من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الصَّاد الْمُهْملَة (٢)
من وصف الآرام اللَّاتِي هم المرام أَو على أَنه أنالك كَمَا لي أَن أعرف كمالك وتصحيف شطره الأول وَالثَّانِي جيد لَا غيد وَإِن قلت أَسد فَهُوَ للإيضاح لَيْث أَسد وَإِن شِئْت قلت مَوضِع لبث القلائد من الصُّدُور أَو مَا اسْترق من رمل الصخور وَإِن أردْت الْمجَاز فالخمر من صروفه وَإِن أردْت الْحَقِيقَة فظرفه من مظروفه وَكَيف يخفى وأوله اسْم سَنَام الْأَنْعَام وثانيه حَيَوَان فِي الْبَحْر الْعَام وثالثه اسْم امْرَأَة ذَات سمن من ورابعه شجر ذوفين وخامسه اسْم نَاحيَة من نواحي الْبِقَاع وسادسه اسْم رجل كثير الوقاع على أَن أَوله وَالثَّالِث وَالرَّابِع ينبي عَن قلب سقط الزند الْوَاقِع وَالثَّانِي وَالثَّالِث عَن أطيب الْعرف نافت وَهُوَ نديم الْمُلُوك فِي الْقُصُور وخديم ربات الشنوف فِي الْخُدُور حقير المقدرا جليل الِاعْتِبَار وأقواله مُؤثرَة فِي مثل قلب عنتر مَعَ أَنه صَغِير ضَعِيف الجثمانية مغتر فَهَل يخفى بعد شرح هَذِه الْأُمُور وَلَكِن الخفاء فِي شدَّة الظُّهُور فجد مجيباً مجيداً لَا بَرحت مُفِيدا سعيداً فَأَجَابَهُ ملغزاله فِي بازي بقوله راسلتني لأبرح عِنْد عندليب الفصاحة صادحاً على رياض مراسلتك وقمر البراغة لائحاً من أفق أفلاك عبارتك وَحمى الْفضل محمياً بسمهري أقلامك وجيد الْأَدَب محلى بدر وعقود نظامك وَإِن لي قريحة قريحة بصروف حوادث الزَّمن وفكرة جريحة من معاناة خطوب هَذِه المحن وأدرت على سَمْعِي من سلاف ألفاظك مَا هُوَ عِنْدِي أرق من نسيم الصِّبَا وَأهْديت إِلَى فكرتي من نفائس صنائعك مَا ذَكرتني بِهِ زمَان اللَّهْو وَالصبَا وأتحفتني ببدائع مَا احمر الْورْد إِلَّا خجلاً من بهجتها وَلَا اصْفَرَّتْ الصَّهْبَاء إِلَّا حسداً لما شاهدته من استيلائها على الْعقل وسطوتها لَا غرو أَنَّهَا صدرت من قس الفصاحة وقاضيها الْفَاضِل وَأَتَتْ من رَئِيس هَذِه الصِّنَاعَة وأمامها الْمشَار إِلَيْهِ بالأنامل فادخرتها تحفة للوارد والصادر ورقتا بقلم الْفِكر على لوحة الخاطر فأماطت النقاب وأزالت الْحجاب عَن اسْم مطرب مَا زَالَ يغرد فِي الرياض بَين الأفنان ويحرك بِصَوْتِهِ الشجي مَا سكن فِي خاطر الولهان ويتعشق الْوُرُود لشبهها بخدود الملاح ويراقبها مراقبة المهجور فِي الاغتياق والاصطباح طالما جنى عَلَيْهِ لِسَانه فحبسوه وضيقوا عَلَيْهِ وَمن عجب أمره أَنه لم يحبس إِلَّا لزِيَادَة حبه وَشدَّة الْميل إِلَيْهِ صحف النّصْف الأول مِنْهُ تَجدهُ عبدا عَن الْخدمَة لَا يحول وَإِذا شِئْت قلت عيد بالمسرة والهناء مَوْصُول
وَرُبمَا أظهر لَك غيداء ممنعة الْحجاب وَأبْدى لَك بقلب بعضه عذب الرضاب واحذف ثلثا مِنْهُ نجده عِنْدِي مَوْجُودا كَمَا أَن ذَلِك الثُّلُث الْمَحْذُوف مَا زَالَ مني فِي هوى الحسان مفقوداً وَإِن صحفت ثلثه وقلبته قلب كل أرتك لديعاً بعقرب السالف أَو قلبتها قلب بعض أبدت لَك اسْم شَاعِر من شعراء الزَّمن السالف وَإِن صحفت نصفه الْأَخير قلت ليته من هَذَا التَّصْحِيف خَالص فَإِنَّهُ يظْهر لَك ليثاً ترتعد مِنْهُ الفرائص وَرُبمَا ظهر لَك بأوله ورابعه وخامسه أَنه على الْمقَام وبثانيه وثالثه وخامسه ندى عرف يحسن مِنْهُ الختام فأجبر جَابر هَذِه كسر هَذَا الْجَواب وألق عَلَيْهِ من أكسير قبولك مَا يرفع بِهِ عِنْد بني الْآدَاب وَلَقَد عَن لي أَن أعول على جنابك وأسأل من شرِيف أعتابك عَن اسْم يعرف بالشجاعة تقر لَهُ أَبنَاء جنسه بِالطَّاعَةِ تخدمه الْمُلُوك والأعيان وتتبعه فِي المهامه الفرسان وموضوع وَهُوَ مَحْمُول وعزيز مَعَ أَنه مُقَيّد مغلول طالما سَطَا على عدوه فَأوردهُ الْحمام ونال من أراقة دَمه المرام وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يُؤثر بِمَا لَدَيْهِ وَهُوَ جَائِع وَيفْعل وَلَا يَقُول وَهَذَا من اشرف الطبائع رباعي مَعَ أَن نصفه حرف من حُرُوف الهجاء وَإِن صحف كَانَ حرفا يسْتَعْمل عِنْد الطّلب والرجاء وَإِن حذفت أخيره وصحفت الْبَاقِي ظهر لَك أَنه أحد العناصر وبتصحيف آخر من غير حذف يَبْدُو لَك أحد أَسمَاء الْقَادِر القاهر مظلوم مَعَ أَنه إِن لوحظ نصفه الْأَخير كَانَ فِي زِيّ ظَالِم وَرُبمَا أشعر بتصحيفه وَحذف ثَانِيه أَنه برىء من جَمِيع الْمَظَالِم فبالذي شيد بك دعائم الْأَدَب والكمال وجلى بفكرك فنهب كل اشكال إِلَّا مَا أوضحت مشكله وبينت خفيه ومقفله لَا بَرحت بَنو الْآدَاب ترد حِيَاض آدابك الدافقة ويجنون من أزاهر رياض فضائلك الفائقة مَا ترنم عندليب على فنن وحرك بشجوه من كل مغرم مَا سكن انْتهى قَالَ السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ بِالْقربِ من ضريح المرحوم يَعْنِي وَالِده السَّيِّد مُحَمَّد عدَّة أَشجَار من الْعنَّاب فشاهدت يَوْمًا أَغْصَانهَا المخضرة تزهو بثمارها المحمرة فأتبعت الْحَسْرَة بالحسرة وَلم أملك سوابق الْعبْرَة وجادت الطبيعة بِأَبْيَات على البديهة وَهِي
وقائلة والدمع فِي صحن خدهايفِيض كهطال من السحب قد همى
أرى شجر الْعنَّاب فِي الْبقْعَة الَّتِيبهَا جدث ضم الشريف المعظما
لَهُ خضرَة المرتاح حَتَّى كَأَنَّهُعلى فَقده مَا إِن أحس تألما
وأغصانه فِيهَا ثمار كَأَنَّهَابحمرتها تبدي السرُور تلوما
وَلَو أنصفت كَانَت لعظم مصابهذوت واكفهرت حيرة وتندما
فَقلت لَهَا مَا كَانَ ذَاك تهاونابِمَا نالنا من رزئه وتهضما
وَلكنهَا لما وَضعنَا بِأَصْلِهِغديراً بأنواع الْفَضَائِل مفعما
بَدَت خضرَة مِنْهُ تروق وحزنهكمين فَلَا تستفظعيه توهما
وَمَا احْمَرَّتْ الأثمار إِلَّا لأنناسقيناه دمعاً كَانَ أَكْثَره دَمًا
فَوقف الكوراني على ذَلِك فَقَالَ أبياتاً مِنْهَا
فيا شجر الْعنَّاب مَالك مثمرسُرُورًا وَلم تجزع على سيد الْحمى
على رمسه أورقت تهتز فرحةوتدلى إِلَيْهِ كل غُصْن تمنما
أهذي أَمَارَات المسرة قد بَدَتأما لحزن قد أبكاك من دونه دَمًا
وَمِنْهَا على لِسَان الْعنَّاب
نعم فرحتي أَنِّي مجاور سيدنما حسبا فِي عصره وتكرما
وحضرته روض من الْجنَّة الَّتِيزهت بضجيع كَانَ بِالْعلمِ مغرما
أتعجب بِي إِذْ كنت فِي جنب رَوْضَةوحقي فِيهَا أَن أقيم والزما
كعادة أَشجَار الرياض فَإِنَّهَاتمكن فِيهَا الأَصْل وَالْفرع قد نما
وَقد قيل فِي الأسماع إِن كنت سَامِعًاخُذ الْجَار قبل الدَّار إِذْ كنت مُسلما
أما سَار من دَار الفناء إِلَى البقاوَأبقى ثَنَاء بالجميل مُعظما
وَمن كَانَ بعد الْمَوْت يذكر بالعلىفبالذكر يحيا ثَانِيًا حَيْثُ يمما
فَقلت لَهُ يهنيك طيب جورهوحياك وسمى الْغَمَام إِذا همى
لتسقط أثماراً على جنب قَبرهليلقطها من زَارَهُ وترحما
فواعجباً حَتَّى النَّبَات زها بِهِفَحق لنا عَن فَضله أَن نترجما
فَلَا زَالَت الأنواء مغدقة علىثرى قَبره مَا ناح طير وزمزما
وَمِمَّا اشْتهر لَهُ قَوْله فِي دُخان التبغ
لقد عنفونا بالدخان وشربهفَقلت دعوا التعنيف فَالْأَمْر أحوجا
أَلا إِن صل الْغم فِي غَار صدرناعصانا قد خنا عَلَيْهِ ليخرجا
الصل الْحَيَّة السَّوْدَاء وَمن شَأْنهَا أَنَّهَا إِذا عصيت فِي وَكرها دخن عَلَيْهَا التخرج وللصلاح أَيْضا وَفِيه وَهُوَ معنى حسن
لَو لم تكن أَيدي إِلَّا كارم لجةمَا كَانَ فِي أطرافها الغليون
والغليون أطلق على سفينة معهودة بَين الْعَوام وعَلى آلَة يوضع فِيهَا ورق التبغ وَيشْرب وَكِلَاهُمَا غير لغَوِيّ وَهُوَ فِي اللُّغَة اسْم للقدر وَفِيه يَقُول عبد الْبر الفيومي صَاحب المنتزه مَعَ احْتِمَال الغليون للمعنى اللّغَوِيّ
غليوننا لقد غلامَا فِيهِ وَالْمَاء يفور
فِي مهجتي ومقلتيدخانه أضحى يَدُور
وللصلاح معمي باسم أَحْمد وَهُوَ قَوْله
فُؤَادِي محا عَن لوح خاطره الْهوىفأثبته صدغ لَهُ قد تسلسلا
وَله باسم عمر
تساقط در من سَحَاب مسيرهإِلَى تَاج روض قل وَمَا كَانَ مُنْقَطع
وَله باسم يُوسُف
إِذا صَحَّ تَقْبِيل على خَال خدّهأحاول شَيْئا مِنْهُ فِي دَاخل الشفه
وَمن غرامياته قَوْله
أَيْن فصل الرّبيع أَيْن الشَّبَابيئست من رُجُوعه الأحباب
غادرته مواقع أعدمتهفشارب الرّبيع رغماً سراب
خرس العندليب فِيهِ وأضحىصَاحب النُّطْق فِي رباه الْغُرَاب
لَو علمنَا أَن الزَّمَان خؤونفِيهِ تنأى عَن اللقا الْأَصْحَاب
لشفينا من اللِّقَاء قلوباًلم يرعها من الزَّمَان انقلاب
لَكِن الْمَرْء لَا يزَال غفولاًبَين هَذَا وَبَين ذَاك حجاب
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بحلب فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف
صنع الله بن جَعْفَر شيخ الْإِسْلَام ومفتي التخت العثماني فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد وَولده السُّلْطَان أَحْمد الإِمَام الْكَبِير الْفَقِيه الْحجَّة الْخَيْر كَانَ فِي وقته إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الْفِقْه والإطلاع على مسَائِله وأصوله وفتاواه مدونه شهيرة خُصُوصا فِي بِلَاد الرّوم يعتمدون عَلَيْهَا ويراجعون مسائها فِي الوقائع وَكلهمْ متفقون على ديانته وتوثيقه واحترامه وَقد درس بالمدارس الْعلية حَتَّى انْتهى أمره إِلَى أَن صَار قَاضِي قسطنطينية فِي رَجَب سنة ألف وَنقل بعد أَيَّام قَليلَة فِي الشَّهْر الْمَذْكُور إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي وَبَقِي فِيهِ إِلَى شَوَّال سنة إِحْدَى وَألف فَنقل إِلَى قَضَاء
روم إيلي ثمَّ فِي أثنا جُلُوس السُّلْطَان مُحَمَّد تقاعد بوظيفة أَمْثَاله وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث بعد الْألف ثمَّ ولي الْإِفْتَاء بعد وَفَاة الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَألف وعزل فِي صفة سنة عشر وَألف ثمَّ أُعِيد ثَانِيًا فِي ثَانِي عشري رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وعزل بعد إِحْدَى وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ أُعِيد ثَالِثا فِي عَاشر الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وعزل فِي ربيع الآخر سنة خمس عشرَة ثمَّ أُعِيد رَابِعا فِي رَجَب من هَذِه السّنة وعزل فِي صفر سنة سبع عشرَة وَاتفقَ لَهُ فِي إِحْدَى هَاتين الْأَخِيرَتَيْنِ أَن وَالِدَة السُّلْطَان كَانَت رجت من ابْنهَا تَوْجِيه الْفتيا للْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين فَأخذ الْقَلَم وَكتب التَّوْجِيه وَدفعه إِلَيْهَا فرأته كتب مَكَان الِاسْم صنع الله فراجعته ثَلَاث مَرَّات وَفِي الْجَمِيع يجْرِي الْقَلَم بصنع الله وَهُوَ يعْتَذر عَن ذَلِك بِأَنَّهُ عَن غير قصد فَفِي الثَّالِثَة قَالَت لَهُ اعْتمد على مَا كتبت وَليكن الموجه إِلَيْهِ صنع الله فَأرْسل الْخط الشريف إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة وصيره مفتياً وَهَذِه الاتفاقية غَرِيبَة جدّاً وَحكى أَنه مرّة وجهت الْفَتْوَى إِلَى رجل أَبَاهُ الْقَوْم فأشاروا إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة بِأَن يطْلبهَا لنَفسِهِ فَقَالَ كَيفَ يكون ذَلِك فَقَالُوا تبْعَث إِلَى السُّلْطَان تطلب مِنْهُ ذَلِك فَقَالَ لَا حَاجَة بِنَا إِلَى أَن نرسل أحدا ونطلب ذَلِك بالواسطة ونطلب وَنحن مستقرون فِي مَكَاننَا فَلم تمض هنيئة إِلَّا وسلحدار السُّلْطَان جَاءَهُ بالتقليد وَلما عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة أَرَادَ الْحَج فورد الشَّام يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة وَكَانَ منزوياً قل أَن يجْتَمع بِأحد وَكَانَ إِمَام الْمَقْصُورَة الشَّافِعِي يُصَلِّي الْعشَاء فِي أول الْوَقْت وَيُصلي بعده الإِمَام الْحَنَفِيّ فَقَالَ يُصَلِّي الْحَنَفِيّ أَولا لِأَنَّهُ على مَذْهَب السُّلْطَان وروجع فِي ذَلِك فَلم يفعل فصلى إِمَام الْحَنَفِيَّة أَولا ثمَّ إِمَام الشَّافِعِيَّة فِي لَيْلَة الْجُمُعَة لَيْلَة عيد الْفطر وَكَانَ قدم مَعَه صهره زوج ابْنَته قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام نوح بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ فأبرم ذَلِك وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك مُدَّة ثمَّ بَطل الشَّافِعِي الْمُرَتّب من صَلَاة الْعشَاء وَبَقِي الْحَنَفِيّ وَحده وَأهل جيلنا لم يدركوا إِلَّا الْحَنَفِيّ وَحده وَكَانَ أَحْمد بن شاهين مدح صَاحب التَّرْجَمَة بقصيدة تقدم طرف من خَبَرهَا فِي تَرْجَمَة البوريني وَذكرنَا مطْلعهَا وَهُوَ
حيّ الْمنَازل بالنقافز رَودفالرقمتين فعهدنا الْمَعْهُود
فَعَن لي أَن أثبت مِنْهَا هُنَا بعض أبياتها لحسنها وَبعد المطلع
وَأنزل فَإِن ثرى معافرة الْهوىليجل عَن وَطْء المهاري الْقود
واحبس مطيك دون منعرج اللوىسطراً صَحِيفَته بَيَاض البيد
وأفض فديتك فِي الحَدِيث كَأَنَّهُنظم الْعُقُود فَأَنت جيد عقيد
واستفت غادية الصِّبَا هَل صافحتحوذان أفنية المهاة الرود
وتحرشت بالأقحوان يَنُوب عَنبرد بفيها كالخباب برود
وتلطفت حَتَّى انبرت بخبائهاوَهنا تسر لبانة المعمود
وسرت بلَيْل بَين أتراب لَهَاكَالْعَيْنِ من سرب الظباء الغيد
فتناوشت طرزاً وبثت عنبراًوتلاعبت بذوائب وقدود
من كل سَاحِرَة الْعُيُون لحاظهايسبين كل متيم مجهود
أسفرن بَين ذوائب أسبلنهاكالزهر تشرق فِي اللَّيَالِي السود
لم أُنْسُهَا من بَينهُنَّ وَقد أَتَتسدراء فِي حلى لَهَا وبرود
تختال من شرخ الشبيبة وَالصبَازهواً كخود البانة الأملود
ونضت كَمَا شَاءَت وَشاء لي الْهوىعَن رَوْضَة من نرجس وورود
فَنَهَضت مسلوب الحشاشة مقسمًاإِلَّا وطِئت محاجري وخدودي
بتنا وأثلثنا العفاف وبينناعتب كمبسمها ونظم عقودي
سامرتها وَاللَّيْل شَاب عذارهكبياض خطّ شيب بالتسويد
تَشْكُو صبابتها وأشكو صبوتيشكوى العميد من الْهوى لعميد
حَتَّى بدا فلق الصَّباح كَأَنَّهُمن وَجه صنع الله بَحر الْجُود
مفتي الْأَنَام وَسيد الْعلمَاء منأَلْقَت إِلَيْهِ أزمة التَّقْلِيد
الْمُفْرد الْعلم الَّذِي أَوْصَافهجلت عَن التَّعْرِيف والتحديد
باهت دمشق الرّوم مُنْذُ تشرفتبورود هَذَا الطالع المسعود
كل الموَالِي ثمَّ كالأيام إِذْأضحى هُنَا مِنْهَا كَيَوْم الْعِيد
مولى الموَالِي دَعْوَة من خَادِمدَاع لعز علاك بالتخليد
أجريت فِي مسراك بحراً زاخراًغصت بفائضه عراص البيد
وحملت نوحًا فِي سفينة شَرعهحَتَّى اسْتَوَت بِدِمَشْق فَوق الجودي
فجلا ظلام الظُّلم عَنْهَا واكتستأنوار صبح الْعدْل والتوحيد
من جُمْلَتهَا
مَاذَا أَقُول وَأَنت صنع الله منقد خص فِي الآراء بالتسديد
إِن الَّذِي يَرْجُو لفضلك غَايَةليروم شَيْئا لَيْسَ بالموجود
وَلَئِن مدحتك بِالَّذِي هُوَ مُمكنمن طَاقَة الْمَخْلُوق يَا ذَا الْجُود
فَلَقَد رسفت بفكرة قد أوشكتتثنى عَلَيْك لشاعر مَعْدُود
وإليكها عذراء مل يَد المنىتصف البراعة وَهِي بكر قصيد
مِنْهَا
فِي كل بَيت من بديع بَيَانهَاغرر لديك على الحسود شُهُود
إِن يصدح الْبَازِي على عذباتهافخراً فَبِي لَا عَن أبي وجدودي
هِيَ جنَّة المأوى بمدحك سَيِّديتزدان لَا بشقائقٍ وورود
لَا زلت قطب مدَار أفلاك العلىفِي أنعم ومسرة وسعود
مَا حبرت وشياً يراعة بارعٍوجنى ثمار الْمَدْح فكر مجيد
ثمَّ حج وَرجع من طَرِيق الشَّام أَيْضا إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا وَلم يل منصباً إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف بعلة البرسام رَحمَه الله تَعَالَى
صنع الله بن محب الله بن مُحَمَّد محب الدّين بن أبي بكر تَقِيّ الدّين بن دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْخَالِق بن عبد الرَّحْمَن المحبي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ عمي شَقِيق وَالِدي وَكَانَ لي مَكَان وَالِدي فَإِن أبي سَافر إِلَى بِلَاد الرّوم وعمري إِحْدَى عشرَة سنة فتقيد بِي ورباني وأقدمني على الطّلب وَجعل أهم أمره أَمْرِي وَكَانَ جزاه الله تَعَالَى عني خيرا برا بِي شفوقاً عَليّ مرِيدا لي كل خير عَاجل وآجل وَمَا عَاهَدت مِنْهُ لَحْظَة مَا إساءة أَو مقتاً بل كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يألم لما آلم مِنْهُ وينشرح لما أنشرح لَهُ بل يغْضب لغضبي ويرضى لرضائي وعَلى كثير من مناهجه فِي التودد نهجت وعَلى آدابه وَحسن طويته درجت وَكَانَ بل الله ثراه بوابل الغفران لطيف الطَّبْع حمولاً فَاضلا كَامِلا طارحاً للتكلف حسن الْعشْرَة متودداً وَكَانَ أَبوهُ فيحياته يُحِبهُ كثيرا فربى عَزِيزًا مكرماً وَلما مَاتَ أَبوهُ كَانَ عمره عشر سِنِين فرباه أبي وتقيد بِهِ وَكَانَ لَهُ إِلَيْهِ محبَّة لم أرها من أحد وَلم أسمع بِمِثْلِهَا وَكَانَ هُوَ كَذَلِك وَكَثِيرًا مَا كنت أسمعهُ يَقُول أَرْجُو الله تَعَالَى أَن لَا يريني يَوْم موت أخي وأكون أَنا السَّابِق عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ حَتَّى قدر الله أَنه مَا رأى يَوْم مَوته لَكِن لَا لمَوْته قبله بل لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا فِي بِلَاد الرّوم وَقد اشْتغل بِالْعلمِ كثيرا فِي مباديه فَقَرَأَ على الشَّيْخ أَحْمد القلعي وعَلى شَيخنَا النَّجْم الفرضي وعَلى غَيرهمَا وناب فِي الْقَضَاء بمحاكم دمشق كالكبرى وَالْقِسْمَة والميدان والعونية وَصَارَ نَائِبا بالقدس فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف ثمَّ إِنَّه سَافر إِلَى الرّوم وَصَارَ قَاضِيا بحمص وَرجع إِلَى الشَّام وَكَانَ بِالشَّام إِذْ ذَاك شيخ
الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم البرسوي وَقد رَجَعَ من الْحَج فَجَاءَهُ قَضَاء الْقُدس فَتوجه مَعَه وخدمه فِي نِيَابَة غَزَّة ثمَّ قدم فِي خدمته إِلَى الشَّام بعد أَن عزل وَكَانَ أَمر بالتوجه إِلَى وَطنه بروسه فصحبه إِلَى الرّوم وسافرت أَنا مَعَهم ودخلنا بروسة فِي خدمَة الْمولى الْمَذْكُور ثمَّ فارقناه وتوجهنا بحراً إِلَى نَاحيَة أدرنة والدولة إِذْ ذَاك بهَا فوصلناها وأقمنا بهَا مُدَّة ثمَّ لما توجه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى قسطنطينية جِئْت أَنا وإياه إِلَيْهَا فولي بهَا قَضَاء معرة المصريين وَتوجه إِلَيْهَا وضبطها وَرجع إِلَى الرّوم وَأَنا مُقيم بهَا ثمَّ أعْطى قَضَاء معرة المصريين ثَانِيًا وسافر إِلَيْهَا فصحبته فِي الطَّرِيق إِلَى أَن وصلنا إِلَى أنطاكية ثمَّ افترقنا وَلم يقدر الله تَعَالَى بعد ذَلِك اجتماعاً فَإِنِّي قدمت إِلَى دمشق وألقيت بهَا عَصا الترحال وَوصل هُوَ إِلَى قَضَائِهِ وَضبط المنصب وعزل عَنهُ ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم وَولي قَضَاء سرمين وَوصل إِلَيْهَا فَتوفي بهَا وَهُوَ قَاض وَكَانَت وَفَاته فِي ثامن شهر رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين وَألف عَن سِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع