تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (٨)

الصفحة ١ من ٢

غير حَاجَة إِلَى حكم حَاكم أَو تَسْلِيم إِلَى متول وبدخول أَوْلَاد الْبَنَات فِي الْوَقْف على الذُّرِّيَّة فخالفه فِي ذَلِك بعض الْقُضَاة فألف رِسَالَة فِي ذَلِك سَمَّاهَا وقف الْهمام الْمنصف عِنْد قَول الإِمَام أبي يُوسُف وأرسلها إِلَى مصر فأيده علماؤها وَكَتَبُوا على جَوَابه وصوبوه وخطؤوا قَول الْمُخَالف لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَشرح عُقُود الجمان فِي الْمعَانِي للأسيوطي شرحاً حافلاً مزج فِيهِ عبارَة النّظم فِي الشَّرْح فاق على شرح مؤلفها بِكَثِير وَجرى فِي مجْلِس قَاضِي مَكَّة ذكر المسئلة الَّتِي ذكرهَا قَاضِي خَان فِي فَتَاوِيهِ وَهِي مَا لَو قَالَ قَائِل إِن كَانَ الله يعذب الْمُشْركين فامرأتي طَالِق قَالُوا إِنَّهَا لَا تطلق فألف فِيهَا رِسَالَة سَمَّاهَا الْجَواب المكين عَن مسئلة إِن كَانَ يعذب الْمُشْركين وَولي إِمَامَة الْمَسْجِد الْحَرَام وخطابته والإفتاء السلطاني فِي سنة عشْرين وَألف فباشر جَمِيع ذَلِك وَكَانَت مُبَاشَرَته للْإِمَامَة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم النوروز السلطاني وَكَانَ أوّل فرض صَلَاة بمقام الْحَنَفِيَّة ظهر الْيَوْم الْمَذْكُور اقْتِدَاء برَسُول الله

حَيْثُ كَانَ أول صَلَاة صلاهَا بعد الافتراض هِيَ الظّهْر وباشر الخطابة فِي السَّابِع عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور وَمَشى الْأَعْيَان بَين يَدَيْهِ ذَهَابًا وإياباً وأفاض عَلَيْهِ سُلْطَان مَكَّة حِينَئِذٍ وَهُوَ الشريف إِدْرِيس تَشْرِيفًا سلطانياً بعد فَرَاغه من الْخطْبَة وَالصَّلَاة ووردت إِلَيْهِ فِي آخر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف الخلعة السُّلْطَانِيَّة المحمولة لمفتي مَكَّة فِي كل عَام صُحْبَة أَمِير الركب الْمصْرِيّ فلبسها من الْمحل الْمُعْتَاد الَّذِي يلبس مِنْهُ شرِيف مَكَّة وَكَانَ ذَلِك بعد انقطاعها نَحوا من خمس سِنِين بِمُوجب حكم سلطاني ورد إِلَى صَاحب مصر يتَضَمَّن الْأَمر بتجهيزها على الأسلوب السَّابِق وإفاضتها عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّابِع من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ تولى تدريس الْمدرسَة السليمانية الْحَنَفِيَّة الَّتِي أَنْشَأَهَا المرحوم السُّلْطَان سُلَيْمَان جوَار الْمَسْجِد الْحَرَام برسم عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَكَانَت هَذِه الْمدرسَة أسست برسم الْحَنَفِيَّة وَكَانَ أوّل من وَليهَا مِنْهُم ودرس بهَا مفتي مَكَّة القطب الْمَكِّيّ النهرواني الْحَنَفِيّ ثمَّ وَليهَا بعد وَفَاته خير الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ ثمَّ قررها بعده شرِيف مَكَّة الشريف حسن للقضاي عَليّ بن جَار الله الْحَنَفِيّ ثمَّ ورد فِيهَا مصلح الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ ثمَّ بعد وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث عشرَة وَألف تقرّر فِيهَا القَاضِي يحيى بن أبي السعادات ابْن ظهيرة خطيب مَكَّة وغفل عَن كَونهَا مَشْرُوطَة للحنفية فَعِنْدَ وَفَاته فِي خَامِس

رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَألف أَعَادَهَا الله لأصلها فقرّرها شرِيف مَكَّة الشريف إِدْرِيس لصَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ فِي سَابِع عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وباشر الدَّرْس فِيهَا سادس شعْبَان مِنْهَا وافتتح الدَّرْس فِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ وَحضر مَجْلِسه فِيهَا يَوْمئِذٍ جَمِيع الْعلمَاء والأعيان وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَورد إِلَيْهِ فِي غرَّة ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف تَفْوِيض النّظر فِي قَضَاء مَكَّة وأعمالها من لدن قاضيها يَوْمئِذٍ الْمولى رضوَان بن عُثْمَان الْمُنْفَصِل عَن قَضَاء مصر لتخلفه عَن الْوُصُول إِلَى مَكَّة ففوض إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة النّظر فِي ذَلِك فباشره وَأقَام أَخَاهُ القَاضِي أَحْمد نَائِبا بِمَكَّة ووقف بالحجيج تِلْكَ السّنة وَوَافَقَ يَوْم عَرَفَة يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ هُوَ خطيب التَّرويَة أَيْضا فِي تِلْكَ السّنة وخطيب الْجُمُعَة فِي شهر ذِي الْحجَّة وَكَانَ اتّفق لَهُ نَظِير ذَلِك فِي سنة عشْرين وَألف حِين تولى قَضَاء مَكَّة الْمولى صَالح بن الْمولى سعد الدّين إِلَّا أَنه لم يتَّفق لَهُ فِي ذَلِك الْعَام الْوُقُوف بالحجاج لانفصاله عَن النّظر فِي الْقَضَاء بالمولى أَحْمد الإياشي وَمِمَّا اتّفق لَهُ فِي هَذِه الْولَايَة الثَّانِيَة أَنه ورد من ابْن سُلْطَان الْهِنْد خرم شاه بن سليم شاه بن جلال الدّين الْأَكْبَر صَدَقَة إِلَى فُقَرَاء مَكَّة وَالْمَدينَة فأنيط توزيعها بنظره فوزعها بَين الْأَعْيَان والفقراء ذُكُورا وإناثاً واستوعبهم استيعاباً شَامِلًا وخطب بِمَسْجِد نمرة بِعَرَفَة وَالْحَاصِل أَنه لَقِي من سمو الشَّأْن وعلو الرُّتْبَة مَا لم يلقه أحد من معاصريه بالحجاز وَقد ذكره جمَاعَة من المؤرخين والمنشئين فَمِمَّنْ ذكره الْحسن البوريني وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء عَظِيما قَالَ وَاجْتمعت بِهِ فِي مَكَّة واختبرته فَرَأَيْت عربيته متينة وحركته فِي فهم الْعبارَات جَيِّدَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ الْآن عين مَكَّة وعالمها وَإِلَيْهِ يرجع عاميها وحاكمها انْتهى وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع مَنْقُولًا من خطّ أبي الْعَبَّاس المقرى قَالَ ذكر الشَّيْخ أَبُو الْمَوَاهِب الْبكْرِيّ أَنه تمثل للشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي الْمَذْكُور بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي أثْنَاء مكالمة وهما

عرضنَا أَنْفُسنَا عزت عليناعَلَيْكُم فاستخف بهَا الهوان
وَلَو أَنا حفظناها لعزتوَلَكِن كل معروض يهان

قَالَ فَأَجَابَنِي

نفوسكم وحقكم لدينانفيسات تعز وَلَا تهان
وَتلك جَوَاهِر فلأجل هَذَاغَدَتْ معروضة بقيت تصان

وَقد وقفت لَهُ على قصيدة عَجِيبَة فِي بَابهَا مدح بهَا الشريف حسن وَابْنه أَبَا طَالب مهنئاً لَهما بظفر الثَّانِي مِنْهُمَا بِأَهْل شمر وَهُوَ جبل بِنَجْد وَهِي

نقع العجاج لَدَى هياج العثيرأذكى لدينا من دُخان العنبر
وصليل تَجْرِيد الحسام ووقعهفِي الْهَام أشدى نَغمَة من جؤذر
وسنا الأسنة لامعاً فِي قسطلأَسْنَى وأسمى من محيا مُسْفِر
وتسربل فِي سابغات مزردأبهى علينا من قبَاء عبقري
وتتوج بقوانس مصقولةأزهى علينا من سدوس أَخْضَر
وكذاك صهوة سابح ومطهمأشهى إِلَيْنَا من أريكة أحور
ولقا الكمى مدرعاً فِي مغفركلقا الغرير بمقنع وبمخمر
ألفت أسنتنا الْوُرُود بمنهلعلقت بِهِ علق النجيع الْأَحْمَر
وسيوفنا هجرت جوَار غمودهاشوقاً لهامة كل أصيد أصعر
فتخالها لما تجرد عِنْدَمَاهام القتام بوارقاً بكنهور
وصهيل جرد الْخَيل خيل كَأَنَّهُرعد يزمجر فِي الجدى المتعنجر
وَدم العدى متقاطراً متدفقاًكالوبل كالسيل الجراف الْجور
ورؤوسهم تجْرِي بِهِ كجنادلقذفت بِهِ موج السُّيُول الهمر
غشيتهم فِي الْعَام منا فرقةتركت فريقهم كسبسب مقفر
أودتهم قتلا وأجلتهم إِلَىأَن حطم الْهِنْدِيّ ظهر الْمُدبر
تركت صحاراهم مَوَائِد ضمنتأشلاء كل مسود وغضنفر
ودعت ضيوف الْوَحْش تقريها بِمَاأفنى المهند والوشيج السمهري
فأجابها من كل غيل زمرةتحدو منار عملس أَو قسور
وأظلها ظلل نشاص سحابها المركومأَجْنِحَة البزاة الأنسر
فبراثن الآساد تضنب فِي الكلىومخالب العقبان تنشب فِي المرى
شكرت صَنِيع المشرفية والقناإِذْ لم تضفها الهبر غير مهبر
فغدت قُبُورهم بطُون الْوَحْش مِنْهَايبعثون إِذا دعوا للمحشر
وخلت دِيَارهمْ وَأقوى ربعهموسرى السرى مشمراً عَن شمر
أنفت من استقصاء قتل شريدهمكَيْمَا يخبر قَائِلا من مخبري
فثنت أَعِنَّة خَيْلنَا أجيادهاعَن قتل كل مزند وخزور
حَتَّى إِذا حَان القطاف ليانعمن أرؤس تركت وَلما تؤبر
عصفت بهَا ريب الْمنون فألقحتوتحركت بزعازع من صَرْصَر
فدعَتْ سراة كماتنا لقطافهابأنامل الْقصب الْأَصَم الأسمر
فتجهزت لحصادها فِي فيلقلَو يسبحون بزاخر لم يزخر
مَلأ تتوق إِلَى الكفاح نُفُوسهمتوقانها اللقا الرداح المعصر
يغشون أبطال الْوَطِيس بواسماكالليث أَن يلق الفريسة يكثر
وتخالهم فَوق الْجِيَاد لوابساسداً يموج من الْحَرِير الْأَخْضَر
فَإِذا هم ازدحموا بجزع وانثنواأورى زناد دروعهم نَارا ترى
جَيش طلائعه الأوابد إِن تصخلَو جيبه من قيد شهر تنفر
يقتاده الْملك المشيخ كَأَنَّهُبَين العوالي ضيغم فِي مزأر
ملك تدرع بالبسالة فاغتنىيَوْم الوغى عَن سابغ وسنور
ملك تتوج بالمهابة فَاكْتفىعِنْد الطعان لقرنه ععن مغفر
ملك تذكرنا مواقع حَدهفِي الْهَام وقْعَة جده فِي خَيْبَر
ملك إِذا مَا جال يَوْم كريهةلم تلق غير مجدل ومعفر
ملك يُجهز من جحافل رَأْيهقبل الوقيعة جحفلاً لم ينظر
ملك تُسنم ذرْوَة الْمجد الَّتِيمن دونهَا المريخ بل وَالْمُشْتَرِي
ملك نداه الْبَحْر إِلَّا أَنهعذب أَهَذا الْبَحْر نهر الْكَوْثَر
ملك إِذا مَا جاد حدث مُسْندًاعَن جوده جود الْغَمَام الممطر
الْأَشْرَف الشهم الَّذِي خضعت لَهُشم الأنوف وكل حججاج سرى
الْأَفْضَل السَّنَد الَّذِي أَوْصَافهأنست سما الوضاح وَابْن الْمُنْذر
الأكرم المفضال من إحسانهأربى على كسْرَى الْمُلُوك وَقَيْصَر
ذُو الهمة الْعليا الَّذِي قد نَالَ مَاعَنهُ تقصر همة الاسكندر
شرفاً تَقَاعَسَتْ الْكَوَاكِب دونهلَو لم تمد بنوره لم تزهر
هبها بمنطقة البروج مقرهاأمنا هز هَذَا بنوة حيدر
كلا فَكيف بِمن حواها جَامعانسبا سما بابوة المدثر
أعظم بهَا من نِسْبَة نبويةعلوِيَّة تنمي لأصل أطهر
قد شَرقَتْ بَدَأَ بأشرف مُرْسلوَنِهَايَة بالسيد الْحسن السّري
فَخر الْخَلَائق درة التَّاج الَّذِيبسواه هام ذَوي العلى لم يفخر
بشر وَلَكِن فِي صِفَات ملائكجليت لنا أخلاقه فاستبصر
لم تلقه يومي وغى وعطا سوىطلق الْمحيا فِي حلى المستبشر
يلقى العفاة وَقد تلألأ وَجههبسنا السرُور وَذَاكَ أَنْضَرُ منظر
يعْفُو عَن الذَّنب الْعَظِيم مجازياًجازيه بِالْحُسْنَى كَأَن لم يؤزر
يَا سيد السادات دُونك مِدْحَةنفحت بعرف من ثناك معطر
قد فصلت بلآلىء الْمَدْح الَّتِييقف ابْن أَوْس دونهَا والبحتري
وافتك ترفل فِي برود بلاغةوبراعة ببرود صنعا تزدري
صاغت حلاها فكرة قد صانهاشمم الإباء عَن امتداح مقصر
مَا شَأْنهَا نظم القريض تكسبالَوْلَا مقامك ذُو العلى لم تشعر
فوردت منهلها الروى فَلم أجدأجداً فنلت صفاء غير مكدر
فنهلت مِنْهُ وعلني بنميرهوطفقت وارده وَلما أصدر
وطفقت فِيهِ غائصا للآليفِي غير نظم مديحكم لم تنثر
لَا تدعني الْعليا رَضِيع لبانهاإِن كنت فِي تِلْكَ الْمقَالة مفترى
خُذْهَا عقيلة كسر خدر فصاحةسفرت نقاباً عَن محيا مُسْفِر
جمعت بلاغة منطق الْإِعْرَاب مَعَحسن الْبَيَان ورقة المستحضر
لوسامها قس لما سَمِعت بِهِبعكاظ يَوْمًا خطْبَة فِي مِنْبَر
شرفت على من عارضته بمدح منأضحى القريض بِهِ كعقد جوهري
فاستجلها وافت تهنى بِالَّذِينفحت بشائره بمسك أذفر
نصر تهز بنوده ريح الصِّبَاخَفَقت على هام الأشم الخرمر
هُوَ نجلك الْمَنْصُور دَامَ مؤيداًبك أَيْنَمَا يلق الغريمة يظفر
لَا زلتما فِي ظلّ مَالك باذخوجنود ملككم مُلُوك الأعصر
مستمسكين بهدى جدكم الَّذِيبِالرُّعْبِ ينصر من مَسَافَة أشهر
أهْدى الآله صلَاته وَسَلَامهلجنابه فِي طي نشر العهر
ولآله وصحابه وَالتَّابِعِينَلَهُم بِإِحْسَان ليَوْم الْمَحْشَر
مَا استنشق الْأَبْطَال فِي يَوْم الوغىنقع العجاج لَدَى هياج العثير

قلت تبَارك الله على هَذِه الطبيعة المطيعة وَمن مثل هَذِه القصيدة يعرف متانة

الشّعْر وَقُوَّة الطَّبْع على النّظم وَله منشآت كَثِيرَة أغلبها مَجْمُوع فِي سفر وَلأَهل مَكَّة على إنشائه تهافت وَبِالْجُمْلَةِ فَكل آثاره مستحسنة وَذكره السَّيِّد عَليّ فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه عَلامَة الْقطر الْحِجَازِي ومفتيه وَمولى مَعْرُوف المعارف ومؤتيه وبحر الْعلم الَّذِي لَا يدْرك ساحله وبره الَّذِي لَا تطوى مراحله أشرقت فِي سَمَاء الْفضل ذكاء ذكائه وخرس بِهِ نَاطِق الْجَهْل بعد تصديته ومكائه فَأصْبح وَهُوَ للْعلم وَالْجهل مُثبت وماحق وَسبق إِلَى غايات الْفضل وَمَا للْوَجْه لَاحق حَتَّى طَار صيته فِي الْآفَاق وانعقد على فَضله الْوِفَاق وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعلم بِالْبَلَدِ الْأمين فتصدر وَهُوَ منتجع الوافدين والآمين مِنْهُ تقتبس أنوار أَنْوَاع الْفُنُون وَعنهُ تُؤْخَذ أَحْكَام الْمَفْرُوض والمسنون تشد الرّحال إِلَى لِقَائِه ويستنشق أرج الْفضل من تلقائه وتصانيفه فِي أَقسَام الْعلم صنوف وتآليفه فِي مسامع الدَّهْر أقراط وشنوف أَن نثر فَمَا أزاهر الرياض غب المزن الهاطل أَو نظم فَمَا جَوَاهِر الْعُقُود تحلت بِهِ الغيد العواطل وَهَا أَنا أقص عَلَيْك من خَبره مَا يزدهيك وشى حبره وأتلو عَلَيْك من تَفْصِيل حَاله مَا يروقك خصبه وتأسف على إمحاله ثمَّ أثبت من منظومه بعد منثوره مَا يطرب الأسماع بِحسن مأثوره وَلم يزل ممتطياً صهوة الْعِزّ المكين راقياً ذرْوَة طود الجاه الركين لَا يُقَاس بِهِ قرين وَلَا تطَأ آساد الشرى لَهُ عرين إِلَى أَن تولى الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَكَّة المشرفة ورفل فِي حلل ولايتها المفوفة وَكَانَ فِي نَفسه من الشَّيْخ الْمشَار إِلَيْهِ ضغن حل بصميم مهجته وَمَا طعن فَأمر أَولا بِنَهْب دَاره وخفض مَحَله ومقداره ثمَّ قبض عَلَيْهِ قبض الْمُعْتَمد على ابْن عمار وجزاه الدَّهْر على يَدَيْهِ جَزَاء سنمار إِلَّا أَن الْمُعْتَمد أغص ابْن عمار بالحسام الْأَبْيَض وَهَذَا طوقه هلالاً بزغ من أنامل عبد أسود فجرعه كأس الْمَوْت الْأَحْمَر وَكَانَ قد أبقاه فِي حَبسه إِلَى لَيْلَة عَرَفَة ثمَّ خشى أَن يسْعَى فِي خلاصه من أكَابِر الرّوم من عرفه فَوجه إِلَيْهِ بزنجي أشوه خلق الله خلقا وَتقدم إِلَيْهِ بقتْله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة خنقاً فامتثل أمره فِيهِ وجلله من برد الْهَلَاك بضافيه فأقفرت لمَوْته الْمدَارِس وأصبحت ربوع الْفضل وَهِي دوارس وَذَلِكَ فِي عَام سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَمن الِاتِّفَاق أَن الشريف الْمَذْكُور قتل هَذِه القتلة بِعَينهَا حِين تقاضت مِنْهُ اللَّيَالِي مَا أسلفت من دينهَا وَفِي الْأَثر كَمَا تدين تدان وَهَذَا حَال الدَّهْر مَعَ كل قاص ودان انْتهى قلت وَقد قدمت خبر مَقْتَله فِي تَرْجَمَة الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب

فِي حرف الْهمزَة فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَكَانَت ولادَة المرشدي بِمَكَّة لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة ولقب شرف الدّين وَقتل لَيْلَة الْجُمُعَة لأحدى عشرَة خلون من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَفِي الْمَشْهُور أَن سَبَب قَتله تَوليته ديوَان الْإِنْشَاء فِي ولَايَة الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف فَلَمَّا توفّي الشريف محسن وَولي مَكَانَهُ الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب قبض على المرشدي فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسجنه وَنهب دَاره وَكتبه وَطَلَبه يَوْمًا إِلَى مَجْلِسه وَهُوَ غاص بأَهْله وعاتبه أَشد عتاب فَأَجَابَهُ بِأَحْسَن جَوَاب ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى السجْن وَقَالَ للحاضرين وَالله إِنِّي أعلم وأعتقد أَنه من أفضل عُلَمَاء زَمَانه وَأتقى أهل عصره وَاسْتمرّ فِي السجْن إِلَى يَوْم النَّحْر فَأمر بخنقه وَغسل وَصلى عَلَيْهِ وَدفن بالشبيكة بِالْقربِ من ضريح سيدنَا الْمسَاوِي وقبره بهَا مَعْرُوف يزار وَوجدت فِي رِسَالَة بِخَط الْعَالم عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي الشَّام كتب بهَا إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمقري يذكر فِيهَا قتلة المرشدي ويعزيه من جُمْلَتهَا وَأما مُصِيبَة من كَانَ وليي وَسمي ومنجدي الشَّهِيد السعيد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي فَإِنَّهَا وَإِن أَصَابَت منا ومنكم الْأَخَوَيْنِ فقد عَمت الْحَرَمَيْنِ بل طمت الثقلَيْن وَلَقَد عد مصابه فِي الْإِسْلَام ثلمة وفقد مِنْهُ فِي حرم الله من كَانَ يدعى للملمة وَلم يبْق بعده من يدعى إِذا يحاس الحيس وَيسْتَحق أَن ينشد فِي حَقه وَإِن لم يقس بِهِ قيس

( ... وَمَا كَانَ قيس هلكه هلك وَاحِد ...)

وَلَكِن بُنيان قوم تهدما وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة كل مِنْهُم تسمى عبد الرَّحْمَن وهم عبد الرَّحْمَن اليمني بِمصْر وَعبد الرَّحْمَن الخياري بِالْمَدِينَةِ وَعبد الرَّحْمَن المرشدي بِمَكَّة وَقد تقدمُوا ثَلَاثَتهمْ على هَذَا التَّرْتِيب وَعبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ بِالشَّام وَسَيَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أربعتهم عمد الدّين وَقد جمعهم عصر وَاحِد فتشرف بهم وَأَنا أَحْمد الله تَعَالَى على تشرف كتابي بذكرهم

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْحميدِي الْمصْرِيّ شيخ أهل الوراقة بِمصْر الأديب الشَّاعِر الْفَائِق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه وَقَالَ فِي وَصفه كَانَ أديباً تفتحت بصبا اللطف أنوار شمائله ورقت على دوح أدبه خطباء بلابله إِذا صدحت بلابل مَعَانِيه وتبرجت حدائق معاليه جلبن الْهوى من حَيْثُ أدرى وَلَا أَدْرِي نظم فِي جيد الدَّهْر جمانه وَسلم إِلَى يَد الشّرف عنانه خاطراً فِي رِدَاء مجد ذِي حواش وبطانه

ناشراً فرائد بَيَان ينثرها اللِّسَان فتودع حقاق الآذان وَله فِي الطِّبّ يَد مسيحية تحيى ميت الْأَمْرَاض وتبدل جَوَاهِر الْجَوَاهِر بالأعراض

مبارك الطلغة ميمونهالَكِن على الحفار والغاسل

وديوان شعره شَائِع وذائع إِلَّا أَنِّي استودعته النسْيَان وَلَا بُد أَن ترد الودائع وَلما نظم البديعية مُعَارضا لِابْنِ حجَّة وَشَرحهَا نظرت فِيهَا فِي أَوَان الصِّبَا فَرَأَيْت مِنْهَا مَوَاضِع لَا تَخْلُو من الخطا فنبهته لذَلِك فَأطَال لِسَانه لانحرافه وَزعم أَنه هجاني بِبَعْض أَوْصَافه فَكتبت إِلَيْهِ متهكماً مَا صورته مولَايَ أسرفت فِي الامتنان وأسأت لنا قبل الْإِحْسَان وعاقبت من غير جِنَايَة سَابِقَة وَحرمت من لَيْسَ لَهُ فِيك آمال رائقة فَكَانَت حَالي مَعَك كَمَا قيل إِنَّه هبت ريح شَدِيدَة فصاح النَّاس الْقِيَامَة الْقِيَامَة فَقَالَ بعض المجان مَا هَذِه الْقِيَامَة على الرِّيق أَيْن الدَّجَّال وَالْمهْدِي وأشراطها فِي ذَلِك أَقُول

أسرفت فِي الصد فخف خَالِقًالَا يرتضي أسراف مَخْلُوق
يَا هاجراً من لم يذقْ وَصلهجرعته الصَّبْر على الرِّيق

انْتهى وَكَانَت وَفَاة الْحميدِي سَابِع عشر الْمحرم سنة خمس بعد الْألف

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي القاهري أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ كَانَ من أَرْبَاب الْأَحْوَال لَهُ الْكَشْف الصَّرِيح والإنابة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم ذكره النَّجْم الْغَزِّي فِي الذيل وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة فِي حادي أَو ثَانِي عشرى ذِي الْحجَّة سنة سبع بعد الْألف وصلينا عَلَيْهِ فِي الْحرم الْمَكِّيّ فِي وَجه الْكَعْبَة المنورة قَالَ وَأَخْبرنِي صاحبنا الْعَلامَة ولي الله سَيِّدي مُحَمَّد التكروري أَنه أَشَارَ إِلَيْهِ بِقرب الْأَجَل وَإنَّهُ لَا يخرج من مَكَّة وَمَات بعد أَن كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة بِالطّوافِ فَشكى من قلبه ثمَّ حمل إِلَى منزلهم عِنْد بَاب إِبْرَاهِيم فَمَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عقيل بن أَحْمد بن الشَّيْخ عَليّ الْحَضْرَمِيّ الْمَعْرُوف بالسقاف أحد أَرْكَان الطَّرِيقَة السَّيِّد المفضال كَانَ حسن الصِّفَات عالي الهمة ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره من الْمنون واشتغل بالعلوم وَصَحب أكَابِر العارفين واعتنى بِعلم التصوف والكتب الغزالية وجد فِيهَا حَتَّى طَال بَاعه وَأخذ

عَن الإِمَام الْعَالم السَّيِّد أبي بكر سَالم وَمن مشايخه السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن وَالْإِمَام السَّيِّد مُحَمَّد بن عقيل وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَأذن لَهُ غير وَاحِد فِي التدريس وَلبس الْخِرْقَة من كثيرين وأدنوا لَهُ فِي الالباس والتحكيم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وتخرجوا عَلَيْهِ مِنْهُم وَلَده السَّيِّد عقيل وَالشَّيْخ أَبُو بكر الشلي وَالِد الْجمال المؤرخ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَأخذ عَنهُ السَّيِّد أَبُو بكر بن عَليّ معلم وَهُوَ أَخذ عَنهُ أَيْضا وَكَانَ آيَة فِي الْفَهم عَاملا بِعِلْمِهِ كثيرا السخاء وَكَانَت لَهُ هَيْبَة فِي الْقُلُوب وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وتسمائة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وَدفن بجنان بشار

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المنعوت زين الدّين بن شمس الدّين الْخَطِيب الشربيني الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الإِمَام الْعُمْدَة ابْن الإِمَام الْعُمْدَة كَانَ من أهل الْعلم والبراعة فِي فنون كَثِيرَة حسن الْأَخْلَاق كثير التَّوَاضُع أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَكَانَ كثيرا مَا يحجّ ويجاور بِمَكَّة وَاجْتمعَ بِهِ النَّجْم الْغَزِّي بِالْمَدِينَةِ فِي أواسط الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف قَالَ فَسَأَلته كم حججتم فَقَالَ أَرْبعا وَعشْرين مرّة فَقلت لَهُ أَنْتُم يَا مَوْلَانَا معاشر عُلَمَاء مصر يحجّ الْوَاحِد مِنْكُم مَرَّات وَأما أهل الشَّام فَلَا يكَاد الْوَاحِد مِنْهُم يحجّ إِلَّا مرّة فَأنْتم أَرغب فِي الْخَيْر منا فَقَالَ لي يَا مَوْلَانَا الْوَاحِد منا يسْتَأْجر بَعِيرًا بِعشْرَة ذَهَبا وَيحمل تَحْتَهُ القريقشات ويحج وَأَنْتُم إِذا حج أحدكُم يتَكَلَّف كلفة زَائِدَة تَكْفِي عدَّة منا وطريقكم أَشد من طريقنا وَالْأَجْر يكون على قدر النصب وَالنَّفقَة كَمَا فِي الحَدِيث فحجة الْوَاحِد مِنْكُم تعدل حجات الْوَاحِد منا وَهَذَا دَلِيل على إنصافه وَحسن نظره قَالَ وَوصل خبر مَوته إِلَى دمشق فِي أَوَائِل جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَحَجَجْت فِي تِلْكَ السّنة وحررت وَفَاته عَن بعض فضلاء مَكَّة أَنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة أَربع عشرَة الْمَذْكُورَة

عبد الرَّحْمَن أَبُو الْعِزّ بن مُحَمَّد القصري الفاسي كَانَ إِمَامًا عُمْدَة فِي الْعلم وَالْعَمَل الظَّاهِر وَالْبَاطِن قَرَأَ على أَخِيه أبي المحاسن يُوسُف الفاسي وَعلي الْفَقِيه الْمُفْتِي الْخَطِيب أبي زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد السراج وَالْقَاضِي الْفَقِيه الْخَطِيب بن مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَالْإِمَام المفنن الْأُسْتَاذ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور وَالْإِمَام الْأُسْتَاذ النَّحْوِيّ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن قَاسم الْعَزْرَمِي وَالْإِمَام الْمُحَقق النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقَيْسِي الْقصار وَالْإِمَام الْمقري المنجور أبي مُحَمَّد الْحسن

ابْن مُحَمَّد الدراوي وَعنهُ خلق لَا يُحصونَ مِنْهُم وَارثه الأول المكمل أَبُو النصائح مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن عبد الله معن ووارثه الثَّانِي وَابْن ابْن أَخِيه الْعَلامَة عبد الْقَادِر الفاسي وَقد أفرد تَرْجَمته وترجمة شُيُوخه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَادِر الفاسي فِي مُجَلد حافل وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على البُخَارِيّ وحاشية على شرح الصُّغْرَى للسنوسي وكراماته كَثِيرَة شهيرة وَكَانَ بعض النَّاس فِي عصره يلازم تَنْبِيه الْأَنَام كثيرا فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ انْظُرُوا هَل أنتج لَهُ شَيْء من كَثْرَة صلَاته على النَّبِي

وَإِلَّا فاعلموا أَن بَاطِنه مشوب فَدلَّ كَلَامه على أَن الطَّاعَات وَلَا سِيمَا الصَّلَاة على الْوَسِيلَة الْعُظْمَى

الَّذِي هُوَ أصل كل خير إِذا صادفت محلا طَاهِرا أشرقت فِيهِ أنوارها ولاحت عَلَيْهِ أسرارها وَإِنَّمَا يَدْفَعهَا عدم القابلية كَالثَّوْبِ الكدر لَا يشتعل وَكَانَ نفع الله تَعَالَى بِهِ يَقُول إِنَّمَا يصحب النَّاس الْمَشَايِخ ليعرفوهم أَنهم عبيد الله فيرضوا بِمَا يصدر لَا ليدافعوا مَا يصدر مِنْهُم وَكَانَت وِلَادَته فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السقاف السَّيِّد الإِمَام الْحَافِظ المجدث الْجَامِع بَين الرِّوَايَة والدراية قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ الْعُلُوم عَن الكمل من الْعلمَاء وَصَحب الْأَئِمَّة ولازم الشَّيْخ أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَأخذ عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث والأصلين والتصوف والعربية واشتهر وتفوق وَكَانَ فِي الْفَهم آيَة باهرة وَفِي الْحِفْظ نِهَايَة وَجلسَ للتدريس فِي الْفُنُون وَكَانَ شَدِيد الانقباض عَن النَّاس حَافِظًا لِلِسَانِهِ وقف نَفسه على الْعُلُوم مَعَ عقل وأدب وخفة روح وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الطلاب وَظَهَرت بركاته قَالَ الشلي وَهُوَ من أعظم مشايخي الَّذين أخذت عَنْهُم وانتفعت بهم لازمت حَضرته واغتنمت بركته واقتبست من فَوَائده واستمتعت بفرائده فَقَرَأت عَلَيْهِ الْبِدَايَة والتبيان قِرَاءَة تَحْقِيق وَبَيَان وَسمعت الْأَحْيَاء بِقِرَاءَة غَيْرِي وانتفع بِهِ جَمِيع من الْخَلَائق وصاروا بِهِ من أهل الْحَقَائِق وَكَانَ من سَادَات الصُّوفِيَّة الزهاد ورؤس الْأَوْلِيَاء الْعباد حَرِيصًا على فعل الْخَيْر لَا يَخُوض فِيمَا لَا يعنيه وَكَانَ عَارِفًا بمذاهب الْعلمَاء نير الْقلب صافي السريرة فاق أقرانه وَلم ير الرؤان فِي زَمَانه مثله

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع