من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٦)
الصفحة ٢ من ٢
وللمترجم غير مَا أوردته لَهُ من الْآثَار وَقد اكتفيت عَنْهَا بِهَذِهِ الْقطعَة المثبتة لشرف الْقَائِل وَكَانَت وَفَاته فِي عَاشر الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وَألف والخلى بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى الْخلّ الْمَعْرُوف نسب إِلَيْهِ لكرامة صدرت من بعض أسلافه بقلب المَاء خلا وَكثير من النَّاس بِكَسْر الْخَاء ويهم فِي ذَلِك وَمَا ذكرته فِي سَبَب النِّسْبَة هُوَ المتلقى عَنْهُم فَلَا عدُول عَنهُ إِلَى أَن تكون النِّسْبَة إِلَى الْخلّ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قرب مرحح وَلَا إِلَى الْخلّ منزل فِي طَرِيق وَاسِط إِلَى مَكَّة قرب لينَة وَلَا إِلَى خلة بِزِيَادَة الْهَاء قَرْيَة بِالْيمن قرب عدن وَبَنُو الخلى قوم صَالِحُونَ يتوارثون الْعلم وموطنهم من الْيمن بَيت مرجل فِيهِ جمَاعَة مِنْهُم ومسكن صَاحب التَّرْجَمَة الحديدة وَهِي بساحل الْبَحْر بِالْقربِ من بَيت الْفَقِيه أَحْمد بن عجيل
عبد الرَّحْمَن بن أويس الْكرْدِي الأَصْل الشَّافِعِي الْمَذْهَب نزيل دمشق الْفَاضِل الْوَرع الْخَيْر قدم إِلَى دمشق وَصَارَ معلما لأَوْلَاد الْوَزير حسن باشا بن سِنَان باشا واستوطن دمشق وَسكن بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية وَلما مَاتَ الْحسن البوريني كَانَ مدرساً بهَا فوجهت إِلَيْهِ وَبقيت فِي يَده ثمَّ أخذت عَنهُ وَبعد ذَلِك شطرت بَينه وَبَين شهَاب الدّين الْعِمَادِيّ الْمُقدم ذكره وَحج صَاحب التَّرْجَمَة وسافر إِلَى مصر مرَارًا وَحفظ فِي آخر عمره الْقُرْآن ولازم على تِلَاوَته واشتهر بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَلم يزل بِدِمَشْق إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
عبد الرَّحْمَن بن حسان الدّين الْمَعْرُوف بحسام زَاده الرُّومِي مفتي الدولة العثمانية وَوَاحِد الدَّهْر الَّذِي باهت بفضله الْأَيَّام وتاهت بمعارفه الْأَزْمَان وَكَانَ عَالما متجراً
كثير الْإِحَاطَة بمواد التَّفْسِير والعربية جم الْفَائِدَة ممدحاً كَبِير الشَّأْن وكل من رَأَيْته من الْفُضَلَاء يغلو فِي تَقْدِيمه وَحفظ محاسنه وَيَقُول إِنَّه لم تخرج الرّوم مثله فِي الْجمع بَين أفانين المعلومات العجيبة والألفاظ المزخرفة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أشهر الْمُتَأَخِّرين من عُلَمَاء الرّوم فِي ديار الْعَرَب وأكبرهم شَأْنًا وَسبب شهرته الزَّائِدَة طول تردده إِلَى هَذِه الْبِلَاد وَكَثْرَة مدح شعرائها لَهُ والمغالاة فِي وَصفه وشيوع خَبره بِالْكَرمِ والعطايا الجزيلة وَكَانَ حسن الْخط إِلَى الْغَايَة وَالنَّاس يضْربُونَ بجودة خطه الْمثل لمتانته وَحسن أسلوبه وَكَانَ حسن النادرة كثير اللطائف وَمن لطائفه أَنه سُئِلَ عَن الحَدِيث الصَّدَقَة تدفع الْبلَاء مالمراد بالبلاء فَأجَاب بِمَا قيل فِيهِ ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون الْبلَاء هُوَ السَّائِل نَفسه فالصدقة تَدْفَعهُ بِمَعْنى تدفع ثقله وَقد نَشأ على التَّحْصِيل حَتَّى فاق ولازم من الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية وسافر مَعَ أَبِيه من الْبَحْر على طَرِيق مصر إِلَى الْقُدس فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ بهَا الحَدِيث عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد الدجاني وتلقن كلمة التَّوْحِيد فِي ضريح سيدنَا دَاوُد ﵇ ثمَّ عزل وَالِده عَن الْقُدس وَعوض عَنْهَا بِالْمَدِينَةِ المنورة ثمَّ عَاد فِي خدمَة وَالِده إِلَى وَطنه فولى تفتيش الْأَوْقَاف وباشره أحسن مُبَاشرَة فاشتهر بالعفة حَتَّى نما خَبره إِلَى السُّلْطَان مُرَاد فاتصل بجانبه وَبَلغنِي أَن الْعلَّة فِي تقربه إِلَيْهِ إتقانه للرمي بِالسِّهَامِ وَمِنْه تعلمه السُّلْطَان الْمَذْكُور وأتقنه وَلم يزل مشمولاً بعنايته وَهُوَ يترقى فِي الْمدَارِس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء حلب فَقدم إِلَيْهَا وَسيرَته بهَا مَذْكُورَة مَشْهُورَة ولأدبائها فِيهِ مدائح كَثِيرَة وَكَانَ الأديب يُوسُف البديعي الدِّمَشْقِي نزيل حلب إِذْ ذَاك من خواصه وندماء مَجْلِسه وباسمه ألف كِتَابيه ذكرى حبيب وَالصُّبْح المنبي عَن حيثية المتنبي وترجمة بترجمة مُسْتَقلَّة وَذكر أَنه كَانَ بَينه وَبَين النَّجْم الحلفاوي مودّة أكيدة وَلم يتَّفق لَهُ نظم شَيْء من الشّعْر إِلَّا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قالهما فِي حق النَّجْم الْمَذْكُور وهما
عَلَيْك بِنَجْم الدّين فالزمه إِنَّهسيهدي إِلَى جنس الْعُلُوم بِلَا فصل
بِنور اسْمه السَّامِي هدى كل عَارِفأَلا إِنَّه شمس المعارف وَالْفضل
قَالَ وَلما أنشدهما قلت بديهة مُخَاطبا شَيخنَا الحلفاوي بِقَوْلِي
كَفاك افتخاراً أَيهَا النَّجْم إِن ذَا المآثربدر الْمجد شمس ضحى الْعدْل
حَلِيف العلى نجل الحسام الْمُهَذّب الَّذِيعزمه مَا زَالَ أمضى من النصل
وَمن أشرقت شهباؤنا بِعُلُومِهِوزحزح عَنْهَا ظلمَة الظُّلم وَالْجهل
حباك ببيتي سودد بل بدرّتيفحار على أهل المآثر وَالْفضل
ثمَّ نقل من قَضَاء حلب إِلَى قَضَاء الشَّام وقدمها فِي منتصف شعْبَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَله فِيهَا مآثر مَا زَالَت تتداولها الشفاه وتتناقلها الروَاة وَلما وردهَا صَحبه البديعي الْمَذْكُور فصيره نَائِبا بالمحكمة العونية وَكَانَ فِي خدمته أَيْضا الأديب الْفَائِق الْمَشْهُور مصطفى بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بالبابي وَهُوَ الْقَائِل فِيهِ من قصيدة مستهلها
هُوَ الشوق حَتَّى يَسْتَوِي الْقرب والبعدوَصدق الوفا حَتَّى كانّ القلى ودّ
يَقُول من جُمْلَتهَا فِي مدحه
همام تناجينا مخايل عزمهبأنّ إِلَيْهِ يرجع الْحل وَالْعقد
وأنّ على أعتابه تقصر العلىوأنّ إِلَى آرائه يَنْتَهِي الْجد
هَمت راحتاه للعدا وعفاتهفَمن هَذِه سم وَمن هَذِه شهد
من الْقَوْم قد صانوا حمى حوزة العلىطريفاً وصانتهم معاليهم التلد
هُنَالك ألْقى رَحْله الْبَأْس والندىوَألقى عَصا التسيار واستوطن الْمجد
حديقة فضل لَا يصوّح نبتهاونهر عَطاء مَا لسائله رد
ورقة أَخْلَاق يسير بهَا الصِّبَاوبأس لَهُ ترى فرائسها الْأسد
قطفنا جنى جدواه جينا وَلم يزلعلينا لَهُ ظلّ من السّير ممتد
وَغَابَ وَعِنْدِي من أياديه شَاهدوواعجبا من أَيْن لي بعْدهَا عِنْد
وآب فلاد ورد البشاشة ناضبلَدَيْهِ وَلَا بَاب المكارم منسد
فيا أوبة ذَابَتْ لَهَا كبد النَّوَىلأَنْت برغم الْبعد فِي كَبِدِي برد
وَفَاء بِلَا وعد من الدَّهْر حَيْثُ لميكن قبل قسطنطينة باللقا وعد
أروض اللقا وَالله يبقيك أخضراًأبن لي هَل آس نباتك أم ورد
هَنِيئًا بالقسطنطينة الرّوم قد قَضَتلبانتها واسترجع المنضل الغمد
أرانيه فِيهِ الله والدهر لائذبأعتابه مَا الْوَفْد يزحمه الْوَفْد
وَهِي قصيدة لَطِيفَة المسلك وَسَتَأْتِي تَتِمَّة غزلها فِي تَرْجَمَة البابي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَت أَيَّام ابْن الحسام بالشأم شامة فِي وَجه الدَّهْر هِيَ مواسم الْأَدَاء وأعياد
الْفُضَلَاء وَمَا اتّفق فِي زَمَنه من نفاق سوق الْأَدَب ورواق سعر الشّعْر لم يتَّفق فِي زمن غَيره من الْقُضَاة وَكَانَ أدباء ذَلِك الْحِين كالشاهيني والأمير المنجكي لَا ينفكون عَن مَجْلِسه إِلَّا نَادرا وَيَقَع بَينهم محاورات ومطارحات وَلَهُم فِيهِ مدائح لَو أفردت بالتدوين لجاءت فِي مجلدة فَمن ذَلِك مَا قَالَه الشاهيني فِيهِ
يَا سيدا فَوق مَا قَالُوا وَمَا كتبُواوَفَوق مَا وصفوا دهراً وَمَا نسبوا
وَيَا وحيداً رأى الشَّام الشريف بِهِأَضْعَاف مَا قد رَأَتْ من عدله حلب
وَيَا مجيداً وَصفنَا بعض سؤددهوفاتنا مِنْهُ مِقْدَار الَّذِي يجب
وَيَا كَرِيمًا رَأينَا من بدائعهمَا قصرت دونه الْأَخْبَار والكتب
سعيت نَحْوك شوقاً طَالبا أدباًيَا من لَدَيْهِ يصاب الْعلم وَالْأَدب
فصدّني عَنْك حظى والحجاب بِهِوَلَيْسَ نور ذكاء تمنع الْحجب
فَعَاد عَنْك بِطرف مطرق رمدوَقد تذكر بَيْتا صوغه عجب
لَيْسَ الْحجاب بمقص عَنْك لي أملاًإنّ السَّمَاء ترجى حِين تحتجب
وَاعْلَم بِأَنِّي محب لَا لشائبةوَلَيْسَ من رِيبَة تخشى فتجتنب
وإنني بك رَاض فِي معاملتيلأَنْت يَا سَيِّدي قَاض ومحتسب
واسلم فإنّ دُعَاء بتّ أرْسلهُإِلَيْك حَقًا نَظِير الْغَيْث ينسكب
وللأمير المنجكي فِيهِ من جملَة مدائح مَذْكُورَة فِي ديوانه
آلى الزَّمَان عَلَيْهِ أَن يواليكايثني عَلَيْك وَلَا يَأْتِي بشانيكا
فَإِن سَطَا فبأحكام تنفذهاوَإِن سخا فبفضل من مساعيكا
لِيهن ذَا الْعِيد حَظّ مِنْك حِين غَدَتْعلاهُ ثمَّ حلاه من أياديكا
مُجملا بأياد مِنْك فائقةمعطراً بغوال من غواليكا
وافى يهنى بك الدُّنْيَا وَنحن بِهِيَا بهجة الدّين وَالدُّنْيَا نهنيكا
من ذَا يضاهيك فِيمَا حزت من شرفوَمن يدانيك فِي حكم ويحكيكا
فالشمس مهما ترقت فَهِيَ قَاصِرَةعَن بعض أيسر شَيْء من مراقيكا
والبدر طود تسامى فَهُوَ محتقرإِذا بَدَت وهذي من دراريكا
وكل مجد فَمن علياك مكتسبوكل فَخر نرَاهُ من حواشيكا
وَمَا حكى السّلف الْمَاضِي وحدّثنامن السجايا بِهِ إِحْدَى الَّتِي فيكا
تعنوا لَرَفَعَتْك الزهاد مذعنةويحسد الْفلك الْأَعْلَى مغانيكا
يَا ابْن الحسام الَّذِي للدّين نصرتهأَنْت المفدى فَكل النَّاس تفديكا
أعيادنا كلهَا يَوْم نرَاك بِهِوَلَيْلَة الْقدر وَقت من لياليكا
وَله أَيْضا فِي يَوْم نوروز
النَّاس كلهم شِرَاء عطائهوالعيد والنوروز من آلائه
يختال ذَا بالحلي من عليائهشرفا وَذَا بالوشي من نعمائه
قرت بِهِ عين الغزالة واعتدتمكحولة فِي أفقها بضيائه
مَا أنبت الأدواح بعد ذيولهاإِلَّا سُقُوط الطل من أنوائه
سلسالها ونسيمها من لطفهوعبيرها من بعض طيب ثنائه
مولى أقل هباته الدُّنْيَا فَقلمَا شِئْت فِي معروفه وسخائه
عدل لَهُ مَا زَالَ يورق عودهحَتَّى استظل النَّاس فِي أفيائه
غيث أغاث بِهِ الْمُهَيْمِن خلقهمتفضلا وَقضى لَهُم بِقَضَائِهِ
نجل لذِي الأفضال من كفائهوحسام دين الله من أَسْمَائِهِ
السعد من خُدَّامه والعز منأَتْبَاعه وَالْمجد من ندمائه
تسْعَى المواسم كلهَا الرحابةإِذْ لَا بهاء لَهَا بِغَيْر بهائه
وَله أَيْضا فِيهِ هَذِه الْقطعَة
فَضَح الشَّمْس بالضياء بهاؤهبدر عدل أفق السداد سماؤه
من لَهُ المكرمات والجود وَالْفضلصِفَات تسمو بهَا أسماؤه
الْوَلِيّ الْوَلِيّ من غادر الدَّهْررياضا تغيثها أنداؤه
استمالت قُلُوبنَا واسترقتلذراه رقابنا آلاؤه
لوسها عَن ثَنَا علاهُ لِسَانلرأي مج حمله أعضاؤه
من يرَاهُ وَلَو بلمحة طرففسعيد صباحه ومساؤه
وَأهْدى إِلَيْهِ المنجكي طرفا وَكتب مَعَه هَذِه الأبيات
يَا من إِذا وهب الدُّنْيَا فيحسبهابخلا وحاشا علاهُ فَهُوَ مفضال
أهديك طرفا وَمن نعماك كم أخذتمثلي وَمثل الَّذِي أهديت سُؤال
لَكِن عَبدك يخْشَى أَن يُقَال لَهُلَا خيل عنْدك تهديها وَلَا مَال
قبولك الْمِنَّة الْعُظْمَى عَليّ وليبهَا من الدَّهْر إكرام وإجلال
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع