من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٤)
الصفحة ٢ من ٢
وتزرى بدرى الأفلاك لَو رَآهَا صَاحب الْيَتِيمَة اتخذها لكتابة تَمِيمَة أَو الْعِمَاد الْكَاتِب تسلى عَن خريدة الكاعب وَهُوَ نظرت فِي هَذَا الْكتاب المنطوي على بَدَائِع صنائع الْكتاب المحتوي على لطائف الإيجاز والإطناب الْخَالِي عَن شوائب معايب الْإِخْلَال والإسهاب المسبوك فِي قالب بديع تميل إِلَيْهِ الْقُلُوب المنسوج على أحسن منوال وأبهى أسلوب فَوَجَدته بحراً زاخراً متلاطم الأمواج ودراً زاهراً سلب الشَّمْس عَن رُتْبَة الابتهاج فيا لَهُ من كَاتب طوى منشور الخطباء بإيجازه وكوى صُدُور البلغاء بمحاسن حَقِيقَته ومجازه حقيق لِأَن تسير بِذكرِهِ الركْبَان وخليق لِأَن يُرْسل هَدِيَّة إِلَى فصحاء فطحان إِذْ وقف فرسَان البلاغة عَن الجري فِي مضماره وَاتفقَ شجعان البراعة على أَنه لَا يصطلى بناره تضمن دُرَر عِبَارَات مَا اسْتوْدعت أصداف الآذان إِلَى الْآن أَمْثَال تِلْكَ اللآل فِي الْأَزْمِنَة الخوال وَمَا طلع فِي أفق سَواد الْعين مذ أمدت بِالنورِ وَمثل ذَلِك هِلَال واختوى جَوْهَر أَلْفَاظ أخلب للقلوب من غمزات الألحاظ وأسحر للعقول من فترات مراض الأجفان مَعَ معَان هِيَ أحسن من أَيَّام محسن معَان وأبهج من نيل أَمَان فِي ظلّ صِحَة وأمان ولعمري أَن هَذَا الْكتاب أضحى لما فِيهِ من الْفَضَائِل مصداق قَول الْقَائِل
وخريدة برزت لنا من خدرهاكالبدر يَبْدُو من رَقِيق غمام
عرضت على كل الْأَنَام جمَالهَاكي تستميل قُلُوبهم بِتمَام
تسبي من الْعَرَب الْعُقُول بأسرهاوَتَطير لب الرّوم والأعجام
فَللَّه در الأديب الأريب المتعاطي لهَذَا الْجمع وَالتَّرْتِيب الْآتِي بِهَذَا الْإِنْشَاء والاختراع الَّذِي لَا يُمكن الْخُرُوج من عُهْدَة مدحه وإطرائه بِاللِّسَانِ واليراع بلغه الله تَعَالَى وطره وجزاه الْحسنى وَزِيَادَة بِمَا سطره حَيْثُ أذرج فِيهِ لطائف تنجلي لخطابها كالعروس وأدمج نفائس تتبادر إِلَيْهَا الْأَرْوَاح والنفوس وضع فِيهِ مآرب تَغْدُو إِلَى الرّوح وَأَشَارَ إِلَى نكات سَرِيَّة كالورد الطري تفوح فَأتي بِمَا لم تستطعه الْأَوَائِل وَعجز عَن الْإِتْيَان بِهِ سحبان وَائِل انْتهى ونظم الطالوي فِيهِ قصيدة طَوِيلَة قريب ذَلِك وَأَشَارَ بهَا إِلَى حسن هَذِه الْقطعَة بقوله
لله مَا فقر فِي الطرس تحسبهاوسط الْبيَاض سَواد الْعين وَالْبَصَر
أَو كالرياض كستها السحب سَارِيَةمطارف الوشي أَو موشية الحبر
مثل الْكَوَاكِب لَيْلًا قد طلعن علىنهر المجرة وكالروض ذِي الزهر
تود لَو حلت الجوزاء من شغففِيهَا النطاق وَلَو أمست على خطر
كَأَن در يَوَاقِيت الحسبان بِهِقد رصعت فِي الْحَوَاشِي مَوضِع الْفقر
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف وَدفن فِي تربتهم قبالة دَارهم الْمَعْرُوفَة بقسطنطينية قرب مدرسة الوالدة
عبد الْحَلِيم الْبَاغِي الْمَعْرُوف باليازجي أحد الطغاة الَّذين خَرجُوا على السلطنة فِي زمن السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث وَقد تقدم طرف من خبْرَة فِي تَرْجَمَة حسن باشا ابْن الْوَزير مُحَمَّد باشا وَكَانَ فِي مبدأ أمره من الطَّائِفَة السكبانية وَكَانَ نَازل الرُّتْبَة حَتَّى صحب الْأَمِير درويش الرُّومِي حَاكم صفد فقربه وَأَدْنَاهُ وصيره رَأس جماعته وَلما عزل الْأَمِير درويش عَن حُكُومَة صفد ولي مَكَانَهُ الْأَمِير عَليّ الجركسي فَذهب ليتسلم الْولَايَة فَقَالَ عبد الْحَلِيم للأمير درويش لَا تسلم الْولَايَة للأمير عَليّ وَأَنا أمْنَعهُ عَنْك بِالْحَرْبِ والمقاتلة فَمَال إِلَى كَلَامه وَلم يسلم وَلما شاع أباؤه عَن التَّسْلِيم أرسل إِلَيْهِ نَائِب الشَّام خسرو باشا كتخذاه مَعَ طَائِفَة من عَسْكَر الشَّام إِلَى ولَايَة صفد لِيخْرجُوا الْأَمِير درويش عَنْهَا ويسلموها للأمير عَليّ فَلَمَّا وصلوا إِلَى نواحي صفد خرج إِلَيْهِم الْأَمِير درويش وَفِي صحبته عبد الْحَلِيم وَمن مَعَهم فقابلوهم وقاتلوهم ومنعوهم من الدُّخُول إِلَى صفد ودام الْقِتَال بَينهم أَيَّامًا إِلَى أَن تجرد عَسْكَر الشَّام لِلْقِتَالِ وبرزوا لِلطَّعْنِ وَالضَّرْب وَنزل عبد الْحَلِيم مَعَ جماعته إِلَى السهل فَقطعُوا سرداق الْأَمِير عَليّ ونهبوا مَا فِيهِ ثمَّ أَدْرَكته الحمية فقاتل السكبان حَتَّى قتل مِنْهُم عشرَة أَنْفَار وَكسر نُفُوسهم وَدخل عَلَيْهِم اللَّيْل ثمَّ بعد ذَلِك لم يزَالُوا فِي قتال ومحاربة إِلَى أَن أَشَارَ الْعُقَلَاء على الْأَمِير درويش بِالْخرُوجِ مَعَ من كَانَ عِنْده من الْعَسْكَر ويكف عَن المبارزة فَخرج من الْمَدِينَة وَخرج مَعَه عبد الْحَلِيم مَعَ أَصْحَابه وَسَارُوا على طَرِيق صيدا من جِهَة الشقيف فَوَرَدُوا على الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فزودهم وسيرهم فَسَار الْأَمِير درويش إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة وَذَهَبت وَرَاءه المحاضر والشكايات من أهل بِلَاد صفد فَعرض الْوَزير أمره على السُّلْطَان فَأمر بصلبه فصلب بثيابه وَكَانَ عبد الْحَلِيم وَأَصْحَاب درويش سَارُوا على سَاحل الْبَحْر إِلَى ترابلس الشَّام ثمَّ إِلَى جَانب حلب ثمَّ دخلُوا
مَدِينَة كلز بِإِشَارَة من أميرها الْأَمِير حُسَيْن بن جانبولاذ ثمَّ شرعوا فِي الْفساد فَتنبه لَهُم نَائِب حلب وَأرْسل إِلَيْهِم جَيْشًا لمحاربتهم فتقابلوا على بَاب كلز وَكَانَت النُّصْرَة لعسكر حلب وَقتلُوا من أَصْحَاب عبد الْحَلِيم مقتلة عَظِيمَة وَخرج عبد الْحَلِيم بِمن بَقِي مَعَه من أَصْحَابه مكسورين وَسَار إِلَى حصن سميساط فقاتله صَاحب الْحصن وتواقعا ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى مَدِينَة الرها واحتال على أَن جَاءَتْهُ أَحْكَام سلطانية بِأَن يكون محافظاً بهَا وَفِي أثْنَاء ذَلِك خرج عَن ربقة الطَّاعَة حُسَيْن باشا الَّذِي كَانَ أَمِير الْأُمَرَاء بِولَايَة الْحَبَشَة وَوصل إِلَى مَدِينَة أركله من بِلَاد قرمان فثار إِلَيْهِ أَهلهَا ليردوه فسطا عَلَيْهِم ونما خَبره إِلَى السُّلْطَان فَأرْسل إِلَيْهِ عسكراً عَظِيما فخاف من هولهم وفر قَاصِدا أَن يخرج إِلَى بِلَاد الْعَرَب فَمَنعه العبور جسر جيحان فعطف على جِهَة الشرق حَتَّى وصل إِلَى الرها فَالتقى بِعَبْد الْحَلِيم وأوهمه أَنه ناصره وَلم تمض أَيَّام قَليلَة إِلَّا وَمُحَمّد باشا ابْن المرحوم سِنَان باشا قصد الْبَلَد الْمَذْكُور بجماهير من العساكر تسد الفضاء وَمن جُمْلَتهَا عَسْكَر الشَّام فنازلوا الرها ودام محاصرتهم لَهَا وَالْحَرب بَين الْفَرِيقَيْنِ وَاقع إِلَى أَن لَاحَ لعبد الْحَلِيم أَنه مَأْخُوذ لِأَنَّهُ مَحْصُور فشرع فِي طلب الْأمان من الْوَزير على شَرط أَن يسلم إِلَيْهِم حُسَيْن باشا وَيكون هُوَ ناجياً مِنْهُم وَكَانَ حُسَيْن شجاعاً بطلاً باسلاً لكنه كَانَ عاطلاً من الخديعة فَوَقع فِي شَرط عبد الْحَلِيم فَأنْزل عبد الْحَلِيم أَخَاهُ حسنا بالأمان بعد أَن استرهن عِنْده جمَاعَة من الْعَسْكَر السلطاني وترددت الرسائل بَينهم وحسين يظنّ أَن أَصْحَابه مَعَه وهم عَلَيْهِ فانعقد الْمقَال وَأخرج حُسَيْن من مَوْضِعه وَلما تحقق المكيدة قَالَ لعبد الْحَلِيم مُخَاطبا هَكَذَا تكون عهود الشجعان وتسلمه عَسْكَر الشَّام وَأَعْطوهُ للوزير وَبَات الْوَزير تِلْكَ اللَّيْلَة وَهُوَ يؤلمه بالْكلَام الموجع وَهُوَ يعْتَذر بأعذار غير مَقْبُولَة ثمَّ أرْسلهُ الْوَزير إِلَى بَاب السُّلْطَان فَلَمَّا وصل أحضر إِلَى الدِّيوَان فَنَادَى بشعار الشَّرْع فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا أَرَادَ وحققوا عَلَيْهِ الْفساد والطغيان فَحكم القَاضِي بقتْله وصلب فِي وقته وَكَانَ بعد تَسْلِيم عبد الْحَلِيم لحسين ارتحل عَسْكَر الشَّام سَرِيعا لهجوم الشتَاء وَلم يمْكث الْوَزير بعدهمْ إِلَّا أَيَّامًا قَليلَة ورحل إِلَى جَانب حلب وَاسْتمرّ عبد الْحَلِيم مُدَّة الشتَاء مُقيما فِي الرها وثار فِي الرّبيع إِلَى عينتاب فَغَضب السُّلْطَان لبَقَائه فِي الْحَيَاة وَأرْسل لقتاله عسكراً وَجعل الْمُقدم على العساكر كلهَا حسن باشا ابْن الْوَزير مُحَمَّد باشا وَأرْسل من جَانب بَابه العالي أَيْضا
الْوَزير إِبْرَاهِيم باشا الَّذِي كَانَ نَائِبا بحلب مقدما على عشرَة آلَاف عسكري من جَانب عَسْكَر بَاب السُّلْطَان وَعين نَائِب الشَّام مُحَمَّد باشا الْأَصْفَهَانِي وَفِي خدمته عَسَاكِر الشَّام فَمشى السِّرّ دَار الْكَبِير من جَانب بَغْدَاد إِلَى أَن وصل إِلَى مَدِينَة آمد وَجمع العساكر هُنَاكَ ورحل بِمن مَعَه من العساكر إِلَى أَن وصلوا إِلَى مرحلة الْبُسْتَان فنزلوا بهَا وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ نزولهم فِي مُقَابلَة جبل فِيهِ مَكَان أهل الْكَهْف على أصح الْأَقْوَال فَبَيْنَمَا هم على الصَّباح إِذا بعسكر عبد الْحَلِيم قد أقبل من جَانب الشرق وتصادم الْفَرِيقَانِ سَاعَة وَإِذا بعسكر عبد الْحَلِيم قد عبر على عَسْكَر السُّلْطَان فَالْتَقوا بِهِ وصدموه صدمة أزالته عَن منزله فولى هَارِبا فتبعوه وَوَضَعُوا السَّيْف فِي أَصْحَابه فَقتلُوا مِنْهُم فِي ذَلِك الْيَوْم مَا يزِيد على أَرْبَعَة آلَاف رجل وهرب عبد الْحَلِيم واستمرّ هَارِبا إِلَى أَن دخل إِلَى ساميسون على سَاحل الْبَحْر وَدخل الشتَاء فشتى حسن باشا فِي مَدِينَة توقات وَمَات عبد الْحَلِيم فِي أثْنَاء ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي الْيَوْم السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة عشر بعد الْألف وافترقت أَصْحَابه فرْقَتَيْن وَاحِدَة طلبت الْأمان من السردار الْمَذْكُور وَأُخْرَى ذهبت مَعَ أخي عبد الْحَلِيم حسن إِلَى رستم العَاصِي الْمُقِيم بملطية وَبَقِيَّة خبر حسن مَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة حسن باشا الْمَذْكُور فِي حرف الْحَاء فَارْجِع إِلَيْهِ ثمَّة وَالله ﷾ أعلم والسكبانية طَائِفَة مَعْرُوفَة ونسبتهم إِلَى سكبان فَارسي مركب من سك وَهُوَ الْكَلْب وَبَان وَهُوَ الحامي فَمَعْنَاه حامي الْكَلْب وأصل موضوعهم لقود الْكلاب أَمَام الكبراء والأمراء حِين يَسِيرُونَ إِلَى الصَّيْد وسميساط بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت وسين ثَانِيَة مُهْملَة وَألف وطاء مُهْملَة مشالة فِي الآخر بَلْدَة بالفرات بِالْقربِ من حصن مَنْصُور واركله بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَسُكُون الْكَاف الفارسية وَفتح اللَّام ثمَّ هَاء قَصَبَة من أَعمال قرمان على طَرِيق قسطنطينية حَسَنَة التربة لَطِيفَة الْهَوَاء وَهِي وقف على الْحَرَمَيْنِ الشريفين وفيهَا من الْأَعَاجِيب فِي مَحل قريب مِنْهَا فوار مَاء يخرج مِنْهُ المَاء سيالاً فَإِذا وصل إِلَى الأَرْض جمد وَصَارَ كالرخام الْأَبْيَض لَا يتكسر إِلَّا بالحديد دون غَيره وَلَا ينماع وَإِن حمى على النَّار وللحجر الْمَذْكُور صلابة زَائِدَة وساميسون بَلْدَة مَشْهُورَة فِي بِلَاد التّرْك بِالْقربِ من طرابزون والعامة تَقول صاميصون بالصَّاد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع