من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٤)
الصفحة ١ من ٢
وَله من الْفَضَائِل والفواضل وَالتَّحْقِيق فِي الْعُلُوم ولطائف النّظم والنثر مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس سلح شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَألف وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ عَالم كثير من جَمِيع الْجِهَات وقبره بالإشغاف من عمل الشجعة مَشْهُور ورثاء عُلَمَاء الْعَصْر بمراث بليغة كَثِيرَة مِنْهَا قَول السَّيِّد جمال الدّين مُحَمَّد بن صَلَاح بن الْهَادِي الوشلي قصيدة مِنْهَا
الله أكبر كل خطب هَينالْأَعْلَى عبد الحفيظ فيكبر
حبر الْأَنَام وَحجَّة الْإِسْلَام أَنأَمر عرى وَالْعَاقِب المتبصر
أعْطى الْجِهَاد حُقُوقه وسمت بِهِللِاجْتِهَاد عوارف لَا تنكر
وَمِنْهُم الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد بن سَلامَة عَالم صنعاء رثاه بقصيدة مطْلعهَا
مادت جبال بالتهائم والشرفوذوت غصون للفضائل والشرف
وتضعضعت أَرْكَان مجد شامخللفضل فِي الْعلم الشريف لمن عرف
ورثاء السَّيِّد يحيى بن أَحْمد الشَّرّ فِي نظما ونثرا من ذَلِك قَوْله أول قصيدة
قَضَاء لَا يرد وَلَا يعابوَحكم من مدبره صَوَاب
ورثاه القَاضِي حفظ الله بن مُحَمَّد بن سُهَيْل
هَل قد دحي الْبَحْر الْمُحِيط نضوبهأم ذِي الْجبَال الراسيات تسير
أوآن مِنْهَا كسفا أم دكتالأرضون أَن هذي السما تتفظر
أم مَاتَ ذُو الْفضل الشهير وَمن لَهُبَين الْخَلَائق مفخر لَا يُنكر
عبد الحفيظ الْعَالم الْعَلامَة النّدبالذكي الْعَارِف المتجر
ذُو الِاجْتِهَاد وَذُو الْجِهَاد فمنهمايحمى العثار بِهِ ويحمى العثير
ورثاه حفيده القَاضِي حُسَيْن بن النَّاصِر بمراث طَوِيلَة مِنْهَا قصيدة أَولهَا
الأَرْض ترجف والسحائب تمطرلوفاة بحرٍ بالفضائل يزخر
مِنْهَا
عضد لأرباب الْأُصُول وَغَايَةمِنْهَا الشموس بَدَت لنا والأقمر
وبفكره الصافي تحصل للورىعلم بِهِ تَصْدِيقه يتصوّر
وغدت قضاياها موجهة بِمَايدرى بغامض أمرهَا من يبصر
وَمِنْهَا
فالمجد مَرْفُوع بِذَاكَ ومرسلوَكَأَنَّهُ يَا حبذا مَا يهمر
لم يَنْقَطِع عَن فَضله ذُو فطنةفَيُقَال مَتْرُوك هُنَاكَ ومنكر
لم يبْق للموضوع فِي أَيَّامهأصل يشاد وَلَا طَرِيق يظْهر
عبد الْحق بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْحِمصِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الملقب زين الدّين الْحِجَازِي الْفَاضِل الأديب الْمَشْهُور ذكره كثير من المنشئين وَأَصْحَاب التواريخ والمجاميع وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ معمور الْأَطْرَاف كَامِل الأدوات أديباً مُتَمَكنًا من فنون كَثِيرَة جيد الفكرة لطيف المعاشرة وَكَانَ اشْتِغَاله على وَالِده وغلبت عَلَيْهِ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مَعَ إحاطة تَامَّة بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُول وَصَحب الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر بن فواز الْآتِي ذكره وَكَانَ يَسْتَفِيد مِنْهُ فِي صُورَة المذاكرة وَأكْثر انتفاعه بِهِ وَله مَعَه مطارحات مَقْبُولَة مِنْهَا مَا كتبه الْحِجَازِي إِلَيْهِ وَقد انْقَطع عَنهُ مجافياً
يَا غَائِبا والذنب ذَنْبكمتعتباً الله حَسبك
لَا تبعدن فَإِنَّمَاأملي من الْأَيَّام قربك
فلأصبرن وأرضينبِمَا قَضَاهُ الله رَبك
وَكَانَ خرج فِي شبيبته إِلَى حلب مغاضباً لوالده فَبعث إِلَيْهِ من رده وَرجع بِهِ واستمرت الشحناء بَينهمَا مُدَّة حياتهما وَكَانَ يجفو أَبَاهُ ويهجره وَهُوَ يُقَابله بالمحبة وَلم يزل على مجافاته حَتَّى سَافر إِلَى الرّوم فِي سنة أَربع بعد الْألف وَأخذ عَن أَبِيه الْمدرسَة التقوية وَدَار الحَدِيث الأشرفية وبقيتا عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ ودرس ببقعة فِي الْجَامِع الْأمَوِي وَكَانَ لَهُ حجرَة بالجامع القلعي فِي سوق جقمق وَكَانَت الطّلبَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ بهَا وَيَأْخُذُونَ عَنهُ وَكَانَ كثير الْفَائِدَة طَوِيل الباع فِي النّظم والنثر وَله شعر كُله نَفِيس حسن التخيل متين التَّرْكِيب فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة مطْلعهَا
بَين جنبيّ للتفرق نَاروبخديّ للبكا أَنهَار
وبقلبي لواعج من شجونهيجتها الأطلال والْآثَار
أَربع كنّ للأوانس مرعىفَهِيَ الْآن للكوانس دَار
نهبتها أَيدي الروامس نهباًمِثْلَمَا تنهب الْعُقُول الْعقار
جللتها ثوب العفاء السَّوَارِيومحتها الرِّيَاح والأمطار
طلل حلّه الأوابد لمانعبت فِيهِ للنوى أطيار
كنت والدور بالدمى آهلاتجزعاً كَيفَ أَنْت وَهِي قفار
أدلجوا للسرى وَسَارُوا سرَاعًاوخلت أَربع لَهُم وديار
أوحشوا ربعهم فليت العواديساعدتهم وليتهم مَا سَارُوا
وتراموا بِكُل خرق مخوفصيخد لَا يرى بهَا سفار
هُوَ جلّ تتْرك العباهل صرعىوَبهَا للردى يخاض غمار
وَكَأن الْأَعْلَام إِذْ تتراآىشامخات الذرى غُبَار مثار
والفيافي كأنهن طروسوكأنّ الركائب الأسطار
ورياح الجداء فِيهِنَّ تزجىسفن عبس لَهَا السراب بحار
وكأنّ الأحداج أكمام طلعوَلها الْبيض والدمى أزهار
قاصرات عين أوانس غيدعَن هواهن لَيْسَ لي أقصار
بِفُرُوع كأنهن الدياجيووجوه كَأَنَّهَا الأقمار
وَلكم راعني لئيم بلؤمهُوَ مِنْهُ سفاهة واغترار
كَيفَ أسلو عَن منهل طَابَ ريالي مِنْهُ الْإِيرَاد والإصدار
وخيال ألم الركب ساهوكؤوس الْكرَى عَلَيْهِم تدار
قلت لما طوى القفار ووافىوأضاءت لزوره الأقطار
بدر أفق أنار أم لمع برقيتلالى أم كَوْكَب أم نَار
أم سليمى إِذْ جنني اللَّيْل زارتفغدا وَهُوَ من سناها نَهَار
ساورتني الأحزان واقتسمتنيفِي هَواهَا الهموم والأكدار
مثل مَا اجتازت الْحَوَادِث جَاءَتوسطت فيّ لَا كَمَا أخْتَار
وكذاك الْأَيَّام تسطو بِذِي الْفضلوللدهر غفوة واعتذار
هَل مجير من حادثات اللَّيَالِيلَيْسَ شخص على الخطوب يجار
مصلت صارمي عناد وبغيزمن لَيْسَ مِنْهُ يدْرك ثار
ألبستني لَهُ سوابغ بَأْسعَزمَات لم يثنها أضجار
وَهِي طَوِيلَة وَمَا أوردناه مِنْهَا كَاف فِي الدّلَالَة على حسن انسجامها ومتانة لَفظهَا وَله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
أعرت خدود الغيد من مهجتي جمراوعلقن فِي الأجياد من مدمعي درا
ومعرك حَرْب فِي فُؤَادِي أثارهمن الشوق جَيش لَا يُحِيط بِهِ خَبرا
على هدف الأحشاء وَقع سهامهيفوّقها للقلب فتاكة عذرا
وَقَالُوا تصبر قلت شَيْء جهلتهوَكَيف يُطيق الصَّبْر من يجهل الصبرا
خليليّ عوجا بَارك الله فيكماوحثا المطايا واقصدا الرند والسدرا
فلي فِيهِ خود بالصدود تسربلتوَقد تخذت سمر الرماح لَهَا خدرا
ربيبة ألوت بعزم تجلديوأذكت على الأحشاء من نأيها جمرا
أَبى الْقلب إِلَّا أَن يكون بهَا مغرىومذ أيقنت سوق العدا أخذت حذرا
وَكم حذرتني فِي هَواهَا عواذليوَلَا أَحسب التحذير إِلَّا بهَا أغرا
أَلا أَيهَا الْقلب الَّذِي لج فِي الْهوىإلام الوفا والغيد أزمعت الغدرا
وهذي دواعي الشيب تَدْعُو إِلَى الْهدىوَقد زجرتني عَن دواعي الصِّبَا زجرا
وَقد شَاب كَبِدِي قبل رَأْسِي ولمتيفحتام قلبِي لَا يفِيق بهم سكرا
وَمَا كَانَ شيبي من تطاول أزمنيولكنني لاقيت من دهري النكرا
أَخذ هَذَا من قَول بَعضهم
وَمَا شَاب رَأْسِي من سِنِين تَتَابَعَتعليّ وَلَكِن شيبتني الوقائع
وَمن جيد شعره قَوْله
وَحقّ الْهوى إِن الْهوى فِيك لم يزللنا قسما لَا حنث فِيهِ عَظِيما
لقد هجت بالألطاف لي مِنْك لوعةوجدّدت وجدا فِي الْفُؤَاد قَدِيما
ومزقت صبرا كنت قدماً تخذتهظهيراً بِهِ ألْقى الْهوى ورحيما
فَأَصْبَحت فِيك الْآن لَا أملك الجوىوَلَا أرتضي إِلَّا هَوَاك نديما
وَكَانَ بَينه وَبَين مُحَمَّد الصَّالِحِي الملقب أَمِين الدّين الْآتِي ذكره مَوَدَّة أكيدة واجتماع كثير ثمَّ انْقَطع أَمِين الدّين عَنهُ فسير إِلَيْهِ يعتبه لانقطاعه عَنهُ قَوْله
طَالَتْ الأشواق وازداد العناوَتَمَادَى الْبَين فِيمَا بَيْننَا
فامنحوا الْقرب محباً مخلصاًفَلَعَلَّ الْقرب يشفي مَا سنا
لَيْسَ فِي هَذَا عَلَيْكُم كلفةإِنَّمَا نطلب شَيْئا هُنَا
فَكتب إِلَيْهِ من نظمه
أَنا فِي الْقرب وَفِي الْبعد أَنالَيْسَ فِي الْحَالين لي عَنْكُم غنا
أفضل الْأَشْيَاء عِنْدِي حبكموَهُوَ فِي وسط فُؤَادِي مكنا
لَكِن الْأَيَّام أشكوها لكمجورها قد أورث الْجِسْم الضنا
فَرَاجعه الْحِجَازِي بقوله
قد عناني من جفاكم مَا عَنَّاإِذْ جعلتم هجركم لي ديدنا
لَا أُطِيق الصَّبْر عَنْكُم سَاعَةأَنْتُم دون الورى عِنْدِي المنى
لَا وَلَا يشفى غليلي قَوْلكُمأَنا فِي الْقرب وَفِي الْبعد أَنا
وَجمعه مجْلِس صُحْبَة أخدان لَهُ فِي بلهنية شبابه فَقَالَ هَذِه الأبيات يمدحهم بهَا
فديت معاشرا كالزهر أربتوُجُوههم على زهر النُّجُوم
أحاسن من أكارم صيرتهميَد الْإِحْسَان كالدر النظيم
جلونا من محياهم حمياتجلى ظلمَة اللَّيْل البهيم
جَوَاهِر زينت سلك الْمَعَالِيوأعلت راية الْحبّ الْكَرِيم
رياض بنفسج وَهنا نفوسوكشف كرائب ودجا هموم
وألطاف إِذا شملت شجياجلت عَن قلبه كرب الهموم
بهم نفس العلى وَالْمجد طابتوقرت بالهنا عين الْعُلُوم
واصبح عقد جيد الْفضل يزهوبدر نظمته يَد الفهوم
يعير الْحسن أجياد الغوانيوَيهْدِي السحر للطرف السقيم
ألذ من الصِّبَا لَا خي التصابيوألطف من مطارحة النسيم
وَكتب لبَعض أحبابه فِي صدر رِسَالَة
أحبتنا مَاذَا نُؤَدِّي رِسَالَةوَهل تحصر الأوراق بعض بتاريحي
ولكنني أهدي إِلَيْكُم تَحِيَّةمَعَ البارق النجدي لَا نسمَة الرّيح
فَتلك سراها بالهوينا تعللاولطا لِأَنِّي مُرْسل مَعهَا روحي
وَذَلِكَ يهدي لي السَّلَام بلمحةفَفرج عَن قلب من الْبَين مَجْرُوح
وَكَانَ الْحسن البوريني سَافر إِلَى ترابلس الشَّام فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان بعد الْألف فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى دمشق حضر علماؤها للسلام عَلَيْهِ وَتَأَخر صَاحب التَّرْجَمَة لمَرض كَانَ
عرض لَهُ فَكتب إِلَيْهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
أعدتم إِلَيْنَا بهمة أدبيةبهَا افتر ثغر الْفضل وَالْعود أَحْمد
وأحييتم وَادي دمشق بعودةأضاعبها فِيهِ مصلى وَمَسْجِد
وَمن غرائب حكيمياته قَوْله
نقل الطباع عَن الْإِنْسَان مُمْتَنعصَعب إِذا رامه من لَيْسَ من أربه
يُرِيد شَيْئا وتأباه طبائعهوالطبع أملك للْإنْسَان من أدبه
وَقَوله
أَلا رب من تحنو عَلَيْهِ وَلَو ترىطويته سَاءَ تَكُ تِلْكَ الضمائر
فَلَا تأمن خلا وَلَا تغترر بِهِإِذا لم تطب مِنْهُ لديك المخابر
وَقَوله
يزين الْبَذْل كل أخي كَمَالويزري الْبُخْل بِالرجلِ البجال
وَلَو عقل الْبَخِيل الْبُخْل يَوْمًالما علقت أنامله بِمَال
وَذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابه وَقَالَ فِي تَرْجَمته رَأَيْت لَهُ جَوَابا عَن سُؤال رفع إِلَيْهِ فِي الْفرق بَين هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَأيهمَا أبدع وأبلغ وهما قَول ابْن نباتة السَّعْدِيّ فِي قصيدته الَّتِي أَولهَا
رَضِينَا وَمَا ترْضى السيوف القواضبنجاذبها عَن هامكم وتجاذب
خلقنَا بأطراف القنافي ظُهُورهمْعيُونا لَهَا وَقع السيوف حواجب
وَقَول أبي إِسْحَاق الْغَزِّي
خلقنَا لَهُم فِي كل عين وحاجببسمر القنا وَالْبيض عينا وحاجباً
فَادّعى أَن بَيت الْغَزِّي أبدع لما فِيهِ من الصَّنَائِع كالطباق بَين السمر وَالْبيض ورد الْعَجز على الصَّدْر واللف والنشر ومراعاة النظير وَادّعى أَنه يجوز أَن يُرَاد بِالْعينِ فِيهِ الرئيس وبالحاجب من تبعه وحجابه وَالْمعْنَى رماحنا وسيوفنا نَالَتْ الْحَاجِب والمحجوب والرئيس والمرؤوس وَهُوَ مُشْتَمل على التورية والإستعارة أَيْضا وَهَذَا مِمَّا خلا عَنهُ الْبَيْت الأول مَعَ مَا فِيهِ من الإفتخار بِقِتَال أعدائهم الثابتين لَا المنهزمين فَإِنَّهُ لَا يفتخر بِمثلِهِ وَلذَا يعاب الْبَيْت الأول وَإِن ذكر صَاحب إِيضَاح الْمعَانِي أَنه أبلغ لإشتماله على زِيَادَة معنى وَهُوَ الْإِشَارَة إِلَى انهزامه وَأطَال وأسهب وَبعد وَقرب وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ صَاحب الْإِيضَاح خطيب الْمعَانِي فَإِن بَيت النباتي أحلى لما فِيهِ من التَّشْبِيه البديع لجعل أثر الطعنة المستدير عَنَّا وشطبة السَّيْف فَوْقهَا حاجبا والإغراب بِجعْل الظّهْر مَحل الْعين والحاجب وَأما
انهزامهم فَلَا يدل على عدم شحاعتهم حَتَّى يخل بالفخر فَإِن الشجاع ينهزم مِمَّن هُوَ أَشْجَع مِنْهُ وَلذَا قيل الْفِرَار مِمَّا لَا يُطَاق من سنَن الْأَنْبِيَاء كَمَا فر مُوسَى حِين هم بِهِ القبط وَأما ماذكره من معنى الْعين والحاجب فسخيف وتخيل ضَعِيف على أَن جعل الْعين والحاجب بِمَعْنى الرئيس والمرؤوس فَمن الْعَجَائِب وَمَا ذكره من النَّقْد عَلَيْهِ نَقله ابْن الشّحْنَة فِي أَمَالِيهِ عَن الشريف المرتضى وَقَالَ إِنَّه عيب عَلَيْهِ قَوْله فِي ظُهُورهمْ وَقَالَ لَو قَالَ فِي صُدُورهمْ كَانَ أمدح لِأَن الطعْن وَالضَّرْب فِي الصَّدْر أدل على الْإِقْدَام والشجاعة للطاعن والضارب والمطعون والمضروب لِأَن الرجل إِذا وصف قرينه بالإقدام مَعَ ظُهُوره عَلَيْهِ كَانَ أمدح من وَصفه بالانهزام فَلِذَا قَالَ أَبُو تَمام
حرَام على أرماحنا طعن مُدبروتندق فِي أعلا الصُّدُور صدورها
وَقد عرفت جَوَابه مِمَّا تقدم فَتذكر انْتهى وأخبار عبد الْحق وآثاره كَثِيرَة وَفِي الَّذِي أوردناه لَهُ كِفَايَة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وأقعد بالفالج نَحْو سنتَيْن ثمَّ توفّي نَهَار الاحد خَامِس عشر شهر رَمَضَان وَقت الْغَدَاة من سنة عشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير عِنْد قبر أَبِيه وَوضع على قَبره تَابُوت من دون قبر أَبِيه وَبَينه وَبَين وَالِده فِي الْوَفَاة أحد وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَقَالَ وَلَده القَاضِي إِسْمَاعِيل الْمُقدم ذكره يرثيه بِهَذِهِ الأبيات وفيهَا تاريح وَفَاته
طرف تقرح من دم متدفقوحشا تجرح من جوى وَتحرق
وأسى تجمع لم يكن بمجمعلشتات شَمل لم يكن بمفرق
خطب لقد صدع الجفا مِنْهُ وَمنبَين أُتِي من غير وعد مطبق
ذهب الَّذِي كَانَت سحائب فَضلهتهمى بروض بالعلوم معبق
مولى مكارمه إِذا مَا جمعتفاقت على سح السَّحَاب المغدق
وَإِذا غَدا ليل المباحث مظلماكَالشَّمْسِ صيره بفهم مخرق
وَإِذا تعقد مُشكل لَك حلّهبيَدي إِمَام فِي الْعُلُوم مُحَقّق
قد حَاز فضلا فِي ميادين العلىوَالْعلم حَتَّى إِنَّه لم يسْبق
جاد الزَّمَان بِهِ فَعَاد بجودهبخلا وَكَانَ كبارق متألق
هَيْهَات أَن يَأْتِي الزَّمَان بعالميحكيه فِي حسن الصِّفَات مدقق
مَا حيلتي والدهر لم يَك مسعفيوَقضى عَليّ بلوعة وتفرق
يَا لَيْت يَوْمًا كَانَ فِيهِ ذَهَابهلَا كَانَ بل لَيْت النَّوَى لم يخلق
بل لَيْت بدر الْأُفق لم يَك طالعاًوَكَذَا الغزالة ليتها لم تشرق
كُنَّا نصول بِهِ على كبد العداوَيكون ذخر للشدائد لَو بقى
لكنه حم القضا وتقطعتأَيدي الرجا مناببين موبق
فيحق للعيني تبْكي بعدهبِدَم غزير لَا بدمع مُطلق
ويحق للقلب السَّلِيم بِأَنَّهُيفنى عَلَيْهِ من الْفِرَاق المقلق
ويحق للدهر الخؤون بكاؤهويحق للشبان شيب المفرق
قد كَانَ غصناً بالتهاني مورقافذوي وَفَاتَ كَأَنَّهُ لم يورق
أَعماله كالمسك قَامَ عبيرهاختمت برضوان الاله المعيق
لما تفوي بالرضى أرختهقد مَاتَ قطب عَالم فِي جلق
عبد الْحق بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَحْمد بن عمر بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْفَرد فِي زَمَانه الشَّيْخ محيى الدّين بن سيف بن علم الدّين سُلَيْمَان بن عبد الرَّزَّاق بن قيس شَاكر بن سُوَيْد بن عفيف الدّين بن سعيد بن عَليّ الهائم بن مَنْصُور الموله بن تَاج الدّين ثَوْبَان بن الْأَمِير الْكَبِير إِسْحَاق بن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن الأدهم الأدهمي الْحَنْبَلِيّ الصُّوفِي القادري الْمَعْرُوف بالمرزباني كَانَ من مشاهير صوفية الشَّام لَهُ الْوَقار والهيبة وَعِنْده المام بمعارف كَثِيرَة وَكَانَ مَعَ ذَلِك أديبا يارعاً حسن المحاضرة وَله اطلَاع كثير على الْأَشْعَار والنوادر وَرَأَيْت بِخَطِّهِ مجموعاً فِيهِ كل معنى نَادِر وحكاية مستلذة وَكَانَ رَحل إِلَى الرّوم فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف ونال بعض جِهَات فِي الشَّام ثمَّ قدم إِلَى دمشق وَأقَام بداره بالصالحية وَكَانَ مخالطاً للأدباء وَله كرم وإيثار لَا يزَال مَجْلِسه غاصاً بِأَهْل الْأَدَب والمعرفة وَكَانَ يجْرِي بَينه وَبينهمْ محاورات وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره مستحسن فَمن مَشْهُور مَاله قَوْله وَكتب بِهِ إِلَى فتح الله بن النّحاس الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور يستدعيه إِلَى مَحَله
أَن اغلق الْأَعْدَاء أَبْوَابهمعني وَلم يصغوا إِلَى نصحي
وزرتني يَوْمًا وَلَو سَاعَةفِي الدَّهْر تبغي بَينهم نحجي
علمت أَن الْحق من لطفهقد خصني بالنصر وَالْفَتْح
لَا زلت فِي عز مدى الدَّهْر مَاغردت الأطيار فِي الصُّبْح
فَرَاجعه بقوله
مولَايَ يَا من خصّه ربهبَين الورى بالنصر وَالْفَتْح
فِي الظّهْر وَالْعصر إِلَى بَابَكُمْأسعى وَفِي الْمغرب وَالصُّبْح
وَكَيف لَا أسعى إِلَى بَاب منفِي وَجهه دَاع إِلَى النجح
لَا زلت من قدح العدا سالماوَلَا خلا زندك من قدح
وقرأت بِخَطِّهِ هَذِه الأبيات نَسَبهَا لنَفسِهِ وَهِي
وَلَقَد ذكرتك حِين قابلت العداوَالسيف يحصدها مُهِمّ كالمنجل
وَالرمْح مياس كقدك طَاعنقلب الشجاع وكل قرن مقبل
والجو صَاف من العجاج كَأَنَّهُليل وَذَاكَ اللَّيْل لَيْسَ بمنجل
والأسد عابسة كَأَن قد راعهايَوْم الوغى وَالْأَمر لَيْسَ بمشكل
فترى الشجاع كَأَن رنة سَيْفهأشهى إِلَيْهِ من صفير البلبل
وَكَأَنَّهُ فِي رَوْضَة قد فوقتبشقائق وشذاه عرف قرنفل
وَترى الجبان كَأَنَّهُ من خَوفهيلوى عنان جَوَاده بتهرول
فهناك ناديت الْأَحِبَّة ليتهمنظرُوا بِعَين برحم وتعقل
هَل كَانَ لي فِي الْقلب غير هواهمبَاقٍ على طول المدى المسترسل
لَا وَالَّذِي خلق الْخَلَائق كلهموَقضى بطول تسهدي وتململي
مَا خُنْت يَوْمًا عَهدهم بتغافلعَنْهُم وَلَا بمقال زور العذل
وَهَذَا الأسلوب قد أَكثر فِيهِ الشُّعَرَاء قَدِيما وحديثاً وَمن جيده قَول ابْن مطروح
وَلَقَد ذكرتك والصوارم لمعمن حولنا والسمهرية سَطَعَ
وعَلى مكافحة الْعَدو فَفِي الحشاشوق إِلَيْك تضيق عَنهُ الأضلع
وَمن الصِّبَا وهلم جراشيمتيحفظ الوداد فَكيف عَنهُ أرجع
وَقَول ابْن رَشِيق
وَلَقَد ذكرتك فِي السَّفِينَة والردىمتوقع بتلاطم الأمواج
والجو يهطل والرياح عواصفوَاللَّيْل مسود الذوائب داج
وعَلى السواحل اللاعادي عَسْكَريتوقعون لغارة وَهياج
وعلت لأَصْحَاب السَّفِينَة ضجةوَأَنا وذكرك فِي ألذ تناجي
وَقَول أبي السنا مَحْمُود
وَلَقَد ذكرتك وَالسُّيُوف لوامعوَالْمَوْت يرقت تَحت حصن المرقب
والحصن من شفق الدروع تخالهحسناء ترفل فِي رِدَاء مَذْهَب
سامي السماك فَمن تطاول نَحوهللسمع مستمعاً رَمَاه بكوكب
وَالْمَوْت يلْعَب بالنفوس وخاطرييلهو بِطيب ذكرك المستعذب
وَقَول الصفي الْحلِيّ
وَلَقَد ذكرتك والعجاج كَأَنَّهُمطل الغنيّ وَسُوء عَيْش الْمُعسر
والشرس بَين مجدل فِي جندلمناوبين معفر فِي مغفر
فَظَنَنْت أَنِّي فِي صباح مُسْفِربضياء وَجهك أَو سَمَاء مقمر
وتعطرت أَرض الكفاح كَأَنَّمَافتقت لنا أَرض الجلاد بعنبر
والفاتح لهَذَا الْبَاب عنترة الْعَبْسِي فِي قَوْله
وَلَقَد ذكرتك والرماح نواهلمني وبيض الْهِنْد تقطر من دمي
فوددت تَقْبِيل السيوف لِأَنَّهَالمعت كبارق ثغرك المتبسم
ولعَبْد الْحق أَشْيَاء أخر غير مَا أثْبته لَهُ وَفِي الَّذِي ذكر مقنع وقرأت بِخَطِّهِ أَن وِلَادَته كَانَت أول سَاعَة من نَهَار الْخَمِيس ثامن ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة سبعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالجامع المظفري وَدفن بروضة السفح ونسبته إِلَى سُلْطَان الْأَوْلِيَاء إِبْرَاهِيم بن أدهم مستفيضة مَشْهُورَة وَقد وقفت على كتابات لعلماء دمشق على هَذِه النِّسْبَة كَثِيرَة والمرزباني نِسْبَة إِلَى أحد أجدادهم وَهُوَ الشَّيْخ محيي الدّين المرزباني سمي بذلك لانقياد السبَاع وإطاعتها لَهُ وَأَصله الْمَرْزُبَان وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ السُّلْطَان
الملا عبد الْحَكِيم بن شمس الدّين الْهِنْدِيّ السلكوتي عَلامَة الْهِنْد وَإِمَام الْعُلُوم وترجمان المظنون فِيهَا والمعلوم كَانَ من كبار الْعلمَاء وخيارهم مُسْتَقِيم العقيدة صَحِيح الطَّرِيقَة صادعاً بِالْحَقِّ مجاهراً بِهِ الْأُمَرَاء الْأَعْيَان وَكَانَ رَئِيس الْعلمَاء عِنْد سُلْطَان الْهِنْد خرم شاه جهان لَا يصدر إِلَّا عَن رَأْيه وَلم يبلغ أحد من عُلَمَاء الْهِنْد فِي وقته مَا بلغ من الشَّأْن والرفعة وَلَا انْتهى وَاحِد مِنْهُم إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ جمع الْفَضَائِل عَن يَد وَحَازَ الْعُلُوم وَانْفَرَدَ وأفنى كهولته وشيخوخته فِي الانهماك على الْعُلُوم وَحل دقائقها وَمضى من جليها وغامضها على حقائقها وَألف مؤلفات عديدة مِنْهَا حَاشِيَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ على بعض سُورَة الْبَقَرَة رَأَيْتهَا وطالعت فِيهَا أبحاثاً دقيقة وَله حَاشِيَة على مطول السعد ومختصره وحاشية على شرح
العقائد النسفية للسعد وحاشية على شرح تصريف الْعُزَّى للسعد أَيْضا وَله غير ذَلِك وفضله أشهر من أَن يُزَاد فِي وَصفه وَكَانَت وَفَاته فِي نَيف وَسِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْحَلِيم بن برهَان الدّين بن مُحَمَّد البهنسي الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن شقلبها الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْمَذْهَب أنبل آل بَيته فِي عصرنا كَانَ من الْفُضَلَاء المتضلعين من فنون شَتَّى لَكِن غلب اشتهاره بالفقه نَشأ بِدِمَشْق وَقَرَأَ بهَا على مَشَايِخ كثيرين وَتقدم أَن وَالِده كَانَ ذَا ثروة عَظِيمَة وَجمع كتبا كَثِيرَة فتمتع عبد الْحَلِيم بهَا وَلما مَاتَ أَبوهُ وضع يَده على مخلفاته وأتلفها فِي مُدَّة قَليلَة على أهواء مُتَفَرِّقَة يرجع أَكْثَرهَا إِلَى حب الرياسة وَمَا نَالَ من ذَلِك إِلَّا الخسران وَقلت ذَات يَده فانزوى مُدَّة فِي بَيته لَا يدرى عَنهُ إِلَّا بمحض الْوُجُود ثمَّ ظهر بعض الظُّهُور أَيَّام كَانَ الْعلَا الحصكفي مفتي الشَّام وَأخذ يُفْتِي فِي بعض وقائع فَمَنعه قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق عَن الْفَتْوَى لما يتفرغ على ذَلِك من كَثْرَة اللَّغط وَمُخَالفَة أَمر السُّلْطَان فِي أَن الْمُفْتِي الْحَنَفِيّ لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا فَلم يلبث أَن رَحل إِلَى مصر وَكَانَ قاضيها عامئذٍ الْمولى مصطفى ختن المنقاري الْمُفْتِي فتقرّب إِلَيْهِ وَصَارَ من جملَة نوابه ثمَّ لما عزل صَحبه إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة وَقد اجْتمعت بِهِ فِيهَا كثيرا وَكَانَ شرع فِي نظم مُغنِي اللبيب لِابْنِ هِشَام فنظم مِنْهُ مِقْدَارًا وافراً وَكتب على ألفية ابْن مَالك شرحاً وَمَات وَلم يكمله فَبَقيَ فِي مسوّداته وَكَانَ على مَا شاهدته من أطواره أحد عجائب الْمَخْلُوقَات لَا يسْتَقرّ فِي أَمر المشرب على حَال وَكَانَ ينظم الشّعْر إِلَّا أَن شعره فِي غَايَة القلاقة والتعقيد وَلم أر لَهُ مَا يحسن إِيرَاده وَكَانَ ولاه مخدومه الْمَذْكُور نِيَابَة قَضَائِهِ كليبولى فَتوجه إِلَيْهَا وَمَات بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة تسعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْحَلِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بأخي زادة القسطنطيني المولد والمنشأ والوفاة أحد أَفْرَاد الدولة العثمانية وسراة علمائها كَانَ نَسِيج وَحده فِي ثقوب الذِّهْن وَصِحَّة الْإِدْرَاك والتضلع من الْفُنُون نَشأ بكنف وَالِده مشاراً إِلَيْهِ فِي التبريز بميدان الْفضل وركوب السوابق فِي حلبة المعلومات وَكَانَ أَبوهُ متقاعداً عَن قَضَاء عَسْكَر أناطولي وجده لأمه شيخ الْإِسْلَام سعدي الْمحشِي قَالَ ابْن نَوْعي فِي تَرْجَمته أَخذ بأدرنة وابوه قَاض بهَا فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة عَن حسام الدّين بن قره جلبي مدرس طاشلق وَعَن عبد الرؤوف الشهير بعرب زَاده مدرس أوج شرفلي ثمَّ أَخذ
عَن صَالح الملا مدرس السُّلْطَان بايزيد وخواجكي زَاده أَفَنْدِي مدرس السُّلْطَان سليم بقسطنطينية ثمَّ وصل إِلَى خدمَة فُضَيْل الجمالي وَلَزِمَه ثمَّ وصل إِلَى خدمَة شيخ الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ ولازم مِنْهُ فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ ثمَّ درس فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بمدرسة إِبْرَاهِيم باشا الْجَدِيد ابْتِدَاء وَلم يزل ينْتَقل من مدرسة إِلَى مدرسة حَتَّى وصل إِلَى مدرسة الوالدة باسكدار فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَولي مِنْهَا قَضَاء بروسة فِي رَمَضَان سنة ألف وَنقل مِنْهَا إِلَى أدرنة فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَألف وعزل مِنْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث ثمَّ ولي قَضَاء قسطنطينية فِي منتصف رَجَب سنة أَربع وَنقل مِنْهَا إِلَى صدارة أناطولي فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وعزل مِنْهَا فِي صفر سنة سبع وتقاعد بوظيفة أَمْثَاله ثمَّ أُعِيد إِلَيْهَا فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وتقاعد عَنْهَا فِي شهر رَمَضَان سنة تسع ثمَّ صَار قَاضِي عَسْكَر روم إيلي فِي صفر سنة عشر وَألف وتقاعد فِي ذِي الْحجَّة وَله تآليف كَثِيرَة رائقة مِنْهَا شرح على الْهِدَايَة وتعليقات على شُرُوح الْمِفْتَاح وجامع الفصوليين والدرر وَالْغرر والأشباه والنظائر وَله رِسَالَة تفسيرية فِي امتحان كَانَ صدر وَأما مَاله من الْآثَار غير ذَلِك فَمَا لَا يعدّ وَلَا يُحْصى وعَلى الْخُصُوص فِيمَا يتَعَلَّق بالصكوك والحجج والتمسكات وَله تَرْجَمَة شَوَاهِد النُّبُوَّة تركي وَله شعر مَرْغُوب بالتركية ومخلصه على دأبهم حليمى انْتهى وَذكره النَّجْم الْغَزِّي فِي ذيله وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء بليغاً وَقَالَ وحَدثني شَيخنَا القَاضِي محب الدّين الْحَنَفِيّ على رَأس الْألف قَالَ اتّفق أهل الرّوم قاطبة على أَن استانبول لَيْسَ من نَشأ فِيهَا الْآن من أَوْلَاد الْعلمَاء وَغَيرهم أفضل من رجلَيْنِ شابين أَحدهمَا عبد الْحَلِيم هَذَا وَالثَّانِي أسعد بن الْمولى سعد الدّين ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَيهمَا أفضل قَالَ وَبَلغنِي أَن عبد الْحَلِيم كَانَ أفقه وأسعد كَانَ أعلم بالمعقولات وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن فضل عبد الْحَلِيم مُسلم عِنْد أهل الرّوم وَلَيْسَ فيهم من يُنكره وَذكره الطالوي فِي كِتَابه السانحات فِي مَوَاضِع مِنْهَا وَبَالغ فِي وَصفه وَأورد قصائد قَالَهَا فِي مدحه ثمَّ ذكر مَجْلِسا ضمه هُوَ وإياه فِي نَادِيه قَالَ فَأقبل عليّ بمؤانسته وقرّبني مِنْهُ فِي مُجَالَسَته وَلم يزل ينثر على سَمْعِي لآليء من فقره ويجلو عليّ من أبكار فكره مَا يحار اللبيب فِي وَصفه ويغار الأديب من نسقه ورصفه فَمن جملَة مَا شنّف بِهِ سَمْعِي وَجَعَلته سمير ضمير جمعي مَا قرظ بِهِ كتاب بعض الْكتاب من حسن سجع تغار مِنْهُ ألحان السواجع ويودّ البادي لَو كَانَ فِيهَا المراجع إِلَى زواهر فقر تخجل در الأسلاك
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع