تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (٦)

الصفحة ١ من ٢

وَكنت فِي عنفوان عمري تلمذت لَهُ وَأخذت عَنهُ وَكنت أرى لَقيته فَائِدَة اكتسبها وَجُمْلَة فَخر لَا أتعداها فَلَزِمته حَتَّى قَرَأت عَلَيْهِ الصّرْف والحساب وَكَانَ يتحفني بفوائد جليلة ويلقيها عَليّ وحباني الدَّهْر مُدَّة بمجالسته فَلم يزل يتَرَدَّد إِلَيّ تردد الآسي إِلَى الْمَرِيض حَتَّى قدر الله تَعَالَى لي الرحلة عَن وطني إِلَى ديار الرّوم وطالت مُدَّة غيبتي وَأَنا أشوق إِلَيْهِ من كل شيق حَتَّى ورد عَليّ خبر مَوته وَأَنا بهَا فتجددت لوعتي أسفا على ماضي عهوده وحزناً على فقد فضائله وآدابه وَكَانَ قد حج فَمَاتَ بِمَكَّة وَكَانَت وَفَاته سادس عشر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة وَكَانَ عمره ثَمَانِي وَخمسين سنة فَإِنِّي قَرَأت بِخَط بعض الْأَصْحَاب أَن وِلَادَته كَانَت نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف

عبد الْحَيّ بن عبد الْبَاقِي بن مُحَمَّد محب الدّين بن أبي بكر تَقِيّ الدّين بن دَاوُد المحبي الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي ابْن عَم أبي الْفَاضِل الْكَامِل كَانَ من لطف الطَّبْع وسلامة النَّاحِيَة على جَانب عَظِيم وَكَانَ مَقْبُول الْعشْرَة حسن الْخلق والخلق سخياً متودداً نَشأ فِي دولة أَبِيه الباهرة وَكَانَ أَبوهُ ذَا ثروة عَظِيمَة فَإِنَّهُ حصلا أَمْوَالًا وافرة وتملك أملاكاً جليلة

ورزق وَلدين عبد الْحَيّ هَذَا ومحمداً وَسَيَأْتِي ذكره وَهُوَ أَخُو جدي لِأَبِيهِ وَأم عبد الْحَيّ أُخْته لأمه وَهِي بنت الشَّيْخ الإِمَام عبد الصَّمد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد العكاري الْمُتَوفَّى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وجده عبد الصَّمد مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَرَئِيس علمائها كَانَ وَكَانَ اسْمهَا بعديعة الزَّمَان وَكَانَت من الْعلم والمعرفة ونظم الشّعْر فِي مَحل سَام اشتغلت الْكثير على جدي القَاضِي محب الدّين وَأخذت عَنهُ الْفِقْه والعربية وَقَرَأَ عَلَيْهَا ابْنهَا عبد الْحَيّ هَذَا وَأَخُوهُ ثمَّ لزم عبد الْحَيّ الِاشْتِغَال فَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره مِنْهُم الْعِمَاد الْمُفْتِي وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقي ونبل ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف فِيمَا أَحسب ونفدت أَمْوَاله فِي مُدَّة يسيرَة فضمه وأخاه جدي محب الله إِلَيْهِ وأمدهما بإمداداته الدارة وميزهما على أقرانهما فبلغا رفْعَة وشأناً عَظِيما واستبد عبد الْحَيّ بتولية نيابات المحاكم بِدِمَشْق فولى الميدان والعونية ودرس بمدرسة دَار الحَدِيث الأشرفية بِدِمَشْق ثمَّ ورد إِلَى دمشق قَاض للْحَاج فاتحد بِهِ وألفه وفوض إِلَيْهِ أَمر نيابته فِي الطَّرِيق فصحبه فَمَاتَ فِي الطَّرِيق بِمَنْزِلَة عسفان وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف

عبد الْحَيّ بن فيض الله بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن الْقَاف القسطنطيني المولد والمنشأ المتخلص بفائضي شَاعِر الرّوم وظريفها كَانَ فريد دهره أدباً وفضلاً وكرماً ومجداً وبلاغة وبراعة ولطافة وظرافة وديوان شعره مَشْهُور سَائِر بَين الْحسن والجودة والجزالة والعذوبة وَمَعَهُ رواء الطَّبْع وشيمة الظّرْف وَهُوَ من بَيت بالروم لَهُم الصدارة والتقدم وَأَبوهُ فيض الله سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَشَأ هُوَ ودأب فِي التَّحْصِيل حَتَّى برع وسما قدره من حِين شبيبته وَكَانَ كبار الْعلمَاء والأدباء يميزونه ويأنسون بِهِ وَكَانَ بَينه بَين نفعي الشَّاعِر الْمَشْهُور وقائع وحروب كَثِيرَة وهجاه نفعي بأهاج مفرطة فِي المذمة مَذْكُورَة فِي كِتَابه سِهَام الْقَضَاء وَقد درس بمدارس مُتعَدِّدَة وَولي قَضَاء سلانيك فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَوَافَقَ تَارِيخ تَوليته لَهُ نَفسه قَضَاء عبد الْحَيّ وعزل عَنْهَا فَأَقَامَ معزولاً إِلَى أَن مَاتَ وَلم ينل غَيرهَا وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بقسطنطينية

عبد الْحَيّ بن مَحْمُود الْحلَبِي الأَصْل الْحِمصِي المولد الدمشق الدَّار الْحَنَفِيّ الصُّوفِي كَانَ من أجلاء الْفُضَلَاء طَوِيل الباع فِي المعارف وانتفع بِهِ خلق بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ ذكره النَّجْم الْغَزِّي وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ فِي مبدأ أمره من فُقَرَاء الشَّيْخ أبي الْوَفَاء بن الشَّيْخ

علوان وَكَانَ كثيرا مَا يخرج من حمص إِلَى حماة لزيارته فخطر لَهُ خاطر فِي طلب الْعلم فاسشار أَبَاهُ فَقَالَ لَهُ أَبوهُ اذْهَبْ إِلَى شيخك سَيِّدي أبي الْوَفَاء وَانْظُر إِلَى مَا يُشِير بِهِ عَلَيْك وَأي مَدِينَة يَأْمُرك بِالسَّفرِ إِلَيْهَا وَطلب الْعلم بهَا فسافر إِلَى الشَّيْخ وقص لَهُ قصَّته وَمَا قَالَ لَهُ أَبوهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء اذْهَبْ موقف حماة فهناك مجذوب قف أَمَامه وَقل لَهُ إِن وَفَاء بن علوان يُقْرِئك السَّلَام وَلَا تزد على ذَلِك وَانْظُر مَاذَا يجيبك بِهِ قَالَ فمضيت إِلَيْهِ ووقفت أَمَامه فَلَمَّا أحس بِي رفع إِلَيّ رَأسه فَقلت لَهُ إِن الشَّيْخ وَفَاء ابْن الشَّيْخ علوان يُقْرِئك السَّلَام فَقَالَ حَيَّاهُ الله عَلَيْك وَعَلِيهِ السَّلَام ثمَّ انتصب قَائِما وصفق بيدَيْهِ ونادى بِأَعْلَى صَوته حَيا الله بِلَاد الشَّام فِيهَا الخوخ وَالرُّمَّان فِيهَا زقزق العصفور فِيهَا شيخ بِلَا طرطور وَكرر ذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ فَرَجَعت وأخبرت الشَّيْخ فَقَالَ لي يَا عبد الْحَيّ اذْهَبْ إِلَى دمشق يحصل لَك الْعلم وَالدُّنْيَا وَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فَقبل إِشَارَة شَيْخه وسافر إِلَى دمشق وَقَرَأَ بهَا على الْعَلامَة الْعلَا بن عماد الدّين والشهاب أَحْمد الطَّيِّبِيّ ثمَّ لزم أَبَا الْفِدَاء اسماعيل النابلسي ورفيقه الْعِمَاد الْحَنَفِيّ حَتَّى برع ودرس بِالْعَرَبِيَّةِ والتركية وَكَانَ يعرف اللُّغَة التركية معرفَة متقنة وَكَانَ يحب الصَّالِحين ويتردد إِلَيْهِم وسافر إِلَى الرّوم وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنهُ الْمولى يحيى ابْن زَكَرِيَّاء وَلما ولي قَضَاء الشَّام أَجله وَاتفقَ لَهُ أَنه كَانَ مدرساً بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة فَأخذ توليتها القَاضِي مُحَمَّد بن الكيال وَكَانَ بالروم انْتَمَى إِلَى الْمولى يحيى الْمَذْكُور وَعَاد فِي خدمته إِلَى دمشق فَوَقع بَينه وَبَين صَاحب التَّرْجَمَة بِسَبَب التَّوْلِيَة وتشاتما ثمَّ ترافعا إِلَى القَاضِي وكل مِنْهُمَا يعْتَمد مَاله عَلَيْهِ من النّظر فَلم ينصف عبد الْحَيّ واشار عَلَيْهِمَا بِالصُّلْحِ فَلَمَّا قَامَ من الْمجْلس دخل على شَيخنَا القَاضِي محب الدّين فاحتشم لَهُ وَغَضب من أَجله ثمَّ التمس شَيخنَا الشهَاب العيثاوي وَبَقِيَّة أهل الْعلم وَتَشَاوَرُوا فِي ذَلِك فَاقْتضى الرَّأْي أَن يجتمعوا فِي الْيَوْم الثَّانِي ويذهبوا إِلَى القَاضِي ويطلبوا مِنْهُ الْخُرُوج من حق ابْن الكيال بالتعزيز فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي اجْتَمَعنَا فَلَمَّا حضر الشَّيْخ عبد الْحَيّ تشكر من الْحَاضِرين وقص علينا رُؤْيا أَنه رأى الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن حبيب الصَّفَدِي فِي الْمَنَام وَهُوَ فِي بُسْتَان عَظِيم قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فشكوت إِلَيْهِ فَقَالَ لي يَا عبد الْحَيّ أما قَرَأت تأتين فَقلت نعم فَقَالَ أما قَرَأت قولي فِيهَا

إِن لم تَجِد منصفا للحق كُله إِلَىمولى البرايا وخلاق السَّمَوَات

قَالَ فَاسْتَيْقَظت وخاطري متبلخ واستخرت الله عَن الِانْتِصَار فجزاكم الله تَعَالَى

عَنَّا خيرا وشكر سعيكم ثمَّ صرف الْقَوْم قَالَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد سادس شهر رَمَضَان سنة عشر بعد الْألف وَدفن بمقبرة الفراديس وَرَأَيْت بِخَط مُحَمَّد المرزناتي الصَّالِحِي أَن وَفَاته كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس بَين الأذانين بعد أَن تسحر ثَالِث عشر شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة

عبد الْحَيّ بن يُوسُف الْكرْدِي نزيل دمشق أحد أَعْيَان الْعلمَاء كَانَ لَهُ بَاعَ طائل فِي المعقولات اتَّصل أَولا بِخِدْمَة أَو يس باشا وَلما ولى مصر كَانَ مَعَه وَجعله قَاضِي الحضرة وَحصل بهَا مَالا كثيرا ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فَلَزِمَ بَيته لَا يخرج لجمعة وَلَا جمَاعَة إِلَّا نَادرا وَكَانَ فِي الأَصْل شافعياً ثمَّ صَار حنفياً وَولي تدريس الْمدرس المعينية وَكَانَ لَهُ مُرَتّب فِي جوالي بَيت المَال وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْقُضَاة والولاة وَصَحب أَحْمد باشا الْحَافِظ لما كَانَ فحافظ الديار الشامية وعلت كَلمته عِنْده وَلم يعْهَد مِنْهُ ضَرَر لأحد من النَّاس وَلما مَاتَ الْحسن البوريني وَجه إِلَيْهِ قَاضِي دمشق عَنهُ الْمدرسَة الشامية البرانية فَبَقيت فِي يَده أشهراً ثمَّ وجهت من طرف السلطنة إِلَى الشهَاب العيثاوي بَقِي عبد الْحَيّ على عزلته وانزوائه إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَعشْرين وَألف

عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْعلم ابْن إِبْرَاهِيم بن عمر بن عبد الله وطب بن مُحَمَّد النَّضر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد الله باعلوي الْمَعْرُوف كسلفة بالمعلم أوحد الزَّمَان وباقعة الدَّهْر إِمَام العارفين وقدوة الصُّوفِيَّة ولد بِمَدِينَة قسم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بالعلوم والمعارف وَأكْثر الْأَخْذ عَن عُلَمَاء عصره وَصَحب أكَابِر العارفين وانتفع وَأخذ بِبَلَدِهِ عَن الإِمَام الْعَارِف الأديب خسن بن إِبْرَاهِيم باشعيب وَعَن أَوْلَاد الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم وَدخل مَدِينَة تريم وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده تَاج العارفين عَليّ زين العابدين وحفيده عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد وَالْقَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَأَوْلَاده الْمَشْهُورين وَرجل إِلَى الواديين الْمَشْهُورين وَادي دوعن ووادي عمد وَأخذ بهما عَن أجلاء أكَابِر مِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد بن عبد الْقَادِر الشهير بباعشن وَجَمَاعَة من العموديين ثمَّ رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري والصفي القشاشي وَالشَّيْخ أَحْمد الشناوي وَغَيرهم وتفنن فِي فنون كَثِيرَة لَكِن غلب عَلَيْهِ علم التصوف والحقائق

وازدهت بِهِ بَلَده وَاتَّفَقُوا على تَقْدِيمه وإمامته وَكَانَ أول أمره يعلم الْقُرْآن وَلما رَحل قَامَ أَخُوهُ مقَامه وَلما عَاد نصب نَفسه لتدريس الْعُلُوم وَكَانَ لَهُ غوص على دقائق السلوك وَله فِي لبس خرقَة التصوف طرق متبوعة وأجيز بالإرشاد والإلباس والتربية وَبلغ الْغَايَة القصوى وعد من الفحول وَوصل بِصُحْبَتِهِ كَثِيرُونَ إِلَى الْمَرَاتِب الْعلية فظهرت لَهُم مِنْهُ آيَات عالية قَالَ الشلي وصحبته مُدَّة مديدة وَحَضَرت لَهُ مجَالِس وَكَانَ يخبو على حنو الْوَالِد وأتحفنى بفوائد كَثِيرَة وَله فِي التصوف رسائل مفيدة وَأَشْيَاء لَطِيفَة وَكَانَ لَهُ حسن خلق وسمت كثيرا لوقار لم تسمع مِنْهُ كلمة مجون متواضعا متقشفا محبوبا عِنْد النَّاس مُعْتَقدًا عِنْدهم مَقْبُول القَوْل لديهم زاهدا فِيمَا بِأَيْدِيهِم مغتنما لوقته مشتغلا بِنَفسِهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَخمسين وَألف بقرية قسم وَدفن بتربتها الْمَشْهُورَة بالمصف وقبره مَشْهُور يزار

عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الصهري الشَّافِعِي نزيل ديار بكر الْعَلامَة الْمُحَقق أَخذ عَن ملاجلبي الْجَزرِي الْكرْدِي وَبِه تخرج وَمن مؤلفاته رِسَالَة فِي سُورَة يس وحاشية على حَاشِيَة عِصَام على الْجُزْء الْأَخير من الْقُرْآن وَله مَا ينيف على أَرْبَعِينَ رِسَالَة وَله رباعي فَارسي ذكر فِيهِ ابْتِدَاء تَحْصِيله للعلوم وَهُوَ قَوْله

شدّ هزار وبيست بنج از هجرت خير الْأَنَامكشت ازان بس بنده مر استاد صرفي راغلام
شهر ثَانِي از شهور جَار وَجل بعد ازهزاردروى آمد شكر لله صدر تدر يسم مقَام

وَكَانَت تَأتيه النَّاس من الْعَجم وَمَا وَرَاء النَّهر للأخذ عَنهُ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع أَو خمس وَسِتِّينَ وَألف بِمَدِينَة ديار بكر والصهري بِضَم الصَّاد وَسُكُون الْهَاء نِسْبَة إِلَى صهران

عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن المزور الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ نزيل قسطنطينية وخاطب جَامع السُّلْطَان أَحْمد بهَا وَكَانَ إِمَامه أَيْضا وَكَانَ من خِيَار الْعلمَاء مشاركاً فِي عُلُوم شَتَّى وَكَانَ صَالحا حسن السمت لَهُ تواضع ومسكنة وَكَانَ عَالما بالقراآت وانتفع بِهِ خلق كثير من أهالي الرّوم وَذكره شَيخنَا الخياري فِي رحلته وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ وَحج مرَارًا وجاور بِالْمَدِينَةِ أشهراً وَاتفقَ لَهُ أَمر لم يتَّفق لغيره من أهل الأقطار وَذَلِكَ أَنه لما وصل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة كَانَ شيخ الْحرم إِذْ ذَاك بهَا من قبل السُّلْطَان المرحوم

عبد الْكَرِيم أغا وَكَانَ تلميذاً لعبد الرَّحْمَن فَطلب لَهُ من خطباء ذَلِك الْمقَام الْمُبَاشرَة فِي نوبَته نِيَابَة عَنهُ طلبا للتشرف فوافقه على ذَلِك فباشر خطْبَة بذلك الْمِنْبَر الشريف وَكَانَ كثير الافتخار بذلك على سَائِر خطباء الْأَمْصَار وَوَجهه أَنه لم يعْهَد مُبَاشرَة الْخطْبَة بالمنبر الشريف لمن لَيْسَ لَهُ نوبَة من خطبائه وَكَانَ وَهُوَ بالروم اخترع أَدَاء مولداً بَين وضع التّرْك وَالْعرب وَقد عمر كثيرا حَتَّى قَارب الْمِائَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف بقسطنطينية

عبد الرَّحْمَن بن أبي الْفضل بن بَرَكَات الْموصِلِي الميداني الشَّافِعِي كَانَ شيخ زَاوِيَة الموصليين بمحلة ميدان الْحَصَى وَلما اسْتَخْلَفَهُ وَالِده فِي حَيَاته ذكر أَنهم كَانَ لَهُم حَلقَة يَوْم الْجُمُعَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي قد تركت من زمَان قديم فَأذن لوَلَده الْمَذْكُور فَعمِلت لَهُم حَلقَة غربي بَاب السنجق دَاخل الْجَامِع فِي حُدُود الْألف وَكَانَ عبد الرَّحْمَن أسن إخْوَته وَكَانَ صافي المشرب لين العريكة وَكَانَت وَفَاته أول وَقت الظّهْر ليَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر ربيع الثَّانِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف وَدفن لصيق وَالِده فِي تربتهم الملاصقة لمَسْجِد النارنج وَمَسْجِد الْمصلى وَجلسَ مَكَانَهُ بعده أَخُوهُ الشَّيْخ بدر الدّين فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر شهر ربيع الثَّانِي بِإِجَازَة عَمه الشَّيْخ الصَّالح تَقِيّ الدّين

السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْبيض بن عبد الرَّحْمَن بن حُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم الملقب وجيه السَّيِّد الْهمام الْعلي الْقدر والهمة أحد أَشْرَاف بني علوي الْمَشْهُورين ولد ببندر الشحر وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بتحصيل الْعلم حَتَّى حصل طرفا صَالحا مِنْهُ ثمَّ رَحل إِلَى تريم وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ قصد عينات لزيارة الشَّيْخ الْكَبِير أبي بكر بن سَالم فلازمه مُلَازمَة تَامَّة حَتَّى تخرج بِهِ وَألبسهُ خرقَة التصوف وَحكمه واعتنى بِعلم التصوف والْحَدِيث وَالْأَدب وَله نظم حسن ومدح شَيْخه الشَّيْخ أَبَا بكر الْمَذْكُور وَغَيره بقصائد كَثِيرَة ونظمه متداول وَكَانَ ظَاهر الْفضل باهر الْعقل مَعَ الذكاء العجيب والفهم الْغَرِيب والمكارم الْعلية والأخلاق اللطيفة واقتنى كتبا كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته لست خلون من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَألف وَدفن بمقبرة بندر الشحر وقبره مَعْرُوف يزار

السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الإدريسي المكناسي الحسني المغربي نزيل مَكَّة السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى قطب زَمَانه كَانَ من كبار الْأَوْلِيَاء لَهُ الْكَشْف الصَّرِيح وَالْأَحْوَال الباهرة وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ الأديب مُحَمَّد بن الدرا

الدِّمَشْقِي فِي أَيَّام مجاورته بِمَكَّة المشرفة

فِي ظلّ حمى السَّيِّد عبد الرَّحْمَنخيم لتفوز بالرضى والغفران
واحفظ نجواك عِنْده والإعلانكي تَنْشَق عرف عَرَفَات الْإِحْسَان

ولد بمكناسة الزَّيْتُون من أَرض الْمغرب الْأَقْصَى فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف ورحل فِي ابْتِدَائه من الْمغرب فَدخل مصر وَالشَّام وبلاد الرّوم وَاجْتمعَ بالسلطان مُرَاد وَوَقع لَهُ كرامات خارقة وَحج سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وجاور بِمَكَّة ثمَّ رَحل إِلَى الْيمن لزيارة من بهَا من الْأَوْلِيَاء فَاجْتمع بكثيرين من أكَابِر الْمَشَايِخ مِنْهُم السَّيِّد عبد الرَّحْمَن ابْن عقيل صَاحب المخا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة وتديرها وَصَارَ مرجعاً لأَهْلهَا والواردين إِلَيْهَا وَكَانَ فِي الْكَرم غَايَة لَا تدْرك وَكَانَ يعْمل الولائم الْعَظِيمَة للخاص وَالْعَام وَكَانَت النذور تَأتيه من الْمغرب والهند وَالشَّام ومصر ويصرفها للْفُقَرَاء وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد جَمِيع النَّاس وَإِذا جَاءَهُ الْمَدِين الْمُفلس ليشفع لَهُ عِنْد دائنه فبمجرد أَنه يكلمهُ فِي ذَلِك يمتثل أمره بِطيب نفس وَرُبمَا أَبرَأَهُ من دينه وَإِذا جَار أحد من السَّادة على عبد أَو أمة وَدخل عَلَيْهِ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بأغلى ثمن وَأعْتقهُ حَتَّى أعتق أرقاء كثيرا ووقف عَلَيْهِم دوراً وَكَانَ حسن الْعشْرَة إِذا اجْتمع بِهِ أحد لم يرد مُفَارقَته وَكَانَ كثير الشفاعات وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويكرمهم وَيحسن للْفُقَرَاء ويتفقدهم بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَة الْعَظِيمَة وَكَانَ يَدْعُو الله تَعَالَى بِحَالهِ ومقاله وَكَانَ لَا يلبس إِلَّا ثوبا وَاحِدًا صيفاً وشتاءً وقلنسوة وعَلى رَأسه يلبس سروالاً وَكَانَ يحث من يجْتَمع بِهِ على مُلَازمَة مَا يُنَاسِبه من صنوف الْخَيْر من تِلَاوَة قُرْآن وَصَلَاة على النَّبِي

وَكَثْرَة اسْتِغْفَار وأوراد حسان ويحض من رَأْي فِيهِ عَلامَة خير على اعْتِقَاد الصُّوفِيَّة والتصديق بكلامهم وعلومهم وأحوالهم وخصوصاً الشَّيْخ الْأَكْبَر فَإِنَّهُ كَانَ يعظمه كثيرا وَيَأْمُر بتعظيمه حكى لي الْأَخ الْفَاضِل الْكَامِل الشَّيْخ مصطفى بن فتح الله قَالَ دخلت عَلَيْهِ فِي بَيته بِمَكَّة مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف حُسَيْن بن مُحَمَّد با فضل وَكنت لم أَدخل عَلَيْهِ قبل ذَلِك وَكَانَ لَا يخْطر ببالي ذكر الصُّوفِيَّة وَلَا أَحْوَالهم فحين اجتماعي بِهِ قَالَ لي مَا تَقول فِي الصُّوفِيَّة فَسكت لعدم معرفتي بِشَيْء من ذَلِك فَذكر الإِمَام الْغَزالِيّ وَمَا وَقع للْقَاضِي عِيَاض بِسَبَب إِنْكَاره عَلَيْهِ وَحَرقه كتاب الْأَحْيَاء فِي قصَّة طَوِيلَة عَجِيبَة ثمَّ ذكر الشَّيْخ الْأَكْبَر محيي الدّين بن عَرَبِيّ وأحواله ومؤلفاته وَأطَال فِي وَصفه وَأَنه الْخَتْم الإلهي وَأَمرَنِي أمرا جَازِمًا باعتقاد الصُّوفِيَّة

ومطالعة كتبهمْ وَالتَّسْلِيم لَهُم والتصديق بعلومهم وأحوالهم قَالَ فَكَأَنَّمَا طبع الله كَلَامه فِي قلبِي فَمن ذَلِك الْوَقْت وَللَّه الْحَمد ملئت اعتقادا ومحبة فيهم وَإِن لم أكن على سُنَنهمْ وَأَرْجُو من الله سُبْحَانَهُ أَن يحشرني مَعَهم وَفِي حزبهم ولقنني ﵁ الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وألبسني الْخِرْقَة الشَّرِيفَة وَكَانَ يَدْعُو لي كثيرا وَكَانَ لَهُ الكرامات الْعَظِيمَة مِنْهَا مَا حَكَاهُ السَّيِّد الْجَلِيل عمر بن سَالم شَيْخَانِ يَا علوي أَنه سَافر مَعَه إِلَى الْيمن وَكَانَ مَعَهُمَا الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الله بن مُحَمَّد الطَّاهِر العباسي الْمَكِّيّ فهاج عَلَيْهِم الْبَحْر وكادوا يشرفون على الْهَلَاك فَقَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي انْظُر إِلَى مَا نَحن فِيهِ من الْحَال ادْع الله لنا أَن يفرج عَنَّا فَقَالَ للبحر اسكن بِإِذن الله فسكن من حِينه ووقف الرّيح فَقَالَ للريس سر على بركَة الله تَعَالَى فَقَالَ يَا سَيِّدي كَيفَ أسافر بِلَا ريح فَقَالَ لَهُ سر يَأْتِي الله بِالرِّيحِ فَسَار فأتتهم ريح طيبَة وصلوا فِيهَا إِلَى مقصودهم وَزَالَ عَنْهُم مَا كَانُوا يجدونه من الْخَوْف ببركته وَمِنْهَا أَيْضا مَا أخبر بِهِ السَّيِّد الْمَذْكُور أَنه لما ذهب نفع الله تَعَالَى بِهِ إِلَى زِيَارَة سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد بن علوان بِمَدِينَة يغْرس أَتَى الشَّيْخ خادمه فِي الْمَنَام قبل وُصُول السَّيِّد بليلة وَقَالَ لَهُ فِي غَد يصبح عَلَيْك رجل صفته كَذَا وَكَذَا فأفعل لَهُ ضِيَافَة عَظِيمَة وَبَالغ فِي تَعْظِيمه وَأكْرم نزله ومثواه فَإِنَّهُ من أكَابِر أهل الله فامتثل الْخَادِم أَمر الشَّيْخ وَفعل مَا أمره بِهِ وانتظره فِي الْوَقْت الَّذِي ذكره لَهُ فَلم يجده فَذهب خَارج الْبَلَد لَعَلَّه يجده فَلم ير لَهُ أثرا وَلَا خَبرا فَرجع وَقد أيس من وُصُوله وَدخل مقَام الشَّيْخ فَوَجَدَهُ فِيهِ بِصفتِهِ وَكَانَت الْأَبْوَاب مصكوكة ففتحت لَهُ ومفاتيحها بيد الْخَادِم فَعرفهُ وَقبل يَدَيْهِ وَذكر لَهُ مَا أمره بِهِ الشَّيْخ وَذهب بِهِ إِلَى مَكَان الضِّيَافَة وَبَالغ فِي إكرامه وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ السَّيِّد الْمَذْكُور أَنه كَانَ ببندر المخا وَكَانَ رجلَانِ من أَصْحَابه متوجهين إِلَى الْهِنْد فَأتيَا إِلَيْهِ يودعانه ويطلبان مِنْهُ الدُّعَاء فَقَالَ لأَحَدهمَا يحصل لَك مشقة كَبِيرَة فِي الْبَحْر وَلَكِن عَاقبَتهَا سليمَة فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقَالَ للْآخر إِذا رَأَيْتنِي فِي الْهِنْد فَلَا تكلمني فَلَمَّا وصل إِلَى الْهِنْد وَتوجه إِلَى دهلي جهان آباد سَرِير السُّلْطَان فَجَلَسَ يَوْمًا على بَاب دَاره فَإِذا أَبَا السَّيِّد مقبل وَعَلِيهِ سلهامة سَوْدَاء فَعرفهُ وَقَالَ لبَعض أَصْحَابه هَذَا السَّيِّد عبد الرَّحْمَن وركض ليقبل يَدَيْهِ فشزره بِعَيْنيهِ فَتذكر كَلَامه فَرجع وأغشى عَلَيْهِ وَحصل لَهُ حَال عَظِيم فَلَمَّا أَفَاق لم يره نفع الله بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَاتِمَة الْأَوْلِيَاء فِي عصره وَقد تقدم ذكر وِلَادَته وَأما وَفَاته فقد كَانَت نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن

بزاوية السَّيِّد سَالم شَيْخَانِ اشْتَرَاهَا من أَوْلَاده وَأوصى أَن يدْفن فِيهَا رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل الخلي اليمني الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي القحطاني وجيه الدّين وَأحد الْقُضَاة الْعدْل بِالْيمن الميمون ولد بِبَلَدِهِ الجديدة فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر الشُّيُوخ بِالْيمن وأجيز بالإفتاء والتدريس وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَولي الْقَضَاء الْأَكْبَر بِبَلَدِهِ وَسَار فِيهِ أحسن سيرة ونفذت كَلمته وَأَحْكَامه حَتَّى أَن أَئِمَّة الدّين لَا تنقض حكمه إِذا قضى فِي مسئلة وَلَو كَانَت مُخَالفَة لما هم عَلَيْهِ وَبَالغ النَّاس فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ بالتقوى وَالدّين وَزِيَادَة الْعلم والتمكين حَتَّى قَالَ بَعضهم لَيْسَ فِي تهَامَة الْيمن الْآن مثله وَله من شعر الْعلمَاء مَا يقبل فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَى ابْن عَمه الْفَاضِل أَحْمد الخلي فِي صدر رِسَالَة

سَلام على الْوَلَد الْفَاضِلسليل الْكِرَام الْوَلِيّ الْكَامِل
وَمن حبه صَار فِي مهجتيمُقيما بهَا لَيْسَ بالراحل
على الْعلم الْفَرد عالي الذرىوَمن مجده لَيْسَ بالزائل
هُوَ الْعلم الْمَاجِد المرتضىحَلِيف التقى ذُو الْمقَام الْعلي
على أَحْمد خير مولى لقدتسامى بِفضل وفخر جلى
فَتى أَحْمد خير أفرانههُوَ ابْن مُحَمَّد أَبوهُ على
فَتى عمر الْخَيْر خليهموَمن فَضله قطّ لم يجهل
أَمَام تسلسل من سادةحووا الْعلم فِي الزَّمن الأوّل
وأنصار دين إِلَه الورىوَمن يجهل الْقدر فليسأل
وشهرتهم تغنى عَن وَصفهموَذَا غير خَافَ على الْفَاضِل
وَذَا أَحْمد نجلهم قد غَداكشمس الضُّحَى فاعتمد مقولي
وَبعد وصلني الْكتاب الَّذِيلَهُ يشْرَح الصَّدْر للمجتلي
قَرَأت لَهُ بعد تقبيلهوَوضع على الرَّأْس والكاهل
تضمن لفظا عَزِيزًا غَداكدر يجيد لذات الْحلِيّ
وحسناً لَهَا رُتْبَة فِي الملابقدّ قويم وَوجه جلى
هِيَ السؤل يَا سَيِّدي والمنىأدام صفاه إِلَى الموئل
وَإِعْرَابه عَن صفا حالكمبِهِ حصل الْقَصْد للآمل
وَلَا زلتم فِي الصَّفَا والوفابِحَق رَسُول الاله الْوَلِيّ
وشوقي لكم قد غَدا زَائِداووجدي بكم سَيِّدي مذهلي
سَأَلت إلهي اللقا عَاجلابكم قبل سيري للمنزل
بِحَق الرَّسُول النَّبِي الْمُجْتَبىمُحَمَّد خير الورى الْأَفْضَل
وبالآل والصحب أهل التقىنُجُوم الْهدى السَّادة الكمل

فَرَاجعه بقوله

أما آن للموعد الماطليجود بوصل على السَّائِل
جرى مَا كفى بل كفى مَا جرىمن المدمع الفائض السَّائِل
بروحي من علمتني الْهوىمحَاسِن وَجه لَهُ كَامِل
وَقد كنت من قبله فَارغًافَأَصْبَحت فِي شغل شاغل
إِلَى الله أَشْكُو غرامي بِهِووجدي الَّذِي لَيْسَ بالزائل
وتقريح جفن طما مَاؤُهُفأغنى عَن الْعَارِض الهاطل
وشرخ الشَّبَاب الَّذِي لم يزليمر ويمضي بِلَا طائل
وَطول اشتغالي بِمَا لم يفدوَكَثْرَة ممشاي فِي الْبَاطِل
فيا نفس لَا تطلبي عَاجلايَزُول قَرِيبا عَن الآجل
وخل الدنا وخيالاتهافَلَيْسَتْ تخيل على عَاقل
أَلَيْسَ قصارى مُقيم بهَارحيل فَمَا الشّغل بالراحل
فهيىء لقد طَال نومك فِي البطالةمن حظك الخامل
فَإِن البطالة قتالةوَمَا نَام فِيهَا سوى جَاهِل
فقومي بجد وجدي السرىفَمن جد يلْحق بالواصل
وَلَا تتراخي إِلَى قَابلفكم قد مضى لَك من قَابل
عَسى نفحة من جناب الْوَجِيهخلنا الْعَالم الْعَامِل
نفك عَن العَبْد أغلالهوَتكشف عَن قلبه الغافل
وتغسل أدرانه قبل أَنيَمُوت ويعرض للغاسل
فيا غيث بريعم الورىوبحر عُلُوم بِلَا سَاحل
أَتَانِي كتابك من بعد أَنتَمَادى المطال على الآمل
وكدت أقطع حَبل الرجاوأرضى وأقنع بالحاصل
فَلَمَّا فضضت ختام الْكتابسكرت بريحانه الذابل
ونزهت طرفِي فِي حسنهوأدهشت من سحره البابلي
وأيقنت بِالْفَتْح من سَاعَتِيوَقلت قد انْفَتح الْبَاب لي
فشكراً لما خولتني يداكفَمَا ذَاك مِنْك ابتدا نائل
فكم مِنْك لاحت عُقُود الثناقَدِيما على جيدي العاطل
وألبستني من فنون المديحبروداً بهَا الزهو قد طَابَ لي
وحملتني ممناً جمةوحقك قد أثقلت كاهلي
فَلَا زلت يَا نجم بَادِي السناتلوح لنا لست بالآفل

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع