النَّار وَبدل الْجُمُعَة بخطيب

يصعد إِلَى الْمِنْبَر وَيذكر أَئِمَّة الْبَيْت الاثْنَي عشر ويلعن أَصْحَاب مُحَمَّد

وَعَلَيْهِم ويلعن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء الْمَوْجُودين فِي الْأَحْيَاء وَينزل وَيصلونَ فُرَادَى ينتظرون خُرُوج الْمهْدي ويؤذنون وَيَقُولُونَ بعد الحيعلتين حَيّ على خير الْعَمَل مُحَمَّد وعَلى خيرالبشر وَضبط الشاه جَمِيع أَمْوَال عَسَاكِر بني عُثْمَان وأموال المنسوبين إِلَيْهِم ثمَّ بعد ذَلِك عين السُّلْطَان جركس مُحَمَّد باشا سردار على الشاه بَعْدَمَا يُقَاتل أبازه مُحَمَّد باشا وَلما ورد إِلَى توقات فقاتل أبازه وانكسر وَتَفَرَّقَتْ العساكر وَكَانَ جركس مُحَمَّد باشا يقْعد فِي خيمته ويتهجد وَيَدْعُو الله أَن لَا يظلم أحدا وَلَا يكسر خاطر أحد أصلا فأدركه الْمَوْت وخلصه الله من هَذِه المشاق فَاجْتمع رَأْي أَرْبَاب الدولة أَن يجْعَلُوا الْحَافِظ وزيراً أعظم فَتوجه لَكِن اغْترَّ بعزمه فَكَانَ يَقُول للعساكر مَفَاتِيح بَغْدَاد بيَدي وَسَببه أَن ضَابِط بَغْدَاد بعث إِلَيْهِ أَن يُسلمهُ بِمُجَرَّد وُصُوله إِلَيْهَا بِشَرْط أَن يُعْطِيهِ منصباً جَلِيلًا وَأَنا مَا أقدر أسلم مَا لم تحضر فَإِنِّي أَخَاف من عَسْكَر الشاه أَن يقتلوني فَلَمَّا وصل الْحَافِظ بالعسكر الْعَظِيم إِلَى خَارج بَغْدَاد أرسل جمَاعَة الشاه المكاحل وهم يصرخون وَيَقُولُونَ بالتركية خُذ هَذِه مَفَاتِيح بَغْدَاد فَعلم أَنهم أردوا الخداع وَالْمَكْر حَتَّى لَا يتدارك مهمات الْحصار وَاتَّخذُوا لقومات عديدة فَمَا أفادت شَيْئا سوى لقم وَاحِد اصطنعه ضَابِط الْجند خسرو باشا فَفتح جانبا عَظِيما وَلَكِن الْعَسْكَر لم يهجموا كلهم عَلَيْهِ فَإِن من عَادَة أكَابِر الْعَسْكَر أَنهم يُرِيدُونَ تَدْبِير بَعضهم بَعْضًا فَحِينَئِذٍ أقدم عَسَاكِر بَغْدَاد حَتَّى سدوا اللقم فَكَانَ خسرو باشا يبكي وينتف لحيته من قهره وَكَانَ الشاه نزل بِالْقربِ من بَغْدَاد نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى تسمع عساكره فِي بَغْدَاد بِخَبَرِهِ فتقوى قُلُوبهم وتضعف قُلُوب عَسَاكِر السُّلْطَان وَكَانَ مُرَاد باشا الأرنبودي كافل حلب بقبح صَنِيع الْحَافِظ ويسبه وَيَقُول لأي شَيْء لَا يُرْسل عَسَاكِر من عِنْده وَكَانَ هُوَ مَعَه عَسَاكِر كَثِيرَة وَجَاء إِلَى الْحَافِظ وَقَالَ لَهُ أَعْطِنِي إجَازَة حَتَّى أتوجه إِلَى الشاه وأقتل جماعته وَرُبمَا قبضت عَلَيْهِ فَيَقُول لَهُ الْحَافِظ مُرَاد باشا لَا تفرق عساكرنا وتضعفهم فيهجم عَسَاكِر بَغْدَاد علينا ويقتلونا وَمُرَاد باشا يصمم على قتال الشاه فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ إِن فعلت فَأَنت تعلم فَجمع مُرَاد باشا نَحْو أَرْبَعَة آلَاف وكبس الشاه فتحاربوا شَيْئا قَلِيلا ثمَّ رَجَعَ مُرَاد باشا مكسوراً فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ عرفت أَن قَول الشُّيُوخ أصوب من رَأْي الشبَّان وضاق الْأَمر على عَسَاكِر الْحَافِظ وَوَقع

الغلاء فيهم وهرب غالبهم ثمَّ بعد ذَلِك اجْتمع الْعَسْكَر وَرَجَمُوا الْحَافِظ وطلبوا مِنْهُ أَن يقوم بالعساكر عَن الْحصار ويرجعوا إِلَى أوطانهم فَقَالَ اصْبِرُوا عَليّ أسبوعاً فصبروا أسبوعين ثمَّ جاؤا فَلم يزل يواعدهم حَتَّى اجْتَمعُوا عَلَيْهِ وَوَضَعُوا فِي عُنُقه مُحرمَة وجذبوه حَتَّى قَامَ من مَكَانَهُ وَشرع فِي الرحيل وَكَانَ عِنْده بعض مكاحل دَفنهَا فِي الأَرْض وَلم يعلم بذلك أحد إِلَّا شرذمة قَليلَة فَجرد بالمكاحل فَتَبِعهُمْ الشاه وَأَرَادَ الْعَسْكَر أَن يعجلوا فِي الرُّجُوع فَنَادَى كل من فَارق الْوَزير وَخرج عَن خيامه تخرج عَنهُ علوفته فَتَبِعهُمْ الشاه مرحلة مرحلة وَأَرَادَ الهجوم عَلَيْهِم فَلم يبالوا بِهِ وجمعهم الْحَافِظ وَتوجه إِلَى الشاه وقاتله حَتَّى رَجَعَ الشاه من خَوفه وَبعد يَوْمَيْنِ أحضر إِلَيْهِ مُرَاد باشا وَقَالَ لَهُ ألم أقل لَك لَا تركب حَتَّى كسرت العساكر وأظهرت الصيت الْقَبِيح لنا وَقَتله فِي الْحَال بَين خيامه وَأرْسل جثته إِلَى جماعته وَجَاء الْحَافِظ إِلَى حلب فَبعث الْهَدَايَا والتحف إِلَى السُّلْطَان وجماعته واسترضى السُّلْطَان وجماعته حَتَّى لَا يقتل لكنه عزل وَنزل بقسطنطينية خَائفًا مختفياً وَتَوَلَّى الوزارة بعده خَلِيل باشا وَبعده خسرو باشا ثمَّ تولاها الْحَافِظ صَاحب التَّرْجَمَة ثَانِيًا وَكَانَ للعساكر الطغيان الْعَظِيم فَاجْتمع عَلَيْهِ العساكر وقتلوه وَكَانَ السُّلْطَان خَيره بَين أَن يقْتله هُوَ بِنَفسِهِ وَيبْعَث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِم ليطفي نَار غضبهم وَبَين أَن يُمكن العساكر مِنْهُ فَقَالَ الأولى أَن تسلمني للعساكر وَلَا تتقلد دمي ليبقى الْإِثْم فِي عنق الْعَسْكَر وَيكون لي فِي الْقِيَامَة الْمُطَالبَة الْكُبْرَى وَكَانَ قَتله فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع