من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْحَاء الْمُهْملَة (٨)
الصفحة ١ من ٢
قَالَ النَّجْم الْغَزِّي ثمَّ خرج من دمشق حَاجا وقطن بِمَدِينَة العلافي طَرِيق الْمَدِينَة من الشَّام وأحبه أَهلهَا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وجعلوه لَهُم إِمَامًا وخطيبا ومعلما لأطفالهم ومفتيا لَهُم على مَذْهَب مَالك لأَنهم مالكيون ثمَّ إِنَّه خرجت عِنْدهم عين مَاء قريبَة من الْبَلدة فَخرج إِلَيْهَا حُسَيْن فَوَجَدَهَا مُمكنَة الْوُصُول إِلَى مَدِينَة الْعلَا فساعده أَهلهَا حَتَّى أجروها إِلَى أَرض هُنَاكَ وخصوه بهَا وَرَأَوا أَن ذَلِك من بركته قَالَ وَلما حججْت فِي سنة سبع بعد الْألف زارني وحَدثني بِحَدِيث الْعين وَسَأَلته عَنْهَا فَأَخْبرنِي أَنَّهَا تبلغ مجْرى من المَاء بِحَيْثُ تستقل وتغني وَأَنه أَحْيَا بهَا أَرَاضِي كَثِيرَة قَالَ وحَدثني فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة أَو عشرِيَّة بالمنزلة الْمَذْكُورَة قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن العجيمي النجاري قَاضِي جبلة وزبيد بِالْيمن قَالَ سَأَلت ولي الله مُحَمَّد بن عجيل اليمني فَقلت لَهُ قد تزايد ظلم الأروام وَتجَاوز فَقَالَ قلت للبرهمتوشي يَعْنِي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد البرهمتوشي الْحَنَفِيّ عَلامَة مصر مِثْلَمَا قلت لي فَقَالَ أنْكرت ذَلِك فَذَهَبت إِلَى الدفتر دَار فَكتبت سَائِر الْمَظَالِم وسافرت إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فَبَيْنَمَا أَنا فِي حلب إِذْ سَمِعت هاتفا جَالِسا فِي الْهَوَاء على كرْسِي فَقَالَ لي
إِذا نَحن شِئْنَا لَا يدبر ملكناسوانا وَلم نحتج لشخص يدبر
فَقل للَّذي قد رام مَا لَا نريدهوحاول أَمر أدونه يتَعَذَّر
لعمرك مَا التَّدْبِير إِلَّا لوَاحِدوَلَو شَاءَ لم يظْهر بِمَكَّة مُنكر
قَالَ فَرَجَعت وسلمت الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
أرى غَارة الأقدار وللمرء لاحقهوَلَو فر منهارا كبا متن شاهقه
وَمَا خطّ فِي أم الْكتاب تسوقهإِلَيْهِ الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ سابقه
فَلَا ذاق من صاب التغرب من بَكَىعلى مغربي ضَاعَ بَين مشارقه
فعاتبته على ذَلِك وَقلت لَهُ مَا ضعت بَين المشارقة بل شاع ذكرك وَضاع نشْرك وسما قدرك فَمَا أنصفت فِيمَا قلت فاعترف بذلك من حَيْثُ لَا يَسعهُ الْإِنْكَار وَقَالَ إِنَّهَا نفثة مصدور على وَجه الِاعْتِذَار ثمَّ أدمج القَوْل بِأَنَّهُ وَإِن حصل فِي الْعلَا تَمام النِّعْمَة إِلَّا إِنَّه فِي بَلْدَة صَغِيرَة لَيْسَ بهَا عَالم يعرف قدره ثمَّ أَنْشدني مقَالَة العتابي يُشِير إِلَى ذَلِك
الْمَرْء فِي سوق الزَّمَان سلْعَةيرخص أَو يغلو بِقدر الْبقْعَة
وَهَا أَنا بوادي درعة رخيصوَلَيْسَ لي عَمَّا قضى الله محيص
(يَا من يَلُومن على سكني درى فَلَا تقل لما جرى كَيفَ جرى ...)
وَهَذِه الأبيات تدل على أَنه يُقَال للمكان درعة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا عين مُهْملَة ودرى وَالرَّاء مَفْتُوحَة إِلَّا أَنه سكنها ضَرُورَة ولغة فِي درعة وَمن هُنَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا درعى ودرى وَقَالَ ثمَّ اجْتَمَعنَا بِهِ فِي الرّجْعَة فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَمَان فأنس بِنَا وانسنا بِهِ وَلما عدت إِلَى الْحَج فِي سنة عشرَة رَأَيْته قد سَافر إِلَى الرّوم وعدت إِلَى الْحَج فِي سنة إِحْدَى عشرَة فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَّة المشرفة فِي أواسط ذِي الْحجَّة بلغنَا أَنه غرق فِي بَحر جدة فِي الْمركب الْمَعْرُوف بالخاصكية فِي الشَّهْر الَّذِي قبله لحقته غَارة الأقدار وساقت إِلَيْهِ الْمَقَادِير مَا خطّ فِي أم الْكتاب رَحمَه الله تَعَالَى
الْحُسَيْن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن المهلا فِي حَقه إِمَام عُلُوم مُحَمَّد الَّذِي اعْترف أولو التَّحْقِيق بتحقيقه وأذعن أَرْبَاب التدقيق لتدقيقه واشتهر فِي جَمِيع الأقطار اليمنية بالعلوم السّنيَّة أَخذ عَن وَالِده الإِمَام الْمَنْصُور الْقَاسِم ولازمه حَتَّى برع وترعرع وَأخذ عَن الإِمَام الْعَلامَة لطف الله بن مُحَمَّد بن الغياث المظفري وجدي الْمُجْتَهد عبد الله المهلا وَلَقي كثيرا من شُيُوخ عصره وَله التصانيف الشهيرة كغاية السول فِي علم الْأُصُول وَشَرحه هِدَايَة الْعُقُول وَكتاب فِي آدَاب الْعلمَاء والمتعلمين اخْتَصَرَهُ من كتاب جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ للسَّيِّد السمهودي وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَمن شعره البديع قَوْله
مولَايَ جد بوصال صب مدنفوتلافه قبل التلاف بموقف
وَارْحَمْ فديت قَتِيل سيف مرهفمن مقلتيك طعين قد مر هف
فَامْنُنْ بحقك يَا حبيب بزورةتحيي بهَا الْقلب القريح فيشتفي
أعلمت أَن الصد أتلف مهجتيوالصد للعشاق أعظم متْلف
عجبا لعطفك كَيفَ رنح وانثنىمتأودا وعَلى لم يتعطف
أَنا عَبدك الملهوف فارث لذلتيوارفق فديتك بِي لطول تلهفي
عَرفتنِي بهواك ثمَّ هجرتنييَا لَيْتَني بهواك لم أتعرف
حَملتنِي مَالا أُطِيق من الْهوىوأذقتني سم الْفِرَاق المدلف
يَا مهجتي ذوبي وَيَا روحي اذهبيمن صده عني وَيَا عَيْني اذرفي
هَل من معِين لي على طول البكاأَو راحمي أَو ناصري أَو منصفي
وَإِلَيْك عاذل عَن ملامة مغرملَا يرعوى عَمَّا يروم وَلَا يَفِي
حاشاي أَن أسلو وانسي عهد منأحببته إِنِّي أَنا الْخلّ الوفي
قل مَا تشَاء فانني يَا عاذليلَا أَنْتَهِي لَا أنثني عَن متلفي
أَنا عَبده لَا أكتفي عَن مالكيوَالْعَبْد عَن ملاكه لَا يَكْتَفِي
يَا قلبه القاسي أما ترثي لمنقَاس هَوَاك جوى وَطول تأسف
اعطف على قلب سلبت فُؤَادهواستبق مِنْهُ بِالنَّبِيِّ الْأَشْرَف
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشرى شهر ربيع الآخر سنة خمسين وَألف بِمَدِينَة ذمار وَبهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة الْحَرَّانِي ابْن مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين بن عَليّ بن الْحُسَيْن المحترف ابْن إِسْمَاعِيل بن الْحُسَيْن النتيف ابْن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الثَّانِي ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَعْرَج ابْن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ابْن الإِمَام مُحَمَّد الباقر ابْن الإِمَام عَليّ زين العابدين ابْن الإِمَام السَّيِّد الْحُسَيْن بن الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ هَذَا نسب بني حَمْزَة نقباء الشَّام وكبرائها أَبَا عَن جد وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا مِنْهُم أنَاس تشرف بهم هَذَا الْعَصْر وَالسَّيِّد حُسَيْن هَذَا وَأَخُوهُ السَّيِّد مُحَمَّد روح الله تَعَالَى روحهما فرقد أَسمَاء هَذَا الْبَيْت ونير فلكه وكل مِنْهُمَا بارع فِي الْفُنُون كَبِير الشَّأْن وَسَيَأْتِي السَّيِّد مُحَمَّد كَمَا ذكرنَا واما السَّيِّد حُسَيْن فَإِنَّهُ اشْتغل وبرع وسما قدره إِلَى معالي الْأُمُور فسافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا زَمَانا طَويلا وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن قدم إِلَى دمشق وَرَأس فِيهَا وَصَارَ نَائِبا بالمحكمة الْكُبْرَى وقساما للعسكر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية برتبة الدَّاخِل وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وجيها حسن المصاحبة لطيف الْعشْرَة أديبا مطبوعا رَأَيْت من آثاره كتابا جمعه وَسَماهُ بالتذكرة الحسينية ذكر
فِيهِ شعراء متقدمين كالشريف الرضي وَمن نحا نَحوه وختمه يذكر بعض معاصريه من الشُّعَرَاء ثمَّ ذكر فِي آخِره حِصَّة وافية من نظمه فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة يمدح بهَا رُؤَسَاء الرّوم ومطلعها
خفض عَلَيْك أَخا الظباء الغيدوَارْحَمْ مدامع جفني المسهود
كم ذَا أعلل بالأماني تَارَةقلبِي وطورا بانتظار وعود
وَلكم أَبيت بليلة الملسوع فِياذني سميع فِي الْتِفَات رصيد
يَا مُسْرِفًا فِي هِجْرَة لمتيمهجرت محاجره لذيذ هجود
أَهْون برغبتك القلى والجهد فِيتَعْذِيب شلو فُؤَادِي المفؤود
لم يبْق هجرك فِي قلباً خافقالسرور وغد أَو لخوف وَعِيد
وغدوت من فعل السقام كأننيأَوْهَام فكر فِي خيال بليد
أدنيتني حَتَّى ملكت حشاشتيوتركتني وَقفا على التنكيد
وَقَوله من أُخْرَى
معَاذ الْهوى إِن الصريع بِهِ يصحوليعقل مَا يملى على سَمعه النصح
وَكَيف ترجى مِنْهُ يَوْمًا إفاقة ةوَزيد الْهوى فِي عقله عظم الْقدح
دع الْقلب يشقى فِي طَرِيق ضلالهفَفِي رَأْيه أَن الْوُصُول بهَا نحج
تؤمل آمالا مدى الْعُمر دونهَاكَانَ مطايا النائبات بِهِ جمح
يكتم أسرار الغرام فُؤَادهويفضحه من مزن مقلته السح
لقد ألفت عَيناهُ أَن تنضح الرماوَتلك دمالب بِهِ أحكم الجرج
يعاف الْكرَى مِنْهُ المحاجر كَارِهًانزُول جراح جرحها شَأْنه الرشح
لَهُ فِي انْتِظَار لطيف جفن مؤرقتفيئه من شدَّة الأرق الْقرح
وَلم يدر أَن الطيف يحذر ان يرىنزيل بيُوت دأب أَبْوَابهَا الْفَتْح
غَدا دهره بالهجر لَيْلًا جَمِيعهوحسبك دهر بالنوى كُله جنح
كَانَ نُجُوم الْأُفق فِيهِ تنصرتفَلَيْسَتْ لغير الشرق وجهتها تنحو
كَانَ الثريا والنسور تخاصماوظلا على جد بجانبه المزح
كَانَ بِهِ الشهب الثواقب تنبريمَرَاسِيل ذَات الْبَين يُرْجَى بهَا الصُّلْح
كَانَ بِهِ خيط المجرة جدولتوارده الحبشان وازدحم التَّرَحِ
كَانَ ظلام اللَّيْل فِي الجو عثيرتغشى صُفُوف الْجَيْش من جونه قبح
كَانَ بِهِ العيوق ملك مبجلكَانَ اخضرار الْفجْر فِي أفقه صرح
وَقَوله من أُخْرَى
خفض عَلَيْك أَخا الظباء الرتعانت الشَّرِيك بِمَا رميت بِهِ معي
أرْسلت من أجفان لحظك أسهمامد فوقت لم تحظ قلب مروع
قد ظلّ موقعها الْفُؤَاد وإننيلم ألق غَيْرك ثمَّ فِي ذَا الْموضع
كلفت بحبات الْقُلُوب كَأَنَّمَاتبغي الْوُقُوف على الضَّمِير الْمُودع
يَا من غَدا يَسْطُو عَليّ بهجرهأَو مَا رحمت نحيب صب مولع
شَيْئَانِ تنصدع الجوانح مِنْهُمَاتغريد ساجعة وأنة موجع
كم رمت أُخْفِي عَن سواك صبابتيوَبهَا ينم على شَاهد أدمعي
يهفو لغي فِيك قلبِي ثمَّ لَايصغى لغش بالرشاد مقنع
قل للعذول عَلَيْك يتْرك غشهبالنصح لي فلذاك أدنى لَا تعي
لم تخف قطّ بشاشة لؤم الْفَتىفالطبع يفضح حَالَة المتطبع
إِن الملام وَحقّ وَجهك فِي الْهوىمَا زَاد غير تولهي وتولعي
قد زَاد فِيك تالفي بتألميوتفكري فِيك انْتهى لتمتعي
قَوْله خفض إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة من المطلع هُوَ مَضْمُون قَول مهيار فِي أبياته
أودع فُؤَادِي حرقا أودعذَا تَكُ تؤذي أَنْت فِي أضلعي
امسك سِهَام اللحظ أَو فارمهاأَنْت بِمَا ترمي مصاب معي
موقعها الْقلب وانت الَّذِيمَسْكَنه فِي ذَلِك الْموضع
وَمن شعره قَوْله من قصيدة أُخْرَى
أَرَانِي الزَّمَان فعالا خسيساوخطبا يُبدل نعماه بوسا
مِنْهَا
ومذ أسكرتني صروف الزَّمَاننسيت بهَا الكاس والخندر يسا
وألزمت نَفسِي حَال الخمولوعفت المنى وهجرت الجليسا
فقد يمْكث السَّيْف فِي غمدهحصونا ويستوطن اللَّيْث خيسا
وَمِنْهَا فِي المديح
بعزم ترَاهُ إِذا مَا بدابمعضل امْر يفل الخميسا
وَلَا تملك الْقلب مِنْهُ الرداحوَلَو أشبه الْوَجْه مِنْهَا الشموسا
وَلَو تَكُ لَو تمس مَا اهتدتعصون الرياض إِلَى أَن تميسا
وَقَوله مضمنا بَيت الأرجاني مرتجلا
لست أنسى لياليا قد تقضتبوصال وَطيب عَيْش بمغنى
كم قضينا بهَا لبانة أنسوظفرنا بِكُل مَا نتمنى
حَيْثُ غُصْن الشَّبَاب رَيَّانمن مَاء صباه مَعَ الْهوى يتثنى
قد أَتَت بَغْتَة وَوَلَّتْ سرَاعًاكطروق الخيال مذ زار وَهنا
أَتَرَى هَل تعود لي بالتدانيومحال جمعي بهَا أونثني
غير أَنِّي اعلل النَّفس عَنْهَابالاماني الْكذَّاب وهما ووهنا
أَتَمَنَّى تِلْكَ اللَّيَالِي المنيراتوَجهد الْمُحب أَن يتَمَنَّى
وَهَذَا مَا وَقع اخْتِيَاري عَلَيْهِ للإثبات هُنَا من شعره وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بتربة الايجية فِي سفح قاسيون رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن مُحَمَّد البيمارستاني نقيب الاشراف بحلب وَكَانَ يكْتب الْحُسَيْنِي تولى نقابة حلب بعد موت وَالِده ونازعه الشَّمْس الرامحمداني فَإِنَّهُ كَانَ نَقِيبًا قبل وَالِد السَّيِّد حُسَيْن فتقرب السَّيِّد حُسَيْن إِلَى الْمولى يحيى بن سِنَان بالهدايا حَتَّى قررها عَلَيْهِ وَعرض لَهُ بهَا وَكَانَ صَاحب أَمْوَال جزيلة حصلها من التِّجَارَات والمداينات وَأخذ أمرا بالتقاعد عَن دفتر دارية حلب وَكَانَ لَا يَأْخُذ من الاشراف مَالا وَلَا يصادرهم بل كَانَ يبْذل لَهُم الْقرى وَيَقْضِي مهمات مصالحهم بِخِلَاف غَيره من النُّقَبَاء وَلما استولى خداوردي أحد جند الشَّام على حلب ونواحيها وامتدت يَده زوج ابْنَته لِابْنِ خداوردي كَمَا زوج الشَّيْخ أَبُو الْجُود ابْنَته لخداوردي تقربا إِلَى جاهه وَلما تولى الْوَزير نصوح كَفَالَة حلب وَفهم الشَّيْخ أَبُو الجودانة يُرِيد الانتقام من خداوردي وَبَقِيَّة أجناد دمشق المستولين على حلب فر قبل وَقع الْفِتْنَة إِلَى دمشق وَالسَّيِّد حُسَيْن ثَبت وَكَانَ يُدَارِي الباشا وَهُوَ فِي الْبَاطِن يبغضه وَيَنْوِي لَهُ السوء والأمير درويش بن مطاف أحد مُتَفَرِّقَة حلب مَقْبُول الباشا كثير البغض للسَّيِّد حُسَيْن بِوَاسِطَة أَخِيه السَّيِّد لطفي فَإِنَّهُ كَانَ عدوا للسَّيِّد حُسَيْن مَعَ كَونه أَخَاهُ فَكَانَ السَّيِّد لطفي يثلب أَخَاهُ بِحُضُور الْأَمِير درويش والأمير درويش ينْقل ذَلِك للباشا حَتَّى وَقع الْحَرْب بَين نصوح باشا وحسين باشا ابْن جانه ولاذ كَمَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا وانكسر نصوح باشا وَعَاد إِلَى حلب مقهور افوشي السَّيِّد لطفي أَن أَخَاهُ فَرح بِكَسْر
عَسْكَر الباشا وَأَنه قَرَأَ مولدا فِي هَذِه اللَّيْلَة للفرح فَذهب الباشا لَيْلًا إِلَى دَار السَّيِّد حُسَيْن فَسمع ضرب الدفوف وأصوات الغواني وأمارات السرُور وَكَانَ سَببه أَن بنت السَّيِّد حُسَيْن ولدت ولدا ذكرا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فاجتمعت النِّسَاء للفرح فَفِي الْيَوْم الثَّانِي طلب الباشا السَّيِّد حُسَيْن فَأخذ مَعَه شريفا من بَيت ضِعَاف الْحَبْس ورجلا يُقَال لَهُ مَنْصُور بن حلاوة فَدخل الثَّلَاثَة إِلَى دَار السَّعَادَة فَأمر الباشا بخنقهم خُفْيَة فخنقوا وألقيت أَجْسَادهم فِي الخَنْدَق بِحَيْثُ لَا يشْعر بهم أحد وَضبط الباشا أَمْوَال السَّيِّد حُسَيْن وهرب السَّيِّد لطفي لما قيل لَهُ الباشا يقتلك أَيْضا وليوهم النَّاس أنني مَا سعيت فِي قتل أخي وَقد كَانَ السَّيِّد لطفي يحلف الإيمانات الْعَظِيمَة أَن أَخَاهُ يشرب الْخمر ويلبس لبوس النصاري وَيذكر ذَلِك للباشا وَكَانَ قَتله فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الأ " لف وعمره نَحْو سبعين سنة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد مولى عبد يدا الْحَضْرَمِيّ الشَّيْخ الْمُفْتِي الْعلم الْكَبِير قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واعتنى بكشف المشكلات وَصَحب العارفين الأساتذة وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه وَالشَّيْخ زين العابدين بن عبد الله العيدروس وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس واعتنى بِالْمذهبِ فاحكم أُصُوله وفروعه ثمَّ سعى الشَّيْخ زين العابدين فِي تَقْلِيده الْقَضَاء لواقعة وَقعت بَينه وَبَين أَخِيه شيخ بن عبد الله العيدروس سَيَأْتِي ذكرهَا فِي تَرْجَمَة زين العابدين فتقلد صَاحب التَّرْجَمَة الْقَضَاء فحمدت أَحْكَامه لكَمَال عقله وعلو همته وَلم تطل مدَّته ففصل عَنهُ وَأقَام مكباً على دروسه وفتاويه وَكَانَ كثيرا الْعِبَادَة معتنيا بالإصلاح كثير الْخُشُوع والورع وَكَانَت لَهُ عِنْد الْمُلُوك الْمنزلَة الْعليا قَالَ الشلي رَأَيْته فِي تريم وَقد وقف على ثنية الْوَدَاع وهمت أَرْكَان حَيَاته بالإنصداع وَلم يزل فِي عز محروس الدّين وَالنَّفس إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف بِمَدِينَة تريم رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى حُسَيْن بن مُحَمَّد بن نور الله بن يُوسُف الْمَعْرُوف بأخي زَاده مفتي دَار السلطنة وَأحد أَفْرَاد الْعَالم فِي الْفضل والذكا والمعرفة وَكَانَ أعجوبة وقته فِي التبحر فِي الْفُنُون وَمَعْرِفَة الْعَرَبيَّة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَله تحريرات ورسائل تدل على دقة نظرة وتفوقه وأشعاره بالتركية كَثِيرَة وَكَانَ يتَخَلَّص بهدابي وَأما شعره الْعَرَبِيّ فَلم أَقف لَهُ الْأَعْلَى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
أَيهَا المبتلي عَلَيْك بِخَمْرإِنَّهَا للعليل خير علاج
ثمَّ لَا تشر بن الأبمزجأول الْوَاجِبَات أَمر المزاج
مولده بقسطنطينة وَبهَا نشأته ودأب فِي التَّحْصِيل حَتَّى فاق أهل عصره وَمَا زَالَ يترقى فِي المناصب إِلَى أَن ولى قَضَاء قسطنطينة فِي سنة سبع عشرَة وَألف وَليهَا ثَانِيًا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف بعد أَن كَانَ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى ثمَّ ولي قَضَاء أَنا طولى مرّة ثَانِيَة فِي سنة خمس وَعشْرين وَولي بعد ذَلِك قَضَاء روم أيلي مرَّتَيْنِ عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَكَانَ قبل ذَلِك لما مَاتَ شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد وحاول فَتْوَى الممالك الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ أرسل صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول للسُّلْطَان كل من وقف على قَدَمَيْهِ بحضوركم وَرفعت إِلَيْهِ ثلثمِائة مسئلة وَكتب جَوَاب الْمِائَتَيْنِ من غير مُرَاجعَة فليعط الْفَتْوَى فَلم يضع إِلَى هَذَا ووجعت الْفَتْوَى للْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا فَيُقَال أَنه فَرح بذلك لكَونه أكبر مِنْهُ وأقدم فِي المناصب وَإِنَّمَا غضب لَو أَخذهَا ابْن عبد الْغَنِيّ وَحين كَانَ قَاضِيا بعساكر الرّوم أيلي وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم مره حُسَيْن باشا وَكَانَت العساكر متغلبة على الدولة بِسَبَب قتل السُّلْطَان عُثْمَان وَنسب الْقُضَاة والمدرسون إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم أَنه قَالَ عَن صَاحب الرسَالَة
أَن من مَاتَ من ألف سنة كَيفَ كَلَامه يعْتَبر وَقد صَار عظما رميما فسعى صَاحب التَّرْجَمَة فِي قَتله وعزل عَن الوزارة الْعُظْمَى وَقدم حُسَيْن باشا لضرب عُنُقه فَضَح العساكر فِي الدِّيوَان وَقَالُوا لَا تقتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى نقتلكم فَلم يبال صَاحب التَّرْجَمَة بل صعق بِصَوْت هائل وَقَالَ للجلاد اضْرِب عنق هَذَا اللغين فَضرب الجلاد عُنُقه فِي الْحَال ثمَّ بعد ذَلِك سعى فِي الْفَتْوَى وعزل الْمولى يحيى والعسكر متغلبون وَالسُّلْطَان مُرَاد ضَعِيف مَعَهم فَدخل عيد شهر رَمَضَان فَصنعَ العساكر الأراجيح وَفرقُوا الشمع على جَمِيع أكَابِر الرّوم وَكَانُوا يَقُولُونَ فلَان يعْطى مائَة قِرْش وَفُلَان يُعْطي ألف قِرْش حَتَّى فرقوا الشمع على جماعات من أهل السَّرَايَا وأعطوا الشمع للمفتي الْمَذْكُور فَرده ردا عنيفاً وأحضر أَخا لكبير أُمَرَاء السباهية وَقَالَ أَنا أعرف أَخَاك حِين كَانَ أَمْرَد معشوقاً لفُلَان واستطال عَلَيْهِ بالْكلَام فخضع لَهُ الْمَذْكُور ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة قوى جنان السُّلْطَان مُرَاد حَتَّى جمع السُّلْطَان جمعية على السباهية زعزع أَرْكَان دولتهم وَجلسَ السُّلْطَان على سَرِير جلالته الْقَدِيمَة وَقتل الْوَزير الْأَعْظَم وَهُوَ رَجَب باشا الَّذِي كَانَ مستظلاً
بِظِل العساكر ثمَّ إِن السُّلْطَان مُرَاد بَعْدَمَا قتل صَنَادِيد الأجناد أَخذ يقتل بعض أَعْيَان الْقُضَاة من الموَالِي وَغير الموَالِي وَكَانَ من عَادَة بني عُثْمَان لَا يقتلُون الْعلمَاء فَفِي أثْنَاء ذَلِك توجه السُّلْطَان إِلَى بروسة فَاجْتمع جمَاعَة من الموَالِي وَشَكوا فِيمَا بَينهم من السُّلْطَان وَأَنه خَالف قانون أجداده فِي قتل الْعلمَاء ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة كتب ورقة لحضرة وَالِدَة السُّلْطَان متضمنة أَن قوانين السلاطين أَن لَا يقتلُوا الْعلمَاء وَإِذا حصل مِنْهُم ظلم طردوهم إِلَى بِلَاد بعيدَة وَنحن من الداعين لابنك حَضْرَة السُّلْطَان فنؤمل إِذا قدم بِالصِّحَّةِ من السّفر تذكرين لَهُ ذَلِك بِحسن عبارَة ليترك هَذَا الْأَمر فَلَمَّا وصلت الورقة إِلَيْهَا فَكَأَنَّهُ وشى المفسدون أَن الْمُفْتِي وَالْعُلَمَاء يُرِيدُونَ الِاجْتِمَاع على خلع السُّلْطَان فَكتبت إِلَى السُّلْطَان ورقة بذلك وَبعثت بِوَرَقَة الْمُفْتِي فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَيْهِ بَادر بالمجيء من بروسة على أَجْنِحَة السرعة وَدخل قسطنطينية وأحضر الْمُفْتِي وخنقه فِي الْحَال وَذَلِكَ فِي خَارج قسطنطينية فِي قَرْيَة بساحل الْبَحْر وَدَفنه فِي مَكَان لَا يعلم قَبره وَبعث بِابْنِهِ إِلَى قبر قدس فاختل عقل ابْنه وَمَات فِي غُضُون ذَلِك وَولى الْفَتْوَى الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا وَكَانَ قَتله فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن فرفرة الدِّمَشْقِي المجذوب الصَّالح المكاشف كَانَ فِي مبدأ أمره من آحَاد الْجند الشَّامي وَتعين مُدَّة فِي بَاب قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ يحضر من يطْلب إِحْضَاره للمخاصمة فاتفق أَنه عينه بعض أَرْبَاب الْحُقُوق إِلَى قَرْيَة عين ترما من قرى دمشق لاحضار رجل من أهاليها فَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى قرب الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فصادفته الْعِنَايَة الربانية فسلب فِي ذَلِك الْمَكَان وساح فِي تِلْكَ الدائرة مُدَّة وَظَهَرت لَهُ أَحْوَال باهرة ثمَّ سكن حَاله وَاسْتقر فِي المنارة الغربية أحد المنارات الثَّلَاث بِجَامِع بني أُميَّة واتخذها دَار مبيته وَحفظ الْقُرْآن فِي مُدَّة قَليلَة وَكَانَ يدارس بِهِ فِي السَّبع بَين العشاءين بالجامع الْمَذْكُور وَيُؤذن بالمنارة الْمَذْكُورَة للأوقات الْخَمْسَة وَكَانَ قواما بِاللَّيْلِ يقْضِي ليله فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَالذكر والتوحيد وَإِذا جَاءَ وَقت الثُّلُث الْأَخير يَصِيح بِصَوْت شجي وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الْملك الْحق الْمُبين مُحَمَّد رَسُول الله الصَّادِق الْوَعْد الْأمين ويكررها إِلَى أَن يطلع المؤذنون إِلَى المنارة ويبدؤون بالتسبيح والتهليل ثمَّ يُؤذن مَعَهم أَذَان الصُّبْح وَيذْهب بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى مَزَار بعض الصَّالِحين تَحت القلعة بِالْقربِ من جَامع يلبغا فيمكث وَحده هُنَاكَ
ثمَّ يعود إِلَى المنارة الْمَذْكُورَة وَكَانَ فِي بعض الْأَحَايِين يتركع بعد الْعشَاء أَو قبلهَا فِي محراب الْحَنَابِلَة رَكْعَات كثيرات غير معتدلة وَكَانَ لَهُ نزاهة وإعراض عَن الدُّنْيَا وَرُبمَا يُعْطِيهِ بعض النَّاس شَيْئا فَيَأْخُذ مِنْهُ وَيُعْطِيه على الْفَوْر لمن يسْتَحقّهُ وَكَانَ لطيف البداهة عذب المخاطبة وَكَلَامه أَكْثَره جَوَاب وَكَانَت تعتريه أَحْوَال عَجِيبَة وحركات غَرِيبَة وَله مَنَاقِب مَشْهُورَة ومكاشفات مأثورة حدث بعض الثِّقَات عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي دمشق قَالَ لما قدم الشَّيْخ يُوسُف بن أبي الْفَتْح إِلَى دمشق بعد وَفَاة السُّلْطَان عُثْمَان وَرَأس فِي دمشق كَانَ يبلغنِي عَنهُ التَّعَرُّض إِلَيّ بِبَعْض الْمَكْرُوه فَذكرت ذَلِك للسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالمنير وَكَانَ من المعمر بن الصَّالِحين فَقَالَ لي الْوَقْت لحسين بن فرفرة تذكر لَهُ ذَلِك فَعرض ذَلِك عَلَيْهِ فجَاء حُسَيْن بعد يَوْمَيْنِ إِلَى درس الْمَذْكُور بالجامع الْأمَوِي والفتحي جَالس يلقِي الدَّرْس فِي الشفا للْقَاضِي عِيَاض وَمَعَهُ حرَام ملأَهُ أوخام من كناسَة الْجَامِع فَدخل ونفض مَا فِيهِ على الدَّرْس الْمَذْكُور ثمَّ خرج فَبعد شهر جَاءَ بريد يَطْلُبهُ لأمامة السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ أَمَامه الْمَعْرُوف بمنلا أوليا قد توفّي فِي روان فَذكر بعض خدمَة السلطنة ابْن أبي الْفَتْح وَأَنه كَانَ أَمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَأخذ من دمشق بالإكرام التَّام ثمَّ أَن الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور قَالَ للسَّيِّد الْمُنِير ذهب الفتحي لَكِن مَا ذهبت صولته فَقَالَ لَهُ أَن الْمَقْصُود كَانَ ذَهَابه من هَذِه الْبَلدة على أَي حَالَة كَانَت وَهَذَا الأبعاد عَن الديار المقدسة إِلَى الْأَبَد وَهَكَذَا أوقع فَإِن الفتحي لم يعد بعْدهَا إِلَى دمشق وَمَات بالروم وَاتفقَ لصَاحب التَّرْجَمَة من الكرامات مَا اشْتهر انه أَتَى لدرس النَّجْم الغزى مفتي الشَّافِعِيَّة مُحدث الشَّام فِي عصره على الْإِطْلَاق وَكَانَ يقرئ صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر من جَامع بني أُميَّة فَأخذ يُورد كلَاما خَالِيا عَن الضَّبْط وَيسْأل سُؤَالَات خَارِجَة عَن الْمَقْصُود فَقَالَ لَهُ النَّجْم اسْكُتْ فَقَالَ لَهُ بل أَنْت اسْكُتْ وَقَامَ مغضبا من مجْلِس الدَّرْس فاتفق أَن النَّجْم مرض بعد أَيَّام واعتراه طرف من الفالج فأسكت وَحضر الدَّرْس نَحْو سِتَّة أَعْوَام وَهُوَ سَاكِت ثمَّ تقرب إِلَى خاطر صَاحب التَّرْجَمَة فَانْطَلق لِسَانه بعد ذَلِك وَكَانَ يقبل يَد الْحُسَيْن وَيعْتَذر إِلَيْهِ بعْدهَا يوده وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَرْبَاب الْقُلُوب وَالْأَحْوَال وَمَا زَالَ على حَالَته لَا يتَغَيَّر فِي طوره من الأطوار إِلَى أَن توجه إِلَى الْحَج فانتقل بالوفاة إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي الطَّرِيق وَدفن بِمَنْزِلَة تَبُوك وقبره ظَاهر يزوره الْحجَّاج ويتبر كَون بِهِ وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسِتِّينَ ألف
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع